Indexed OCR Text
Pages 1021-1040
((كان يدلس ما سمعه من ثابت عن أنس ، فيرويه هو عن أنس)» .
ولذلك أكثر في ((صحيحه)) من الرواية عنه عن أنس ، فانظر ((فهرس
المؤسسة)) (ص ١٢٣) .
وله شاهد من مرسل علقمة بن وقاص به أتم منه .
أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٥/١٤ - ٣٥٦)، وابن مردويه - كما في ((الفتح))
(٢٨٨/٧) - من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص [عن أبيه](١) عن جده
نحوه ، وفيه أن القائل : لا نقول كما قال ... هو سعد بن معاذ.
سكت عنه الحافظ ، وسنده حسن .
وأما ما رواه الطبراني في «الكبير)) (٢٠٩/٤) من حديث أبي أيوب الأنصاري
بهذه القصة نحوه مطولاً ، وفيه أن القائل هو (المقداد بن عمرو) ؛ فلا يثبت إسناده ،
وإن حسنه الهيثمي (٧٣/٦ - ٧٤) ؛ لأن فيه ابن لهيعة ، وهو ضعيف ، هذا إن سلم
من شيخ الطبراني (بكر بن سهل) ؛ فقد ضعفه النسائي . ثم إن فيه جملة منكرة
جدّاً عندي، وهو جواب الأنصار بعد استشارته بصلة إياهم ، فقالوا :
لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو ، لكن أردنا العير! ثم قال: ((ما ترون في قتال
القوم؟))، فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد بن عمرو ... )).
ثم استدركت فقلت : ليس فيه قول الأنصاري أو سعد بن معاذ جملة : برك
الغماد ... وإنما فيه ما قبلها ، وهذا القدر قد صح من قول المقداد في غزوة بدر ،
فقد روى طارق بن شهاب قال : سمعت ابن مسعود يقول :
(١) زيادة عزاها الحافظ لابن مردويه .
١٠٢٠
شهدت من المقداد بن الأسود مشهداً [يوم بدر] [وهو على فرس له] ، لأن
وهو يدعو على المشركين ،
أکون صاحبه أحب إلي مما عُدل به ؛ أتى النبي :
فقال : [إنا] لا نقول [لك] كما قال قوم موسى [لموسى] : ﴿اذهب أنت وربك
فقاتلا [إنا ههنا قاعدون]﴾، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك ، وبین یدیك
وخلفك ! فرأيت النبي ﴿ أشرق وجهه وسره - يعني : قوله -.
وفي رواية : ولكن امض ونحن معك .
أخرجه البخاري (٢٨٧/٧ و٢٧٣/٨) - والسياق له، وكذا الزيادات إلا الأولى
والرواية الأخرى -، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (١١١٤٠/٣٣٣/٦) - وله الزيادة
الأولى وما بعدها ، وله الرواية الأخرى فقط -، وابن سعد في ((الطبقات)) (١٦٢/٣)
- بالرواية الأولى -، وكذا الحاكم (٣٤٩/٣) - وصححه -، وأحمد (٣٩٠/١ و٤٢٨)،
ورواه ابن جرير (١١٥/٦) باختصار.
وقد روي أن المقداد رضي الله عنه قال ذلك في مناسبة أخرى ، فقال سعيد
عن قتادة قال : ذُكر لنا :
أن رسول الله ﴿ ﴿ قال لأصحابه يوم الحديبية حين صد المشركون الهدي ،
وحيل بينهم وبين مناسكهم :
((إني ذاهب بالهدي ، فناحره عند البيت)).
فقال له المقداد بن الأسود: أما والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا
لنبيهم : ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون﴾، ولكن اذهب أنت وربك
فقاتلا ، إنا معكم مقاتلون، فلما سمعها أصحاب نبي الله عَ ليه تتابعوا على ذلك .
أخرجه الطبري : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد .
١٠٢١
قلت : وهذا إسناد مرسل صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين ؛ غير بشر - وهو
ابن معاذ العَقَدي البصري -؛ فقد ذكره الحافظ المزي في الرواة عن (يزيد بن زريع) ،
وهو صدوق كما قال أبو حاتم ، وتبعه الحافظ العسقلاني ، وذكره ابن حبان في
((الثقات)) (١٤٤/٨)، وروى عنه جمع من الحفاظ کأصحاب «السنن» غیر أبي داود ،
وابن خزيمة وابن جرير الطبري وغيرهم ، وأخرج له ابن حبان في ((صحيحه)) أحاديث
كثيرة ، فانظر أرقامها إن شئت في ((فهارس الرجال)) (ص ١٠٧ طبع المؤسسة) .
ويزيد بن زُريع ثقة ثبت ، وبخاصة في روايته عن سعيد بن أبي عروبة ؛ حتى
قال أحمد :
((كل شيء رواه يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة ؛ فلا تبالي أن لا
تسمعه من أحد ، سماعه من سعيد قديم)) .
يشير الإمام إلى أن سعيداً هذا كان قد اختلط ، وكان من أثبت الناس في
روايته عن قتادة . بل قال أبو حاتم :
((كان أعلم الناس بحديث قتادة)) .
قلت : وقد خالفه في إسناده عبدالله بن رجاء ؛ فقال : عن قتادة عن أنس
به .. . فأسنده عن أنس .
