Indexed OCR Text
Pages 61-80
٥ - (ما تَرَكَ عبدٌ شيئاً للهِ، لا يتْرُكُهُ إِلا الله؛ إِلا عَوَّضَهُ منهُ ما هُو
خيرٌ لهُ في دينِهِ ودُنياهُ).
موضوع بهذا اللفظ. وقد سمعته في كلمة ألقاها بعض الأفاضل من إذاعة
دمشق في شهر رمضان سنة ١٣٧٩ هـ.
أخرجه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٢ / ١٩٦)، وعنه الديلمي (٤ / ٢٧ -
الغرائب الملتقطة)، والسِّلفي في ((الطيوريات)) (٢٠٠ / ٢)، وابن عساكر (٣/
٢٠٨ / ٢ و١٥ / ٧٠ / ١) من طريق عبدالله بن سعد الرقي: حدثتني والدتي مروة
بنت مروان قالت: حدثتني والدتي عاتكة بنت بكار عن أبيها قالت: سمعت الزهري
يحدث عن سالم بن عبدالله عن ابن عمر أن رسول الله وَسير قال: فذكره. وقال أبو
نعيم عقبه :
«حدیث غریب)).
وأقول: إن إسناده موضوع، فإن مَن دون الزهري لا ذكر لهم في شيء من كتب
الحديث غير عبدالله بن سعد الرقي، فإنه معروف، ولكن بالكذب!
قال الحافظ الذهبي في ((ميزان الاعتدال في نقد الرجال))، وتبعه الحافظ أحمد
ابن حجر العسقلاني في «لسان الميزان»:
((كذبه الدارقطني، وقال: كان يضع الحديث، وهَّاه أحمد بن عبدان)).
وفيه علة أخرى، وهي جهالة بكار هذا، وهو ابن محمد، وفي ترجمته أورده ابن
عساکر، ولم یذکر فیه جرحاً ولا تعديلاً.
نعم، صحّ الحديث بدون قوله في آخره:
((في دينه ودنياه)).
أخرجه وكيع في ((الزهد)) (٢ / ٢/٦٨)، وعنه أحمد (٥ / ٣٦٣)، والقضاعي
في ((مسند الشهاب)) (رقم ١١٣٥) بلفظ:
٦١
((إنك لن تدع شيئاً لله عز وجل؛ إلا بدَّلك الله به ما هو خير لك منه)).
وسنده صحيح على شرط مسلم.
وأخرجه الأصبهاني أيضاً في ((الترغيب)) (٧٣ / ١)، ثم روى له شاهداً من
حديث أبي بن كعب بسند لا بأس به في الشواهد.
٦ - (تَنَّكَّبوا الغُبارَ؛ فإِنَّهُ منهُ تَكونُ النسمةُ).
لا أعلم له أصلاً. أورده ابن الأثير في مادة (نسم) من ((النهاية))، وذكر أنه
حديث! ولا أعرف له أصلاً مرفوعاً.
وقد روى ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٨ / ٢ / ١٩٨)، فقال:
((وقال عبدالله بن صالح المصري عن حرملة بن عمران عمن حدثهم عن ابن
سندر مولى النبي ◌ّ﴾ قال: أقبل عمرو بن العاص وابن سندر معهم، فكان ابن سندر
ونفر معه يسيرون بين يدي عمرو بن العاص، فأثاروا الغبار، فجعل عمرو طرف
عمامته على أنفه، ثم قال:
((أَتَّقوا الغبار؛ فإنه أوشك شيء دخولاً، وأبعده خروجاً، وإذا وقع على الرئة صار
نسمة)).
وهذا ۔ مع کونه موقوفاً ۔ لا یصح من قبل سنده؛ لأمور:
الأول: أن ابن سعد علقه، فلم يذكر الواسطة بينه وبين عبدالله بن صالح.
الثاني: أن ابن صالح فيه ضعف، وإن روی له البخاري، فقد قال ابن حبان :
((كان في نفسه صدوقاً، إنما وقعت المناکیر في حديثه من قبل جار له، فسمعت
ابن خزيمة يقول: كان بينه وبينه عداوة، كان يضع الحديث على شيخ ابن صالح،
ويكتبه بخط يشبه خط عبدالله، ويرميه في داره بين كتبه، فيتوهم عبدالله أنه خطه،
٦٢
فيحدث به!)).
الثالث: أن الواسطة بين حرملة وابن سندر لم تسم، فهي مجهولة .
٧ - (اثْتَتَانِ لا تَقْرَبْهُما: الشِّرْكُ باللهِ، والإِضرارُ بِالنَّاسِ).
لا أصل له. وقد اشتهر بهذا اللفظ، ولم أقف عليه في شيء من كتب السنة،
ولعل أصله ما في ((الإِحياء)) للغزالي (٢ / ١٨٥):
:醬心
((خصلتان ليس فوقهما شيء من الشر: الشرك بالله، والضر لعباد الله، وخصلتان
ليس فوقهما شيء من البر: الإِيمان بالله، والنفع لعباد الله)).
وهو حدیث لا يعرف له أصل.
قال العراقي في تخريجه:
((ذكره صاحب ((الفردوس)) من حديث علي، ولم يسنده ولده في مسنده)).
