Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣١٣٩ - (مَنْ دَخَلَ سُوقاً من الأسواق فقال :
((لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، له الملكُ، وله الحمدُ ، وهو
على كلِّ شيءٍ قديرٌ))
كَتَبَ اللهُ له ألف ألف حسنة ، ومحا عنه ألفَ ألفِ سيئةٍ) .
=
أخرجه الطبراني في «الدعاء)) (٧٩٣/١١٦٧/٢): حدثنا عُبَيدُ بنُ غَنَّام
والحضرميُّ قالا: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة : ثنا أبو خالد الأحمر عن المهاجر بن
حبيب قال : سمعت سالم بن عبدالله بن عمر يقول : سمعت ابن عمر يقول :
سمعت عمر رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله # يقول ... فذكره .
وأخرجه عبدالله بن أحمد في ((زوائد الزهد)) (ص٢١٤) : حدثنا أبو بكر به ؛
إلا أنه سقط منه ذِكْرُ سالم، وعمر، ورفعه إلى النبي ◌َ ﴾! وأظن ذلك من
الناسخ ؛ لأن الطريق واحدة تدور على أبي بكر بن أبي شيبة .
ورجال إسناده ثقات غير المهاجر بن حبيب ، وهو محرف ، والصواب
((مهاصر))، وعلى الصواب وقع في إسناد هذا الحديث عند الدارقطني في (العلل))
(٥٠/٢)، وهو ثقة عند ابن حبان والعجلي والهيثمي كما تقدم بيانه في الحديث
الذي قبله ، وحسَّن إسناده الحافظ ثمة .
ولذلك ؛ فقد أخطأ بعض الناشئين في هذا العلم حين أقدم على تضعيف
هذا الحديث من جميع طرقه - وقد بلغت عنده سبعة طرق ؛ هذا أحدها - في
رسالة صغيرة أصدرها بعنوان ((بذل الجهد في تحقيق حديثي السوق والزهد)) ، يعني
تضعيفهما ، ولا مجال الآن لمناقشته فيما ذهب إليه من التضعيف ، وإنما أقتصر هنا
على مناقشته فيما تمسك به في تضعيفه لهذا الحديث بهذا الإسناد ، ليتبيَّن القراء
٣٨١

أنه مبتدئ في هذا العلم ، أو أنه تبنى سلفاً تضعيف الحديث ، ثم تشبث بما يظن
أنه يؤدي به إلى ضعفه . فأقول :
لقد أعله بثلاث علل :
الأولى : قول أبي حاتم المتقدم في الحديث الذي قبله في (المهاصر) :
((لا بأس به))! فقال المومى إليه: ((وهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه عند أبي
حاتم، كما في ((مقدمة الجرح والتعديل)) ... )).
فأقول : نعم ، هذا مذهبه فكان ماذا؟! هلا بينت لقرائك ماذا تفهم منه؟! ألم
تعلم أنه لا يعني هذا الذي عنيته أنت من تضعيفه ، وإنما عنى أنه ليس في المرتبة
الأولى في الاحتجاج به؟! فقد قال :
١- ((إذا قيل للواحد: إنه ثقة، أو متقن، ثبت ؛ فهو ممن يحتج بحديثه)).
٢- ((وإذا قيل له : إنه صدوق ، أو محله الصدق ، أو لا بأس به ؛ فهو ممن
يكتب حديثه وينظر فيه ، وهي المنزلة الثانية)).
فهذا صريح في أن من كان في المنزلة الثانية أنه يحتج به ، ولكن ليس شأنه
شأن من كان في المنزلة الأولى . فهذه مرتبة من كان صحيح الحديث ، والثانية
مرتبة من كان حسن الحديث . ولذلك حسن الحافظ ابن حجر إسناد حديثه الذي
قبل هذا .
وهذا كله يقال إذا فرضنا أنه ليس هناك من وثق المهاصر هذا ، وقد عرفت من
وثقه .
العلة الثانية والثالثة: قال بعد أن نقل عن ((علل الدارقطني)) أنه سماه مهاصراً:
((على كل حال فهو قد اضطرب في الحديث سنداً ومتناً . والراوي عنه هو
٣٨٢