أخرجه البزار (٢٦٩٢/٢٥٤/٣): حدثنا محمد بن المثنى : ثنا عبدالله بن
رجاء به . وقال :
((لا نعلمه يروى عن قتادة عن أنس إلا من هذا الوجه)) .
قلت : ويبدو لي أنه شاذ؛ لأن عبدالله بن رجاء - وهو الغُدَاني ؛ كما ذكر
١٠٢٢
المزي في ترجمة محمد بن المثنى - وهو وإن كان صدوقاً ومن شيوخ البخاري ؛ فقد
كان يهم قليلاً كما قال العسقلاني في ((التقريب))، فمثله لا يعارض به رواية
سعيد بن أبي عروبة عن قتادة . وقد ذكر هذه الحافظ ابن كثير عقب رواية ابن
مسعود المتقدمة، وقال في «تفسيره)) (٣٩/٢):
((وهذا إن كان محفوظاً يوم الحديبية ؛ فيحتمل أنه كرر هذه المقالة يومئذ كما
قال يوم بدر)) .
وأما الحافظ ؛ فقال في ((الفتح)) (٢٨٨/٧) :
((ووقع عند الطبراني أن سعد بن عبادة قال ذلك بالحديبية)).
قلت : لم أقف على هذا ، والله أعلم .
قصة فتح مكة الرائعة وإسلام أبي سفيان في أكمل رواية صحيحة
٣٣٤١ - (مضَى رسولُ الله ◌َّةٍ، واستخلفَ على المدينةِ أبا رُهْم
كلثومَ بنَ حُصينِ الغِفاري .
وخرجَ لعشْر مضين من رمضانَ ، فصامَ رسولُ الله ◌َّهِ، وصامَ الناسُ
معه ؛ حتّى إذا كان بـ (الكَديد)(١) ما بين (عُسْفَانَ) و(أَمَجَ) أفطر .
ثم مضَى حتّى نزلَ (مرَّ الظَّهران)(٢) في عشرةِ آلافٍ من المسلمينَ ؛
(١) قلت: وفي ((البخاري)) (٤٢٧٥): حتى إذا بلغ (الكديد): الماء الذي بين (قُديد)
و(عسفان) أفطر. و(أمج): بلد من أعراض المدينة على يومين أو ثلاثة منها؛ كما في ((معجم
البلدان)). وعليه ففي ذكره هنا نظر ، والله أعلم .
(٢) (الظهران): واد قرب مكة، وعنده قرية يقال لها: (مَرّ) تضاف إليه. (معجم)).
١٠٢٣
من مُزَيْنة وسُليم ، وفي كلِّ القبائل عددٌ وإسلامٌ، وأوعبَ(١) مع رسول
الله ◌َخُ المهاجرون والأنصار، فلم يتخلف منهم أحد ، فلما نزل رسول
الله ◌َّةٍ بـ (مَرِّ الظَّهران)، وقد عميَتِ الأخبارُ عن قريش؛ فلم يأتهم
عن رسول الله څ.
خبرٌ ، ولا يدرون ما هو فاعلٌ؟!
خرجَ في تلكَ الليلةِ أبو سفيانَ بنُ حربٍ ، وحكيمُ بنُ حِزام ، وبُديلُ
ابنُ وَرقاء ، يتحسّسون وينظرونَ ؛ هل يجدونَ خَبَراً ، أو يسمعون به؟!
وقد كان العبّاسُ بنُ عبد المطلب أتى رسولَ الله
ببعض الطريق .
وقد كانَ أبو سفيانَ بنُ الحارث بنِ عبد المطلب ، وعبد الله بنُ أبي
أميّة بنِ المغيرةِ قد لقيا رسولَ الله تَّهُ [أيضاً] فيما بين مكَّةً والمدينةِ ،
فالتمسا الدُّخول عليه ، فكلّمتْه أمُّ سلمة فيهما ، فقالتْ: يا رسولَ الله !
ابنُ عمِّك ، وابنُ عمَّتك وصهرُك ، قال :
لا حاجةَ لي بهما، أمّا ابنُ عمِّي؛ فهتَك عِرْضي(٢)، وأمَّا ابنُ
عمّتي وصهْري ؛ فهو الذي قال لي بمكةَ ما قالَ(٢).
فلمّا أُخرِجَ إليهما بذلكَ - ومعَ أبي سفيانَ بُنيٌّ له - فقالَ: والله
(١) أي : خرج جميعهم معه ثـ
(٢) العِرض : موضع المدح والذم من الإنسان ، سواءً كان في نفسه أو في خَلَفه ، أو من
يلزمه أمره . ((نهاية))، ويشير إلى (عبدالله بن أبي أمية) أخي أم سلمة أم المؤمنين .
(٣) يشير - والله أعلم - إلى قوله مع جماعة من المشركين كما في القرآن الكريم:
﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تَفْجُرَلنا من الأرض ينبوعاً ... ﴾ الآيات (٩٠ - ٩٣/الإسراء).
انظر ((تفسير ابن كثير)) (٦٢/٣ - ٦٣) .