ولهذا أورده السبكي في الأحاديث التي وقعت في ((الإِحياء)) ولم يجد لها إسناداً
(٤ / ١٥٦).
٨ - (اعْمَلْ لدُنياكَ كأنَّكَ تعيشُ أبداً، واعْمَلْ لآخِرَتِكَ كأنَّكَ
تَموتُ غَداً).
لا أصل له مرفوعاً. وإن اشتهر على الألسنة في الأزمنة المتأخرة، حتى إن
الشيخ عبدالكريم العامري الغزي لم يورده في كتابه ((الجد الحثيث في بیان ما ليس
بحديث)) .
وقد وجدت له أصلاً موقوفاً، رواه ابن قتيبة في ((غريب الحديث)) (١ / ٤٦ /
٢): حدثني السجستاني: ثنا الأصمعي عن حماد بن سلمة عن عبيدالله بن العيزار
٦٣
عن عبدالله بن عَمْرو أنه قال: فذكره موقوفاً عليه، إلا أنه قال: احرث لدنياك ...
إلخ .
وعبيدالله بن العیزار لم أجد من ترجمه .
ثم وقفت عليها في ((تاريخ البخاري)) (٣ / ٣٩٤)، و ((الجرح والتعديل)) (٢ /
٢ / ٣٣٠)؛ بدلالة بعض أفاضل المكيين، نقلاً عن تعليق للعلامة الشيخ
عبد الرحمن المعلمي اليماني رحمه الله تعالى، وفيها يتبين أن الرجل وثَّقه يحيى بن
سعيد القطان، وأنه يروي عن الحسن البصري وغيره من التابعين، فالإِسناد منقطع.
ويؤكده أنني رأيت الحديث في ((زوائد مسند الحارث)) للهيثمي (ق ١٣٠ / ٢)
من طريق أخرى عن ابن العيزار قال: لقيت شيخاً بالرمل من الأعراب كبيراً، فقلت:
لقيت أحداً من أصحاب رسول الله وَ له؟ فقال: نعم. فقلت: من؟ فقال: عبد الله بن
عمرو بن العاص ...
ثم رأيت ابن حبان قد أورده في «ثقات أتباع التابعين)) (٧ / ١٤٨).
ورواه ابن المبارك في ((الزهد)) من طريق آخر، فقال (٢١٨ / ٢): أنا محمد
ابن عجلان أن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: فذكره موقوفاً، وهذا منقطع .
وقد روي مرفوعاً.
أخرجه البيهقي في («سننه» (٣ / ١٩) من طريق أبي صالح: ثنا الليث عن ابن
عجلان عن مولى لعمر بن عبدالعزيز عن عبدالله بن عمرو بن العاص عن رسول الله
﴿يّ أنه قال: فذكره في تمام حديثٍ أوَّلُه :
((إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك، فإن
المُنْبَتَّ لا سفراً قطع، ولا ظهراً أبقى، فاعمل عمل امرىء يظن أن لن يموت أبداً،
واحذر حذر [امرىء] يخشى أن يموت غداً)).
وهذا سند ضعيف، وله علتان؛ جهالة مولى عمر بن عبدالعزيز، وضعف أبي
٦٤
صالح، وهو عبدالله بن صالح كاتب الليث كما تقدم في الحديث (٦).
ثم إن هذا السياق ليس نصاً في أن العمل المذكور فيه هو العمل للدنيا، بل
الظاهر منه أنه يعني العمل للآخرة، والغرض منه الحض على الاستمرار برفق في
العمل الصالح، وعدم الانقطاع عنه، فهو كقوله آلات :
((أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)). متفق عليه.
والله أعلم.
هذا، والنصف الأول من حديث ابن عمرو رواه البزار (١ / ٥٧ / ٧٤ - كشف
الأستار) من حديث جابر، قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١ / ٦٢):
((وفيه يحيى بن المتوكل، أبو عقيل، وهو كذاب)).
قلت: ومن طريقه رواه أبو الشيخ ابن حيان في كتابه ((الأمثال)) (رقم ٢٢٩).
لکن یغني عنه قوله {ێتر :
((إن هذا الدين يسر، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا
وأبشروا ... )).
أخرجه البخاري في «صحيحه)) من حيث أبي هريرة مرفوعاً.
وقد رُوي الحديث بنحوه من طريق أخرى، وسيأتي بلفظ: ((أصلحوا
دنياكم ... )) (رقم ٨٧٨). بل رقم ٨٧٤
٩ - (أنا جَدُّ كُلِّ تَقِيٍّ).
لا أصل له. سُئل عنه الحافظ السيوطي، فقال:
((لا أعرفه)).
ذكره فى كتابه ((الحاوي للفتاوي)) (٢ / ٨٩).
٦٥
١٠ - (إِنَّ الله يُحِبُّ أَنْ يَرِى عَبْدَهُ تَعِباً في طَلَبِ الحَلالِ).
موضوع. رواه أبو منصور الديلمي في ((مسند الفردوس)) من حديث علي
- رضي الله عنه - مرفوعاً. قال الحافظ العراقي (٢ / ٥٦):
((وفيه محمد بن سهل العطار؛ قال الدارقطني: يضع الحديث)).
