Indexed OCR Text

Pages 541-560

(المسند)) (٢٧٤/٦) بأن إسناده صحيح، وهذا من تساهله الذي نبهت عليه مراراً!
وإنما هو صحيح بما قبله ، وقد سكت عليه الحافظ في ((الفتح)) (٨٤/١٠).
على أن الأمر ليس كما قال أبو حاتم - رحمه الله -؛ فقد روى عن يزيد - أيضاً -
مشمعلٌ بنُ إياس؛ كما في ترجمته من ((التهذيبين))، فهو مجهول الحال ، لا
مجهول العين .
وللحديث شاهد موقوف يرويه الحسن بن الحكم عن الحُرِّ بن الصَّيَّاح قال :
سأل رجل ابن عمر فقال : ما ترى في الشرب قائماً؟ فقال ابن عمر :
إني أشرب وأنا قائم ، وآكل وأنا أمشي .
رواه ابن أبي شيبة (٤١٦٧) .
قلت : وإسناده حسن .
ومن بغي المسمى بـ (حسان عبدالمنان) وجنفه على السنة : جزمه بأن الحديث
وهم في إسناده حفص بن غياث ، قال في ((ضعيفته)) التي جعلها في آخر طبعته
لكتاب ((رياض الصالحين)) للنووي (٤١/٥٢٤):
((كما ذكر ذلك ابن معين وابن المديني وأحمد وغيرهم ، وإنما هو حديث أبي
البزري (!) كما في ((مسند أحمد)) (١٢/٢) وغيره، وهو مجهول)) .
قلت : وعزوه جزمَه بالوهم إلى الأئمة الثلاثة من تدليساته الكثيرة ؛ فإنه لم
يجزم به إلا ابن المديني فقط ، وأما ابن معين فقال :
(«تفرَّد به ، وما أراه إلا وهم فيه)) .
وقال أحمد :
(«ما أدري ما ذاك؟!))؛ كالمنكر له .
٥٤١

قلت : ففي قولهما تلميح لطيف إلى أنه ليس لديهما حجة علمية في التوهيم
المذكور ، وإنما هو الرأي فقط ، وبمثله لا ينبغي أن يخطّأ الثقة ؛ لأن تفرده حجة إلا
عند المخالفة لمن هو أوثق منه وأحفظ ، وهي مفقودة هنا ، ولقد أصاب الترمذي
رحمه الله حينما جمع في كلمته السابقة بين تصحيح الحديث ، والحكم عليه
بالغرابة ؛ لأنه الأصل المصرح به في علم المصطلح كما هو معروف عند العلماء ،
ولولا ذلك صارت الأحاديث الصحيحة عُرْضَةً للتضعيف لمجرد التفرد وهذا خُلْف ،
وبخاصة أن الطريق الأخرى هي بإسناد آخر ورجال آخرين ؛ فهي تؤيد رواية
حفص وتشد من أزره ، وتدل على أنه قد حفظ . والله أعلم .
وفي الحديث فائدة هامة ، وهي جواز الأكل ماشياً ، بخلاف الشرب قائماً ؛
فإنه منهي عنه كما ثبت في ((صحيح مسلم)) وغيره، وقد سبق تخريج بعضها في
المجلد الأول (رقم ١٧٧)، وذكرت هناك اختلاف العلماء في حكمه مرجِّحاً
التحريمَ؛ لزجره ◌َ له عن الشرب قائماً وغيره مما يؤيده؛ فراجعه .
: قائماً؛ لأنها وقعت إما على
ولا يجوز معارضة ذلك بأحاديث شربه
البراءة الأصلية ، وإما لعذر؛ وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في فتوى له ؛
فليراجعها من شاء (٢٠٩/٣٢ - ٢١٠).
ثم أوقفني بعض الإخوان - جزاه الله خيراً - على إعلال أبي حاتم أيضاً
للحديث ، بعلة غريبة، فقال ابنه في ((العلل)) (١٥٠٠/٩/٢):
((سألت أبي عن حديث رواه محمد بن آدم بن سليمان المِصِّيصي عن حفص
ابن غياث ... (فذكر الحديث)؟ قال أبي : قد تابعه على روايته ابن أبي شيبة عن
حفص ، وإنما هو حفص عن محمد بن عبيدالله العرزمي ، وهذا حديث لا أصل له
بهذا الإسناد» .
٥٤٢