١٠٢٤
ليأذنَنَّ لي أو لآخذنَّ بيدِ ابْني هذا، ثم لنذهبنَّ في الأرض حتّى نموتَ
عَطَشاً وجُوعاً، فلمّا بلغَ ذلك رسولُ الله ◌َّهِ رَقَّ لهما، ثم أذنَ لهما ،
فدخلا وأسلما .(١)
فلمّا نزلَ رسولُ اللهِ عَةٍ بـ (مَرِّ الظهران)؛ قال العباسُ: واصباح
عَنوةً قبْلَ أن يستأمنوه ؛ إنه
قُريش! والله لئن دخلَ رسولُ الله عَلُ
لهلاكُ قريش إلى آخر الدّهر . قال : فجلستُ على بغلة رسول الله
البيضاء ؛ فخرجتُ عليها حتى جئتُ الأراك، فقلتُ: لعلِّي ألقَى
بعضَ الحطّابة ، أو صاحبَ لبن ، أو ذا حاجةٍ يأتي مكةَ ليخبرهم بمكان
رسول الله ﴿ ليخرجُوا إليه، فيستأمنونَه قبلَ أنْ يدخلَها عليهم عَنوةً .
قال : فوالله إني لأسيرُ عليها وأَلتمسُ ما خرجتُ له ؛ إذ سمعتُ كلامَ
أبي سفيانَ وبُديلِ بنِ وَرقاء ؛ وهما يتراجَعان ، وأبو سفيانَ يقول : ما
رأيتُ كاليوم قطَّ نيراناً ولا عسْكراً. قال: يقول بديلٌ : هذه - والله -
نيرانُ خُزاعة ؛ حمشتها الحرب(٢) . قال: يقولُ أبو سفيانَ : خزاعةُ -
والله - أذلُّ وألأمُ من أن تكونَ هذه نيرانَها وعسكرَها . قال : فعرفتُ
صوتَه ، فقلت : يا أبا حنظلةَ ! فعرفَ صَوتي فقالَ : أبو الفضْل؟ فقلتُ :
نعمْ ، قالَ : ما لك فداكَ أبي وأمِّ؟! فقلتُ: ويُحكَ يا أبا سفيان ! هذا
رسولُ اللهِ نَّهُ فِي النّاس ، واصباح قريش والله ! قال: فما الحيلةُ فداك
ے
أبي وأمي؟! قال: قلتُ: والله لئنْ ظَفر بك ليضربنَّ عنقَك ، فاركبْ
(١) هكذا وقعت هذه الفقرة والتي قبلها في القصة متقدمة على إسلامهما الآتي ذكره.
(٢) أي : أحرقتها الحرب .
١٠٢٥
١
معِي هذه البغلةَ حتّى آتي بكَ رسولَ الله ◌َ اهِ أستأُمنه لكَ. قال:
فركبَ خلفِي ، ورجعَ صاحباه ، فحركّتُ به(١) ، كلّما مررتُ بنار من
نيران المسلمين قالوا: مَنْ هذا؟ فإذا رأَوا بغلةَ رسولِ الله ◌ِ هِ قالُوا: عمُّ
على بغلته ، حتى مررتُ بنارِ عمرَ بنِ الخطاب رضي الله
رسول الله عزالية
عنه ، فقال: مَنْ هذا؟ وقامَ إليَّ ، فلمَّا رأى أبا سفيان على عَجُز الناقة
قال:أبو سفيان عدوُّ الله ! الحمدُ لله الذي أمْكنَ منكَ بغير عقْد ولا
عهْدٍ، ثمَّ خرجَ يشتدُّ نحوَ رسولِ الله ◌َّةِ، وركضَت البغلةُ ، فسبقتْه بما
تسبقُ الدابة البطيئةُ(٢) الرجلَ البَطِيءَ، فاقتحمتُ عن البغلة ، فدخلتُ
، ودخلَ عمرُ، فقال: يا رسولَ الله ! هذا أبو
على رسول الله
سفيان ، قد أمْكَن اللهُ منه بغير عقْد ولا عهْد ، فدعني فَلأضربْ عنقَه،
قال : قلتُ: يا رسولَ الله ! إنِّي [قد] أجرتُه، ثم جلستُ إلى رسول الله
، فأخذتُ برأسه فقلت: لا والله ؛ لا يناجيه الليلةَ رجلٌ دوني ،
فلما أكثرَ عمرُ في شأنه ، قلتُ: مهْلاً يا عمرُ ! والله لو كان من رجالٍ
بني عديِّ بنِ كعْبٍ ما قلتَ هذا، ولكنَّك عرفتَ أنه رجلٌ من رجال
بني عبد مناف! فقال: مُهْلاً يا عبّاس! فوالله لإسلامُك يومَ أسلمْتَ
كان أحبَّ إليّ من إسلام الخطّاب لو أسلمَ ، وما بي إلا أنّي قد عرفتُ
أنّ إسلامَك كانَ أحبّ إلى رسولَ الله ◌ٍَّ من إسلام الخطاب [لو
:
أسلم] ، فقال رسول الله
(١) كذا الأصل، و((المجمع))! وفي ((السيرة)): (فجئت به) ، ولكل وجه .
(٢) الأصل و((المجمع)): (البطيء)! والمثبت من ((السيرة))، و(تاريخ ابن كثير)).
١٠٢٦
اذهب به إلى رحْلكَ يا عبّاس ! فإذا أصبحَ فأُتني به .
