Indexed OCR Text

Pages 21-40

الأول: أن ذكر الحديث الضعيف دون بيان ضعفه شيء، والعمل به
شيء آخر، كما هو ظاهرٌ بداهةً، فإنّ العُلَماءَ رحمهم الله وإن اختلفوا في
جواز العمل بالحديث الضعيف في الفضائل على تفصيلٍ يأتي ذِكْرُهُ أو
الإِشارةُ إلیه، فإنه لا قائل مطلقاً بوجوب العمل به، بخلاف ذكره دون بیان
ضعفه؛ فإنه لا يجوزُ بداهةً، لأنّ الذي يفعلُ ذلك - كالشيخ الغُماري مثلاً - له
حالةٌ من حالتين لا ثالث لهما:
الأولى: أن يعرفَ ضعفه ثم لا يُبَيِّنْه. فهذا لا يجوزُ لما فيه من إثم
كتمانِ العلم، وإيهام من لا علم عنده - وهم جمهورُ المسلمين خاصّتهم
وعامّتهم - صحتَّه، وهو مما صرح الإِمام مسلم في مقدمة ((صحيحه)) بعدم
جوازه، وكنت نقلتُ نصَّ كلامه وكلام غيره من الأئمة في مقدمة كتابي
((الأحاديث الضعيفة والموضوعة))، ومقدمة كتابي ((صحيح الترغيب
والترهيب))، فليرجع إليهما من شاء البَسْط.
والأخرى: أن لا يعرفَ ضعفَه؛ لجهله بهذا العلم، كما هو الغالبُ
على أكثر الناس وبخاصة في هذا الزمان، وإمّا لعدم توفر الأسباب التي تُيَسِّر
له معرفةَ ضعفهِ، ففي هذه الحالة ينبغي له أن يُشير إلى ذلك بصيغة
التمريض: ((رُوي عن رسول الله (ص ◌ّ كذا وكذا))، كما ذكر ذلك ابنُ الصلاح
وغيره، وفي رأيي أنه لا بُدَّ من التصريح اليوم بواقع الأمر، كأنْ يقولَ:
((رُوي ... ولا أدري أثابت هو أم لا؟))، أو يقول: ((وهو ضعيف، أو ضعيف
الإِسناد))، إذا كان يعلم ذلك. انظر تمام هذا البحث في مقدمة ((صحيح
الترغيب)) (ص ٢١ - ٢٢).
قلت: فالغُماري إما أنْ يعلمَ ضعف تلك الأحاديث الضعيفة وَسكَتَ
عنها فهو آثمٌ. وإما أن لا يعلمَ، فعليه أن يعترف بذلك، ولا يدافع عن جهله
- ٢١ -

فيركن إلى قول من قال: يجوز العمل بالضعيف في فضائل الأعمال! فإنه
زَّوَغانٌ منه عن البحث كما بَيِّنْتُ آنفاً، على أنه حُجَّة عليه لو كان يعلم، وبيانه
فيما يأتي بإذنه تبارك وتعالى .
الثاني: أنك حكيت عن الذين أجازوا العَمَلَ بالحديث الضعيف في
الفضائل في أثناء تسويغك لعدم بيانك لضعف أحاديثك ما هو حُجَّةٌ عليك لو
كنت تدري ما يخرج من فمك، ويجري به قلمك، فقد ذكرتَ عنهم (ص ٤)
أنهم اشترطوا لجواز العمل به شروطاً منها:
١ - أن لا يشتدَّ ضعفُ الحديث.
٢ - وأن لا يُعتقد ثبوتُه عن النبيِ وَل ـ
وهذا منهم شيءٌ جيد جداً، جزاهم الله خيراً، وإن كان تحقيقُ ذلك
عسيراً جداً على العلماء فضلاً عن غيرهم من العامّة ومُدَّعي العلم، بحيث
صارت تلك الشروطُ نظريةً غيرَ واقعيةٍ كما حَقِّقْتُ ذلك في مقدمة ((ضعيف
الجامع الصغير)) (ص ٤٧ - ٥١)، و ((صحيح الترغيب)) (٣٤ - ٣٦)،
وضربت بعض الأمثلةِ وَقَعَتْ لبعضِ العُلَماءِ قَبْلَنا، وأذكرُ الآن أمثلةً أخرى
صدرت من الغُماري هذا:
١ - ((مَنْ جمع بين صلاتين فقد أتى باباً من أبواب الكبائر)).
هكذا أورده في ((تنوير البصيرة)) (ص ٦٢) وقال:
((ضعيف)) .
وإنما هو ضعيفٌ جداً كما قال الحافظُ ابنُ حجر، فیه حَنشبن قیس
وهو متروك، وقد بَيَّنْتُ ذلك في ((الضعيفة)) (٤٥٨١).
٢ - ((ليس منا من خصى أو اختصى، ولكن صُمْ وَوَفِّرْ شَعْرَ جَسدِك)).
٢٢