قلت: وهذا من الأحاديث الموضوعة التي شان بها السيوطي كتابه ((الجامع
الصغير)) خلافاً لما تعهد به في مقدمته، فقال:
«وصنتُه عما تفرد به وضاع أو كذاب)).
فإنه - عفا الله عنا وعنه - لم يفِ بما تعهد به، وفي النية إذا يسَّر الله لنا أن نتوجه
إلى تطهيره من تلك الأحاديث، وجمعها في كتاب خاص، ونشره على الناس حتى
يكونوا على حذر منها(١).
هذا وقد قال الشيخ عبدالرؤوف المناوي في شرحه لـ((الجامع))؛ ((فيض القدير))
بعد أن نقل ما ذكرته عن العراقي :
«فکان ينبغي للمصنف حذفه».
تهوية الصحيحة
قد ترامع الشيخ عن تضعيفه
١١ - (إِنَّمَا بُعِثْتُ معَلِّماً).
ضعيف. أخرجه الدارمي (١ / ٩٩) من طريق عبدالله بن يزيد - وهو أبو
عبدالرحمن المقري - وابن وهب في ((المسند)) (٨ / ١٦٤ / ٢)، وعبدالله بن المبارك
في ((الزهد)) (٢٢٠ / ٢)، وعنه الحارث في ((مسنده)) (ص١٦ - من زوائده)،
والطيالسي (ص ٢٩٨ رقم ٢٢٥١) كلهم عن عبدالرحمن بن زياد بن أنعم عن
(١) ثم تفضل الله علي، فيسر لي ذلك، فجعلت من ((الجامع الصغير)) كتابين: ((صحيح
الجامع))، و((ضيف الجامع))، وهو مطبوعان، ولكننا نحذر القراء من دسائس الشاويش في طبعته
الجديدة المكثفة للتجارة بهما؛ في تعليقاته عليهما، وفي تقديمه لهما، والله المستعان.
٦٦
٠
عبدالرحمن بن رافع عن عبدالله بن عمرو:
((أن رسول الله وَلقر مر بمجلسين في مسجده، فقال: كلاهما على خير،
وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه، فإن شاء أعطاهم،
وإن شاء منعهم، وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم، ويعلمون الجاهل، فهم أفضل،
وإنما بُعثت معلماً)).
وهذا سند ضعيف، فإن عبدالرحمن بن زياد وابن رافع ضعيفان؛ كما قال
الحافظ ابن حجر في ((تقريب التهذيب)).
ورواه ابن ماجه (١ / ١٠١) من طریق داود بن الزبرقان عن بکر بن خئیس عن
عبدالرحمن بن زیاد عن عبدالله بن یزید عن عبدالله بن عمرو به.
وهذا سند أشد ضعفاً من الأول، فإن كل مَن دون عبدالله بن يزيد ضعفاء، وقد
خالفوا الثقات، فجعلوا - أو أحدهم جعل - عبدالله بن يزيد المعافري الحُبُلي الثقة،
مكانَ عبد الرحمن بن رافع الضعيف، وقال البوصيري في ((الزوائد» (ق ١٦ / ٢):
((فيه داود وبكر وعبدالرحمن، وهم ضعفاء)).
وقال العراقي في «تخريج الإحياء)):
«سنده ضعیف)).
وقد اشتهر الاحتجاج بهذا الحديث على مشروعية الذكر على الصورة التي
يفعلها بعض أهل الطرق من التحلق والصياح في الذكر، والتمايل يمنة ويسرة، وأماماً
وخلفاً؛ مما هو غير مشروع باتفاق الفقهاء المتقدمين، ومع أن الحديث لا يصح كما
علمت، فليس فيه هذا الذي زعموه، بل غاية ما فيه جواز الاجتماع على ذكر الله
تعالى، وهذا فيه أحاديث صحيحة في مسلم وغيره تغني عن هذا الحديث، وهي لا
تفيد أيضاً إلا مطلق الاجتماع، أما ما يضاف إليه من التحلق، وما قرن معه من
الرقص؛ فكله بدع وضلالات يتنزه الشرع عنها.
٦٧
١٢ - (أَوْحى الله إِلى الدُّنيا أَنِ اخْدِمِي مَنْ خَدَمَني، وأَتَعِي مَن
خَدَمَكِ).
موضوع. أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٨ / ٤٤) واللفظ له، والحاكم
في ((معرفة علوم الحديث)) (ص ١٠١) من طرق عن الحسين بن داود بن معاذ البلخي
قال: ثنا الفضيل بن عياض قال: ثنا منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله بن
مسعود مرفوعاً. قال الخطيب:
(«تفرد بروايته الحسين عن الفضيل، وهو موضوع، ورجالهم كلهم ثقات سوى
الحسین بن داود، ولم یکن ثقة، فإنه روی نسخة عن یزید بن هارون عن حميد عن
أنس أکثرها موضوع)).
١٣ - (أهْلُ الشَّامِ سَوْطُ اللهِ فِي أَرْضِهِ ينَتَقِمُ بِهِم مِمِّنْ يشاءُ مِن
عِبادِهِ وحرامٌ على مُنافِقيهم أن يَظْهَروا على مُؤْمِنيهم، ولا يموتوا إِلا
غماً وهماً).