فذهبتُ به إلى رحْلي فباتَ عنْدي ، فلما أصبحَ غدوتُ به إلى
رسول الله ټہ فلما رآه رسول الله
فيُ قال :
ويُحكَ يا أبا سفيان ! ألمْ يأْنِ لك أن تعلمَ أن لا إله إلا الله؟ ! .
قال : بأبي أنت وأمي ؛ ما أكرمكَ [وأحلمكَ] وأوصلكَ! والله لقد
ظننتُ أنْ لو كانَ معَ اللّه غيرُه؛ لقدْ أغنَى عنِّي شيئاً [بعدٌ] ، قال :
ويْحك يا أبا سفيان! ألمْ يأْنِ لك أن تعلمَ أنّ رسولُ الله؟ !.
قال : بأبي أنت وأمي ؛ ما أحلمكَ وأكرمكَ وأوصلكَ! هذه - والله -
كان في نفسي منها شيء حتى الآن(١)، قال العبّاس: ويحكَ يا أبا
سفيان ! أسلمْ واشهدْ أن لا إله إلا الله ، وأنْ محمّداً رسولُ الله قبل أن
يَضربَ عنقكَ، قال : فشهدَ بشهادةِ الحقِّ وأسلمَ (٢) .
قلتُ: يا رسولَ الله ! إنّ أبا سفيان رجلٌ يحبُّ هذا الفخرَ ، فاجعلْ
له شَيئاً . قال :
نعمْ ، مَنْ دخلَ دار أبي سفيان؛ فهو آمنٌ ، ومن أغلق بابهَ ؛ فهو
آمنٌ ، ومن دخل المسجد ؛ فهو آمنٌ .
(١) كذا الأصل، و((المجمع))! وفي ((السيرة)): أما هذه - والله - فإن في النفس منها حتى
الآن شيئاً ... والزيادات منه .
(٢) انظر التعليق المتقدم رقم (١) صفحة (١٠٢٥).
١٠٢٧
فلمّا ذهبَ لِينصرفَ ؛ قال رسولُ الله ◌َ انٍ :
يا عبّاس ! احبِسْه بمضيق الوادي عند خَطْم الجبل، حتى تمرّ به
جنودُ الله فيراها .
قال: فخرجتُ به حتّى حبستُه حيثُ أمرَني رسولُ الله ◌َ ◌ّهِ أَنْ
أحبسَه . قال : ومرّتْ به القبائلُ على راياتها ، كلما مرتْ قبيلةٌ قال :
مَن هؤلاء؟ فأقول: (سُلَيم)، فيقولُ: ما لي ولـ (سليم)؟ قال: ثم تمرّ
القبيلةُ ، قال: مَن هؤلاء؟ فأقولُ : (مُزَيْنة) ، فيقولُ: ما لي ولـ (مُزَيْنة)؟
حتى نَفَذَتِ(١) القبائل؛ لا تمرّ قبيلة إلا قالَ : مَن هؤلاء؟ فأقول : بنُو
فلان ، فيقولُ: ما لي ولبني فلان؟ حتّى مرّ رسول الله في كتيبته
الخضراء(٢) فيها المهاجرون والأنصارُ، لا يُرى منهم إلا الحَدَق [من
الحديد]، قال: سبحانَ الله! من هؤلاء يا عبّاس؟! قلتُ: هذا رسولُ الله
﴿ في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحدٍ بهؤلاء قبَلٌ ولا طاقَة ،
والله يا أبا الفضْل! لقدْ أصبحَ ملكُ ابن أخيك الغَداةَ عظيماً! قلتُ:
يا أبا سفيان ! إنّها النّبوةُ ، قال: فنعمْ إذاً، قلتُ: النّجاءَ إلى قومِك .
قال : فخرج حتّی إذا جاءهم ؛ صرخ بأعلى صوته : يا معشرَ قریش !
هذا محمّدٌ قد جاءكم بما لا قِبَلَ لكم به ، فمَن دخل دار أبي سفيان ؛
فهو آمن ، فقامت إليه امرأته هند بنت عتبةَ ، فأخذت بشاربه فقالت :
(١) الأصل: (تعدت)! والتصحيح من ((السيرة))، و((البداية)).
(٢) الأصل : (في الخضراء كتيبة)! والمثبت من المصدرين المذكورين .
١٠٢٨
اقتلوا الدَّسِمَ الأحمش(١) قُبحَ من طليعةِ قوم ! قال : ويحكم لا تغرنّكم
هذه من أنفسكم ؛ فإنه قد جَاء ما لا قبل لكم به ، من دخَل دارَ أبي
سفيان ؛ فهو آمن ، قالوا : ويلك وما تغني دارُك؟! قال : ومن أغلقَ بابَه ؛
فهو آمن ، ومن دخل المسجد ؛ فهو آمن . فتفرقَ الناسُ إلى دورهم ،
وإلى المسجدِ) .
أخرجه ابن إسحاق في ((السيرة)) (١٧/٤ - ٢٤ - ابن هشام) ، والطبراني في
(المعجم الكبير)) (١٠/٨ - ١٥) - والسياق له -، والطبري في ((التاريخ)) (١١٤/٣)
- ببعضه -، وكذا الحاكم (٤٣/٣ - ٤٤)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٣٢/٥)، وأبو
داود (٣٠٢١) - فقرة منه(٢) - من طريق محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن مسلم
الزهري عن عبيدالله بن عتبة بن عبدالله بن مسعود عن ابن عباس به . وقال الحاكم :
((صحيح على شرط مسلم)) ، ووافقه الذهبي !