سليمان بن حيان أبو خالد الأحمر؛ فيه ضعف من قبل حفظه ... وفي
((التقريب)): صدوق يخطئ)).
فأقول - جواباً عن العلة الثانية -: هكذا أجمل القول في زعم الاضطراب ،
وكان عليه أن يبينه للناس ولا يكتمه ! وهو يعني بالاضطراب سنداً ما نقله
(ص٢٦) عن المزي في (تحفة الأشراف)) (٥٨/٨):
((ورواه أبو خالد الأحمر عن المهاجر (كذا) بن حبيب عن سالم عن أبيه عن
جده . ورواه غيره عن المهاجر (كذا) فلم يقل : عن جده)).
ثم ذكر رواية عبدالله بن أحمد المتقدمة التي سقط منها ما تقدم بيانه ، ومن
ذلك : رفعُ الحديث .
فأقول : هذا الزعم وحده يكفي للدلالة على أن المدعي لا علم عنده بالقواعد
العلمية الحديثية ، ذلك؛ لأنه ليس كل اختلاف في السند أو المتن يُعَدُّ علة قادحة
عند العلماء ، بل يشترط لذلك أن تتساوى وجوه الاضطراب بحيث لا يمكن
ترجيح وجه على آخر ، وهذا غير متحقق هنا .
أما الإسناد ؛ فقد عرفت أن مدار حديث أبي خالد الأحمر على رواية ابن
أبي شيبة عنه ، وأنه رواه عن عُبَيْد بن غَنَّام والحضرمي - وهما ثقتان وثانيهما من
الحفاظ المشهورين - بإثبات الجد الذي هو عمر ؛ مرفوعاً .
وخالفهما عبدالله بن أحمد ـ على فرض سلامة كتاب ((الزهد)) من السقط -؛
فلم يذكر: ((عن جده)) .
ولا يخفى على البصير بهذا العلم أن رواية الثقتين أرجح من الثقة الواحد ،
وهذا إذا فرضنا التضاد بين الروايتين ، وليس كذلك ؛ لأنه سواء كان الراجح أنه
٣٨٣

عن ابن عمر عن عمر ، أو عن ابن عمر دون عمر ؛ لم يضرّ؛ إذ إنّ الإسناد مسند
على كل حال .
ولا يرجِّحُ روايةَ عبدِ اللهِ ما ذكره المزي ؛ أنه رواه غير أبي خالد الأحمر عن المهاصر
فلم يقل: ((عن جده))! وذلك لجهالة الغير المشار إليه . ولو فرضنا أنه ثقة ؛ لم يكن
الاختلاف علة قادحة ؛ لأنه - على الوجهين - مداره على صحابي كما ذكرنا آنفاً .
أما المتن ؛ فلم يبينه الناقد مكتفياً بمجرد الدعوى ! وليس هناك اختلاف
ظاهر ؛ إلا إن كان يريد أن في آخر رواية عبدالله زيادة ليست في رواية الطبراني عن
الثقتين، وهي : ((وحط عنه ألف ألف خطيئة)).
ومثل هذه الزيادة لا علاقة لها بالاضطراب ، وإنما ينظر إليها بمنظار قاعدة :
((زيادة الثقة مقبولة)) أو قاعدة: ((رد الزيادة لمخالفة من هو أوثق منه أو أكثر عدداً))؛
وهو الحديث الشاذ. وسواء كان الراجح هذا أو ذاك فذلك لا يخدج في صحة أصل
الحديث ، ولا مجال الآن لبيان الراجح منها؛ إذ البحث في رد دعوى الاضطراب
في المتن والسند ، وقد تم ردها والحمد لله ، وهي العلة الثانية عنده .
ثم تنبهت إلى أن الزيادة خطأ من بعض النساخ؛ لأنها تكرار لما قبلها ،
ولفظها: ((ومحا عنه ألف ألف سيئة ، وحط عنه ألف ألف خطيئة))، ولعل الأصل :
((أو حط .. )) إلخ .
وأما الثالثة: فهو قوله في أبي خالد الأحمر: ((فيه ضعف من قبل حفظه ..
وفي ((التقريب)): صدوق يخطئ)).
والجواب من وجهين :
الأول : أن أبا خالد هذا قد وثقه جمهور المحدثين ، وحسب القارئ أن يعلم أن
البخاري ومسلماً قد احتجا به في ((صحيحيهما))، ولا ينافي ذلك أن في حفظه
٣٨٤