ضعيف. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٤١٦٣) من طريقين عن الوليد
ابن مسلم عن محمد بن أيوب بن ميسرة بن حلبس عن أبيه عن خريم بن فاتك
الأسدي صاحب رسول الله وَّ ر أنه سمع رسول الله وَلل يقول: فذكره.
وهذا إسناد ظاهره الصحة، ولعله لذلك احتج به شيخ الإسلام ابن تيمية في
فصل له في ((فضائل الشام)) (ق ٢٥٩ / ١ من مسودته)، وليس بصحيح، فإن له
علتين :
الأولى: عنعنة الوليد؛ فإنه يدلس تدليس التسوية؛ قال الذهبي في ((الميزان)):
((إذا قال الوليد: ((عن ابن جريج))، أو: ((عن الأوزاعي))، فليس بمعتمد؛ لأنه
يدلس عن كذابين، فإذا قال: ((ثنا))، فهو حجة)).
٦٨
وقال الحافظ في ((التقريب)):
((هو ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية)).
الأخرى: الوقف. فقد رواه موقوفاً هيثم بن خارجة؛ قال: ثنا محمد بن أيوب
به موقوفاً علی خریم .
أخرجه أحمد (٣ / ٤٩٨)، وسنده صحيح، وأوهم ابن تيمية أنه مرفوع، ولیس
كذلك.
والحديث أورده المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٤ / ٦٣)، وقال:
((رواه الطبراني مرفوعاً، وأحمد موقوفاً، ولعله الصواب، ورواتهما ثقات)).
١٤ - (إِيكُمْ وخَضْراءَ الدِّمَنِ، فقيلَ: وما خَضْراءُ الدِّمَنِ؟ قالَ:
المَرأةُ الحَسناءُ في المَنْبَتِ السوءِ).
ضعيف جداً. رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (ق ٨١ / ١) من طريق
الواقدي قال: نا يحيى بن سعيد بن دينار عن أبي وجيزة يزيد بن عبيد عن عطاء بن
يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري، وأورده الغزالي في ((الإِحياء)) (٢ / ٣٨)، وقال
مخرجه العراقي :
((رواه الدارقطني في ((الأفراد))، والرامهرمزي في ((الأمثال)) من حديث أبي سعيد
الخدري، قال الدارقطني: تفرد به الواقدي، وهو ضعيف)).
وذكر نحوه ابن الملقن في ((خلاصة البدر المنير)) (ق ١١٨ / ١).
قلت: بل هو متروك، فقد كذبه الإِمام أحمد، والنسائي، وابن المديني،
وغيرهم. ولا تغتر بتوثيق بعض المتعصبين له ممَّن قدم لبعض كتبه، وغيره من
الحنفية، فإنه على خلاف القاعدة المعروفة عند المحدثين: ((الجرح المبين مقدم
على التعديل))، ولذا حكم الكوثري بوضعه كما سيأتي تحت الحديث (٢٥).
٦٩
١٥ - (الشامُ كِنانتي، فمَن أرادَها بسوءٍ؛ رمَيْتُه بسهْمٍ منها).
لا أصل له في المرفوع. ولعله من الإِسرائيليات، فقد أخرج الحافظ أبو الحسن
الربعي في ((فضائل الشام)) (ص ٣)(١) عن عون بن عبدالله بن عتبة قال:
(«قرأت فيما أنزل الله عز وجل على بعض الأنبياء أن الله تعالى يقول: الشام
كِنانتي، فإذا غضبت على قومٍ رميته منها بسهم)).
وفي سنده المسعودي، واسمه عبدالرحمن بن عبدالله، وهو ضعيف لاختلاطه،
وجماعة آخرون لم أجد من ترجمهم، ويُرى مثل هذا المعنى في مصر أيضاً، ولا أصل
له في المرفوع أيضاً كما يشير إليه كلام السخاوي في ((المقاصد الحسنة)).
١٦ - (صِنْفانٍ مِن أُمَّتِي إِذا صَلَحا صَلَحَ الناسُ: الأمراءُ والفقهاءُ،
[وفي رواية: العلماء]).
موضوع. أخرجه تمام في ((الفوائد)) (٢٣٨ / ١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٤
/ ٩٦)، وابن عبدالبر في ((جامع بيان العلم)) (١ / ١٨٤) من طريق محمد بن زياد
اليشكري عن ميمون بن مهران عن ابن عباس مرفوعاً .
وهذا سند موضوع. محمد بن زیاه هذا؛ قال أحمد :
((كذاب، أعور، يضع الحديث)).
وقال ابن معين والدارقطني :
«كذاب)).
(١) أجمع كتاب وقعت عليه في موضوعه على طريقة المحدثين، وقد قام بطبعه المجمع
العلمي العربي بدمشق مع ملاحق له، أحدها في تخريج أحاديثه وبيان صحيحها من ضعيفها
بقلمي، ثم أفردتُ أحاديثه في جزء، وقام بطبعه المكتب الإِسلامي بدمشق، ثم طبعناه حديثاً
بتحقيقات جديدة، نشر المكتبة الإسلامية بعمان - الأردن.