ونحوه قول الهيثمي في «المجمع» (١٦٧/٦):
(رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح)) .
فأقول : محمد بن إسحاق إنما أخرج له مسلم متابعة ، وهو حسن الحديث
- بعامة - بشرط التصريح بالتحديث كما هنا ، وهو حجة في السيرة النبوية كما هو
معروف عند العلماء ، ولذلك نقله الحافظ ابن كثير في تاريخه ((البداية)) (٢٨٨/٤ -
٢٩١) عن ((السيرة)) ساكتاً عنه، وكذلك الحافظ في ((الفتح)) (٧/٨ -١٢) قطعاً
(١) (الدسم): الأسود. و(الأحمش): القليل اللحم. أي : الأسود الدنيء؛ قالته له في
معرض الذم. کذا في «النهاية)) (د س م ، ح م ش) .
(٢) انظر ((صحيح أبي داود)) (٢٦٧٢ - ٢٦٧٣).
١٠٢٩
منه في شرحه لحديث عروة بن الزبير الذي أخرجه البخاري (٤٢٨٠) من طريق
هشام بن عروة عن أبيه مرسلاً . وفيه جمل كثيرة مما في حديث ابن إسحاق ؛ فهو
شاهد قوي .
وأخرجه الطبري (٣ / ١١٧ - ١١٨)، والبيهقي (٥ / ٣٦ - ٣٨، ٣٨ - ٣٩)
- ببعضه -، والطبراني (٧٢٦٣) من طريق أخرى عن هشام به مطولاً ، وفيه ابن
لهيعة .
ولابن إسحاق إسناد آخر، قال : ثنا الحسين بن عبدالله بن عبيدالله بن عباس
عن عكرمة عن ابن عباس نحوه .
أخرجه الطبري (١١٥/٣ -١١٧)، والبيهقي (٣٢/٥ -٣٥).
والحسين هذا ضعيف .
وقد خالفه أيوب فرواه عن عكرمة مرسلاً؛ لم يذكر ابن عباس .
رواه البيهقي أيضاً ، ولكنه لم يسق متنه ، وقال عقبه :
((وقد رواه عبدالله بن إدريس عن ابن إسحاق عن الزهري عن عبيدالله بن
عتبة عن ابن عباس بمعناه)) .
١
ثم رواه (٣٩/٥ - ٤٦) عن موسى بن عقبة ، زاد في رواية : عن ابن شهاب
مرسلاً نحوه مطولاً .
وبالجملة ؛ فالحديث صحيح بهذه الطرق والشواهد ، وهو أصح وأتم ما وقفت
عليه مسنداً في قصة فتح مكة حرسها الله . والله سبحانه وتعالى أعلم .
١٠٣٠
٣٣٤٢ - (هذا سالمٌ مولى أبي حذيفةَ، الحمدُ لله الذي جعل في
أمَّتي مثلَ هذا) .
أخرجه ابن ماجه (١٣٣٨) - والسياق له -، وابن نصر في ((قيام الليل))
(ص ٥٥)، وأحمد (١٦٥/٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٧١/١)، والحاكم (٣٢٥/٣)
من طريقين عن حنظلة بن أبي سفيان : أنه سمع عبدالرحمن بن سابط الجُمَحِي
يحدث عن عائشة زوج النبي ثم قالت :
أبطأتُ على عهد رسول الله ◌َ ﴿ ليلةً بعد العشاء ، ثم جئت فقال :
((أين كنت؟)).
قلت : كنت أستمع قراءة رجل من أصحابك ، لم أسمع مثل قراءته وصوته
من أحد ، قالت : فقام وقمت معه حتى استمع له ، ثم التفت إلي فقال : ...
فذكره . وقال الحاكم :
((صحيح على شرط الشيخين))! ووافقه الذهبي !
كذا قالا ! وفيه أمران :
الأول : أن عبدالرحمن بن سابط لم يخرج له البخاري شيئاً .
والآخر : أن ابن سابط لم أجد من صرح أنه سمع من عائشة رضي الله عنها ،
وقد أرسل عن كثير من الصحابة ، وروى له مسلم عن عائشة فردَ حديثٍ بواسطة
- كما قال الخزرجي في ((الخلاصة)) -؛ ففيه شبهة الانقطاع . وكأنه لذلك قال
الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) - بعدما عزاه لابن ماجه(١) -:
(١) الأصل: ((أبو داود))! وهو خطأ من الناسخ أو الطابع، فلم يروه أبو داود .
.
١٠٣١
«ورجال إسناده ثقات)).
قلت : فلم يصححه . وقد بين ذلك الحافظ في (تخريج الأذكار)) ، فقال - كما
في ((شرح ابن علان)) (٢٦٦/٣) -:
((تفرد به ابن ماجه، ورجاله رجال ((الصحيح))؛ إلا أن عبدالرحمن بن سابط
كثير الإرسال ، وهو تابعي ثقة، وقد (أخرجه) ابن المبارك في ((كتاب الجهاد))
مرسلاً، فقال: عن ابن سابط: أن عائشة سمعت سالماً ... وابن المبارك أتقن من
الولید الذي روی الحدیث موصولاً ؛ لکن للحديث طریق آخر ذکر فیه الحدیث دون
القصة ، وإذا انضم إلى السند [الذي] قبله؛ تقوى به ، وعرف أن له أصلاً)).
