Indexed OCR Text
Pages 261-280
(( مجهول بالنقل حديثه غير محفوظ ولا يعرف الا به)). ثم ساق له حديثا آخر يأتي بعد حديث. وقال الذهبي في ((الميزان)): ((لا يعرف ، وكأنه أبومريم ، فإن خبره موضوع )) . واسم أبي مريم عبد الغفار بن القاسم الأنصاري صرح غير واحد من الائمة بأنه كان يضع الحديث ، ولكنه معدود في أهل الكوفة كما في ((ضعفاء ابن حبان)) (١٣٦/٢)، وصاحب هذا الحديث مدني . ٥ - وأما حديث ابن عمر فرواه ابن صرصري في (( أماليه )) بسنده عن محمد بن يونس ابن موسى القرشي : حدثنا حفص بن عمر بن دينار الأبلي : حدثني سعيد بن راشد السماك : حدثني عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عمر مرفوعاً . سكت عنه السيوطي مع وضوح بطلانه فإن سعيد السماك متروك ، وحفص كذاب ، ومحمد ابن يونس القرشي وهو الكديمي وضاع ! ٦ - وأما حديث جابر فأخرجه الطبسي أيضاً بسنده عن عبد القدوس : حدثنا إسماعيل ابن عياش عن أبي الزبير عن جابر. عبد القدوس هذا هوابن حبيب الكلاعي وهو كذاب يضع . وإسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن غير الشاميين ، وهذه منها . وأبو الزبير مدلس وقد عنعنه . ٧ - وأما حديث الحسن فأخرجه السهمي في ((تاريخ جرجان)) (ص ١٦٠) عن حماد .ابن زيدك عن جويبر عن أبي معاوية سهل عن الحسن قال : فذكره . قلت : وهذا مع وقفه ففيه سهل أبو معاوية هذا ولم أعرفه ، ولعله سهل بن معاذ بن أنس الجهني ، وهو مختلف فيه . وجويبر وهو متروك . وحماد بن زيدك أورده السهمي ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً . ورواه ابن عساكر (١/٩٤/٥) عن عبد الله بن داود قال: سمعت أبا عمر الصنعاني وهويقول : فذكره موقوفا علیه . . وهذا مع وقفه فإنه منقطع فإن أبا عمر الصنعاني واسمه حفص بن ميسرة الشامي توفي سنة ( ١٨١ ) . ومما سبق يتبين أن طرق الحديث كلها ضعيفة جداً ، لا يصلح شيء منها لتقوية الحديث ، فلم يبعد ابن الجوزي بإيراده إياه في ((الموضوعات)). والله أعلم . ٨٦٩ - ( إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وأهله ولياً یذب ءُ عنه ويتكلم بعلاماته ، فاغتنموا تلك المجالس بالذب عن الضعفاء ، وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلا ). ٢٦١ موضوع .. رواه العقيلي في (( الضعفاء)) ( ٢٦٣): حدثنا محمد بن أيوب قال : حدثنا عبد السلام بن صالح : ثنا عباد بن العوام قال : حدثنا عبد الغفار المدني عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً . وقال العقيلي : ((عبد الغفار مجهول بالنقل ، حديثه هذا غير محفوظ ولا يعرف إلا به )) وقال الذهبي : ((لا يعرف، وكأنه أبو مريم فإن خبره موضوع)). يشير إلى هذا الحديث ، وأبومريم اسمه عبد الغفار بن القاسم الأنصاري صرح غير واحد من الأئمة بأنه كان يضع الحديث وقال ابن حبان (١٣٦/٢): ((كان ممن يروي المثالب في عثمان بن عفان، ويشرب الخمر حتى يسكر، ومع ذلك يقلب الأخبار، لا يجوزالاحتجاج به ، تركه أحمد وابن معين )) . والحديث رواه أبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (٣٢٢/١) والهروي في ((ذم الكلام)) (٢/٨٠/٤) عن عبد السلام به . ٨٧٠ - ( إن من العلم كهيئة المكنون لا يعرفه إلا العلماء باللّه، فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرّة (١) باللّه عز وجل ). ضعيف جدا. رواه أبو عبد الرحمن السلمي في ((الأربعين الصوفية)) (٢/٨) وأبو عثمان النجيرمي في ((الفوائد)) (٢/٧/٢) عن نصر بن محمد بن الحارث: ثنا عبد السلام بن صالح : ثنا سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعا . ومن طريق السلمي رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) كما في ((ذيل ثبت الشيخ إبراهيم الكُوراني)) (١/١٢) ورواه الطبسي عن نصربن محمد به كما في ((اللآلي)) (٢٢١/١). قلت : وهذا سند ضعيف جدا ، وله ثلاث علل تقدم بيانها في الحديث الذي قبله بحديث ، رقم الشاهد (٤). وقد أشار لضعفه المنذري في ((الترغيب)) (١ /٦٢)، وصرح بتضعيفه الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٣٥/١ طبع لجنة نشر الثقافة الإسلامية). ٨٧١ - ( يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم ، شهرٍ فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامَه فريضة ، وقيام ليله تطوعاً ، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ، وهو شهر الصبر ، والصبر ثوابه الجنة ، وشهرُ المواساة، وشهر يزاد فيه في رزق المؤمن ، ومن فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه ، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء . قالوا : يا رسول (١) أي الاغترار. ٢٦٢ اللّه ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم ، قال: يعطي اللّه هذا الثواب من فطر صائما على مذقة لبن ، أو تمرة ، أو شربة من ماء ، ومن أشبع (١) صائما سقاه الله من الحوض شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة ، وهو شهر أوله رحمة ، ووسطه مغفرة ، وآخره عتق من النار، فاستكثروا فيه من أربع خصال ؛ خصلتان ترضون بهما ربكم ، وخصلتان لا غنى بكم عنهما ، أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا اللّه، وتستغفرونه ، واما الخصلتان اللتان لا غنى بكم عنهما؛ فتسألون الجنة ، وتعوذون من النار) . منكر. رواه المحاملي في ((الأمالي)) (ج ٥ رقم ٥٠) وابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٨٨٧) وقال: ((إن صح))، والواحدي في ((الوسيط)) (١/٦٤٠/١ - ٢) والسياق له عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن سلمان الفارسي قال : خطبنا رسول اللّ آخر يوم من شعبان فقال: فذكره . قلت : وهذا سند ضعيف من أجل علي بن زيد بن جدعان ؛ فإنه ضعيف كما قال أحمد وغيره، وبين السبب الإمام ابن خزيمة فقال: ((لا أحتج به لسوء حفظه)). ولذلك لما روى هذا الحديث في صحيحه قرنه بقوله: ((إن صح الخبر)). وأقره المنذري في ((الترغيب)) (٦٧/٢) وقال: إن البيهقي رواه من طريقه. قلت وفي إخراج ابن خزيمة لمثل هذا الحديث في ((صحيحه)) إشارة قوية إلى أنه قد يورد فيه ما ليس صحيحا عنده منبهاً عليه ، وقد جهل هذه الحقيقة بعض من أَّفَ في ((نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة))، وفيهم