٧٠
وكذبه أبو زرعة أيضاً وغيره.
والحديث مما أورده السيوطي في ((الجامع)) خلافاً لشرطه! وأورده الغزالي في
((الإِحياء)) (١ / ٦) جازماً بنسبته إليه وَ ل *! وقال مخرجه الحافظ العراقي بعد أن عزاه
لابن عبدالبر وأبي نُعيم:
(سنده ضعيف)).
(تنبيه) :
ولا منافاة بين قول الحافظ هذا، وبين حكمنا عليه بالوضع، إذ إن الموضوع
من أنواع الحديث الضعيف كما هو مقرر في علم المصطلح .
ومن أحادیث هذا الكذاب:
١٧ - (مَن أَذْتَبَ وهُو يَضْحَكُ؛ دَخَلَ النارَ وهُو يَيْكي).
موضوع. أخرجه أبو نُعيم أيضاً (٤ / ٩٦) من طريق عمر بن أيوب: ثنا أبو
إبراهيم الترجمان: ثنا محمد بن زياد اليشكري بإسناده المتقدم .
وهو من الأحاديث التي سوَّد بها السيوطي أيضاً كتابه ((الجامع الصغير))! وقال
شارحه المناوي :
«وفيه عمر بن أيوب، قال الذهبي : جرحه ابن حبان)).
قلت: وعمر هذا الظاهر أنه المزني، وهَّاه الدارقطني كما في ((الميزان))،
و ((لسانه))، فالحمل في الحديث على اليشكري أولى.
ثم رأيته في ((الحلية)) (٦ / ١٨٥) عن بكر بن عبد الله المزني من قوله، وهو
الأشبه .
ومن أحاديث هذا الكذاب أيضاً:
٧١
١٨ - (اتَّخِذوا الحَمامَ المَقاصيصَ؛ فإنَّها تُلْهي الجِنَّ عن
صِبْیانِكُم).
موضوع. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٢/٢٨٨)، والخطيب (٢٧٩/٥)،
وابن عساكر (١٧ /٤٦٩) من طريق محمد بن زياد بإسناده السابق عن ابن عباس.
وهو من أحاديث ((الجامع الصغير)) أيضاً! وقد عزاه فيه للخطيب والديلمي في
«مسند الفردوس)) عن ابن عباس وابن عدي عن أنس، فتعقبه شارحه المناوي بقوله :
((وقضيته أن مخرجه الخطيب خرجه ساكتاً عليه، والأمر بخلافه، فإنه عقبه بنقله
عن أحمد وابن معين وغيرهما أن محمد بن زياد كان كذَّاباً يضع الحديث. انتهى.
وقال ابن حجر: فيه محمد بن زياد اليشكري؛ كذبوه. وفي ((الميزان)): كذاب وضاع.
ثم أورد له هذا الخبر، وابن عدي رواه من حديث عثمان بن مطر عن ثابت عن أنس
ابن مالك. قال في ((الميزان)) عن ابن حبان بعدما ساق له هذا الخبر: يروي
الموضوعات عن الأثبات، ومن ثم حكم ابن الجوزي بوضعه، وتبعه المؤلف في
((مختصر الموضوعات)) ساكتاً عليه، وحكاه عنه في ((الكبير))، وأقره، فكان ينبغي
حذفه من هذا الكتاب وفاء بشرطه. وممن جزم بوضعه ابن عراق، والهندي،
وغيرهما)).
قلت: ومنهم ابن القيم في ((المنار)) (٣٩).
ومن أحاديث اليشكري الكذاب هذا:
١٩ - (زَيِّوا مَجالِسَ نِسائِكُم بالمِغْزَلِ ).
موضوع. أخرجه ابن عدي (٢٨٨ / ٢)، والخطيب (٥ / ٢٨٠) عن اليشكري
بسنده المتقدم عن ابن عباس مرفوعاً. وقال ابن عدي :
((اليشكري هذا بيِّن الأمر في الضعفاء، يروي عن ميمون أحاديث مناكير لا
٧٢
يرويها غيره، ولا يتابعه أحد من الثقات عليها)).
ومن طريق الخطيب أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٢ / ٢٧٧)، وأقره
السيوطي في ((اللآلىء)) (٢ / ١٧٩).
ونحو هذا الحدیث :
٢٠ - (زَيِّوا موائِدَكُم بالبَقْلِ؛ فإنَّهُ مَطْرَدَةٌ للشَّيطانِ مع التسميةِ).
موضوع. أخرجه عبدالرحمن بن نصر الدمشقي في ((الفوائد)) (٢ / ٢٢٩ /
١)، وابن حبان في ((الضعفاء والمتروكين)) (٢ / ١٨٦)، وأبو نعيم في ((أخبار
أصبهان)) (٢ / ٢١٦)، وغيرهما من طريق العلاء بن مسلمة عن إسماعيل بن مغراء
الكرماني عن ابن عياش عن برد عن مكحول عن أبي أمامة مرفوعاً .
قلت: وهذا موضوع، وآفته العلاء هذا، قال الذهبي في ((الميزان)):
((قال الأزدي: لا تحل الرواية عنه، كان لا يبالي ما روى. وقال ابن طاهر: كان
يضع الحديث. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات)).