فأقول : هذا الإعلال يُعرف جوابه مما سبق ، وخلاصته أنه توهيم للثقة بدون
حجة ، ونقول هنا شيئاً آخر ، وهو أن التسليم بهذا الإعلال يلزم منه نسبة (حفص
ابن غياث) إلى التدليس ، وهذا مما لم يقله أحد فيما علمت ، وما لزم منه باطل
فهو باطل .
وقد تابع المذكورين على روايتهما : سَلم بن جنادة عن حفص بن غياث :
عند الترمذي ، وابن حبان (١٣٦٩)، فالحديث حديثه؛ وهو حجة ، ولا يجوز ردُّه
بغير حجة .
٣١٧٩ - (أَمَا إِنّ رَبَّك يُحبُّ المحامدَ) .
أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٨٥٩ و٨٦١ و٨٦٨) و((التاريخ)) (٤٤٥/١/
١٤٢٥)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٧٧٤٥/٤١٦/٤)، والحاكم (٦١٤/٣)،
وأحمد (٤٣٥/٣)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٨٢٠/٢٥٨/١ - ٨٢٥)، والطحاوي
في ((شرح المعاني)) (٣٧٢/٢) من طرق عن الحسن عن الأسود بن سريع ، قال :
كنت شاعراً، فقلت : يا رسول الله ! امتدحتُ ربي، فقال :... فذكره، وما
استزادني على ذلك . وقال الحاكم :
((صحيح الإسناد)). ووافقه الذهبي .
قلت : هو كذلك بالنظر لرواية البخاري في كتابيه ؛ فإن الحسن قد صرح
بالتحديث عن الأسود من طريقين عنه ، ولولا ذلك لكان معلَّلاً بالعنعنة ؛ لأن
الحسن معروف بالتدليس ، والذين جزموا بأن الحسن لم يسمع من الأسود ؛ لم
يذكروا حجة سوى حكاية لا يُعرف لها إسناد : أن الأسود لم يُرَ بعد قتل عثمان،
وإلا قولاً لبعضهم : إن الأسود مات يوم الجمل سنة ست وثلاثين ؛ وإنما قدم الحسن
٥٤٣

البصرة بعد ذلك ! وهناك قول آخر : أن الأسود بقي بعد الأربعين ، وهذا يلتقي مع
تصريح الحسن بالسماع منه ؛ لأن هذا ولد في نحو سنة (٢٢) ؛ فبإمكانه أن يسمع
منه كما هو ظاهر، وإلى هذا مال الدكتور بشار في تعليقه على ((تهذيب الكمال))
للحافظ المزي (٢٢٢/٣ -٢٢٣)، فراجعه ؛ فإنه مفيد .
ثم وجدت لتصريحه بالتحديث عن الأسود طريقاً ثالثاً عند النسائي في
((الكبرى)) (٨٦١٦/١٨٤/٥) بحديث النهي عن قتل الذرية ، الذي كنت خرجته
قديماً في المجلد الأول برقم (٤٠٢) معتمداً في تصريحه بالسماع على رواية الحاكم
إياه ، والآن وقد طبع ((السنن الكبرى)) للنسائي ، ووقفنا فيه أيضاً على التصريح ؛
فلينقل إلى الحديث المذكور .
ثم ألحقته به في الطبعة الجديدة ، في مكتبة المعارف - الرياض .
ويبدو لي أن الحافظ المزي معنا في إثبات السماع منه ؛ بدليل أنه لما ذكر
شيوخ الحسن البصري (٩٧/٦) مصرِّحاً بعدم إدراكه لبعضهم ، أو الخلاف فيه كما
هي عادته - وذلك من دقته وتحقيقه جزاه الله خيراً - قال: (( .. والأسود بن سريع
(س)))؛ فلم يذكر في سماعه منه شكّاً بله نفي ، خلافاً للحافظ في ((تهذيبه))!
وللحديث طريق أخرى ، يرويها عبدالرحمن بن أبي بكرة أن الأسود بن
سريع قال :
أتيت رسول الله :﴿﴿ فقلت : يا رسول الله ! إني قد حمدت ربي تبارك وتعالى
بمحامد ومدح، وإياك، فقال: ((أما إن ربك تبارك وتعالى يحب المدح))، فجعلت
أُنشده، فاستأذن رجل طُوال أصلع، فقال لي النبي ﴿: ((اسكت))، فدخل
فتكلم ساعة ثم خرج ، فأنشدته ، ثم جاء فسكّتني ! ثم خرج ، فعل ذلك مرتين أو
٥٤٤

ثلاثاً ، فقلت : من هذا الذي سكّتني له؟! قال : ((هذا رجل لا يحب الباطل ،
[هذا عمر ابن الخطاب])).
أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٣٤٢) - والسياق له -، والطحاوي
- مختصراً - وأحمد (٤٣٥/٣)، وكذا الحاكم (٦١٤/٣ و٦١٥) - والزيادة لهما -،
والطبراني أيضاً (١/رقم ٨٤٢ و٨٤٣) من طريق علي بن زيد عن عبدالرحمن بن
أبي بكرة به .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ؛ له علتان :
الأولى : الانقطاع بين عبد الرحمن هذا والأسود بن سريع ، على ما صرح به
ابن منده؛ فقد ذكر الحافظ في ((التهذيب)) في ترجمة الأسود : أنه روى عنه
الحسن وعبدالرحمن هذا ، وأتبعه بقوله :
((قال ابن منده: ولا يصح سماعهما منه، توفي أيام الجمل سنة (٤٢).
قلت : تبعه الذهبي على هذا الكلام ... )).
ثم تعقبه بما خلاصته أن وقعة الجمل كانت سنة (٣٦) بلا خلاف ، وأن
أحمد وابن معين ذكرا أنه توفي سنة (٤٢).
قلت : وسواء كانت وفاته في هذه السنة - وهو الذي نميل إليه لما تقدم - ، أو
كانت التي قبلها ؛ فلا أرى وجهاً للانقطاع الذي ادعاه ابن منده؛ لأن عبدالرحمن
هذا ولد سنة (١٤) في البصرة ، فهو قد أدرك الأسود يقيناً؛ لأننا إذا افترضنا أن
الوفاة كانت سنة (٣٦) فيكون عُمُرُ عبد الرحمن حينئذٍ (٢٢) سنة ، وعلى ما هو
الراجح لدينا يكون عمره يومئذ (٢٨) سنة، مع العلم أن الأسود كان نزل البصرة
وقص بها . وكأنه لذلك لما ترجم له الحافظ المزي وغيره ، وذكروا من روى عنهم من
٥٤٥