من وصفوه على ظهر الغلاف بقولهم: ((وخرج أحاديثها العالم الفاضل المحقق خادم الحديث الشريف .... )) فقالوا (ص ٣٤ القسم الثاني ) : « رواه ابن خزيمة في صحيحه وصححه )) ! وهذا يقال فيما إذا لم يقفوا على كلمة ابن خزيمة عقب الحديث ، أما إذا كانوا قد وقفوا عليها ، فهو كذب مكشوف على ابن خزيمة ! وليس هذا بالغريب منهم فرسالتهم هذه كسابقتها محشوة بالبهت والافتراء الذي لا حدود له ؛ مما يعد الاشتغال بالرد عليهم إضاعة الوقت مع أناس لا ينفع فيهم التذكير! وحسبنا على ذلك مثال واحد قالوا ( ص د) : ((فهو يعترف من جديد بصحة رواية صلاة التراويح بعشرين ركعة الثابتة من فعل عمر رضي اللّه عنه وجمع الناس عليها بعد أن كان ينكرها ، فها هو يقول في صفحة (٢٥٩ من رسالته الثانية من تسديد الإصابة)): ((وحمل فعل عمر رضي الله عنه على موافقة سنته معَ لهم أولى من حمله على مخالفتها)) . (١) وقع في ((الترغيب)) (٦٧/٢) برواية أبي الشيخ: ((ومن سقى صائماً)) والصواب ما أثبتنا كما جزم بذلك الناجي انظر ((التعليق الرغيب)). ٢٦٣ فإذا رجع القارىء إلى قولنا هذا وجده مقولا في ترجيح رواية الثمان على العشرين هذا الترجيح الذي ألفت الرسالة كلها من أجله ، ومع ذلك يجهرون بقولهم أنني اعترفت من جديد ـَ الله حين قال : بصحة العشرين ! وصدق رسول الله علي ((إذا لم تستح فاصنع ما شئت )). ولقد أصدروا رسالتهم هذه الثانية في هذا الشهر المبارك الذي قال فيه رسول اللّهرحي له: ((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه))! رواه البخاري وغيره (١) ثم إن الحديث قال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢٤٩/١) عن أبيه أنه : « حدیث منکر)) . ٨٧٢ - ( لا تقولوا قوس قزح ، فإن قزح شيطان ، ولكن قولوا: قوس اللّه عزوجل، فهو أمان لأهل الأرض من الغرق ) . موضوع. أخرجه أبو نعيم (٣٠٩/٢) والخطيب (٤٥٢/٨ ) من طريق زكريا بن حكيم الحَبَطي عن أبي رجاء العُطارِ دي عن ابن عباس مرفوعا . وقال أبو نعيم : ((غريب من حديث أبي رجاء ، لم يرفعه فيما أعلم إلا زكريا بن حكيم )). قلت : وفي ترجمته ساقه الخطيب ثم عقبه بقول ابن معين فيه وكذا النسائي : ((ليس بثقة)). وقال ابن حبان (٣١١/١): (( يروي عن الأثبات ما لا يشبه أحاديثهم، حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لها)). والحديث أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (١٤٤/١) من رواية الخطيب ثم قال: (( لم يرفعه غير زكريا ، قال فيه يحيى والنسائي: ليس بثقة ، قال أحمد : ليس بشيء ، قال ابن المديني : هالك )». وتعقبه السيوطي في ((اللآلي)) فقال (١ /٨٧ ): ((قلت: أخرجه أبو نعيم في ((الحلية))، قال النووي في ((الأذكار)): يكره أن يقال قوس قزح ، واستدل بهذا الحديث ، وهذا يدل على أنه غير موضوع )) . قلت : وهذا تعقب يغني حكايته عن رده! لأن الحديث في ((الحلية )) من هذه الطريق التي فيها ذلك الهالك المتفق على تضعيفه ، فمثله لا يكون حديثه إلا ضعيفاً جدا ، فكيف يستدل به على حكم شرعي وهو الكراهة ؟ ! بل لا يجوز الإستدلال به عليه ولو فرض أنه ضعيف فقط ، أي ليس موضوعاً ولا ضعيفاً جداً ؛ لأن الأحكام الشرعية لا تثبت بالحديث الضعيف اتفاقاً. وما أرى النووي رحمه الله تعالى أتي إلا من قبل تلك القاعدة الخاطئة التي تقول: ((يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الاعمال )) ! وهي قاعدة غير صحيحة كما أثبتّ ذلك في مقدمة كتابنا ((تمام المنة في التعليق على فقه السنة))، ولعله يطبع قريبا إن شاء الله تعالى، فإنه - أعني النووي - ظن ان الحديث ضعيف فقط! وهو أشد من ذلك كما رأيت. والله المستعان. (١) وهو مخرج في ((صحيح أبي داود » (٢٠٤٥). ٢٦٤ ومن مساوىء هذه القاعدة المزعومة إثبات أحكام شرعية بأحاديث ضعيفة ، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً وحسبك منها الآن هذا الحديث ، بل إن بعضهم يُثبت ذلك بأحاديث موضوعة اعتماداً منه على تضعيف مطلق للحديث من بعض الأئمة ؛ بينما هو في الحقيقة موضوع ، ولا ينافي القول به الاطلاق المذكور. وهذا باب واسع لا مجال لتفصيل الكلام فيه في هذا المكان . هذا ويغلب على الظن أن أصل الحديث موقوف ، تعمد رفعه ذلك الهالك ، أو على الأقل أخطأ في رفْعه، ويؤيده أن العقيلي أخرج الحديث في ترجمته من ((الضعفاء)) (١٦٤ ) بسنده المتقدم عن ابن عباس موقوفاً عليه، وقد رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٨٥/٣ - ٨٦) من طريق أخرى عنه موقوفا عليه مختصراً بلفظ: ((إن القوس أمان لأهل الأرض من الغرق)). ورجاله كلهم ثقات، وقال الحافظ ابن كثير في ((البداية)) (٣٨/١): (( إسناده صحيح)) . وفيه عندي نظر لأن في سنده عارماً أبا النعمان واسمه محمد بن الفضل وكان تغير بل اختلط في آخر عمره . ويؤيده أيضا أن ابن وهب رواه في ((الجامع)) (ص ٨) والضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) (١٧٦/١ - ١٧٧) من حديث علي موقوفاً عليه أيضا. ثم رواه ابن وهب عن القاسم ابن عبد الرحمن من قوله . وإذا ثبت أن الحديث موقوف ، فالظاهر حينئذ أنه من الإسرائيليات التي تلقاها بعض الصحابة عن أهل الكتاب ، وموقف المؤمن تجاهها معروف ، وهو عدم التصديق ولا التكذيب ، إلا إذا خالفت شرعا أو عقلاً . والله أعلم . ٨٧٧ - (إن من الجفاء أن يمسح الرجل جبينه قبل أن يفرغ من صلاته ، وأن يصلي لا يبالي مَنْ إمامه ؟ وأن يأكل مع رجل ليس من أهل دينه ، ولا مِن أهل الكتاب في إناء واحد ) . ضعيف جداً. رواه تمام ( ج ٢٩ ) وابن عساكر (٢/٢٣٦/٢) عن أبي عبد الله نجيح ابن إبراهيم النخعي : نا معمربن بكار: حدثني عثمان بن عبد الرحمن عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس مرفوعا . قلت : وهذا سند ضعيف جداً ، بل موضوع ، عثمان بن عبد الرحمن هو الوقّاصي متّهم ، قال البخاري : (( سكتوا عنه )) . وقال ابن حبان (٩٩/٢) : (( كان يروي عن الثقات الموضوعات لا يجوز الاحتجاج به )). ثم ساق له الطرف الأول من الحديث نحوه . ومعمر بن بكار ، قال العقيلي : ((في حديثه وهم، ولا يتابع على أكثره)). وأما ابن حبان فذكره في ((الثقات))! ٢٦٥ ونجيح بن إبراهيم النخعي قال مسلمة بن قاسم : ((ضعيف)). وأما ابن حبان فذكره في ((الثقات)) أيضا ! والشطر الأول من الحديث أخرجه ابن ماجه ( رقم ٩٦٤ ) عن هارون بن عبد الله بن الهُدَيْر التيمي عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً . قلت : وهذا سند ضعيف من أجل ابن الهُدَيْر هذا واسمه هارون بن هارون بن عبد الله ، قال البخاري . ((لايتابع في حديثه)). وقال النسائي ((ضعيف)). وقال ابن حبان: (( يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به)). وقال البوصيري في ((الزوائد)): (( اتفقوا على ضعف هارون)) . ونقل المناوي عن مغلطاي أنه قال : ((حديث ضعيف ؛ لضعف هارون)). ٨٧٤ - ( أصلحوا دنياكم ، واعملوا لآخرتكم ؛ كأنكم تموتون غدا ) . ضعيف جداً . رواه القضاعي ( ٢/٦٠) عن مقدام بن داود قال : نا علي بن معبد قال : نا عيسى بن واقد الحنفي عن سليمان بن أرقم عن الزهري عن أبي هريرة مرفوعا . قلت : وهذا سند ضعيف جدا ، سليمان بن أرقم ومقدام بن داود ضعيفان جداً . وعيسى بن واقد لم أعرفه . والحديث عزاه السيوطي في ((الجامع الصغير)) للديلمي في ((مسند الفردوس)) عن أنس. وتبعه نجم الدين الغنزي في ((حسن التنبه فيما ورد في التشبه)) (٨ / ٧٠) وقال المناوي : ((وفيه زاهر بن طاهر الشحامي، قال في ((الميزان)) كان يخل بالصلوات فَتَرك الروايةَ عنه جمعُ . وراويه عن أنس مجهول )) . ثم رأيته في ((مختصر الديلمي)) للحافظ ابن حجر (١/١ /٢٧) من طريق زاهربن أحمد: ثنا البغوي : حدثنا زهيربن حرب عن رجل عن قتادة عن أنس . فالراوي عن قتادة هو المجهول ، وليس راويه عن أنس ! قلت: وهذا الحديث نحو الحديث المتقدم بلفظ ((اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً ... )) (رقم ٧). وإنما قلت: ((نحو)) لأن هذا أقل إغراقاً في الحض على العمل للدنيا من ذاك ، بل هذا لا تأباه الشريعة ، وأما ذاك فلا أعتقد أن في الشرع هذه المبالغة في الحض على السعي للدنيا ، بل الأحاديث متضافرة على الترغيب في التفرغ للعبادة، وعدم الانهماك في الدنيا، كقوله عد له: ((ما قل وكفى خير مما كثر وألهى)). فراجع لهذا الموضوع ((الترغيب والترهيب)) (٤ /٨١ - ٨٣) للمنذري . ٢٦٦ ٨٧٥ - ( لو أن الدنيا كلها بحذافيرها بيد رجل من أمتي ثم قال : ((الحمد لله))، لكانت ((الحمد لله)) أفضل من ذلك كله ). موضوع. رواه ابن عساكر (٢/٢٧٦/١٥) عن أبي المفضل محمد بن عبد الله بن محمد ابن همام بن المطلب الشيباني : حدثني محمد بن عبد الحي بن سويد الحربي الحافظ : نازريق : نا عمران بن موسى الجند يسابوري - نزيل بردعة - : نا سورة بن زهير الغامري - من أهل البصرة - حدثني هشيم عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك مرفوعاً .. وهذا موضوع ، آفته أبو المفضل هذا ، قال الخطيب (٤٦٦/٥ - ٤٦٧ ) : ((كان يروي غرائب الحديث وسؤالات الشيوخ فكتب الناس عنه ؛ بانتخاب الدارقطني ، ثم بان كذبه فمزقوا حديثه ، وأبطلوا روايته ، وكان بعدُ يضع الأحاديث للرافضة . قال حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق : كان يضع الحديث ، وكان له سمت ووقار! وقال لي الأزهري : كان أبو المفضل دجالاً كذاباً)) ورواه ابن عساكر عنه في ترجمة أبي المفضل هذا . ومَنْ بينه وبين هشيم لم أعرفهم غير زريق ، والظاهر أنه ابن محمد الكوفي . روى عن حماد بن زيد. قال الذهبي: ((ضعفه الأميرابن ماكولا)). والحديث أورده السيوطي في ((الجامع)) من رواية ابن عساكر هذه ، وهذا مما يؤكد إخلاله بشرطه الذي نص عليه في أول الكتاب ، وهو أنه صانه عما تفرد به كذاب أو وضاع ، فإن هذا الحديث إنما ساقه ابن عساكر في ترجمة أبي المفضل هذا وقد سمعت ما قالوا فيه ، فهذا يؤيد تساهل السيوطي عفا الله عنه ؛ فإنه لم تخف عليه هذه الترجمة ، ومع ذلك أخرج لصاحبها هذا الحديث ! وأما المناوي فبيض له ! فكأنه لم يقف على إسناده ! وقد روى الحديث باسناد آخر نحوه وهو : ٨٧٦ - ( لو أن الدنيا كلها بيضة واحدة فأكلها المسلم أو قال : حَساها، ثم قال: ((الحمد لله)) كان ((الحمد للّه)) أفضل من ذلك). ضعيف. رواه أبو محمد السراج القارئ في ((منتخب الفوائد)) (١/١١٧/٤ - ٢) عن محمد بن أحمد القرشي أبي عبد الله قال : ثنا علي بن غراب الكوفي قال : ثنا جعفر بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن جابر- كذا قال - قال رسول اللّه مح له فذكره. وقال: ((هذا الحديث غريب جداً من حديث جعفر بن محمد غن أبيه ، ومن رواية حفص بن غياث ، لا أعلم روي إلا من هذا الوجه)). قلت : وهذا سند ضعيف ورجاله ثقات غير محمد بن أحمد القرشي ضعفه الدارقطني ، وهو محمد بن أحمد بن أنس القرشي النيسابوري وقال الحافظ في ((اللسان)). (( قرأت بخط الحسيني أن الذهبي اتهمه بالوضع )). ٢٦٧ ٨٧٧ - ( أولاد الزنا يحشرون يوم القيامة على صورة القردة والخنازير ) . منكر. رواه العقيلي في ((الضعفاء)) (١٣٩ ) عن زيد بن عياض عن عيسى بن حطان الرّقاشي عن عبد الله بن عمرومرفوعا. وقال: ((لا يحفظ من وجه يثبت)). ثم روى عن سلام بن أبي مطيع قال : حدث رجل أيوب يوماً حديثاً ، فأنكره أيوب ، فقال أيوب : من حدثك بهذا؟ قال : محمد بن واسع . قال : بخ ، ثقة . قال : عن من ؟ قال عن زيد بن عياض . قال: لا تزده)). وللحديث علة أخرى وهي الرقاشي هذا، فهو وإن ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (١٦٢/١) فقد قال ابن عبد البر: (( ليس ممن يحتج بحديثه )). والحديث عندي ظاهر النكارة مخالف لأصل إسلامي عظيم وهو قوله تبارك وتعالى : ( لا تزر وازرة وزر أخرى ). فما ذنب أولاد الزنا حتى يحشروا على صورة القردة والخنازير؟ ! ورحم الله من قال: غيري جنى وأنا المعذّب فيكم فكأنني سبابة المتندم ! والحديث أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) من طريق العقيلي هذه ، وقال (١٠٩/٣) : ((موضوع لا أصل له)). ووافقه السيوطي في ((اللآلى)) (١٩٧١). وأما ابن عراق في (( تنزيه الشريعة)) (١/٣١٠) فقد تعقبهما بقوله: (( لم أرمن اتهمهما بكذب ووضع ، وقال الذهبي في زيد بن عياض : قلت : كأن أيوب رحمه اللّه يغمز من زيد بن عياص ، فيقول للرجل حينما ذكره : . ((لا تزده)). أي لا تزد في ذكر من فوقه من الاسناد لانه سقط ما دام أنه من طريق ابن عياص . ذكره ابن أبي حاتم مختصراً ولم يضعفه ، والله أعلم )). قلت : وكأنه ذهل عن الأصل القرآني العظيم الذي ذكرناه ، والله أعلم . ٨٧٨ - ( لتفتحن القسطنطينية ، ولنعم الأمير أميرها ، ولنعم الجيش ذلك الجيش ) . ضعيف . رواه أحمد وابنه في زوائده (٤/ ٢٣٥) وابن أبي خيثمة في ((التاريخ)) (١٠١/١٠/٢ - مخطوطة الرباط) والبخاري في ((التاريخ الصغير)) (ص ١٣٩) والطبراني في ((الكبير)) (ج ١ / ١١٩ / ٢) وابن قانع في ((المعجم)) (ق ٢/١٥) والحاكم (٤٢٢/٤) والخطيب في ((التلخيص)) (ق ١/٩١) وابن عساكر (٢/٢٢٣/١٦) عن زيد بن الحباب قال : حدثني الوليد بن المغيرة: حدثني عبد الله بن بشر الغَنَوي : حدثني أبي قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم يقول: (فذكره)، قال عبد الله: فدعاني مسلمة ٢٦٨ ابن عبد الملك فسألني عن هذا الحديث ؟ فحدثته ، فغزا القسطنطينية . وقال الحاكم : ((صحيح الإسناد)). ووافقه الذهبي، وقال الخطيب ((تفرد به زيد بن الحباب)). قلت : وهو ثقة إلا في حديثه عن الثوري ففيه ضعف، وليس هذا منه، وفي ((التقريب)): ((صدوق يخطئ في حديث الثوري)) وعبد الله بن بشر الغنوي لم أجد من ترجمه ، وإنما ترجموا لسميه ((عبد الله بن بشر الخثعمي))، وهذا أورده ابن حبان في ((ثقات أتباع التابعين )) وقال (١٥٠/٢) : (( من أهل الكوفة، يروي عن أبي زرعة بن عمروبن جرير، روى عنه شعبة والثوري)). وأخرج له الترمذي والنسائي . فهو متأخر عن الغنوي هذا فليسٍ به ، ومن الغريب أن الإمام أحمد أورد الحديث في مسند ((بشربن سحيم)) مشيراً بذلك إلى أنه هو بشر الغنوي في هذا الحديث ، ولم أجد من وافقه على ذلك والله أعلم . وكذلك وقع في روايته ((عبد الله بن بشر الخثعمي)) بينما وقع عند الآخرين ((الغَنَوي)). ثم رجعت إلى (( تعجيل المنفعة)) للحافظ ابن حجر فرأيته ترجم لعبد الله بن بشر الغنوي هذا ترجمة طويلة وذكر الاختلاف في نسبه وفي اسمه أيضاً ، وحكى أقوال المحدثين في ذلك ثم جنح إلى أنه غير الخثعمي الثقة الذي أخرج له الترمذي والنسائي ، وأنه وثقه ابن حبان وحده ، والله أعلم . وجملة القول أن الحديث لم يصح عندي لعدم الاطمئنان إلى توثيق ابن حبان للغَنَوي هذا ، وهو غير الخثعمي كما مال اليه العسقلاني . والله أعلم . ٨٧٩ - ( ليس على النساء أذان ولا إقامة، ولا جمعة ولا اغتسال جمعة ، ولا تَقَدَّمُهُن امرأة ، ولكن تقوم في وسطهن ) . موضوع . رواه ابن عدي في ((الكامل)) (١/٦٥) وابن عساكر (٢/١٥٩/١٦) عن الحكم عن القاسم عن أسماء ( يعني بنت يزيد ) مرفوعاً . وقال ابن عدي بعد أن ساق أحاديث أخرى للحكم هذا وهو ابن عبد الله بن سعد الأيلي : (( أحاديثه كلها موضوعة ، وما هو منها معروف المتن فهو باطل بهذا الإسناد ، وما أمليت للحكم عن القاسم بن محمد والزهري وغيرهم كلها مما لا يتابعه الثقات عليه ، وضعفه بين على حديثه )). وقال أحمد : (( أحاديثه كلها موضوعة))، وقال السعدي وأبو حاتم: (( كذاب))، وقال النسائي والدارقطني وجماعة : ((متروك الحديث)) كما في ((الميزان))، ثم ساق له أحاديث هذا منها ٢٦٩ والحديث رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١ /٤٠٨) من طريق ابن عدي ، ثم قال عقبه : (( هكذا رواه الحكم بن عبد الله الأيلي ، وهو ضعيف ، ورويناه في الأذان والإقامة عن أنس بن مالك موقوفا ومرفوعاً ، ورفعه ضعيف ، وهو قول الحسن وابن المسيب وابن سيرين والنخعي)). ( تنبيه) : أخطأ في هذا الحديث عالمان جليلان : أحدهما الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي فإنه قال في (( التحقيق)) (١/٧٩): ((وقد حكى أصحابنا أن رسول اللّه مَ له قال: ((ليس على النساء أذان ولا إقامة)). وهذا لا نعرفه مرفوعا ، إنما رواه سعيد بن منصور عن الحسن وإبراهيم والشعبي وسليمان بن يسار، وحكى عن عطاء أنه قال: يُقِمْنَ )) . قلت : فلم يعرفه ابن الجوزي مرفوعاً ، وقد روي كذلك كما سبق . والآخر الشيخ سليمان بن عبد الله حفيد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى فقال الشيخ سليمان في حاشيته على ((المقنع)) (٩٦/١): (( رواه البخاري عن أسماء بنت يزيد)) ! وهذا خطأ فاحش لا أدري منشأه ، وهو الذي حملني على تحقيق القول في هذا الحديث ونشره على الناس ، وخاصة إخواننا النجديين ؛ خشية أن يغتروا بهذا القول ثقة منهم بالشيخ رحمه الله تعالى ، والعصمه الله وحده . ثم تبين أن (البخاري) محرف من ((النَّجاد)) فقد عزاه إليه بعض الحنابلة كما حدثني أحد أساتذة الجامعة الإسلامية في المدينة في (١٣٨١/٩/١٧). و((النجاد)) هذا أحد محدثي فقهاء الحنابلة وحفاظهم ، واسمه أحمد بن سلمان بن الحسن أبوبكر الفقيه ، ولد سنة ٢٥٣ ، وتوفي سنة ٣٤٨ . ثم إن الحديث أخرج الشطر الأول منه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٥٠٢٢) والبيهقي من طريق عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه قال : فذكره موقوفاً . وهذا سند ضعيف مع وقفه ؛ فإن عبد الله بن عمر هذا هو العمري المكبر وهو ضعيف . وأما قول الشوكاني في ((النيل)) (٢٧/٢): ((إسناده صحيح)) فليس بصحيح . ولعله توهم أن العمري هذا هو المصغر ، فإنه ثقة ولیس به ؛ فإن اسمه عبيد الله ، على أنه أوهم أن الحديث مرفوع عن ابن عمر ، وليس كذلك كما عرفت . وقد روي عن ابن عمر خلافه، فقال أبو داود في ((مسائله)) (٢٩) : (( سمعت أحمد سئل عن المرأة تؤذن وتقيم ؟ قال: سئل ابن عمر عن المرأة تؤذن وتقيم ؟ قال: أنا أنهى عن ذكر الله عز وجل؟! أنا أنهى عن ذكر الله عز وجل؟! استفهام)). ٢٧٠ وهذا أولى من الذي قبله وإن كنت لم أقف على إسناده ، وغالب الظن أنه لو لم يكن ثابتاً عند أحمد لما احتج به . ثم صدق ظني ، فقد وجدت الأثر المذكور أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٢٢٣/١) بسند جيد عن ابن عمر. ويؤيده ، ما عند البيهقي عن ليث عن عطاء عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم ، وتؤم النساء وتقوم وسطهن . ورواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة مختصراً . ولیث هوابن أبي سليم ، وهو ضعيف . ثم روى البيهقي عن عمروبن أبي سلمة قال : سألت ابن ثوبان : هل على النساء إقامة ؟ فحدثني أن أباه حدثه قال : سألت مكحولاً ؟ فقال : إذا أذَّنَّ فأقمن فذلك أفضل ، وإن لم يزدنَ على الإقامة أجزأت عنهن ، قال ابن ثوبان : وإن لم يقمن فإن الزهري حدث عن عروة عن عائشة قالت : ((كنا نصلي بغير إقامة)). قلت : وابن ثوبان هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العنسي الدمشقي وليس هو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان كما ذكر المعلق على ((سنن البيهقي))، وهو العامري المدني، فإن هذا العامري متقدم على العنسي هذا من التابعين ، والعنسي من أتباع التابعين ، وهو حسن الحديث ، وبقية الرجال ثقات ، فالسند حسن ، وقد جمع البيهقي بين هذا وبين رواية ليث المتقدمة بقوله : (( وهذا إن صح مع الأول ، فلا يتنافيان ، لجواز أنها فعلت ذلك مرة ، وتركته أخرى لبيان الجواز، والله أعلم. ويذكر عن جابر بن عبد الله أنه قيل له: أتقيم المرأة ؟ قال: نعم)). والحق في هذه المسألة ما قاله أبو الطيب صديق خان في ((الروضة الندية)) (٧٩/١): (( ثم الظاهر أن النساء كالرجال لأنهن شقائقهن، والأمر لهم أمرلهن ، ولم يرد ما ينتهض للحجة في عدم الوجوب عليهن ، فإن الوارد في ذلك في أسانيده متروكون ، لا يحل الاحتجاج بهم ، فإن ورد دليل يصلح لإخراجهن فذاك، وإلا فهن كالرجال)). ٨٨٠ - ( لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى ابن مريم ، وشاهد يوسف ، وصاحب جريج ، وابن ماشطة بنت فرعون ) . باطلٍ بهذا اللفظ، رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٢٩٥/٢): حدثنا أبو الطيب محمد ابن محمد الشّعِيري : ثنا السّرِيُّ بنِ خَزَيمة : ثنا مسلم بن إبراهيم : ثنا جريربن حازم : ثنا محمد ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعاً - وقال : (( هذا حديث صحيح على شرط الشيخين)) !. ووافقه الذهبي ، وهو عجب ، فإن السري بن خزيمة لم أجد له ترجمة ، وكذلك محمد بن محمد الشعيري لم أجده إلا أن يكون ، هو الذي أورده السمعاني في ((الأنساب)): محمد بن جعفر بن محمد الشعيري ، قال ( ٢/٣٣٥) : ٢٧١ ((حدث عن عثمان بن صالح الخياط، روى عنه علي بن هارون الحربي)». ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلاً . وهذا الحديث بهذا الإسناد باطل عندي ، وذلك لأمرين : الأول : أنه حصر المتكلمين في المهد في ثلاثة ، ثم عند التفصيل ذكرهم أربعة ! والثاني: ان الحديث رواه البخاري في ((صحيحه - أحاديث الأنبياء)) من الطريق التي عند الحاكم فقال : حدثنا مسلم بن إبراهيم بسنده عند الحاكم تماماً إلا أنه خالفه في اللفظ فقال : (( لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى، وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج ( قلت فذكر قصته وفيها : ثم أتى الغلامَ فقال : من أبوك يا غلام ؟ فقال الراعي ثم قال : ) وكانت امرأة ترضع ابناً لها من بني إسرائيل فمر بها رجل راكب ذو شارة، فقالت (( اللهم اجعل ابني مثلَه ، فترك ثديها فأقبل على الراكب ، فقال : اللهم لا تجعلني مثله )) . الحديث ، وأخرجه مسلم أيضا ( ٤/٨ - ٥) من طريق يزيد بن هارون : أخبرنا جرير بن حازم به . ورواه أحمد (٣٠٧/٢ - ٣٠٨) من طريقين آخرين عن جرير به . والظاهر أن أصل حديث الترجمة موقوف، فقد أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (١١٥/١٢): حدثنا ابن وكيع : قال : حدثنا العلاء بن عبد الجبار عن حماد بن سلمة عن عطاء ابن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : (( تكلم أربعة في المهد وهم صغار ... )) . قلت فذكرهم كما في رواية الحاكم الباطلة ! ورجال هذا الموقوف موثقون ولكن فيه علتان : الأولى : عطاء بن السائب ؛ فإنه كان قد اختلط ، وحماد بن سلمة روى عنه قبل الاختلاط وبعده ، خلافاً لمن يظن خلافه من المعاصرين ! الثانية : ابن وكيع هذا وهو سفيان ، قال الحافظ : (( كان صدوقا إلاّ أنه ابتُلِيَ بورّاقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه ، فنصح فلم يقبل ، فسقط حديثه)) . قلت: لكنه لم يتفرد به، فقال ابن جرير: ((حدثنا الحسن بن محمد قال : أخبرنا عفان قال: ثنا حماد قال: أخبرني عطاء بن السائب عن سعيد بن جبيرٍ عن ابن عباس عن النبي معَ له قال: (( تكلم أربعة وهم صغار. فذ کر فیهم شاهد يوسف )) . قلت : وأخرجه الحاكم (٢ / ٤٩٦ -- ٤٩٧) من طريق أخرى عن عفان به وقال : ((صحيح الإسناد))! ووافقه الذهبي، مع أنه قال في عطاء في ((الضعفاء)) (٢/١٨٧): (( مختلف فيه ، من سمع منه قديماً فهو صحيح )). ٢٧٢ وقد علمت مما سبق أن جماد بن سلمة سمع منه في اختلاطه أيضا ، ولا يمكن تمييز ما سمعه في هذا الحال عن ما سمعه قبلها ، فلذا يتوقف عن تصحيح روايته عنه . ثم إن السيوطي قد أورد حديث أبي هريرة من طريق الحاكم في ((الجامع الصغير)) بلفظ: ((لم يتكلم في المهد إلا عيسى بن مريم ... )) فحذف منه كما ترى لفظة ((ثلاث)) لمعارضتها للتفصيل المذكور في الحديث عقبها كما سبق بيانه ، وهذا تصرف من السيوطي غير جيد عندي ، بل الواجب إبقاء الرواية كما هي ، مع التنبيه على ما فيها من التناقض ، فلربما دل هذا التناقض على ضعف أحد رواة الحديث كما فعلنا نحن حيث بينًا أن الحديث في ((البخاري)) من الطريق التي أخرجها الحاكم بغير هذا اللفظ . هذا . ولم أجد في حديث صحيح ما ينافي هذا الحصر الوارد في حديث الصحيحين إلا ما في قصة غلام الأخدود ففيها أنه قال لأمه: (( يا أمَّهْ اصبري فإنك على الحق )) رواه أحمد (١٧/٦ - ١٨) من حديث صهيب مرفوعا بسند صحيح على شرط مسلم . وفيه عنده زيادة أن أمه كانت ترضعه، والقصة عند مسلم أيضاً (٢٣١/٨) دون هذه الزيادة، وقد عزاها الحافظ في ((الفتح)) (٦ / ٣٧١) لمسلم ، وهووهم إن لم تكن ثابتة في بعض نسخ مسلم . وقد جمع بين هذا الحديث وحديث الصحيحين بأن حمل هذا على أنه لم يكن في المهد . والله أعلم . ومن تخاليط عطاء بن السائب أنه جعل قول هذا الغلام: ((اصبري ... )) من كلام ابن ماشطة بنت فرعون! وسيأتي في لفظ: (( لما أسري بي ... )) ثم إن ظاهر القرآن في قصة الشاهد أنه كان رجلاً لا صبياً في المهد ، إذ لوكان طفلاً لكان مجرد قوله إنها كاذبة كافياً وبرهانا قاطعاً ؛ لأنه من المعجزات ، ولما احتيج أن يقول: ((من أهلها)) ولا أن يأتي بدليل حي على براءة يوسف عليه السلام وهو قوله: (إن كان قميصه قُدَّ من قُبُلٍ فصدقت وهومن الكاذبين ، وإن كان قميصه قُدَّ من دبر) الآية. وقد روى ابن جرير بإسناد رجاله ثقات عن ابن عباس أن الشاهد كان رجلاً ذا لحية ، وهذا هو