قال الغماري في ((الاستمناء)) (ص ٣٠):
((رواه الطبراني بإسناد ضعيف))!
وأقول: بل هو موضوعٌ، فيه المُعَلّى بن هلال الطّحّان قال الحافظ:
((اتفق النّقَّاد على تكذيبه))!
ولذلك أوردتُه في هذا المجلد من ((الضعيفة)) (١٣١٤)، وذكرت فيه
قول الهيثمي في الطحان هذا:
((متروك)).
ورددتُ فيه على من حَسّنه غفلةً عن علّتهِ، أو توهُّماً أن له طريقاً
أخرى، وإنما هو حديثٌ آخرُ! كما ستراه مُفَصَّلاً بإذنه تعالى .
ثم رأيتُ الغُماري قد أورد الحديث في كتابه الذي سماه ((الكنز
الثمين)) (رقم ٣٢٠٥)، وقد صرح في مقدمته (ص ٤):
((أنه ليس فيه أحاديثُ ضعيفةٌ أو واهيةٌ)).
فأقول: قد تبيّن لي أنه غير صادق فيما قال، وهذا هو المثال بين
٩
يديك، والسبب تقليدُه للمناوي وغيره، وهو مما اتهمني به في كَتَيِّهِ الصغير
(ص ٤)، فقد عاد إليه، وهذا من عدل الله وحكمته في عباده كما قيل: ((من
حفر بئراً لأخيه وقع فيه))! وقد كنتُ تَتَبَّعْتُ أحاديثَ حرف الألف من كتابه
المذكور («الكنز))، فوجدتُ فيه نحو مائتي حديث ضعيف أو موضوع من أصل
(١٤٠٢) حديثاً، ولو أنّ في الوقت مُتَّسَعاً، لوضعتُ عليه كتاباً أُبَيِّنُ فيه تلك
س
الأحاديث وغيرها مما وقع له من الضَّعاف في بقيّةٍ أحرف الكتاب، فقد وجدتُه
فيه كالسيوطي في ((الجامع الصغير))؛ الذي قال في مقدمته: أنه صانه عمّا
تفرّد به كذّابُ أو وضّاعٌ، ثم لم يَفِ بذلك، كما تراه مفصلاً في ((ضعيف
- ٢٣ -

الجامع الصغير)) ومقدمته، ومن ذلك هذا الحديث، ومن ((الجامع)) نقله
الغُماري دون أي جهد منه أو تحقيق، ولذلك وقع منه هذا التناقض الفاحش
الشديد: ((ضعيف))، ((صحيح))، وليس ذلك من قبيل اختلاف الاجتهاد، كما
يقع ذلك لبعض العلماء، لأسباب معروفة، وإنما أتي من قِبَلِ رُكونهِ إلى
التقليد، وجنوحه عن البحث والتحقيق، وإلا فكيف يمكن لباحثٍ عارفٍ
بهذا العلم أن يُضَعِّف فقط، بله أن يُصَحِّح حديثاً فيه من اتّفَقَ النقاد على
تكذيبه؟! وليس له طريقٌ أُخرى!
٣ - ((ركعتان بعمامة خير من سبعين ركعة بلا عمامة)).
ذكره الغُماري في رسالته ((إزالة الالتباس)) (ص ٢١) في أول أحاديثَ
ستّة استدلّ بها القائلون بأنّ ستر الرأس من آداب الصلاة، ولكنّ الغُماري
وهّاها كلها في صدد رَدّهِ عليهم، فإنه لا يرى أن ذلك كما قالوا، إلّ أنه قال في
هذا الحديث:
((رواه أبو نعيم والدَّيْلمي، قال الحافظ السَّخَاوي: لا يثبت. وقال
المُناوي: حديث غريب. قلت: وهذا الحديث مع ضعفهِ أقوى ما وَرَدَ في
هذا الباب)»!
كذا قال! تقليداً منه أيضاً للمُناوي في ((فيض القدير)) و((التيسير))، وقد
فاتهما أن فيه أحمدبن صالح الشّمومي المكي كان يضع الحديث، ولعلهما
توهما أنه أحمدبن صالح المصري الحافظ الثقة. وفي إسناده علّتان أُخريان،
وقد بيّنت ذلك كُلّه في المجلد الثاني عشر من هذه السلسلة رقم (٥٦٩٩).
والغرض مما سبق أمران اثنان:
الأول: أن يكونَ طالبُ العلم على انتباهٍ وحذرٍ من حكم الغُماري أو
- ٢٤ -

غيره من المُتَساهلين أو المُقَلّدين والجاهلين على الحديثِ بالضعفِ المطلق
غير مقرونٍ ببيان شدّة الضعفِ، ويُرَتّب عليه جواز العمل به في الفضائل،
وهو في الواقع واوٍ شديدُ الضعف، لا يجوز العمل به اتفاقاً.
والآخر: أن الشرط الأول الذي تقدّم ذِكْرُهُ عن الغُماري يستلزم أمرين
اثنین :
بیان ضعفه، وأنه ليس شديد الضعف.
وبيان ذلك أن الغُماري إذا ذكر حديثاً ما وهو يعلم - فَرَضاً - أنه
ضعيفٌ، وسكت عنه، ولكنْ من أين للقُرَّاء أن يعرفوا ضعفه عنده، وقد كتمه
عنهم؟! فهم - والحالة هذه - سيعملون به ظانّين أنه ثابتٌ لسكوته علیه، كما
هو واقعٌ معروفٌ من عامة الناس، فلهذا يجبُ بيانهُ، تفريقاً بين الضعيف
والقوي اعتقاداً وعملاً، وهذا ما صرّح به الحافظ ابن حَجَر عقب الشرط
الأول، فقال في ((تبيين العَجَب بما ورد في فضل رَجَب)) (ص ٢١):
((وينبغي مع ذلك اشتراطُ أن يعتقد العاملُ كونَ ذلك الحديث ضعيفاً،
وأن لا يُشهر ذلك، لئلا يعمل المرءُ بحديث ضعيف، فَيُشَرِّعُ ما ليس بشرع،
أو يراه بعض الجهال فيظنّ أنه سنةٌ صحيحةٌ، وقد صرّح بمعنى ذلك الأستاذ
أبو محمد بن عبد السلام وغيره، وليحذر المرء من دخوله تحت قوله وَالى :
((من حدّث عني بحديث يُرَى أنه كذبٌ فهو أحدُ الكَذَّابين))، فكيف بمن عمل
به؟! ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام أو في الفضائل، إذ الكل
شرع)).
قلت: وهذا الشرط مما تعمّد الغُماري طيَّه وكتمانَه أيضاً عن قُرّائه،
لأنه يعلم أنه يُدان به أكثر من الشرطين السابقين، ويُؤكّد ما قلتُ من وجوب
بيان ضعف الحديث حتى لا يعمل به كما لو كان ثابتاً .
- ٢٥ -