الصحابة ؛ كان منهم الأسود هذا ولم ينفوا سماعه منه ؛ فهذه العلة إذن غير قادحة .
والعلة الأخرى : ضعف علي بن زيد بن جُدعان ؛ لكنه لم يتفرد به ؛ فقال
الطبراني في «معجمه)) (١/رقم ٨٤٤): حدثنا محمد بن عبدالله الحضرمي : ثنا
مَعْمَرُ بنُ بَكَّار السَّعْدي : ثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عبدالرحمن بن أبي
بكرة به نحوه .
قلت : وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير معمر بن بكار السعدي ، قال العقيلي
في ((الضعفاء)) (٢٠٧/٤) :
((في حديثه وهم ، ولا يتابع على أكثره)).
وذكره ابن أبي حاتم (٢٥٩/١/٤) دون تجريح أو تعديل .
وأما ابن حبان؛ فذكره في ((الثقات)) (١٩٦/٩).
وقال الذهبي في («الميزان)):
(شيخ لمطيّن ، صويلح)) .
قلت : فيبدو مما تقدم من ترجمته أنه يمكن الاستشهاد به ، وبخاصة إذا
تذكَّرنا أن الحاكم صحح له هذا الحديث ؛ فإنه رواه (٦١٥/٣) من طريق الحضرمي
- وهو (مطين) - عنه ، وقال عقبه :
((حدیث صحیح)) .
ولكن رده الذهبي بقوله :
((قلت : معمر له مناكير)).
:
٥٤٦

وهذا لا يمنع من الاستشهاد به ، ومتابعة ابن جدعان له ترفع عنه النكارة ،
وبها يثبت الحديث بتمامه ، والله أعلم .
والحديث جزم شيخ الإسلام ابن تيمية في ((الرد على البكري)) (ص٢٩١)
بنسبته إلى النبي
وكنت قد أشرت إلى ضعفه في ((تحريم آلات الطرب)) (ص١٢٣)، وجزمت
في ((ضعيف الأدب المفرد)) (٣٤٢/٥٥) أنه ضعيف بهذا التمام ، وأحلت على
(الضعيفة)) (٢٩٢٢)، ولم أكن وقفتُ ـ حينذاك - على متابعة الزهريِّ لابن
جُدعان ، فسبحان من قد أحاط بكل شيء علماً ، والمعصوم من عصمه الله .
٣١٨٠ - (لا يُتْمَ بعدَ احتلام، ولا يُتْمَ على جاريةِ إذا هي حاضتْ).
أخرجه الطبراني في «الكبير» (٣٥٠٢/١٦/٤): حدثنا محمد بن عبدالله
الحضرمي : ثنا محمد بن أبي بكر المقدَّمي : ثنا سَلْمُ بن قتيبة : ثنا ذَيَّالُ بن عُبَيْد
قال: سمعت جدي حنظلة يقول: قال رسول الله عز ان : ... فذكره .
قلت : وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات معروفون؛ وذيَّال بن عُبيد وثقه
ابن معين ، وابن حبان (٢٢٢/٤)، ولا ينافيه قول ابن أبي حاتم بعد أن روى توثيق
ابن معين :
((سألت أبي عنه؟ فقال: تابعي. قلت: يحتج بحديثه؟ فقال: شيخ أعرابي)).
فأقول : إنه يشير بذلك إلى أنه وسط ليس في الحجة كغيره من الحفاظ
المشهورين ، وقد روى عنه جمع من الثقات، ولهذا؛ قال فيه الحافظ في ((التقريب)):
((صدوق)). وقال في ((التلخيص الحبير)) (١٠١/٣):
٥٤٧