الأرجح . والله أعلم . ( فائدة ) ما يذكر في بعض كتب التفسير وغيرها أنه تكلم في المهد أيضا إبراهيم ويحيى ومحمد صلى اللّه تعالى عليهم أجمعين. فليس له أصل مسند إلى النبي عَ له. فاعلم ذلك. ٨٨١ - ( الحمد لله الذي وَفَّق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسولَ اللّه ) . منكر. أخرجه أبو داود الطيالسي في (( مسنده ٢٨٦/١ - منحة المعبود)) وكذا أحمد (٢٣٠/٥، ٢/٤٢) وأبوداود في ((السنن)) (١١٦/٢) والترمذي (٢٧٥/٢) وابن سعد في ((الطبقات)) (٣٤٧/٢ و٥٨٤ - طبع بيروت) والعقيليّ في ((الضعفاء)) ( ٧٦ - ٧٧ ) والخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) (١/٩٣ و١١٢ - ١١٣ مخطوطة الظاهرية، ١٥٤ - ١٥٥ و ١٨٨ - ١٨٩ - مطبوعة الرياض) والبيهقي في ((سننه)) (١١٤/١٠) وابن عبد البرفي ((جامع بيان العلم)) (٥٥/٢ - ٥٦) وابن حزم في «الإحكام)) (٢٦/٦، ٣٥، ١١١/٧ - ١١٢) من طرق عن شعبة عن أبي العون عن الحارث بن عمرو- أخي المغيرة بن شعبة - عن أصحاب معاذ بن جبل عن معاذ بن جبل : أن النبي ◌َّ لّهِ حين بعثه إلى اليمن قال له : كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ ، قال : أقضي بما في كتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب اللّه؟، قال: بسنة رسول اللّه، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟، قال: أجتهد رأيي لا آلو، قال: فضرب رسول اللّه عَد له صدره وقال : فذكره ، وقال العقيلي : ((قال البخاري : لا يصح، ولا يعرف إلا مرسلاً)). قلت: ونصه في ((التاريخ)) (٢٧٥/١/٢): (( لا يصح ، ولا يعرف إلا بهذا، مرسل)). قلت : يعني أن الصواب أنه عن أصحاب معاذ بن جبل ليس فيه ((عن معاذ)). وقال الذهبي : (( قلت : تفرد به أبوعون محمد بن عبيد الله الثقفي عن الحارث بن عمرو الثقفي أخو المغيرة بن شعبة ، وما روى عن الحارث غير أبي عون فهو مجهول ، وقال الترمذي : ليس إسناده عندي بمتصل )) . قلت : ولذلك جزم الحافظ في (( التقريب)) بأن الحارث هذا مجهول . ثم رواه أحمد (٢٣٦/٥) وأبوداود وابن عساكر (٢/٣١٠/١٦) من طريقين آخرين عن شعبة، إلا أنهما قالا: ((عن رجال من أصحاب معاذ أن رسول الله لما أراد أن يبعث معاذاً إلى اليمن)). الحديث، لم يذكر: (( عن معاذ)). قلت : هذا مرسل وبه أعله البخاري كما سبق ، وكذا الترمذي حيث قال عقبه : (( هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وليس إسناده عندي بمتصل)). وأقره الحافظ العراقي في ((تخريج أحاديث منهاج الأصول)) للبيضاوي ((ق ١/٧٦)). قلت : فقد أعل هذا الحديث بعلل ثلاث : الأولى : الإرسال هذا . الثانية : جهالة أصحاب معاذ . الثالثة : جهالة الحارث بن عمرو. قال ابن حزم : ((هذا حديث ساقط ، لم يروه أحد من غير هذا الطريق ، وأول سقوطه أنه عن قوم مجهولين لم يسموا ، فلا حجة فيمن لا يعرف من هو؟ وفيه الحارث بن عمرو، وهو مجهول لا يعرف من هو؟ ولم يأت هذا الحديث قط من غير طريقه)) . وقال في موضع آخر بعد أن نقل قول البخاري فيه: ((لا يصح)) : ٢٧٤ « وهدا حدیث باطل لا أصل له )) . وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص ٤٠١) عقب قول البخاري المذكور: ((وقال الدارقطني في ((العلل)): رواه شعبة عن أبي عون هكذا. وأرسله ابن مهدي وجماعات عنه . والمرسل اصح. قال أبو داود ( يعني الطيالسي ) : وأكثر ما كان يحدثنا شعبة عن أصحاب معاذ ان رسول الله . وقال مرة : عن معاذ. وقال ابن حزم : (( لا يصح لأن الحارث مجهول ، وشيوخه لا يعرفون ، قال : وادعى بعضهم فيه التواتر، وهذا كذب ، بل هوضد التواتر ، لأنه ما رواه أحد غير أبي عون عن الحارث ، فكيف يكون متواتراً؟!)). وقال عبد الحق : ((لا يسند، ولا يوجد من وجه صحيح)). وقال ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)): (( لا يصح وإن كان الفقهاء كلهم يذكرونه في كتبهم ويعتمدون عليه ، وإن كان معناه صحيحا)). وقال ابن طاهر في تصنيف له مفرد ، في الكلام على هذا الحديث : (( اعلم أنني فحصت عن هذا الحديث في المسانيد الكبار والصغار، وسألت عنه من لقيته من أهل العلم بالنقل ، فلم أجد غير طريقين : أحدهما : طريق شعبة . والاخرى: عن محمد بن جابر عن أشعث بن أبي الشعثاء عن رجل من ثقيف عن معاذ ، وكلاهما لا يصحِ . قال : وأقبح ما رأيت فيه قول إمام الحرمين في كتاب ((أصول الفقه)): ((والعمدة في هذا الباب على حديث معاذ)) قال: ((وهذه زلة منه، ولو كان عالماً بالنقل لما ارتكب هذه الجهالة))، (قال الحافظ رحمه الله تعالى ) : (( قلت : أساء الأدب على إمام الحرمين، وكان يمكنه أن يُعبِّر بألين من هذه العبارة، مع أن كلام إمام الحرمين أشد مما نقله عنه! فإنه قال: ((والحديث مدون في ((الصحاح)) متفق على صحته (! ) لا يتطرق إليه التأويل)). كذا قال رحمه اللّه، وقد أخرجه الخطيب في كتاب ((الفقيه والمتفقه)) من رواية عبد الرحمن بن غَنْ عن معاذ بن جبل ، فلوكان الإسناد إلى عبد الرحمن ثابتاً لكان كافياً في صحة الحديث )) . قلت : لم يخرجه الخطيب ، بل علقه (ص ١٨٩) بقوله: (( وقد قيل إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ. وهذا إسناد متصل ورجاله معروفون بالثقة)) . قلت: وهيهات، فإن في السند إليه كذاباً وضاعاً، فقد أورده ابن القيم في ((تهذيب السنن)) تعليقاً على هذا الحديث ، فقال (٢١٣/٥): ((وقد أخرجه ابن ماجه في (( سننه )) من حديث يحيى بن سعيد الأموي عن محمد بن سعيد بن حسان عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم : حدثنا معاذ بن جبل قال : (( لما بعثني رسول اللّه مَ ◌ّه إلى اليمن قال: لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم، وإن ٢٧٥ أشكل عليك أمر، فقف حتى تَبَّنَهُ، أو تكتب إلي فيه )) . وهذا أجود إسناداً من الأول ، ولا ذكر للرآني فيه )) . قلت : كيف يكون أجود إسناداً من الأول وفيه محمد بن سعيد بن حسان وهو الدمشقي المصلوب؟! قال في (( التقريب)) (( قال أحمد بن صالح ، وضع أربعة آلاف حديث ، وقال أحمد : قتله المنصور على الزندقة وصلبه)). وقد سبق نحوه (ص ٢٤٤) عن غيره من الأئمة . قلت : ولعله اشتبه على ابن القيم رحمه الله بمحمد بنٍ سعيد بن حسان الحمصي ، وليس به ، فإنه متأخر عن المصلوب ، ولم يذكروا له رواية عن ابن نَسَيّ ، ولا في الرواة عنه يحيى بن سَعيد الأموي ، وإنما ذكروا ذلك في الأول ، على أنه مجهول كما قال الحافظ ، وأيضا فإن هذا ليس من رجال ابن ماجه ، وإنما ذكروه تمييزا بينه وبين الأول . والحديث في ((المقدمة)) من ((سنن ابن ماجه)) (٢٨/١)، وقال البوصيري في ((الزوائد)) ( ق ٢/٥) : (( هذا إسناد ضعيف ، محمد بن سعيد هو المصلوب اتهم بوضع الحديث)). على أن قول ابن القيم: ((ولا ذكر للرأي فيه)). إنما هو بالنظر إلى لفظ رواية ابن ماجه ، وإلا فقد أخرجه ابن عساكر في ((تاريخه)) (١٦ / ١/٣١٠) من طريق المصلوب هذا بلفظ: (( قال معاذ : يا رسول الله: ارأيت ما سئلت عنه مما لم أجده في كتاب الله ولم أسمعه منك ؟ قال : اجتهدْ رأْيَك)) . ثم رواه ابن عساكر (١٦ /٢/٣١٠) من طريق سليمان الشاذكوني : نا الهيثم بن عبد الغفار عن سبرة بن معبد عن عبادة بن نسي به بلفظ : ((اجتهد رأيك؛ فإن اللّه إذا علم منك الحق وفقك للحق)). والهيثم هذا قال ابن مهدي : ((يضع الحديث)). والشاذ كوني كذاب . قلت : وأجاب ابن القيم عن العلة الثانية ، وهي جهالة أصحاب معاذ بقوله في (( إعلام الموقعين)) (٢٤٣/١) : ((وأصحاب معاذ وإن كانوا غير مسمين فلا يضره ذلك ، لأنه يدل على شهرة الحديث ، وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى ... )) أقول : فهذا جواب صحيح لوأن علة الحديث محصورة بهذه العلة ، أما وهناك علتان أخريان قائمتان ، فالحديث ضعيف على كل حال ، ومن العجيب أن ابن القيم رحمه الله لم يتعرض للجواب عنهما مطلقاً . فكأنه ذهل عنهما لانشغاله بالجواب عن هذه العلة . والله أعلم . ثم تبين لي أن ابن القيم اتبع في ذلك كله الخطيب البغدادي في ((الفقيه والمتفقه)) (١١٣ / ٢٧٦ ٩ ١ - ٢ من المخطوطة، ١٨٩ - من المطبوعة)، وهذا أعجب ؛ أن يخفى على مثل الخطيب في حفظه ومعرفته بالرجال علة هذا الحديث القادحة ! (تنبيه) أورد ابن الأثير هذا الحديث في ((جامع الأصول)) (١٠ /٥٥١) عن الحارث ابن عمرو باللفظ الذي ذكرته ، ثم قال : ((وفي رواية: ((أن معاذاً سأل رسول اللّه عَ لَّه فقال: يا رسول الله بما أقضي؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم أجد ؟. قال: بسنة رسول اللّه، قال : فإن لم أجد ؟ ! قال استَدِقَّ الدنيا ، وتَعَظَّم في عينيك ما عند الله واجتهد رأيك فيسددك اللّه للحق )) . ثم قال عقبه : (( وأخرجه أبوداود )). قلت : وليست عنده هذه الرواية ، ولا رأيت أحداً عزاها إليه غيره ، ولا وجدت لها أصلاً في شيء من المصادرالتي وقفت عليها ، فهي منكرة شديدة النكارة ؛ لمخالفتها لجميع الروايات المرسلة منها والموصولة ، وجميعها معلة بالجهالة . ومر على هذا العزولأبي داود المحقق الفاضل لـ ((جامع الأصول)) ( ١٠ / ١٧٧ - ١٧٨ - طبعة دمشق ) دون أي تعليق أو تحقيق! تنبيه آخر : ذهب الشيخ زاهد الكوثري المعروف في مقال له إلى تقوية هذا الحديث ، وليسٍ ذلك بغريب منه ما دام أنه قد سبق إليه ، ولكن الغريب حقاً أنه سلك في سبيل ذلك طريقاً معوجة ، لا يعرفها أهل الجرح والتعديل ، فرأيت أن أنقل خلاصة كلامه فيه ، ثم أرد عليه وأبين خطأه وزغله. قال في ((مقالاته)) (ص ٦٠ - ٦١ ): (( وهذا الحديث رواه عن أصحاب معاذ الحارث بن عمرو الثقفي ، وليس هو مجهول العين بالنظر إلى أن شعبة بن الحجاج يقول عنه : إنه أبن أخي المغيرة بن شعبة ، ولا مجهول الوصف من حيث أنه من كبار التابعين ، في طبقة شيوخ أبي عون الثقفي المتوفى سنة ١١٦ ، ولم ينقل أهل الشأن جرحاً مفسراً في حقه ، ولا حاجة في الحكم بصحة خبر التابعي الكبير إلى أن ينقل توثيقه عن أهل طبقته ، بل يكفي في عدالة وقبول روايته ألا يثبت فيه جرح مفسر من أهل الشأن ، لما ثبت من بالغ الفحص على المجروحين من رجال تلك الطبقة . أما من بعدهم فلا تقبل روايتهم ما لم تثبت عدالتهم وهكذا. والحارث هذا ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وإن جهله العقيلي وابن الجارود وأبو العرب . وقد روى هذا الحديث عن أبي عون عن الحارث - أبو إسحاق الشيباني وشعبة بن الحجاج المعروف بالتشدد في الرواية والمعترف له بزوال الجهالة وصفاً عن رجال يكونون في سند روايته )) . قلت : وفي هذا الكلام من الأخطاء المخالفة لما عليه علماء الحديث، ومن المغالطات والدعاوي الباطلة ما لا يعرفه إلا من كان متمكناً في هذا العلم الشريف ، وبياناً لذلك أقول : ١ - قوله: (( ليس هو مجهول العين بالنظر إلى أن شعبة يقول عنه: ابن أخي المغيرة)). فأقول : بل هو مجهول ، وتوضيحه من ثلاثة وجوه : الأول : أن أحداً من علماء الحديث - فيما علمت - لم يقل أن الراوي المجهول إذا عرف ٢٧٧ اسم جده بله اسم أخي جده خرج بذلك عن جهالة العين إلى جهالة الحال أو الوصف . فهي مجرد دعوى من هذا الجامد في الفقه ، والمجتهد في الحديث دون مراعاة منه لقواعد الأئمة ، وأقوالهم الصريحة في خلاف ما يذهب إليه ! فإنهم أطلقوا القول في ذلك ، قال الخطيب : ((المجهول عند أهل الحديث من لم يعرفه العلماء ولا يعرف حديثه إلا من جهة واحد ... )) الثاني : أنه خلاف ما جرى عليه أئمة الجرح والتعديل في تراجم المجهولين عيناً ، فقد عرفت مما سبق ذكره في ترجمة الحارث هذا أنه مجهول عند الحافظين الذهبي والعسقلاني وكفى بهما حجة ، لا سيما وهما مسبوقون إلى ذلك من ابن حزم وغيره ممن ذكرهم الكوثري نفسه كما رأيتَ ! ومن الأمثلة الأخرى على ذلك ذُهيل بن عوف بن شماخ التميمي أشار الذهبي إلى جهالته بقوله في ((الميزان)): ((ما روى عنه سوى سليط بن عبد الله الطهوي)). وصرح بذلك الحافظ فقال فى ((التقريب)): ((مجهول من الثالثة)). ومن ذلك أيضاً زريق بن سعيد بن عبد الرحمن المدني ، أشار الذهبي أيضاً إلى جهالته ، وقال الحافظ: ((مجهول)). والأمثلة على ذلك تكثر، وفيما ذكرنا كفاية، فأنت ترى أن هؤلاء قد عرف اسم جد كل منهم ، ومع ذلك حكموا عليهم بالجهالة . الثالث: قوله: (( شعبة يقول عنه: إنه ابن أخي المغيرة بن شعبة))، فأقول: ليس هذا من قول شعبة ، وإنما هو من قول أبي العون كما مرفي إسناد الحديث ، وشعبة إنما هوراو عنه ، وهو في هذه الحالة لا ينسب إليه قول ما جاء في روايته ، حتى ولو صحت عنده لأنه قدّ يقول بخلاف ذلك ، ولذلك جاء في علم المصطلح، (( وعمل العالم وفتياه على وفق حديث رواه ليس حكماً بصحته ، ولا مخالفته