ضعفاً ، خلافاً لما يوهمه الناقد بما نقله عن الحافظ من قوله: ((صدوق يخطئ))!
وغالب الظن أنه لا يعلم أنه يعني بذلك أنه قليل الغلط كما صرح بذلك في
((مقدمة الفتح)) (ص٣٨٤)، وقد أشار إلى ذلك الذهبي بقوله في («الميزان)):
((الرجل صاحب حديث وحفظ، من رجال الستة، وهو مكثر، يهم كغيره)).
ولذلك ؛ قال في كتابه ((الكاشف)»:
((صدوق إمام)) .
فهل يجوز رد حديث مثل هذا الإمام يا أبا عبد الله؟! فاتق الله ! ولا تتبع
الهوى ؛ فَيُضِلَّكَ عن سبيل الله .
ثم إن الباحث عن الحقّ لا ينبغي أن يقف عند كلمة للحافظ أو لغيره ، ويبني
عليها توثيقاً وتصحيحاً أو تجريحاً وتضعيفاً! وإنما ينبغي عليه أن يستخلص من
أقوال الأئمة خلاصةً يطمئن إليها ، ويبني أحكامه عليها ، وإلا ؛ صَدَرَتْ منه
أحكام مضطربة ، وهذا ما نراه في كثير من الطلاب الناشئين اليوم ، بحيث يُقَوِّي
حديثَ راو تارةً ، ويُضَعِّفُه أخری ، ليس ذلك من باب تغير الاجتهاد ، أو من باب
تطبيق قاعدة (الشذوذ والمخالفة) ونحوها؛ وإنما من باب: ((الغاية تبرر الوسيلة))!
فأحدهم قد يميل إلى تضعيف حديث؛ فيجلب ما هبّ ودبَّ من الأقوال لتأييد
ضعفه ، أو العكس من ذلك إذا كان هواه في صحة الحديث !
وعلى ضوء ما ذكرتُ ؛ نسألُ هذا الناقد : ما هو الأصل عندك في حديث أبي
خالد الأحمر هذا؟ أهو الاحتجاج به ، أم تضعيفه؟
فإن قلت بالأول ؛ فلماذا ضعّفتَ حديثه هذا؟!
وإن قلت بالآخر ؛ فما هي حُجَّتُك مقابل احتجاج الشیخین بحديثه ؛ فضلاً عن
٣٨٥

غيرهما؟! فكم من حديث له في ((السنن)) وغيرها صححه العلماء! كحديث: ((لا يَنظُر
اللهُ إلى رَجُلٍ يأتي امْرَأَتَهُ في دُبُرِهَا))؛ فقد حسّنه الترمذي ، وقواه ابن الجارود (٧٢٩)،
وصححه ابن حبان (١٣٠٢)، ومن قبله الإمام إسحاق بن راهويه في ((مسائل المروزي)»
(ص٢٢١)، وابن حزم أيضاً (٧٠/١٠)، وابن دقيق العيد في («الإلمام)) (١١٢٧).
والشيخ مقبل الوادعي نفْسُه لم يُضَعِّفْ هذا الحديث - أعني حديث إتيان
المرأة في دبرها - في تعليقه على ((تفسير ابن كثير)) (٤٨٥/١) ؛ بل أقرَّ الترمذيَّ
على تحسينه إياه ، وأيده بقوله: ((رجاله رجال الصحيح)) !
وهذا كلُّه يدل الباحثَ أن هذا الناقد جعل النقد غايةً له ، وليس الدفاع عن
حديث النبي بخٍ ، وإلا ؛ كيف يُقدِم على مخالفة الحفاظ في توثيق هذا الرجل
وتصحيحهم لحديثه ؛ لمجرد نقد رآه لبعضهم فيه ، لا يستطيع - لحداثته في هذا العلم -
أن يجد له وجهاً لا يختلف مع التوثيق والتصحيح المذكورين على النحو الذي
ذكرناه؟ !!
وحقّاً : إن عجبي لا يكاد ينتهي من أخينا الفاضل الشيخ مقبل بن هادي ؛ كيف
يحضُّ هذا وأمثالَه من الناشئين - مثل العدوي والمؤذن ونحوهما - على أن يتسلَّقوا سلَّم
النقد في هذا العلم؛ وهم - بعدُ - في أول الطريق؟! وأن يشغلونا عما نحن في صدده
- من خدمة كتب السنة - بالردّ على أمثالهم ، ولو بقدر ضئيل من الوقت؟!
ولا يشفع له ذلك : قوله في تقديمه للرسالة (ص٩) :
((والأخ عادل حفظه الله ، وإن لم يكن بمنزلة محدّث العصر الشيخ ناصر
الدين ... )) .
فهذا حقٌّ وصدق ؛ بل أنا أشهد على نفسي أنني دون ذلك بكثير ، ولكني
- مع ذلك - أرى أن من الواجب على الشيخ مقبل أن ينصح أولئك الناشئين أن
٣٨٦