((وإسناده لا بأس به)). وقال شيخه الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٢٢٦/٤):
(رواه الطبراني، ورجاله ثقات)).
وعزاه الحافظ في ترجمة حنظلة من ((الإصابة)» للحسن بن سفيان والباوردي
وابن السكن من طريق سلم بن قتيبة به .
وللحديث طرق أخرى كنت خرجتها في ((الإرواء)) (٧٩/٥ - ٨٣) وبينت
عللها ، وانتهيت إلى أنه صحيح بمجموعها ، وبخاصة وأن من بينها حديثاً صحيحاً
موقوفاً على ابن عباس، وآخر مرفوعاً حسنه النووي في ((الرياض)) (١٨٠٨ -
بتحقيقي) ، فعارضني في ذلك أحد الناشئين الأغمار في هذا المجال ، فذكره في
((الأحاديث الضعيفة)) التي استخرجها من كتاب ((الرياض))، وجعلها في آخر
الكتاب من طبعته هو ، استعمل فيها مِعْوَل الهدم في الأحاديث الصحيحة ، بغير
علم ولا هدى؛ لأنه لا علم عنده بهذا الفن ، ويغلب عليه التعلق بالجرح بالراوي
وبأحاديثه ، مهما كان الجرح سهلاً لا يعارض به التوثيق ، أو أن يتابع ممن يتقوى به
حديثه عند أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين ، بل رأيته أحياناً يتجاهل التوثيق أو
ينكره لِيَسْلَمَ له الجرح والتضعيف ، وقد دلت طريقة تضعيفه على أنه لا يتبنى
الحديث المعروف عند المحدثين بالحديث الصحيح لغيره ، بله الحديث الحسن لغيره ،
الذي ينتج من تقوية الحديث الضعيف بالشواهد والطرق ، والذي يكني الترمذي
عنه بقوله: ((حديث حسن)) فقط دون قوله: ((حديث حسن غريب))؛ كما نص
عليه في آخر كتابه ؛ الأمر الذي ذكرني بضلال أحد المدعين العلم والطاعنين في
السنة والأحاديث الصحيحة بهواه أيضاً ، قال - بجهل بالغ في تعليقه على ((دفع
شبه التشبيه)) (ص٦٤) -:
((والقول الفصل : أنه لا يجوز تصحيح الأحاديث بالشواهد ألبتة))!
٥٤٨

ثم أعاد هذا المعنى في أواخر الكتاب ، فقال (ص٢٢٢) :
((ولسنا ممن يصحح بالشواهد))(١)!
على مثل هذا وغيره - مما يخالف القواعد العلمية التي وضعها علماء الإسلام -
جرى المشار إليه ، فيا ترى من السابق منهما إلى مثل هذه الجهالة؟! وهل كان ذلك
من باب ﴿تشابهت قلوبهم﴾، أم أن أحدهما يلقِّن الآخر، أو كما قال تعالى:
﴿أتواصوا به بل هم قوم طاغون﴾؟!
والمقصود أن المومى إليه ضعف هذا الحديث في ((ضعيفته)) المشار إليها آنفاً
برقم (١٢٥)، ناظراً إلى مفردات طرقه دون أن يعتمد على ما يعطيه مجموعها
من قوة للحديث ! فماذا يا ترى سيكون موقفه من طريق حديث الترجمة؟! إن
أخشى ما أخشاه أن يبتدع له علة يتشبَّث بها للطعن فيه ، كما فعل في بعض
طرق حديث العرباض بن سارية في الموعظة ؛ فإنه مع تضعيفه إياه من جميع
طرقه على تلك القاعدة المشؤومة ، ومع أن أكثرها صحيحة ؛ فإني لما قدَّمت إليه
طريقاً أخرى من ((مسند الشاميين)) لم يكن وقف عليها ؛ اعترف بصحتها
بحضورنا ، ثم نَكص على عقبيه ، كما تراه مبيناً في الاستدراك رقم (١٣)
المطبوع في آخر المجلد الثاني من ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) الطبعة الجديدة !
والله المستعان .
(١) لقد تراجع الرجل عن ضلالته هذه في فهرس الخطأ والصواب ، ولعل ذلك بتنبيه
أحدهم إياه ، وإلا فالرجل - عمليّاً - كالناقد (!) المشار إليه ، لا يعبأ بالطرق المقوية للأحاديث ،
وهذا هو المثال أمامك ، وأما ذاك الضال ؛ فقد أبطل حديث: ((أين الله؟)) مع كثرة طرقه ،
وأحدها في مسلم، كما تقدم بيانه قريباً برقم (٣١٦١).
٥٤٩

أحاديث في تحريك الإصبع في التشهد ، والردُّ على من أنكره
٣١٨١ - (كان يشير بإصبعه السَّبَّاحةِ في الصلاة) .
أخرجه أحمد (٤٠٧/٣)، والبخاري في ((التاريخ)» (٢٩٦/١/٢) من طريق
سفيان عن منصور عن أبي سعيد الخُزاعي عن عبدالرحمن بن أبزى أن رسول الله
﴿ ... فذكره .
قلت : وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ؛ غير أبي سعيد هذا .
وقال جرير: عن منصور عن راشد أبي سعد ؛ أخرجه أحمد أيضاً ، وفي
ترجمته أورده البخاري ، ولم يذكر فيه جرحاً. وأورده ابن حبان في ((الثقات))،
وسمى أباه سعداً، فقال (٣٠٣/٦) :
((راشد بن سعد أبو سعد، يروي عن عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ، روى عنه منصور
والأعمش)).
وقال المعلق عليه :
((لم يسم أباه البخاري ، ولا ابن أبي حاتم، ولا صاحب ((التهذيب)) .. ))!
قلت : هو ليس في ((التهذيب)) مطلقاً ؛ فتنبه .
وللحديث شواهد تؤكد صحته من حديث جمع من الصحابة :
أولاً : أبو حميد الساعدي في وصفه لتشهد النبي ﴿ قال فيه :
((ثم يشير في الدعاء بإصبع واحدة)) .
أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (١٧٠/٣ - ١٧١ - الإحسان) ، والطحاوي
٥٥٠