وتمام كلام ابن حبان :
((لا يحل الاحتجاج به بحال)).
والحديث مما شان به السيوطي ((جامعه))، فأورده من طريق ابن حبان في
((الضعفاء))، والديلمي في ((مسند الفردوس)) عن أبي أمامة. وقال شارحه المناوي:
((وفيه إسماعيل بن عياش؛ مختلف فيه، عن برد بن سنان؛ أورده الذهبي في
الضعفاء، ورواه عنه أبو نعيم، وعنه تلقاه الديلمي مصرحاً، فلو عزاه له لكان أولى)).
قلت: لقد أبعد الشارح النجعة، فعلة الحديث ممَّن دون مَن ذكرهم كما
عرفت، وقد أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٢ / ٢٩٨) من طريق ابن حبان
عن العلاء بن مسلمة به. ثم قال ابن الجوزي :
٧٣
((لا أصل له، العلاء يضع ... )). وذكر ما تقدم نقله عن ((الميزان)).
فتعقبه السيوطي في ((اللآلى المصنوعة في الأحاديث الموضوعة)) (٢ / ١٢)
بقوله :
«قلت: روی له الترمذي)».
قلت: وهذا تعقب لا طائل تحته مع ثبوت جرح الرجل، فرواية الترمذي عنه لا
تُعَدِّلُهُ، وكم في رواته من مجروحين ومتهمين كما لا يخفى على العارفين بتراجم رواة
الحدیث.
ثم ساق له السيوطي في ((اللآلىء)) طريقاً أخرى من رواية واثلة بن الأسقع
مرفوعاً، وفيه الحسن بن شبيب المكتب؛ قال الذهبي في ((الميزان)):
((هو آفة هذا الحديث. قال فيه ابن عدي: حدث بالبواطيل عن الثقات)).
وقد جزم ابن القيم في ((المنار)) (ص ٣٢) بأن الحديث موضوع، أورده في
التنبيه على أمور كلية يعرف بها كون الحديث موضوعاً. ثم قال (ص ٣٥):
((ومنها سماجة الحديث، وكونه مما يسخر منه)).
ثم ذكر أحاديث؛ هذا منها .
٢١ - (حَسْبِي مِنْ سُؤالي عِلْمُهُ بِحالي).
لا أصلَ له. أورده بعضهم من قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو من
الإِسرائيليات، ولا أصل له في المرفوع، وقد ذكره البغوي في تفسير سورة الأنبياء
مشيراً لضعفه، فقال:
((روي عن كعب الأحبار أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ... لما رموا به في
المنجنيق إلى النار استقبله جبريل، فقال: يا إبراهيم! ألك حاجة؟ قال: أما إليك
فلا. قال جبريل: فسل ربك. فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي)).
٧٤
وقد أخذ هذا المعنى بعض من صنف في الحكمة على طريقة الصوفية، فقال:
((سؤالك منه - يعني الله تعالى - اتِّهام له))!
وهذه ضلالة كبرى! فهل كان الأنبياء صلوات الله عليهم متهمين لربهم حين
سألوه مختلف الأسئلة؟! فهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ
مِن ذُرِّيَّي بِوادٍ غيرِ ذِي زَرْعٍ عندَ بْتِكَ المُحَرَّمِ ربَّنَا لِيُقيموا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِن
النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وارْزُقْهُمْ مِن الثَّمَراتِ لَعَلَّهُم يَشْكُرُونَ. ربَّنا ... ﴾(١) إلى آخر
الآيات، وكلها أدعية، وأدعية الأنبياء في الكتاب والسنة لا تكاد تُحصى، والقائل
المشار إليه قد غفل عن كون الدعاء الذي هو تضرع والتجاء إلى الله تعالى عبادة
عظيمة، بغض النظر عن ماهية الحاجة المسؤولة، ولهذا قال وَالية:
((الدعاء هو العبادة))(٢).
ثم تلا قوله تعالى :
((﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعوني أُسْتَجِبْ لِكُم إِنَّ الذينَ يَسْتَكْبِرونَ عنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلونَ
جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾(٣)).
ذلك لأن الدعاء يظهر عبودية العبد لربه، وحاجته إلیه، ومسكنته بین یدیه، فمن
رغِب عن دعائه، فكأنه رغب عن عبادته سبحانه وتعالى، فلا جرم جاءت الأحاديث
متضافرة في الأمر به، والحض عليه، حتى قال رَّ:
(١) إبراهيم: ٣٧ - ٤١ .
(٢) أخرجه أصحاب ((السنن)) بسند صحيح، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (١٣٢٩).
وهو بلفظ: ((مخ العبادة)) ضعيف؛ كما أشار إلى ذلك الترمذي بقوله:
((غریب)).
وانظر ((المشكاة)) (٢٢٣٠).
(٣) غافر: ٦٠.
٧٥
((مَن لا يَدْعُ الله؛ يغضب عليه)).
أخرجه الحاكم (١ / ٤٩١)، وصححه، ووافقه الذهبي .