قلت: وقوله : ((وابن المبارك أتقن من الوليد)) مما لا شك فيه ، ولكنه يشعر(١)
أن الوليد تفرد به ، وليس كذلك؛ كما أشرت إليه في قولي المتقدم :
((من طريقين عن حنظلة)).
وأعني بالأولى : طريق الجماعة عن (الوليد) ، وبالأخرى : طريق أحمد قال :
(ثنا ابن نمير قال: ثنا حنظلة عن ابن سابط عن عائشة ... ))، رواه في جملة
أحاديث لابن نمير - واسمه عبدالله أيضاً -، وهو ثقة من رجال الشيخين ، فهذه متابعة
قوية منه للوليد بن مسلم ، فالعلة شبهة الانقطاع ، وليست المخالفة ، والله أعلم .
ثم رأيت الحافظ قد ذكر رواية أحمد هذه في ((الإصابة))، ومع ذلك نصب
الخلاف بين ابن المبارك والوليد فقط ، فقال :
((وابن المبارك أحفظ من الوليد)) !
(١) الأصل: ((يشعر ٧ عن)) !! والتصحيح من ((شرح الإحياء)) (٤٩٨/٤).
١٠٣٢
ثم قواه بطريق البزار ؛ وقال :
((ورجاله ثقات)).
وهو كما قال ، لكن فيه عنعنة ابن جريج ، فإنه قال : عن ابن أبي مليكة عن
* سمع سالماً مولى أبي حذيفة يقرأ من الليل فقال :...
عائشة : أن النبي
فذكره مختصراً .
أخرجه البزار (٢٦٩٤/٢٥٤/٣) بسند صحيح عنه. وقال الهيثمي (٣٣٠/٩):
(رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح)).
قلت : فهو صحيح الإسناد لولا العنعنة . لكنه شاهد قوي لحديث عائشة ؛
فأحدهما يقوي الآخر. وقد قال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) (١/ ١٥٨) في
حديث عائشة :
((هذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات، رواه الحاكم ... )).
استدراك :
ثم تبينت أن رواية ابن المبارك التي اعتمدها الحافظ في إعلال رواية الثقتين :
الوليد بن مسلم ، وعبدالله بن نمير : مما لا يجوز الثقة بها - بله معارضة رواية الثقات
بها -، وكان مفتاح ذلك أنني رأيت ابن الأثير - جزاه الله خيراً - قد ساق إسناده
إلى ابن المبارك بها، في ترجمة سالم رضي الله عنه في «أسد الغابة»، فإذا هي
من طريق (سعيد بن رحمة بن نعيم) قال : سمعت ابن المبارك ...
وسعيد هذا لم يوثقه أحد ، بل قال ابن حبان في ((الضعفاء)) (٣٢٨/١):
(روى عنه أهل الشام، لا يجوز الاحتجاج به؛ لمخالفته الأثبات في الروايات)).
١٠٣٣
ونقله عنه الذهبي في ((الميزان))، والعسقلاني في ((اللسان))، وأقراه ، وذكرا أنه
هو راوي ((كتاب الجهاد)) عن ابن المبارك. فلا أدري كيف غاب هذا عن الحافظ ،
واعتمد على الكتاب المذكور فيما تقدم؟!
٣٣٤٣ - (كان يقومُ فيصلِّي من اللّيلِ [على خُمرَته]، (قالتْ
ميمونةُ رضي الله عنها) وأنا نائمةٌ إلى جنْبه ، [مفترشَةٌ بحذاء مسجد
] ، فإذا سجدَ أَصابَني [طرفٌ] ثَوْبِه وأنا حائضٌ) .
رسول الله
أخرجه أحمد (٣٣٠/٦ - ٣٣١) من طرق عن عبد الواحد وغيره ، عن سليمان
الشيباني قال : ثنا عبدالله بن شداد قال: سمعت ميمونة زوج النبي ﴿ تقول :...
فذكره .
والسياق لعبد الواحد - وهو ابن زياد العبدي -، وهو ثقة من رجال الشيخين ،
والزيادات لغيره ، وكلها صحيحة .
والحديث في ((الصحيحين)) وأصحاب ((السنن)) وغيرهم بألفاظ نحوه ، وهو
مخرج في ((صحيح أبي داود)) (٦٦٣/٣٩٥)، لكن وقع في ((مسلم)) مختصراً جداً
بلفظ :
كان يصلي وأنا حذاءه ، وربما أصابني ثوبه إذا سجد ، وكان يصلي على الخمرة .
ولذلك أشكل على بعض إخواننا ، وتساءل في خطاب له أرسله إلي من
الرياض بتاريخ (١٤١٦/٦/٢ هـ) تساءل فيه :
(هل يفهم منه أن تقف المرأة مع الإمام الرجل في صف واحد في صلاة
الجماعة في النافلة ، كما - ربما - أفاد عنوان الحديث وما قبله في ((صحيح مسلم))؟!