في ((شرح معاني الآثار)) (١٥٣/١)، والسَّرَّج في ((مسنده)) (ق١/٢٥)، والبيهقي
(١٠١/٢ - ١٠٢) بسند فيه جهالة، بينته في ((ضعيف أبي داود)) (١١٨)، وعدّه
ابن حبان محفوظاً .
ثانياً : خُفَافُ بن إيماءِ قال :
((كان رسول الله ﴿ إذا جلس في آخر صلاته ؛ يشير بإصبعه السبابة ، وكان
المشركون يقولون: يسحر بها ؛ وكذبوا ، ولكنه التوحيد)).
أخرجه أحمد (٥٧/٤)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٤١٧٦/٢٥٧/٤)
- والسياق له -، والبيهقي (١٣٣/٢) بسند رجاله ثقات؛ لكن أدخل بعضهم بين
تابعي الحدیث وخفاف رجلاً لم يسم .
ثالثاً: وائل بن حُجْر في حديث وصفه لتشهده ◌َ ه قال :
((ثم رفع إصبعه ، فرأيته يحركها ، يدعو بها)) .
أخرجه أصحاب بعض («السنن)) وغيرهم ، وصححه ابن خزيمة ، وابن حبان ،
وابن الجارود ، وابن الملقن ، والنووي ، وابن القيم ، وابن حجر العسقلاني ، وهو
مخرج في ((الإرواء)) (٦٨/٢ - ٦٩)، و((صحيح أبي داود)) (٧١٧) ، وهو شاهد قوي
لحديث الترجمة ؛ فإن قوله فيه: (يشير)) بمعنى قول وائل: (يحركها))، كما يأتي
بيانه قريباً إن شاء الله تعالى .
وقد شذ بعض المتأخرين عن هؤلاء الأئمة المصحِّحين للحديث - وغيرهم ممن
تلقى الحديث بالقبول وعمل به أو تأوله ، كما بينت ذلك في ((تمام المنة))
(ص٢١٨) -؛ فضعفوه بدعوى تفرد زائدة بن قدامة عن عاصم بن كليب ..
بقوله : (يحركها)» دون سائر أصحاب عاصم ، وقد رددت على هؤلاء المتأخرين في
٥٥١

المصدر المذكور بما خلاصته أن الإشارة لا تنافي التحريك ، كل ما في الأمر أنها
ليست نصّاً في التحريك ، ولا هي تنافيه ، مع مخالفتهم لأولئك الأئمة كما
حققته هناك ؛ فليرجع إليه من شاء التوسع .
ولكنني أريد الآن أن أؤكد صحة حديث زائدة بمتابعات منْ غيره له ، تبین
للقراء وهَم أولئك المتأخرين في تضعيفهم لحديثه ومخالفتهم للأئمة ، وذلك ؛
بمناسبة أنني وقفت أخيراً على رسالة لأحد الطلبة المتعلقين بهذا العلم سماها :
((المنهج الصحيح في الحكم على الحديث النبوي الشريف)) بقلم عادل مرشد ،
ويذكر فيها أنه من تلامذة الشيخ شعيب الأرناؤوط ، ويبدو لي منها أنها إن لم تكن
من تأليفه ؛ فهي على الغالب من تلقينه إياه ، ويهمُّني منها الآن أنه ذكر حديث
زائدة هذا مثالاً من أربعة أمثلة للحديث الشاذ بزعمه ، وهو في ذلك مقلد لمن
سبقت الإشارة إليهم من المتأخرين ، ولم يأت هو بشيء جديد إلا الكشف عن
جهله ، وأنه ليس أهلاً للخوض في مثل هذا الموضوع الخطير ! فعياذاً بالله تعالى من
العجب والغرور وحب الظهور؛ فإنه يقصم الظهور ! وهاك البيان :
لقد سمى الرجل أحد عشر راوياً من أصحاب عاصم بن كُلَیب عارض بهم
رواية زائدة(١)، مشيراً إلى مصادرها من كتب السنة مرقماً إياهم بأرقام متسلسلة ،
وأنت إذا رجعت إلى تلك المصادر؛ وجدت أنه موَّه على القراء بما لا طائل تحته
ببعض من سمی مثل : (٧ - عبدالله بن إدریس عند ابن ماجه (٩١٢) و: ((٩ - أبو
عوانة عند الطبراني ٩٠/٢٢))؛ فإن هذين لا يجوز حشرهم مخالفين لرواية زائدة؛
لأنهما لم يذكرا الإشارة مطلقاً ، وذلك يدل أنهم اختصروا الحديث ، خلافاً للذين
(١) وهو في ذلك مقلد لمؤلف رسالة ((البشارة في شذوذ تحريك الأصبع في التشهد)) التي
كنت رددت عليها فى ((تمام المنة)).
٥٥٢