وبذلك يتجلّى للقُرّاء أنّ اعتذار الغُماري عن سكوته عن تلك
الأحاديث الضعيفة بدعوى أنها في الفضائل، أنه - كما سبق - عذرٌ أقبح من
ذنب، ومُكابرةٌ عن الاعتراف بالحقّ، وهو الكِبْر الذي من كان في قلبه ذَرَّةً منه
لا يدخل الجنة كما صَحَّ عن النبي ◌َّ .
فالله أسألُ أن يُطهّر قلوبنا من الشقاق والنفاق، وسوء الأخلاق.
وفي ردِّ الغُماري هنا أمورٌ أُخرى زلّت قَدَماه فيها؛ يطول الكلام حولها
جداً، وبخاصة في هذه المقدمة، وهو مَيْلُهُ إلى العمل بالحديث الضعيف في
الأحكام أيضاً! ويزعم أنه كان في زاويته الصدِّيقية يلفت أنظار الطلبة إلى
الأحاديث الضعيفة التي عمل بها الأئمة أو الجمهور وهي ضعيفة مع علمهم
بضعفها .
فتأمل أيها القارىء إلى هذا المفتري على الأئمّة، كيف يُضَلَّلُ طلبتَه
وقُرَّاءَه بمثل هذا الكلام المُضَلّل، فإنه يعلم أن عملهم بالحديث الضعيفَ
يحتمل أن يكون لمطابقته لما يجوز الاستدلال به عند فِقْدانِهم الحديثَ
كالقياس مثلاً، أو نحوه ممّا يقول به بعضُهم، فكيف إذا كان معه عندهم
حديثٌ ضعيفٌ؟! وقد ذكر هو نفسُه نحو هذا المعنى في رسالته في
((الاستمناء)) (ص٣٥)، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال، كما لا يخفى على
ذوي العلم والكمال. كما تعلم أيضاً أن من المقرر عند علماء أصول الفقه
والحديث أنه لا يُعمل به في الأحكام (١). وقد ذكر هذا هو نفسُه في الصفحة
المذكورة، ولكنه عاد لينقض ذلك بقوله (ص٣٧): ((وقولهم: الحديث لا
يُعمل به في الأحكام هو مما خالف فيه العلماءُ قولُهم، ذلك أنهم استدلّوا في
كتبهم بكثير من الأحاديث الضعيفة ... ))، إلى آخر ما قال، وبئسَ ما قال،
(١) انظر ((المجموع)) للإمام النووي (٥٩/١) فقد عزا ذلك للعلماء جميعاً دون استثناء.
- ٢٦ -

فإنه يَتَّهم عُلماء الحديث والأصول جميعاً بأنهم يقولون بخلاف ما يفعلون!
وتالله إن رأيتُ مثل هذا الرجل بَهْتاً وافتراءً وقِلَّةَ حياءٍ، فلقد هانت عندي كلّ
افتراءاته عَلَيَّ؛ - التي سبق أن ذكرتُ بعضها - حين رأيت اتَّهامَه المذكور
للعُلَماءِ دون أي استثناء، وما ذلك إلا لِيَتَّخِذَ فِعْلَهم - إِنْ ثَبَتَ - حُجَّةً له فيما
ذهب إليه من الجواز. والحقُّ والحقَّ أقول: هو الذي يفعل بخلاف ما يقول،
فكثيراً ما يردُّ الحديث الذي عند خصمه بضعف إسناده كما فعل في حديث
((صلاة بعمامة ... )) المُتَقَدّم، فإنه لم يعمل به مع أنه موافقٌ لقوله في العمل
بالحديث الضعيف في الفضائل والأحكام، فهذا من الأدلّة الكثيرة على أنه
يكيلُ بكيلين، ويلعبُ على الحبلين.
ومن تلك الأمورِ التي زَلَّ فيها الغُماريُّ المغمورُ قوله:
((والجمهورُ الذين أجازوا العمل بالضعيف في الفضائل ونحوها اقتدوا
بصنيع الشارع حيث تجاوزَ في الفضائل ما لم يتجاوزْ في الفرائض
والأحكام. وإليك أمثلةً من ذلك ... )).
ثم ساق سبعةً منها كلَّها تدورُ حول إباحتهِ تعالى على لسان نبيِّه في
النوافل ما لم يَبح لهم في الفرائض!
فأقول: هذا من تدليساتهِ ومُغالطاتِهِ الخبيثة، إذ إِنّ التجاوز الذي في
هذه الأمثلة ونحوها لا يعني الاستحبابَ المقصودَ من قول القائلين بجواز
العمل بالحديث الضعيف ... لأنهم إنما يَعْنونَ الاستحبابَ، أي أنّ العمل
به أفضلُ من تركه، وليس الأمرُ كذلك في الأمثلة التي أوّلها صلاة النافلة؛ من
قعود مع القُدرة على القيام، فهذا جائزٌ وليس بمستحبّ، بل المستحبّ أن
يُصلي قائماً، وكذلك القول في سائر أمثلته. فسقط كلامه بِرُمَّتِهِ .
ثم لو صحَّ كلامُه في الفضائل فما فائدته وهو يقول بما هو أكثر وأدهى
- ٢٧ -