قلت: وهو حديث حسن، وتجد بسط الكلام في تخريجه، وتأكيد تحسينه،
والرد على من زعم من إخواننا أنني صححته، وغير ذلك من الفوائد في ((السلسلة
الأخرى)» (رقم ٢٦٥٤).
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها:
((سلوا الله كل شيء، حتى الشسع، فإن الله عز وجل؛ إن لم ييسره لم يتيسر)).
أخرجه ابن السني (رقم ٣٤٩) بسند حسن.
وله شاهد من حديث أنس مرفوعاً عند الترمذي (٤ / ٢٩٢)، وغيره، وضعفه،
وهو مخرج فيما سيأتي برقم (١٣٦٢).
وبالجملة، فهذا الكلام المعزوُّ لإِبراهيم عليه الصلاة والسلام لا يصدر من
مسلم يعرف منزلة الدعاء في الإِسلام، فكيف يصدر ممن سمانا المسلمين؟!
ثم وجدت الحديث قد أورده ابن عراق في ((تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار
الشنيعة الموضوعة))، وقال (١ / ٢٥٠):
((قال ابن تيمية: موضوع)).
٢٢ - (تَوَسَّلوا بجاهي؛ فإنَّ جاهي عندَ اللهِ عظيمٌ).
لا أصل له. وقد نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في ((القاعدة الجليلة)).
ومما لا شك فيه أن جاهه وَ ل ومقامه عند الله عظيم، فقد وصف الله تعالى
موسى بقوله: ﴿وَكانَ عندَ اللهِ وَجيهاً﴾(١)، ومن المعلوم أن نبينا محمداً مَّ أفضل من
(١) الأحزاب: ٦٩.
٧٦
موسى، فهو بلا شك أوجه منه عند ربه سبحانه وتعالى، ولكن هذا شيء، والتوسل
بجاهه وَ لير شيء آخر، فلا يليق الخلط بينهما كما يفعل بعضهم، إذ إن التوسل بجاهه
وَلٌ يَقصد به مَن يفعله أنه أرجى لقبول دعائه، وهذا أمرٌ لا يمكن معرفته بالعقل، إذ
إنه من الأمور الغيبية التي لا مجال للعقل في إدراكها، فلا بد فيه من النقل الصحيح
الذي تقوم به الحجة، وهذا مما لا سبيل إليه البتة، فإن الأحاديث الواردة في التوسل
به * تنقسم إلى قسمين: صحيح، وضعيف.
أما الصحيح؛ فلا دليل فيه البتة على المدَّعى، مثل توسلهم به رَّ في
الاستسقاء، وتوسل الأعمى به وَلَّ، فإنه توسلٌ بدعائه وَلَ، لا بجاهه ولا بذاته وَلَه،
ولما كان التوسل بدعائه وَله بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى غير ممكن؛ كان بالتالي
التوسل به قال# بعد وفاته غیر ممکن، وغير جائز.
ومما يدلك على هذا أن الصحابة رضي الله عنهم لما استسقوا في زمن عمر؛
توسلوا بعمه ويسير العباس، ولم يتوسلوا به وَليل، وما ذلك إلا لأنهم يعلمون معنى التوسل
المشروع، وهو ما ذكرناه من التوسل بدعائه وَ له، ولذلك توسلوا بعده وَل بدعاء
عمه؛ لأنه ممكن ومشروع، وكذلك لم ينقل أن أحداً من العميان توسل بدعاء ذلك
الأعمى، ذلك لأن السرليس في قول الأعمى: ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك
نبي الرحمة ... ))، وإنما السر الأكبر في دعائه وَّل له كما يقتضيه وعده وَّ إياه
بالدعاء له، ويشعر به قوله في دعائه: ((اللهم فشَفَّعْهُ فيَّ))، أي: اقبل شفاعته وََّ،
أي: دعاءه فيَّ. ((وشفُّعني فيه))، أي: اقبل شفاعتي. أي: دعائي في قبول دعائه وَّ
فيَّ.
فموضوع الحديث كله يدور حول الدعاء؛ كما يتضح للقارىء الكريم بهذا
الشرح الموجز، فلا علاقة للحديث بالتوسل المبتدع، ولهذا أنكره الإِمام أبو حنيفة،
فقال :
((أكره أن يُسأل الله إلا بالله))؛ كما في ((الدر المختار))، وغيره من كتب الحنفية.
٧٧
:
وأما قول الكوثري في ((مقالاته)) (ص ٣٨١):
((وتوسل الإِمام الشافعي بأبي حنيفة مذكور في أوائل تاريخ الخطيب بسند
صحیح)).
فمن مبالغاته؛ بل مغالطاته، فإنه يشير بذلك إلى ما أخرجه الخطيب (١ /
١٢٣) من طريق عمر بن إسحاق بن إبراهيم قال: نبأنا علي بن ميمون قال: سمعت
الشافعي يقول:
((إني لأتبرك بأبي حنيفة، وأجيء إلى قبره في كل يوم - يعني زائراً - فإذا عرضت
لي حاجة صليت ركعتين، وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد
عني حتى تقضى)).