أثبتوها ، وهم التسعة الباقون ، فكما لا يجوز معارضتهم بروايتهما ، فكذلك لا
يجوز معارضة رواية زائدة بهما ! وذلك ؛ لأن معه - كالتسعة - زيادة علم ، وزيادة
الثقة مقبولة كما هو ظاهر معروف عند أهل العلم .
إذا تبين هذا ؛ فلننظر في روايات التسعة الباقين وألفاظهم ، فإننا سنجد فيهم
من وافق زائدة على روايته التحريك من حيث المعنى ، وإن اختلفت ألفاظهم ،
ولست أدري إذا كان عدم سرده إياها كان عن عمد أو جهل ، وأحلاهما مر ! فأقدِّم
أسماءهم مع التخريج حسبما جاء في رسالته ، معقّباً لها بألفاظهم المشار إليها :
الأول: ((٤ - أبو الأحوص سلام بن سُلَيْم عند الطيالسي (١٠٢٠)، والطبراني
(٨٠/٢٢))).
فأقول : لفظه عند المذكورين : ((وجعل يدعو))، زاد الطيالسي: ((هكذا يعني:
بالسبابة ، يشير بها)) .
الثاني: ((٨ - زهير بن معاوية عند أحمد (٣١٨/٤)، والطبراني (٨٤/٢٢))).
قلت: ولفظهما: ((ثم رأيته يقول هكذا، ورفع زهير بإصبعه المسبِّحة)).
الثالث: ((١١ - بشر بن المُفَضَّل عند النسائي (٣٥/٣ -٣٦))).
قلت : ولفظه : ورأيته يقول هكذا؛ وأشار بشر بالسبابة من اليمنى وحلَّق
الإبهام والوسطى)) .
ورواية بشر هذه: أخرجها ابن خزيمة أيضاً في ((صحيحه)) (٧١٣/٣٥٣/١)
مقرونة برواية عبدالله بن إدريس بلفظ :
((ثم حلَّق ، وجعل يشير بالسباحة يدعو)) .
٥٥٣

قلت : فهذه الألفاظ من هؤلاء الثقات الأربعة تؤيد رواية زائدة ، وتؤكد
صحتها وبطلان إعلال هؤلاء المتأخرين لها بالشذوذ ، وذلك ؛ لأن قول زهير وبشر :
((يقول هكذا)): هو بمعنى رواية أبي الأحوص وابن إدريس: ((يشير))؛ لأنه فعل
مضارع يفيد التكرار عند العارفين باللغة العربية وآدابها ، كما هو الشأن في قول
زائدة: «يحرِّكها» ، ولذلك؛ أنكرها المتأخرون المشار إليهم آنفاً ، فكذلك قول هؤلاء
الثقات: ((يشير))؛ هو فعل مضارع يفيد تكرر الإشارة ولا فرق ، فهو بمعنى
((يحرك))، وهذا ظاهر جدّاً، فلا أدري كيف خفي ذلك على المنكرين للتحريك؟!
وإن مما يؤكد ما ذكرت : زيادة أبي الأحوص، وكذا بشر عند ابن خزيمة : ((وجعل ..
يشير بها)) ؛ فإنه أصرح في الدلالة على الإشارة والتحريك ، وهذا ظاهر أيضاً .
والخلاصة : أن حديث وائل من رواية زائدة في التحريك صحيح ، وله
متابعون ثقات في معناه ، وأن الذين أعلوه بالشذوذ تغافلوا عن روايات الثقات
الموافقة له ، وعن إفادة الفعل المضارع الاستمرار، كما تجاهلوا تصحيح الأئمة
المتقدمين له ، واستعلوا عليهم ! وادعوا علم ما لم يعلموا !
ومن الغريب حقّاً : أن تلميذ الشيخ شعيب المومى إليه - والذي يتبجَّح بالتتلمذ
عليه والعمل تحت إشرافه وتوجيهه - قد خالف في هذا الحديث شيخه أيضاً! فإن
هذا قد قال في تعليقه على حديث زائدة هذا في ((صحيح ابن حبان)) (١٧١/٥) :
((إسناده قوي)) ! ولم يعله بالشذوذ ، وهو الحق !
فلا أدري أتراجع الشيخ عن هذه التقوية إلى رأي التلميذ وجهله ، أم أصابه منه
ما أصابه من تلميذه الآخر (حسان عبدالمنان) من المخالفة في عشرات الأحاديث
التي ضعفها من ((رياض الصالحين))، وذكر في أعقابها أن الشيخ وافقه عليها ، مع أن
بعضها قد صححها أيضاً في بعض تعليقاته؟! ذلك مما ستكشفه الأيام .
٥٥٤