أم يفهم أنها كانت جالسة لا تصلي ... ؟!)).
.
١٠٣٤
قلت: وإن مما لا شك فيه أن الأمر الأول بعيد جداً عن الحديث - على
اختصاره -؛ لأنه ليس فيه : وأنا أصلي حذاءه ؛ وهو خلاف المعروف من الأحاديث
الصحيحة الأخرى أن المرأة تقف خلف الإمام ولو كانت وحدها ، خلافاً للرجل .
ومن أبواب البخاري في «صحيحه)) :
(«باب المرأة وحدها تكون صفّاً)).
ثم ساق تحته (٧٢٧) حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال :
صليتُ أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﴿ه، وأمي - أم سُليم - خلفنا .
ورواه مسلم أيضاً، وأصحاب ((السنن)) وغيرهم، وهو مخرج في ((الإرواء))
(٣٢٩/٢ - ٣٣٠) .
وأما حديث: ((المرأة وحدها صف))؛ فموضوع ، كما قال ابن عبدالبر ، وقد
عزاه إليه الحافظ (٢١٢/٢) دون أن يحكي عنه الموضع! وساكتاً عنه أيضاً! انظر
((الضعيفة)) (٦٦٢٨) .
أقول : فدفعاً لذاك الإشكال وجواباً عن ذاك المتسائل ؛ جمعت أطراف الحديث
وزوائده، وسقته سياقاً واحداً سمحاً سهلاً؛ للإطاحة بالإشكال ، ولبيان أنها لم
تكن جالسة ، وإنما نائمة ، ولا بمصلية بل وهي حائض ! وإنما كان فراشها بحذاء
﴿ ؛ أي : مصلاه . وبالله التوفيق .
مسجده
٣٣٤٤ - (ذاكَ إبراهيمُ عليه السّلام. يعني: أنّه خيرُ البَريّة) .
١
أخرجه مسلم (٩٧/٧)، وأبو داود (٤٦٧٢)، والترمذي (٣٣٤٩) ، والنسائي
في ((السنن الكبرى)) (١١٦٩٢/٥٢٠/٦)، وابن أبي شيبة في ((المصنف))
(١١٨٦٥/٥١٨/١١)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٤٨/٣ - ٤٩ - المؤسسة)،
١٠٣٥
وأحمد (١٧٨/٣ و١٨٤)، وأبو يعلى (٣٩/٧ - ٣٩٤٨/٤٠ - ٣٩٥٠)، وأبو نعيم في
(«أخبار أصبهان)) (١٢٨/١ و١٥٦/٢ - ١٥٧)، والبيهقي في («دلائل النبوة)) (٤٩٧/٥)
من طرق عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال :
جاء رجل إلى رسول الله ﴿ فقال : يا خير البرية ! فقال رسول الله
فذكره . وقال الترمذى :
((حديث حسن صحيح)).
قلت : وظاهر الحديث يدل على أمرين :
أحدهما : أن إبراهيم عليه السلام خير الخلق مطلقاً بما فيهم الملائكة .
والآخر : أنه أفضل من نبينا محمد
.
قال ذلك تواضعاً وهضماً لنفسه ، أو
وأجاب العلماء عن هذا بأن النبي #
أنه قال ذلك قبل أن يوحى إليه بأن الله تعالى اتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم
خليلاً، وأنه سيد الناس يوم القيامة، آدم فمن دونه تحت لوائه { ** ، كما جاء في
الأحاديث الصحيحة ، وبهذا أجاب الطحاوي ، فراجعه فإنه هام مفيد .
وأما الأمر الأول ؛ فلم يتعرض له الطحاوي ، فأرى - والله أعلم - أن قوله
له: ((خير البرية)) من حيث إنه لا يشمل الملائكة، كقوله تعالى في سورة
(البينة) : ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾ بعد قوله:
﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك
هم شر البرية﴾، وأن المراد بـ (خير البرية) و(شر البرية)؛ إنما هم غير الملائكة - كما
يشعر بذلك السياق -؛ فإن الملائكة ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما
يؤمرون﴾. وقد ذكر القرطبي أنه قد استدل بقوله تعالى: ﴿خير البرية﴾ مَن فضّل
١٠٣٦
بني آدم على الملائكة ، ثم أحال في بيان الخلاف في ذلك على سورة البقرة
(٢٨٩/١)، وهناك ذكر الخلاف في المسألة بشيء من التفصيل، وذكر دليل من
قال بذلك ، والقائل بأن الملائكة أفضل ، ومن ذلك قوله :
((وفي البخاري : ((يقول الله تعالى : من ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير
منهم)) ، وهذا نص))(١) .
ثم قال :
((وقال بعض العلماء : ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة ،
ولا القطع بأن الملائكة خير منهم؛ لأن طريق ذلك خبر الله تعالى ، وخبر رسوله ،
أو إجماع الأمة ، وليس ههنا شيء من ذلك» .