وأَمَرّ، وهو جوازُ العمل بالحديث الضعيف في الأحكام أيضاً؟!
لعلّه يُقدّم لِلْقُرَّاء مَدْرَكاً أيضاً لهذا القول لم يعرفه الأوّلون والآخرون،
كما فعل في الذي قبله مُتَجاهلاً مَدْرَكَ العلماء الذين قالوا بعدم جواز العمل
بالضعيف في الفضائل بله الأحكام، وهو أنّ الحديث الضعيف لا يُفيد إلّ
الظنّ المرجوح، والعمل بالظنّ المرجوح لا يجوزُ بأدلّة معروفة في الكتاب
والسنة، بل ذلك من عمل المشركين الذين قال فيهم ربُّ العالمين: ﴿إِنْ
يَتَّبِعُوْنَ إِلَّ الظَّنَّ وما تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾، ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً﴾.
وهو أكذب الحديث، وقد نهى النبيُّ ◌َّ عن العمل به في الحديث
الصحيح: ((إياكم والظنَّ فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث)). (انظر مقدمة ((صفة
صلاة النبي مَّة))، و((صحيح الترغيب))، و((صحيح الجامع))، و((ضعيف
الجامع)))، فإنَّ فيها بَسْطاً وافياً للموضوع.
فتجاوز المَغْمور كلَّ هذه الأدلّةِ وأعرض عنها إلى رأيه الفَجّ، وهو يعلم
قول أهل العلم جميعاً: ((لا اجتهادَ في مورد النصّ))، و((إذا ورد الأثر بَطَلَ
النظر))، ولكنْ ما قيمةُ قولهم تجاه من ابتلي باتباع الهوى، وقلب الحقائق ولم
يَخْشَ الله تبارك وتعالى!؟ نسألُ الله السلامةَ.
ولقد قَفّ شعري - والله - من قوله: ((اقْتَدوا بصنيع الشارع))! فإنّ
التشريع من أفعالهِ تعالى الخاصة به، فليس لأحدٍ أن يصنعَ صُنْعَه، ويُشَرِّعَ
للناس ما لم يشرعه ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ
اللَّهُ﴾؟! فهل يعني المغمورُ بقوله هذا: أنه يجوز لغيره تعالى أن يقتدي به
وَيُشَرِّعِ للناس مثلَ تشريعه، أم أنّ الهوى أعمى قلبه فنطق بكلمةِ الكُفْر، وما
قَدَرَ الله حقَّ قدرهِ؟!
بقي شيءٌ واحدٌ مضى من كلامه لم نتعرّض له بِرَدُّ، وهو قوله:
- ٢٨ -

. ((ولتلك الأحاديث (يعني الضعيفة التي سكت عن بيانٍ ضعفها) ما
يُؤيِّدُها من القرآن والسنة))!
هذه مجرّد دعوى، يستطيعُها البَطَلَة، ولا يعجزُ عنها أصغر الطَّلَبة، ولو
كانوا من المُتَّخَرِّجين من الزاوية (!) فلا تستحقّ الردّ ولو بكلمة.
وبهذا ينتهي رَدّي على جوابه عن نقدي الأول إياه، فلننقل إلى القُرّاء
جوابَه عن نقدي الثاني له، وهو اعتماده على تحسين الترمذي مع تساهلهِ
فیه. فقد قال:
٢ - ((لم أَعْتمد على تحسين الترمذي في تلك الرسالة إلا مرّةً أو مَرَّتَيْنِ
على الأكثر، ولم يكن تقليداً بل إقرارٌ له لأنه صوابٌ)).
أقول: هذا كسابقهِ مُجَرّد دعوى، فهي مردودةٌ، ولو كان صادقاً لسَارَعَ
إلى الدفاع عن نفسه بالدليل والحُجَّة، فإنه في موضعِ التّهمةِ، فلماذا لا
يدفعُها عن نفسه إنْ كان قادراً عليها؟! وذلك بأن يأتي بحديثٍ من الأحاديث
التي أشارَ إليها ويُبَيِّن وجه الصواب في تحسينه. ومن المؤسف أن رسالة
((بداية السول)) بتعليقه ليست الآن في متناول يدي، لنؤكّد للقُرَّاء أنه غيرُ
صادقٍ فيما يَدّعيه، بمثال ننقلُه منها، ولكنْ من الممكن التمثيل بحديث
عرض مفاتح كنوز الأرض على النبي وَ له واختياره أن يكون نبياً، وفيه أنه
قال: ((أجوعُ يوماً وأشبعُ يوماً ... )) الحديث، فإنه في الرسالة (الفقرة ٢٩ -
بتحقيقي)، وهو مما حسّنه الترمذي، وقد بيّنت في تعليقي عليها أنّ إسناد
الترمذي وأحمد وغيرهما ضعيف جداً، وذکرت له بعض الشواهد، لکن لیس
فيها ذكر الجوع والشبع، وانتهيتُ فيه إلى أن هذه الزيادة منكرة، فإن كان هذا
الحديثُ مما عناه الغُماري في جوابه المتقدم، وإلا فهو قد اعتمد على
الترمذي في تحسينه إياه في كتاب آخرَ له، وهو الذي سماه ((الكنز الثمين))
- ٢٩ -

(رقم ٢١٤٩)، وقد زعم في مقدّمته أنه ليس فيه أحاديثُ ضعيفةٌ، كما تقدّم،
فهو دليلٌ واضحٌ على صحّةٍ ما نَسبته إليه من اعتمادهِ على تحسين الترمذي
المعروف تساهله فيه عند النُّقاد.
ثم سَوّد الغُماري نصفَ صفحة من رسالته يردّ فيها على قول الذهبي :
((لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي))، بكلام نقله عن الحافظ
العراقي استخلص منه أنّ ما اعتبره الذهبي تساهُلاً منه هو في الحقيقة
اختلافٌ في الاجتهاد! ثم ختم الغُماري ذلك بقوله :
((نعم قد تَعَقّبته في تحسينه أو تصحيحه في كثير من مؤلّفاتي
وتعليقاتي))!
قلت: تساهُل الترمذي إنكارُه مكابرةٌ لشهرته عند العلماء، وقد تتبعت
أحاديث ((سننه)) حديثاً حديثاً، فكان الضعيفُ منها نحو ألف حديث، أي قريباً
من خُمس مجموعها، ليس منها ما قوَّيْتُه لمُتابعٍ أو شاهد، ومع ذلك فإنه
يَكْفينا منك الآن اعترافُك بتعقّبك إياه، فإنه يعني أنه كان مخطئاً عندك،
وحينئذٍ فلا فرق بين تسميته متساهلاً أو مجتهداً، لأنّ التساهل من مثله لا
يكون إلّ عن اجتهاد، وليس عن هوىٍّ أو غرضٍ ! وكذلك يُقال في
المتشددين منهم، ومن أجل ذلك، فانتقادي إيّاك لا يزال قائماً، وبخاصة أنه
کان فيه ما نصُّه:
((فلا ينبغي للعارف بهذا العلم الشريف أن يسكت عن تحسينه، بل لا
بُدّ له من التصريح بتأييده أو نقده حسب واقع إسناده ... )) إلخ.
وأقولُ الآنَ: لماذا سَكَتَّ عن تلك الأحاديث، ولم تُبَيِّن رأيَك فيها ما
دام أنك تعقّبته في غيرها، وأَدَرْتَ الموضوعَ إلى ما لا فائدة فيه من الردّ على
- ٣٠ -
:

الذهبي؟! فهلا جَعلته على ما جاء في رسالة ((رفع اليدين في الدعاء بعد
الصلاة)) للشيخ محمدبن مقبول الأهدل، وقد وضَعْتَ لها مُقَدّمةً في ستّ
صفحات مُؤيّداً فيها ما ذهب إليه من مشروعية الرفع المذكور، وكتبتَ عليها
بعض التعليقات، وليس فيها حديثٌ واحدٌ ثابتٌ - ولا أقول: صحيحٌ - بل فيه.
مثل ذاك الحديث الواهي: ((ما من عبدٍ يبسطُ كفّيْهِ في دُبُر كُلّ صلاة ... ))،
وسكتَ عنه الغُماري؛ لسبب لا يخفى على القارىء، وفيه رجلٌ اتّهمه الإِمامُ
أحمدُ وغيره، كما بيّنته في ((الضعيفة)) (٥٧٠١)، فقد جاء في هذه الرسالة .
(ص١٣١) ما نصه :
((وقال الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح:
إنّ الترمذي حسَّن أحاديثَ فيها ضُعفاءُ، وفيها من رواية المدلِّسينَ،
ومن كَثُرَ غَلَطُهُ، وغير ذلك، فكيف يُعمل بتحسينه وهو بهذه الصفة؟!)) (١).
هذا كلامُه، فلماذا لم تُعَلَّق عليه، وهو أحقّ بالتعليق لو كنت منصفاً لا
تکیل بکیلین، ولا تزن بميزانين؟!
٣ - وأما نقدي الثالث إياه، وهو: ((إهماله تخريج بعض الأحاديث ...
وبعضها في (الصحيحين) ... ))، فلم يتعرّض له بجواب، فهو اعترافٌ منه
ضِمْنِيٌّ بأنه حقّ، ولكن أليس كان أشرفَ له أن يُصَرِّح بذلك؟! بلى، لو أنه
كان منصفاً، أليس هذا وما قبلَه وما يأتي بعده من الأدلّة القاطعة على أنك أنت
المتصف بكل تلك التّهَم الخبيثة التي رميتني بها، ومنها ما ختمتَ به كُتَِّك
بقولك :
((أمّا الإِنصافُ وعفّةُ اللسانِ فَيَسْمَعُ عنهما ولا يحسّهما من نفسِه))! فالله
حسيبك، وهو يتولّى الصالحين، ويُدافع عن الذين آمنوا.
(١) وانظر ((مرقاة المفاتيح)) للشيخ القارىء (٢١/١).
٣١

٤ - وأمّا نقدي الرابع إياه المصدّر بأنه يعزو الحديث لغير
المشاهير ... وذكرت على سبيل المثال حدیثین:
الأول: ((أنا سيّد ولد آدم ولا فخر))، عزاه هو لابن أبي غاصم في
((الأدب))، وسكت عنه، ومع أن كتاب ((الأدب)) هذا غير مطبوع فقد أحال
عليه، وأعرض عن عزوه للترمذيّ وكتابهِ مع كونه أَشْهَرَ، فهو مطبوعٌ وكذلك
ابن حِبّان، ولا يجوزُ مثل هذا العزو مع وجود من هو أَوْلَى به عند أهل العلم،
وبخاصة أن الترمذي حسنه!
الآخر: حديث السِّدرة عزاه للنسائي وابن أبي حاتم، وهو في
((الصحيحين))!
هذا خلاصة نقدي إياه، فليتأمّل القارىء جوابه الآتي عليه يتبين له علمُ
الرجلِ وخُلُقُهُ! قال بعد أن اختصر نقدي إياه في الحديث الآخر:
((وأقول: هذا التعقُّب غفلةٌ منه كبيرة، ذلك أن مؤلّف الرسالة قال في
الخصلة الأولى: إنه ساد الكُلّ، فقال: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر))، فعزوت
الحديث لمن رواه بهذا اللفظ .. ولم أخالف القاعدة في العزو. لكنّ الألباني
غفل وذهل)».
هذا آخر كلامه، وما لم أذكره مُشيراً إليه بالنقطتين لا علاقة له مُطْلَقاً
بجوابه، مع أنه كما قيل: أسمعُ جَعْجَعَةً ولا أرى طِحْناً، وإلّ فما معنى قوله:
فعزوتُ الحديث لمن رواه بهذا اللفظ، فهذا وحده يدل على أن الرجل لا
يخشى الله، ولا يستحي من عباد الله، لأنّ قولَه هذا مع كونه لا يخفى على
القراء، لأنه إعادةً للنقطةِ التي هي موضع انتقادي عليه، لأني سأقول له مرة
أخرى: لماذا عزوته لابن أبي عاصم، ولم تعزه لمن هو أولى بالعزو منه
- ٣٢ -