وانظر بعض الأحاديث الصحيحة التي ضعفها (حسان) هذا بجهل بالغ في
الاستدراك رقم (٦ و١١ و١٣) في آخر المجلد الثاني من ((سلسلة الأحاديث الصحيحة))
الطبعة الجديدة ، والاستدراك (١٤)، فتحته حديث آخر صحيح ضعفه المسمى بـ
(عادل) بجهل بالغ يدل على أنه لا فقه عنده .
(تنبيه): ثم وقفت على حديث خُفاف بن إيماء في ((مسند أبي يعلى))
(٢٠٧/٢ - ٢٠٨) من طريق يزيد بن عياض عن عمران بن أبي أنس عن أبي
القاسم مقسم مولى بني ربيعة عن الحارث قال :
صليت في مسجد بني غفار، فلما جلست ؛ جعلت أدعو وأشير بإصبع واحدة ،
فدخل عليَّ خفاف بن إيماء الغفاري وأنا كذلك ، فقال : ... فذكر الحديث.
فقال المعلق عليه - بعد أن ضعفه بيزيد بن عياض ، وخرجه من رواية أحمد
والبيهقي - :
((وهو إسناد ظاهره أنه منقطع ، غير أن الرواية التي عندنا هنا لعلها تُعِينُ في
تعيين الرجل المجهول وأنه ابن خُفَاف ، فإذا كان الأمر كذلك يكون الإسناد
صحيحاً)) !
کذا قال ! وهو عجيب غريب لأمور :
أولاً : ليس في الإسناد التصريح بأن الحارث هو ابن خفاف ، بل الظاهر أنه
غيره ؛ إذ لو كان كذلك لقال: ((دخل علي أبي خُفافٌ)) أو نحوه ، ولم يكن مقبولاً
منه قوله : ((صليت في مسجد بني غفار)) وهو غفاري !
ثانياً : لو كان فيه التصريح بأنه ابن خفاف ؛ لم يكن الإسناد صحيحاً ، كيف
وفیه یزید بن عیاض وقد ضعفه؟!
٥٥٥

ثالثاً : إن اقتصاره على تضعيف يزيد فيه تساهل واضح ؛ فإن الرجل أسوأ
حالاً ؛ فقد تركه النسائي وغيره ، وقال الحافظ في ((التقريب)):
((كذبه مالك وغيره)) .
٣١٨٢ - (كان إذا حزَبَه أمرٌ، قال: يا حيُّ! يا قيُّومُ! برحمتكَ
أَستغيثُ) .
أخرجه الترمذي (٣٥٢٤/١٨٥/٩)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة))
(٣٣٢/١٠٩) - واللفظ له - من طريق يزيد الرَّقاشي عن أنس بن مالك قال :...
فذكره . وقال الترمذي :
((حديث غريب).
قلت: وعلته يزيد هذا - وهو ابن أبان -، وهو ضعيف كما في ((الكاشف))
و((التقريب)»، مع صلاحه وعبادته .
لكن له شاهد من حديث عبدالله بن مسعود قال :
كان رسول الله ◌َّا إذا نزل به هم أو غم قال : ... فذكره .
أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٥٠٩/١)، ومن طريقه البيهقي في ((الدعوات
الكبير)» (١٧٠/١٢٧)، من طريق النضر بن إسماعيل البجلي : ثنا عبد الرحمن بن
إسحاق : ثنا القاسم بن عبدالرحمن عن أبيه عنه . وقال الحاكم :
((صحيح الإسناد)). ورده الذهبي بقوله :
((قلت : عبدالرحمن لم يسمع من أبيه ، وعبدالرحمن ومن بعده ليسوا
بحجة )) .
٥٥٦
٠

وتعقبه المعلق عليه بقوله :
((أقول: ذكره في ((التقريب))، فقال: ثقة من صغار الثانية (التابعين) ، مات
سنة تسع وسبعين ، وقد سمع من أبيه ، ولكن شيئاً يسيراً . وقال في ترجمة ابنه
القاسم: ثقة عابد من الرابعة . فكيف يصح إطلاق الذهبي عدم حُجِّيَّتِهم؟ الحسن
النعمانى)).
قلت : يرد عليه أمران :
الأول : أنه لا يصح الاعتراض بقول الحافظ ابن حجر على الذهبي ؛ لجواز أن
يكون الراجح عنده عدم سماع عبدالرحمن من أبيه ؛ فإن الحفاظ مختلفون فيه ،
وإن كان الراجح ما ذكره الحافظ .
والآخر : أن النعماني لم يفهم كلام الذهبي ؛ فإن قوله : ((وعبدالرحمن ومن
بعده ليسوا بحجة)) لا يعني عبد الرحمن بن عبدالله بن مسعود ، وإنما عبدالرحمن
ابن إسحاق - وهو أبو شيبة الواسطي -؛ فقد قال فيه في ((الكاشف)) وغيره :
((ضعفوه)) .
والراوي عنه : النضر بن إسماعيل البجلي قال فيه في ((الكاشف)):
(ليس بالقوي)). وكذا قال الحافظ في ((التقريب)).
وانظر تعليق الأخ بدر على ((الدعوات)).
. لفاطمة رضي الله عنها أن تقول إذا
ویشهد للحديث ما علمه النبي
أصبحتْ وإذا أمستْ :
((يا حي ! يا قيوم ! برحمتك أستغيث ، وأصلح لي شأني كله ، ولا تكلني
٥٥٧