فهذه رواية ضعيفة؛ بل باطلة، فإن عمر بن إسحاق بن إبراهيم غير معروف،
وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، ويحتمل أن يكون هو ((عمرو - بفتح العين -
ابن إسحاق بن إبراهيم بن حميد بن السكن أبو محمد التونسي»، وقد ترجمه الخطيب
(١٢ / ٢٢٦)، وذكر أنه بخاري قدم بغداد حاجاً سنة (٣٤١)، ولم يذكر فيه جرحاً
ولا تعديلاً، فهو مجهول الحال، ويبعد أن يكون هو هذا، إذ إن وفاة شيخه علي بن
ميمون سنة (٢٤٧) على أكثر الأقوال، فبين وفاتيهما نحو مائة سنة، فیبعد أن یکون قد
أُدرکه .
وعلى كل حال، فهي رواية ضعيفة لا يقوم على صحتها دليل، وقد ذكر شيخ
الإِسلام في ((اقتضاء الصراط المستقيم)) معنى هذه الرواية، ثم أثبت بطلانها، فقال
(ص ١٦٥):
((هذا كذب معلوم، كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل، فالشافعي لما
قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده البتة، بل ولم يكن هذا على عهد
الشافعي معروفاً، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور
٧٨
الألبياء والصحابة والتابعين مَن كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي
حنيفة وأمثاله من العلماء، فما باله لم يَتَوَخَّ الدعاء إلا عنده؟! ثم [إن] أصحاب أبي
حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف، ومحمد، وزفر، والحسن بن زياد، وطبقتهم، لم
يكونوا يتحرون الدعاء؛ لا عند أبي حنيفة، ولا غيره، ثم قد تقدم عن الشافعي ما هو
ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين؛ خشية الفتنة بها، وإنما يضع مثل
هذه الحكايات من يقل علمه ودينه، وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن
مجهول لا یعرف)).
وأما القسم الثاني من أحاديث التوسل، فهي أحاديث ضعيفة، تدل بظاهرها
على التوسل المبتدع، فيحسن بهذه المناسبة التحذير منها، والتنبيه عليها، فمنها:
٢٣ - (الله الذي يُحْيِيِ ويُميتُ، وهو حَيُّ لا يَموتُ، اغْفِرْ لأمي
فاطمةَ بنتِ أسدٍ، ولَقَنْها حُجَّتها، ووَسِّعْ عليها مدخَلَها، بحقِّ نبيِّكَ
والأنبياءِ الذين مِن قبلي؛ فإنَّك أرحم الراحمين ... ).
ضعيف. رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٤ / ٣٥١ -٣٥٢)، و ((الأوسط)) (١ /
١٥٢ - ١٥٣ - الرياض)، ومن طريقه أبو نُعَيم في ((حلية الأولياء)) (٣ / ١٢١): حدثنا
أحمد بن حماد بن زُغبة قال: روح بن صلاح قال: حدثنا سفيان الثوري عن عاصم
الأحول، ومن طريقه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (٣ / ١٢١) عن أنس بن مالك قال:
لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي رضي الله عنهما ... دعا أسامة
ابن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون ... فلما فرغ،
دخل رسول الله وَالر، فاضطجع فيه، فقال ... فذكره، وقال الطبراني:
«تفرد به روح بن الصلاح)).
قلت: قال الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٩ / ٢٥٧):
٧٩
((وفيه روح بن صلاح، وثقه ابن حبان والحاكم، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال
الصحيح)).
وفي قوله: ((وبقية رجاله رجال الصحيح)) نظر رجيح، ذلك لأنَّ زغبة هذا ليس
من رجال الصحيح، بل لم يروله إلا النسائي، أقول هذا مع العلم أنه في نفسه ثقة .
بقي النظر في حال روح بن صلاح، وقد تفرد به كما قال الطبراني، فقد وثّقه
ابن حبان والحاكم كما ذكر الهيثمي، ولكن قد ضعفه مَن قولهم أرجح من قولهما؛
لأمرین :
الأول: أنه جرح، والجرح مقدم على التعديل بشرطه .
والآخر: أن ابن حبان متساهل في التوثيق، فإنه كثيراً ما يوثق المجهولين، حتى
الذين يصرح هو نفسه أنه لا يدري من هو، ولا مَن أبوه! كما نقل ذلك ابن عبدالهادي
في ((الصارم المنكي))(١)، ومثله في التساهل الحاكم كما لا يخفى على المتضلع بعلم
التراجم والرجال، فقولهما عند التعارض لا يُقام له وزن، حتى ولو كان الجرح مبهماً،
لم يُذكر له سبب، فكيف مع بيانه كما هو الحال في ابن صلاح هذا؟! فقد ضعفه ابن
عدي (٣ / ١٠٠٥)، وقال ابن يونس :
((رویت عنه مناکیر)).
وقال الدارقطني :
((ضعيف في الحديث)).
وقال ابن ماكولا :
(ضعفوه)) .
وقال ابن عدي بعد أن خرج له حدیثین :
(١) وذكرت بعض الأمثلة على ذلك في ((الرد على التعقب الحثيث)) (ص ١٨ - ٢١)، ثم
في مقدمة كتابي ((تيسير انتفاع الخلان بكتاب ثقات ابن حبان)) يسر الله لي إتمامه .
٨٠