يدأبوا على دراسة هذا العلم حتى يَنْبُغُوا فيه ، وأن ينشروا ما ينفع الأمة من
البحوث الحديثية والفقهية ، مما يعلمون أن الناس بحاجة إليه ، حتى يطَّلع الناسُ
علی ثمرة علمهم ، ويُشْهَد لهم به !
ألا يعلم هؤلاء أنهم إذا قاموا بالردّ على من يزعمون بأنه: ((محدِّث العصر)).
أن هذا يدفعنا للرد عليهم، وبيان عوارهم وجهلهم بهذا العلم ، وأنهم تزيَّبوا قبل أن
یتحصرموا؟!
والآخر : لقد نقلت عن الحافظ المزي أن أبا خالد هذا قد توبع في روايته عن
المهاصر بن حبيب ، فكيف جازلك أن تذكر ذلك لإثبات الاضطراب المزعوم ، وأن
تتجاهله حين يناسبك ذلك؟! أليس ذلك صنيع أهل الأهواء الذين يكيلون
بكيلين ، ويلعبون على الحبلين؟! فأعظك أن تكون من الجاهلين !
على أن المهاصر هذا؛ قد تابعه محمد بن واسع عن سالم عن عبدالله بن عمر
عن عمر به مرفوعاً .
أخرجه جمع من الأئمة ؛ كالبخاري في ((الكنى)) (٤٣٠/٥٠)، والدارمي ،
والترمذي ، والحاكم ، وغيرهم من طريق أزهر بن سنان عنه .
وهذا إسناد يستشهد به ؛ لأن محمد بن واسع ثقة عابد كثير المناقب ، احتج
به مسلم كما في ((التقريب)).
وأزهر بن سنان - وإن كان قد ضعفه جمع ، وقال فيه الحافظ: ((ضعيف)) -
فإنه لم يتهم ، بل قال ابن عدي في ((الكامل)) (٤٢٠/١) - وقد ساق له أحاديث
هذا أحدها ـ :
((وأحاديثه صالحة ليست بالمنكرة جدّاً، وأرجو أنه لا بأس به)).
٣٨٧

ولذلك؛ لما أخرجه الحاكم وقال في أزهر هذا: ((بصري زاهد))؛ لم يتعقبه
:
الذهبي إلا بقوله (٥٣٨/١) :
((قلت : قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به)).
وقال المنذري في ((الترغيب)) (٥/٣):
((وإسناده متصل حسن ، ورواته ثقات أثبات ، وفي أزهر بن سنان خلاف ،
وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به)) .
ولذلك؛ أورده الضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة» (ج١/رقم ١٧٦ -١٧٨
- بتحقيقي) ، وله طرق أخرى ومتابعات ذكرت بعضها هناك ، وفيما تقدم كفاية
لمن أنصف .
هذا ؛ ويبدو لي من صنيع الناقد لهذا الحديث أمران :
الأول : أنه يتبنى الجرح مطلقاً ، ولو كان غير مفسَّر؛ خلافاً للمعروف في علم
المصطلح .
والآخر : أنه لا يتبنى قاعدة تقوية الحديث الضعيف بكثرة الطرق التي لم يشتد
ضعفها، كما قرره ابن الصلاح في ((المقدمة))، وأشاد بها شيخ الإسلام ابن تيمية
في غيرما موضع من كتبه و((فتاويه))! فقد ساق الناقد لهذا الحديث سبعة طرق ،
أكثرها ليس فيها متهم بالكذب ، ومع ذلك ؛ فإنه لما ضعف مفرداتها كلها ؛ لم يستفد
من مجموعها للحديث قوة ، وبخاصة حديث المهاصر بن حبيب الذي هو حجة وحده
في هذا الباب ، فكيف إذا انضم إليه حديث الأزهر بن سنان ونحوه؟! فاللهم هداك !!
وكأني بهذا الرجل - مثل كثير غيره - يستكثرون على الله تعالى أن يعطي
عباده هذا الأجر الكبير على هذا التهليل ، فلما استقر ذلك في نفسه ؛ أخذ
٣٨٨
r