قدح في صحته ولا في رواته )). کذا في « تقریب النووي )»( ص ٢٠٩ بشرح التدريب )). وكأن الكوثري تعمد هذا التحريف ونسبة هذا القول لشعبة ـ ولیس له -ليُقوي به دعوى كون الحارث بن عمرو هوابن أخي المغيرة ، لان أبا العون - واسمه محمد بن عبيد اللّه ابن الثقفي الأعور وإن كان ثقة ، فانه لا يزيد على كونه راوياً من رواة الحديث ، وأما شعبة فإمام نقاد . على أننا لوسلمنا بأنه من قوله ، فذلك مما لا يفيد الكوثري شيئاً من رفع الجهالة كما سبق بيانه . ٢ - قوله: (( ولا مجهول الوصف من حيث أنه من كبار التابعين في طبقة شيوخ أبي عون ... )) . فأقول : الجواب من وجهين : الأول : بطلان هذه الدعوى من أصلها ، لأن شيوخ أبي عون ليسوا جميعاً من كبار التابعين حتى يلحق بهم الحارث هذا ، فان من شيوخه أبا الزبير المكي وقد مات سنة (١٢٦) ؛ ولذلك جعله الحافظ من الطبقة الرابعة، وهم الذين جُل روايتهم عن كبار التابعين. ومن شيوخه والده عبيد الله بن سعيد، ولا تعرف له وفاة، لكن ذكره ابن حبان في ((أتباع التابعين )) وقال . يروي المقاطيع . ٢٧٨ قال الحافظ: فعلى هذا فحديثه عن المغيرة مرسل. يعني منقطع. ولذلك جعله في ((التقريب)) من الطبقة السادسة ، وهم من صغار التابعين الذين لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة كابن جريج . إذا عرفت هذا فادعاء أن الحارث بن عمرو من كبار التابعين افتئات على العلم ، وتخرص لا يصدر من مخلص ، والصواب أن يذكر ذلك على طريق الاحتمال ، فيقال : يحتمل أنه من كبار التابعين ، كما يحتمل أنه من صغارهم . فان قيل : فأيهما الأرجح لديك ؟ قلت : إذا كان لا بد من اتباع أهل الاختصاص في هذا العلم ، وترك الإجتهاد فيما لا سبيل لأحد اليوم إليه ، فهو أنه من صغار التابعين ، فقد أورده الامام البخاري في ((التاريخ الصغير)) في فصل ((من مات ما بين المائة إلى العشر)) (ص ١٢٦ - هند) وأشار إلى حديثه هذا وقال : (( ولا يعرف الحارث إلا بهذا، ولا يصح)). ولذلك جعله الحافظ في (( التقريب)» من الطبقة السادسة التي لم يثبت لأصحابها لقاء أحد من الصحابة فقال : ((مجهول، من السادسة)). فان قيل : ينافى هذا ما ذكره الكوثري (ص ٦٢ ) أن لفظ شعبة في رواية علي بن الجعد قال: سمعت الحارث بن عمروابن أخي المغيرة بن شعبة يحدث عن أصحاب رسول اللّه مَ القلم عن معاذ ابن جيل. كما أخرجه ابن أبي خيثمة في ((تاريخه)) ومثله في ((جامع بيان العلم » لابن عبد البرَ. فهذا صريح في أنه لقي جمعاً من أصحاب النبي عَ لِّ فهو تابعي . فأقول : نعم والله إن هذه الرواية لتنافي ذلك أشد المنافاة ، ولكن يقال الكوثري وأمثاله : أثبت العرش ثم انقش ؛ فإنها رواية شاذة ، تفرد بها علي بن الجعد مخالفاً في ذلك لسائر الثقات الذين لم يذكروا رسول اللّه ◌َ له مضافاً إلى ( الأصحاب)، وإنما قالوا : أصحاب معاذكما تقدم في الاسناد عند جميع من عزونا الحديث اليهم ، إلا في رواية لابن عبد البر، وهي من روايته عن أحمد بن زهير قال : حدثنا علي بن الجعد .. وأحمد بن زهير هوابن أبي خيثمة . وإليك أسماء الثقات المخالفين لابن الجعد في روايته تلك : الأول : أبو داود الطيالسي نفسه في (( مسنده )) وعنه البيهقي . الثاني : محمد بن جعفر عند أحمد والترمذي . الثالث : عفان بن مسلمة عند أحمد أيضاً. الرابع : يحيى بن سعيد القطان ، عند أبي داود وابن عبد البرفي الرواية الأخرى . الخامس : وكيع بن الجراح . السادس : عبد الرحمن بن مهدي .] عند الترمذي . السابع : يزيد بن هارون . عند ابن سعد الثامن : أبو الوليد الطيالسي . L ٢٧٩ فهؤلاء ثمانية من الثقات وكلهم أئمة أثبات ، لا سيما وفيهم يحيى القطان الحافظ المتقن لو أن بعضهم خالفوا ابن الجعد لكان كافياً في الجزم بوهمه في نسبته (الأصحاب) الى الرسول محمد اله لا إلى معاذ ، فكيف بهم مجتمعين ؟ ! ومثل هذا لا يخفى على الكوثري ، ولكنه يتجاهل ذلك عمداً لغاية في نفسه ، وإلا فان لم تكن رواية ابن الجعد هذه شاذة فليس في الدنيا ما يمكن الحكم عليه بالشذوذ ، ولذلك لم يعرج على هذه الرواية كل من ترجم للحارث هذا . فثبت مما تقدم أن الحارث بن عمرو هو من صغار التابعين ، وليس من كبارهم ، وقد صرح بسماعه من جابر بن سمرة في رواية الطيالسي في ((مسنده)) (٢١٦) عن شعبة عنه. والآخر: هب أنه من كبار التابعين ، فذلك لا ينفي عنه جهالة العين فضلاً عن جهالة الوصف عند أحد من أئمة الجرح والتعديل ، بل إن سيرتهم في ترجمتهم للرواة يؤيد ما ذكرنا ، فهذا مثلاً حريث بن ظُهير من الطبقة الثانية عند الحافظ ، وهي طبقة كبار التابعين ، فإنه مع ذلك أطلق عليه الحافظ بأنه مجهول. وسبقه إلى ذلك الإمام الذهبي فقال: ((لا يعرف)). ومثله حصين ابن نمير الكندي الحمصي. قال الحافظ: (( يروي عن بلال ، مجهول من الثانية )» . ونچچوه خالد بن وهبان ابن خالة أبي ذر. قال الحافظ: ((مجهول، من الثالثة )). ٣ - قوله: ((ولم ينقل أهل الشأن جرحاً مفسراً في حقه)). قلت : لا ضرورة إلى هذا الجرح ، لأنه ليس بمثله فقط يثبت الجرح ، بل يكفي أن يكون جرحاً غير مفسر إذا كان صادراً من إمام ذي معرفة بنقد الرواة ، ولم يكن هناك توثيق معتبر معارض له ، كما هو مقرر في علم المصطلح ، فمثل هذا الجرح مقبول ، لا يجوز رفضه ، ومن هذا القبيل وصفه بالجهالة ، لأن الجهالة علة في الحديث تستلزم ضعفه ، وقد عرفت أنه مجهول عند جمع من الأئمة النقاد ومنهم الامام البخاري . فأغنى ذلك عن الجرح المفسر. وثبت ضعف الحديث . ٤ - قوله: ((ولا حاجة في الحكم بصحة خبر التابعي الكبير إلى أن ينقل توثيق عن أهل طبقته )). فأقول : فيه أمور : أولاً : أن الحارث هذا لم يثبت أنه تابعي كبيركما تقدم فانهار قوله من أصله . وثانياً : أنه لا قائل بأن الراوي سواء كان تابعياً أو ممن دونه بحاجة إلى أن ينقل توثيقه عن أهل طبقته ، بل يكفي في ذلك أن يوثقه إمام من أئمة الجرح والتعديل سواء كان من طبقته أو ممن دونها ، فلما كان الحارث هذا لم يوثقه أحد ممن يوثق بتوثيقه ، بل جهلوه فقد سقط حديثه . ٥ - قوله: (( بل يكفي في عدالته ... (إلى قوله) من رجال تلك الطبقة)). قلت : هذه مجرد دعوى ، فهي لذلك ساقطة الاعتبار ، فكيف وهي مخالفة للشرط الأول من شروط الحديث الصحيح: ((ما رواه عدل ضابط .. )) فلوسلمنا أن عدالته تثبت بذلك، ٢٨٠