كالترمذي وابن حبان؟ فهذا هو وجهُ المخالفة يا من تستغفلُ الناس وتتهمهم
a
بما فيك.
وأما الحديث الثاني فلم يتعرّض له بجواب على الإطلاق. فهذا مع ما
فيه من الاعتراف الضَّمني بأن الرجل حَوّاش قَمّاش لا تحقيقَ عنده، فهو
أشرفُ له وأسترُ من جوابه عن الحديث الأول، لما فيه من الزَّوَغانِ والمجادلةِ
بالباطل. والله المستعانُ.
٥ - وأمّا نقدي الخامس إياه، فقد اعترف أيضاً بصوابه في الحديث
الأول. ولکنْ بصورةٍ لا تُشَرِّفه وتلیقُ بطريقته! وذلك من ناحیتین:
الأولى: أنه جرى في أجوبته السابقة أن يبدأ بقوله: ((قال الألباني
أولاً ... ))، ((قال الألباني ثانياً ... ))، ((قال الألباني رابعاً ... )) ولم يقل: قال
الألباني ثالثاً. تَهرُّباً وتكبِّراً أن يعترف بالحق كما سبق. فلما جاء إلى جوابه
عن هذا النقد لم يقل أيضاً: قال الألباني خامساً، لكي يُغَطِي اعترافه الصريحَ
بخطئه أنه بسبب نقد الألباني وإرشاده، فقال عَقِبَ جوابهِ السابق المُنتهي
بقوله الذي هو أسوأً منه: ((غفل وذهل»:
((وقولي في حديث ابن مسعود: ((الخَلْقِ عيال الله)) سندهُ جيّدٌ، سهولا
أدري كيف حصل لي؟ بل أوقعني فيه صنيعُ الحافظ السخاوي»!
فأقول: لو أن غيرك قال: ((لا أدري)) لم أستجز لنفسي أن أقول له:
أَوْ كُنْتَ تَدْرِي فَالمُصِيبةُ أعظمُ!
إِنْ كُنْتَ لَا تَدْرِي فتلكَ مُصيبةٌ
وإنما أقول لك بصراحة: إذا كنتَ صادقاً في قولك هذا، ولم يكن من
دسائسك وأهوائك، فإنّك قد أتيت من مخالفتك لقول أئمة الحديث: ((قَمِّش
ثم فَتِّش))، فأنتَ قَمَّاش حَوَّاش، تركن في الغالبِ إلى التقليدِ؛ الذي ترمي به
غَيْرَك، وأنتَ فيه غريقٌ! ولولا ذاك لَمَا وقع منك هذا الخطأ الفاحش الذي
- ٣٣ -

يترفّعُ عنه المبتدىءُ في هذا العلم الشريف، فإنك لمّا رأيتَ السخاويَّ خَرَّجَ
الحديث من رواية ابن مسعود وأنس وغيرهما، وسَكَتَ عن إسناد ابن مسعود
وأعَلَّ غيره، وختم بحثه بقوله: ((وبعضُها يُؤَكَّد بعضاً))، توهّمتَ من ذلك كلِّه
ما دفعك إلى الوقوع في الخطأ، فلو أنك فَتَشت عن إسناد ابن مسعود لوجدت
فيه ذاك المتروك ((موسى بن (١) عُمَير أبوهارون القُرَشي)).
تلك هي الناحيةُ الأولى.
وأما الناحيةُ الأخرى: فهي دِفاعُه عن نفسه بالباطل، وحملُه مسؤولية
خطئه على الحافظ السخاوي كما سبق، وهذا من جَنَفْهِ وظُلمه الذي لا يكادُ
ینجو منه حتى الموتی، ولا من تزويره، فإنّ السخاوي لم يُجوّد إسناده، کل ما
في الأمر أنه سكت عنه، وهذا وإنْ كان منه غير جيد، فهل يفهم منه أحدٌ مهما
كان غريقاً في الجهل: أنه جَوَّدَ إسناده كما يزعم الغُماري؟!
هذا وقد خَرَّجْتُ الحديث فيما يأتي برقم (٣٥٩٠) وتكلّمتُ على
طُرُقِهِ، وأشرت إلى أنه إنما يثبت منه بلفظ: ((خير الناس أنفعُهم للناس)).
وأما الحديث الآخر: ((أنا سيّد ولد آدم، وعليّ سيّد العرب)). وهو
الذي كنتُ انتقدتُ عليه قولَه فيه: ((حديث ضعيف خلافاً لقول الذهبي : إنه
موضوع))، ومخالفته إيّاه، وبيّنت له هناك أن الحافظ العسقلاني قد أقرّه على
وضعه! لأنّ مدار الحديث عند الحاكم الذي عزاه الغماري إليه - على
ء
وضّاعَين معروفَين.
فقد كابر الغُماري أيضاً فيه كما سترى، فإنه قال ما خلاصته :
(١) سقط من الأصل المطبوع ((موسى بن)) فليتنبه.
- ٣٤ -

((وقول الذهبي: موضوع، غلوّ غير مقبول لأنّه وَرَدَ عن غير
الوضّاعين)).
ثم ذكر له طريقين آخرين :
أحدهما: عن أنس مرفوعاً. قال الهيثمي: ((فيه خاقان بن عبدالله
ابن الأهتم ضعّفه أبو داود)). وذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه .
والآخر: عن عائشة أيضاً مرفوعاً به. رواه الحاكم وقال:
((صحيح الإسناد، وفيه عمر بن الحسن الراسبي، وأرجو أنه صدوق،
ولولا ذلك لحكمتُ بصحّته على شرط الشيخين)).
قال الغُماري عقبه من عند نفسه :
((قلت: إسنادُ الحديث نظيفٌ ليس فيه كذّابٌ ولا متّهم، والراسبي ذكرِه
ابن أبي حاتم برواية محمدبن موسى الجُرَشي عنه، ولم يجرحه بشيء.
وبمقتضى القاعدة المقررة يكون تعديلُ الحاكم مقبولاً، لكنّ الذهبي تعقّب
قولَ الحاكم: أرجو أنه صدوقٌ، فقال: أظنّ أنه هو الذي وضعه. وهو تعنت
شديدٌ وقولٌ بالظنّ، والظنّ أكذب الحديث. والعجب من الحافظ كيف وافق
الذهبيَّ على هذا الحكم المتعنت، وغفل عما تقتضيه القاعدةُ في هذا
المقام؟! فالحديثُ بهذين الطريقينِ: طريقٍ أنسٍ وطريقِ عائشة، لا يَبْعُدُ أن
يكون من قبيل الحَسَنِ لغيره».
والجواب وبالله التوفيق على وجهين: مجمل ومفصل :.
أما المجمل، فلا نُسَلّم حُسْنَه بمجموع الطريقين، لأنَّ في طريق
عائشة راوياً واهياً شديد الضعف توهّمه الغُماري ثقةً، أو تجاهله كما سيأتي
بيانه في (المفصل).
- ٣٥ -