ثم رأيت العلامة ابن أبي العز الحنفي قد توسع جدّاً في ذكر أدلة الفريقين
ومناقشتها، وبيان ما لها وما عليها في ((شرح العقيدة الطحاوية)) (٣٠١ - ٣١١) - وتبعه
الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (٣٨٤/١٣ - ٣٨٨) -؛ وذكر عن أبي حنيفة
رحمه الله أنه لم يقطع فيها بجواب ، وقال :
((وهذا هو الحق ؛ فإن الواجب علينا الإيمان بالملائكة والنبيين ، وليس علينا أن
نعتقد أي الفريقين أفضل؟ فإن هذا لو كان من الواجب لبين لنا نصّاً .. وحملني
على بسط الكلام هنا : أن بعض الجاهلين يسيئون الأدب بقولهم : كان الملَك
خادماً للنبي ◌َ ! أو أن بعض الملائكة خدام بني آدم ! يعنون : الملائكة الموكلين
بالبشر ، ونحو ذلك من الألفاظ المخالفة للشرع المجانبة للأدب .. )).
(١) الحديث أخرجه مسلم أيضاً ، وهو من حديث أبي هريرة ، وله شواهد من حديث
ابن عباس، وأنس بن مالك ، وهي مخرجة في ((الصحيحة)) (٢٠١١ و٢٢٨٧ و٢٩٤٢).
١٠٣٧
ثم شرع في البسط المذكور ، وختمه بقوله :
(«وحاصل الكلام : أن هذه المسألة من فضول المسائل ، ولهذا لم يتعرض لها
كثير من أهل الأصول ، وتوقف أبو حنيفة في الجواب عنها كما تقدم . والله أعلم
بالصواب)» .
قلت : ولقد كان التوقف المذكور هو الذي يقتضيه النظر والتأمل في أدلة
الفريقين ، وجواب كل منهما عن أدلة الآخر ، لولا حديث البخاري الذي قال فيه
القرطبي : إنه نص في المسألة كما تقدم ، وقد حكاه الحافظ العسقلاني عن ابن
بطال أيضاً ، وإن كان الحافظ تكلف في رد دلالته وتأويله :
(«بأن الخيرية إنما حصلت بالذاكر والملأ معاً؛ فالجانب الذي فيه رب العزة خير
من الجانب الذي ليس هو فيه بلا ارتياب ، فالخيرية حصلت بالنسبة للمجموع
على المجموع)) .
وقد كنت وقفت منذ القديم في ((الترغيب والترهيب)) على حديث من رواية
البزار وابن حبان في ((صحيحه)) هو نص في الموضوع وأقوى ؛ لأنه يبطل التأويل
المذکور ، ونصه :
((أول من يدخل الجنة من خلق الله : الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم
الثغور، وتتقى بهم المكاره ، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها
قضاءً ، فيقول الله لملائكته : ائتوهم فحيوهم ، فتقول الملائكة :
ربَّنا ! نحن سكان سماواتك ، وخيرتك من خلقك ، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء
فنسلم عليهم؟! قال : إن هؤلاء كانوا عباداً لي يعبدوني لا يشركون بي شيئاً،
وتسد بهم الثغور .. ، قال : فتأتيهم الملائكة عند ذلك ؛ فيدخلون عليهم من كل
باب: ﴿سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾)).
١٠٣٨
وقال المنذري (٨٦/٤)، والهيثمي (٢٥٩/١٠):
((ورجاله ثقات)) .
وهو في ((موارد الظمآن)) (٢٥٦٥) - والسياق له -، ومخرج في المجلد السادس
من ((الصحيحة)) برقم (٢٥٥٩). وإني لأستغرب جدّاً كيف فات على أولئك
العلماء من الفريقين إيراده احتجاجاً ودفعاً؟! وبخاصة الحافظ ابن حجر
العسقلاني ، لنعلم رأيه في شهادة الملائكة أمام ربهم : أنهم خيرة خلقه ، وما أظن
أنه يجد له تأويلاً إلا التسليم لدلالته !
ونحوه حديث الترجمة ، فما تعرض أحد منهم لذكره ، ولعل ذلك لأنهم
يرون أيضاً أنه خاص بالناس دون الملائكة؛ كما تقدم بيانه في طليعة هذا
التخريج ، وهو الذي استظهره الإمام الآلوسي في تفسيره (روح المعاني)) (٢٦٤/٣)!
والله ولي التوفيق .
وأما حديث: ((علي خير البرية))؛ فمن موضوعات الشيعة ، وقد روي من
حديث أبي سعيد الخدري ، وهو مخرج في ((الضعيفة)) (٥٥٩٣) ، ومن حديث
جابر بن جابر برقم (٤٩٢٥)، وذكره الآلوسي من حديث أبي هريرة عند ابن أبي
حاتم ، وحديث عائشة وعلي وابن عباس عند ابن مردويه ، ولم أقف على
أسانيدها . ومن الظاهر أنها من عمل الشيعة أو غيرهم من الضعفاء والكذابين ،
ولذلك عقب الآلوسي عليها بقوله :
((وإن دون إثبات صحة تلك الأخبار خَرْطَ القَتاد . والله تعالى أعلم)) .
ولا بد من التنبيه أنه وقع فيه حديث أبي هريرة: «مرفوعاً» ، وأنا أظن أنه
محرف: ((موقوفاً))؛ فإن من المعروف أن مرجع المتأخرين في تخريج أحاديث
التفسير إنما هو ((الدر المنثور)) على الغالب ، والحديث فيه (٣٧٩/٦) غير مرفوع!
١٠٣٩