إلى نفسي طرفة عين أبداً)).
رواه النسائي وغيره بسند حسن ، وصححه المنذري ، وقد مضی تخريجه برقم
(٢٢٧) .
(تنبيه): أورد شيخ الإسلام ابن تيمية حديث الترجمة في ((الكلم الطيب))
(رقم ١١٨) بلفظ ابن السني معزوّاً للترمذي، وإنما هو عنده بلفظ: ((كربة))، وتبعه
على ذلك تلميذه ابن القيم في ((الوابل الصيب)) (٢٣٥)! وسكت عليه - وعن
الكشف عن علته -: الشيخ الأنصاري كما هي عادته ! وكذلك فعل الشيخ
عبدالقادر الأرناؤوط في طبعته لـ ((أذكار النووي)) (ص١٠٢) ، لكن الحديث فيه
بلفظ الترمذي معزوّاً إليه ؛ إلا أنه قال عقبه :
((قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد))!
ولم أره في ((مستدركه))، وأظنه التبس عليه بحديث فاطمة المذكور آنفاً ؛ فإنه
من حديث أنس أيضاً ، لكنه من طريق آخر عنه .
ثم رأيت ابن علان قد نقل في ((شرح الأذكار)) (٥/٤) عن الحافظ ما يدل
علی وهم النووي ، فراجعه إن شئت .
٣١٨٣ - (إذا سمعتُم صياحَ الدِّيَكة [بالليل]؛ فاسألوا اللهَ من
فضلهِ ، [وارغبُوا إِليه]؛ فإنّها رأتْ ملَكاً، وإذا سمعتُم نهيقَ الحمارِ
[بالليلٍ]؛ فتعوَّذُوا بالله من الشيطانِ ؛ فإنهُ رأى شيطاناً) .
أخرجه البخاري (٣٣٠٣) ومسلم (٨٥/٨) وأبو داود (٥١٠٥) والترمذي
(٣٤٥٥)، والنسائي في («السنن الكبرى)) (١١٣٩١/٤٢٧/٦) و((عمل اليوم والليلة))
(رقم ٩٤٤)، وابن أبي شيبة (٩٨٥٤/٤٢٠/١٠) كلهم من طريق قتيبة بن سعيد :
٥٥٨

ثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن
النبي ﴾ قال :... فذكره . وقال الترمذي :
(حديث حسن صحيح)) .
قلت : وتابع قتيبةَ : سعيدُ بن أبي مريم عند البغوي في ((شرح السنة))
(١٣٣٤/١٢٦/٥) ، وقال :
((حديث متفق على صحته، أخرجاه جميعاً عن قتيبة عن الليث)).
وتابعه آخرون من الثقات ، وزادوا عليه تلك الفوائد الهامة التي تراها بين
المعكوفات ، وهاك البيان :
الأول : شعيب بن حرب المدائني ، وهو ثقة احتج به البخاري ، قال أحمد
(٣٦٤/٢): حدثنا شعيب بن حرب أبو صالح - بمكة - قال : ثنا ليث بن سعد به ؛
وزاد الزيادة الأولى والثالثة .
الثاني : هاشم بن القاسم أبو النصر البغدادي ، وهو ثقة ثبت احتج به الشيخان ،
قال أحمد أيضاً (٣٠٦/٢): ثنا هاشم: ثناليث به ، وعنده الزيادة الأولى .
الثالث : عبدالله بن صالح أبو صالح كاتب الليث ، وهو مستقيم الحديث
فيما روى عنه البخاري وأمثاله من الحفاظ، وروى عنه في ((الصحيح))، قال في
(الأدب المفرد)) (رقم ١٢٣٦): حدثنا عبدالله بن صالح : حدثني الليث به ، وزاد
الزيادة الأولى .
قلت : فاتفاق هؤلاء الثقات الثلاثة على الزيادة الأولى مما يلقي الطمأنينة في
النفس على صحتها ، حتى ولو فرض تفرد هاشم بها ؛ لأنه ثقة ثبت كما تقدم ،
٥٥٩

بناءً على قاعدة: ((زيادة الثقة مقبولة))، فكيف ومعه من ذكرنا؟! فكيف ولها شاهد
من حديث جابر كما يأتي بعده؟!
وأما الزيادة الثالثة ؛ فهي وإن كان تفرد بها شعيب بن حرب دون الآخرين ؛
فهي زيادة لفظية ؛ لأن السياق مع الزيادة المتفق عليها يؤيد معناها ، فتأمل .
وأما الزيادة الثانية ؛ فقد تفرد بها ثقة آخر ، وهو سعيد بن أبي أيوب ، وهو ثقة
ثبت أيضاً احتج به الشيخان ، فقال الإمام أحمد (٣٢١/٢) : ثنا أبو عبد الرحمن :
ثنا سعيد : حدثني جعفر بن ربيعة به .
قلت : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، وأبو عبدالرحمن هو عبد الله
ابن يزيد المكي المقرئ ، وهو ثقة فاضل من كبار شيوخ البخاري .
ومن طريقه : أخرجه ابن حبان (١٠٠١/١٧٥/٢) وأبو يعلى (١٤٨/١١) وابن
السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٣٠٦).
وقد أخرجه النسائي في ((عمله)) (٩٤٣) من طريق أخرى عن سعيد ؛
مقروناً بالليث بالزيادة الأولى ، فقال : أخبرنا وهب بن بيان قال : حدثنا الليث
ابن سعد وسعيد بن أبي أيوب عن جعفر بن ربيعة به مثل حديث الترجمة ،
وفيه الزيادة الأولى .
وهذه متابعة قوية للثقات الثلاثة المتقدمين في هذه الزيادة ، وكان الأولى أن
تذكر عقبهم مباشرة ، ولكن هكذا قُدِّرَ .
وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ؛ غير وهب بن بيان ،
وهو ثقة .
٥٦٠