وأمّا الضعف من حيثُ إسنادهُ فليس البحثُ الآن فيه، والغُماري نَصَبَ
الخلاف فيه؛ بَيْنه وبين الحافظ الذهبي والعسقلاني؛ لغايةٍ في نفسه، وليس
كذلك، وإنما هو في متنهِ لقولهما بِبُطْلانِهِ، مع تصريحهما بأنّ فيه من لا
يُعرف كما يأتي، وذلك يعني أنه ضعيفُ السند، ولا منافاةً بينهما كما لا يخفى
على العارفِ بهذا العلم، ويأتي بيانُه قريباً إن شاء الله تعالى .
وأما الجواب المفصل فهو من وجوه :
١ - تعليلُه لردّ حكم الذهبي على الحديث بالوضع بقوله:
((لأنّه وَرَدَ عن غير الوضّاعَين)).
فهو مرفوضٌ من أصله، وهو بذلك يُوهم القراء أنّ الحديث لا يكون
موضوعاً إلا إذا كان فيه وضّاعٌ، وهذا خلافُ ما صرّح به العلماءُ في أصول
علم الحدیث وفروعه، فکم من حدیثٍ حكموا علیه بوضعه أو بطلانه، ولیس
في إسنادهِ وضّاعٌ أو كذّابٌ، وفي هذه السلسلةِ عشراتُ الأمثلة على ذلك،
وقد جاء في ((اختصار علوم الحديث)) لابن كثير:
((يُعرف الموضوع بأمور كثيرة .. ومن ذلك ركاكة ألفاظه، وفساد
معناه، أو مجازفة فاحشة، أو مخالفته لما ثبت في الكتاب والسنة
الصحيحة)).
والغُماري يعرف هذا جيداً، لأنه مما لا يخفى على صِغَار الطلبة،
ولكنه يتجاهلُ الحقائقَ لِيَصْدُقَ عليه ما يتّهُمُ به غيرَه، المرّة بعد المرّة، انظر
مثلاً كتيّبه الآخر: ((إتقان الصنعة)) (ص٤٧)، وكتب ((الأحاديث الموضوعة))،
كلّها قائمة على هذا، فما من كتاب منها إلّ وفيه أحاديثُ موضوعةٌ بأسانيدَ
ضعيفةٍ، لأنّ الوضع جاء من داخل المتن الدال على بطلانه، وعلى هذا
- ٣٦ -

حكمتُ أنا على حديث ((نِعْمَ المذكّر السّبحة)»، الذي يصرّ الغُماري وبعض
تلامذته على أنه ضعيف فقط، غير ملتفتٍ إلى معناه الدالّ على بطلانه كما
كنتُ بَيّنْتُه فيما مضى برقم (٨٣)، وما ذلك إلّ محافظةً منه على وسائل
التَّمِشْيُخ (!) وجَلْبِ المُريدين السُّنَّج الذين يغترّون بالمظاهر، وَلُأَمْرٍ ما قال
الغُماري هذا في رسالته السابقة (ص٤٨):
((وتعليقُ السّبحة في العنق ليس فيه شيءٌ، وهو نظير وضع الكاتب
القلم على أذنه)) !!
ثم ذكر حديث: ((ضَعِ القلمَ على أُذُنك فإنه أذكر للمُملي)).
وقال :
«رواه الترمذي بإسناد ضعيف)»!
وهو يعلم أن فيه عنبسة بن عبدالرحمن الأموي؛ قال أبو حاتم :
((كان يضع الحديث)).
وله طرقٌ أُخرى تدور أيضاً على وضّاعين وكذّابين كما تراه مفصلاً في
المجلد الثاني من هذه السلسلة، رقم (٨٦١ - ٨٦٢).
من أجل ذلك لم يَسَعْ أخاه الشيخ أحمد الغُماري إلا أن يورد هذا
الحديث في كتابه ((المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير)) من
رواية الترمذي وغيره (ص ١٨ و ٦٥ - ٦٦) وقال:
((وهذا من وضع العجم، وقال ابنُ الجوزي: إنه موضوع)) . ..
فهل خفي هذا على الغُماري الصغير، أم تعمّد مخالفة أخيه الأكبر
لمجرد أنه اتّفق مع الألباني في الحكم على الحديث بالوضع، أم هو الدَّوَرَان
وراء المصلحة مهما كانت المخالفة للعلم والعلماء، والعياذ بالله تعالى؟!
- ٣٧ -

ومن الأمثلة على الحديث الموضوع متناً بشهادة مَنْ لا يستطيع
الغُماريُّ أن يصفه بـ (المبتدع) وهو أخوه السابقُ الذكر، فقد قال في حديث:
((اجعلوا أئمتكم خياركم ... )) (ص١٠).
((قلت: إسنادُهُ مُظلمٌ كما قالوا، ومتنُه موضوعٌ)). وانظر هذه السلسلة
(١٨٢٢ - ١٨٢٣).
وأقربُ مثال لما نحن فيه قولُه في حديث: ((تختّموا بالعقيق فإنه ينفي
الفقر)) (ص٣٦):
((قلت: فيه الحسينُ بن إبراهيم البَابي، قال الذهبي: لا يُدْرى [من
هو]، فلعلّ الحديث مِن وضعه ... )). وانظر الحديث برقم (٢٢٧).
وهذا البابي كما ترى مجهولٌ، ومع ذلك حكم عليه الغُماري الكبير
بالوضع، وقد قال الذهبي في حديث السيادة في راويه المجهول مثل هذا
القول وأقوى منه كما يأتي، ومع ذلك زاغ عنه الغُماري الصغير. والله
المستعان. وبذلك يسقط تعليلُه المذكورُ، ويتبيّن لكل ذي عينين أن الغُماري
هذا لا يُراعي في كلامه على الحديث قواعدَ العُلَماء، وإنما يتكلّم عليه
حسبما یُوحي إليه هواه!
٢ - قوله في حديث عائشة: إسنادهُ نظيفٌ، ليس فيه كذاب ولا متهم.
فأقول: هذه الدعوى كاذبةٌ، حَمَلَكَ عليها جمودُك على قول الحاكم
ومن بعده بأنّ فيه ذاك الراسبي، فاستلزمت منه أنه ليس فيه علة أخرى هي
أقوى من الراسبي، فإنّ الحاكم أخرجه (١٢٤/٣) من طريق محمد بن معاذ
عنه. وابن معاذ هذا لا أستبعد عنك أن تتوهّم أنه العنبري الثقة - إن كنت
رجعت إلى ((المستدرك)) فوقعت عيناك عليه ! - وإنما هو الشعراني أبو بكر
- ٣٨ -

النّهاوندي كما حققته وبسطت القول عليه فيما سيأتي في المجلد الثاني عشر
رقم (٥٦٧٨) وقد قال فيه الذهبي والعسقلاني :
((واهٍ)).
أي شديد الضعف، فهو في حكم المتهم، وبذلك يسقط ما ادعاه
الغُماري من النظافة!
٣ - قوله: والراسبي ذكره ابن أبي حاتم .. ولم يجرحه بشيء.
فأقول: نعم لم يجرحه، ولم يوثقه أيضاً، فكان ماذا؟ غاية ما يمكن أن
يُقال فيه: إنّه سكت عنه، وهو ما یسکت عن أحد إلا لأنه لم یتبین له حاله،
كما ذكر ذلك ابنُ أبي حاتم نفسُه في مقدمة كتابه. على أن الراوي عنه
محمدبن موسی الجرشي مجروحٌ لا يُحْتَجُ به عنده کما یفیده قوله في ترجمته
(١/٤ / ٨٤) :
((شيخ))! (انظر باب بيان درجات رواة الآثار) منه.
قلت: فما قيمةُ الراسبي إذا لم يعرفه ابنُ أبي حاتم إلّ من رواية
الجُرَشي الذي لا يُحتج به؟! ولذلك قال الذهبيُّ والعسقلانيُّ في الراسبي
هذا :
((لا يُعرف، وأتى بخبر باطل، متنُه: علي سيد العرب)).
فأقول: قابِلْ قولَهما هذا بقولهما المتقدم في حديث التختّم بالعقيق
الذي احتجَّ به الغماري الكبير على وضعه، تتبيّن وتتأكّد من بُطلان إنكار
الغُماري الصغير عليهما كما يأتي .
٤ - قوله: ((وبمقتضى القاعدة المُقَرّرة يكون تعديل الحاكم له
مقبولاً ... إلخ)).
- ٣٩ -

فأقول: تأمّل أيها القارىء كيف يُعَمّي الأمر على القراء، فَيُطلق
_القاعدة ولا يُبَيِّنها، تدليساً عليهم، وإيهاماً لهم بأنّه متمسِّكُ بالقاعدة المقررة
في علم المصطلح، وينسب الحافظ الذهبي إلى التعنّت ويُلحق به الحافظ
العسقلاني في الغفلة !! ولا يشكّ أحدٌ أنهما أعلم منه وأتقى، وأبعد عن اتّباع
الهوى الذي ابْتُلي به هذا الغُماري المسكين في كثير من كتاباته وبخاصة ما
كان منها في انتقاده للآخرين. وبيان ذلك هنا من وجهين:
الأول: أنّ الحاكم لم يجزم بأنّ الراسبيَّ هذا صدوق، وإنما قال:
أرجو. وفرقٌ واضحٌ بين الأمرین.
والآخر: هَبْ أنه جزم بأنه صدوق، فما قيمة قوله وهو معروف عند
العلماء بأنه من المتساهلين(١)، ولا سيما إذا لم يَعْتَدّ بقولهِ الحُفَّاظُ الذين
جاؤوا من بعده واستدركوا عليه کالذهبي وغيره، وقد ذکر اللکنويُّ رحمه الله
في ((الأجوبة)) (١٦١): أنه إذا تعارض قولُ الحاكم مع الذهبي، رُجُّح قول
الذهبي، لأن الأول متساهلٌ والثاني غير متساهل. فالحديث الذي حكم
الحاكم بكونه صحيح الإِسناد. وحكم الذهبيُّ بكونه ضعيفَ الإِسناد؛ يُرَجَحُ
فيه قولُ الذهبي على قول الحاكم، وكم من حديثٍ حكم عليه الحاكمُ
بالصحة وتعقّبه الذهبي بكونه ضعيفاً أو موضوعاً ... إلى آخر كلامه رحمه الله
تعالی.
وأقول: هذا إذا كان الذهبيُّ وحده مخالفاً للحاكم، فكيف إذا كان معه
الحافظُ ابن حجر كما هو الشأنُ هنا. فسقط بذلك تشبُّتُ الغُماري بالحاكم.
فإن قيل: ما هي القاعدةُ المُقَرّرَةُ التي اعتمد عليها الغُماري في رده
(١) انظر ((الأجوبة الفاضلة)) لأبي الحسنات اللكنوي (ص ٨٠- ٨٦).
- ٤٠ -