يُضَعِّفُ حديثَ نبيِّه بكل وسيلة ، متجاهلاً حقيقة شرعية لا تخفى على أي
مؤمن ، وهي فضل الله على عباده؛ كما صرح بذلك في كتابه بقوله : ﴿والله ذو
فضل عظيم﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿والله ذو الفضل العظيم).
على أن للفضل المذكور في الحديث شاهداً من حديث أبي هريرة رضي الله
تعالى عنه - لعله لم يطرق سمعه لحداثته ! -: يرويه علي بن زيد عن أبي عثمان
قال :
بلغني عن أبي هريرة أنه قال : إن الله عز وجل يعطي عبده المؤمن بالحسنة
الواحدة ألف ألف حسنة . قال : فقضي أني انطلقت حاجاً أو معتمراً فلقيته ،
فقلت: بلغني عنك حديث: أنك تقول: سمعت رسول الله مح﴿ يقول :
((إن الله عز وجل يعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة))؟ قال أبو
هريرة: لا، بل سمعت رسول الله تَّةٍ يقول :
((إن الله عز وجل يعطيه ألفي ألف حسنة. ثم تلا ﴿يُضَاعِفْها ويُؤْتٍ مِنْ لَدُّنْهُ
أجْراً عظيماً))) .
فقال : إذا قال : ﴿أجراً عظيماً﴾؛ فمن يقدر قدره؟!
أخرجه أحمد (٢٩٦/٢ و٥٢١ -٥٢٢) وغيره، ورجاله ثقات؛ غير علي بن
زيد - وهو ابن جدعان -؛ فيه ضعف من قبل حفظه ، وقد أورده الذهبي في
((الضعفاء))، وقال :
((صالح الحديث)).
وقال الحافظ :
((ضعيف)).
٣٨٩

ورمزا له بأنه روى له مسلم ، فأطلقا! وإنما روی له مقروناً بثابت البناني كما
في ((الجمع بين رجال الصحيحين)) (٣٥٨/١ - ٣٥٩).
قلت : فمثله صالح للاستشهاد به ، ولعله مراد الذهبي ، والله سبحانه وتعالى
أعلم .
على أنه قد توبع ، وإن كانت متابعة واهية ، ولكنها إن لم تنفع فلا تضر،
فلنذكرها إذن : قال ابن کثیر فی «تفسیرہہ ۔ عقب رواية أحمد -:
((حديث غريب ، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير ، لكن رواه ابن أبي
حاتم من وجه آخر ، فقال .. )).
قلت : فساق إسناده إلى محمد بن عقبة الرفاعي عن زياد الجصاص عن أبي
عثمان النهدي به نحوه .
وسكت عنه ابن كثير لظهور ضعفه ؛ فإن زياداً هذا - وهو ابن أبي زياد
الجصاص - ضعيف اتفاقاً، لم يوثقه أحد سوى ابن حبان؛ فإنه ذكره في ((الثقات))
(٣٢٠/٦)! ومع ذلك ، فإنه قال :
(ربما وهم)).
ومحمد بن عقبة ليس بالمشهور، قال ابن أبي حاتم (٣٦/١/٤):
((سألت أبي عنه؟ فقال: شيخ)).
ثم قال ابن كثير :
((وفي معنى هذا الحديث ما رواه الترمذي وغيره من طريق عمرو بن دينار عن
سالم عن عبدالله بن عمر بن الخطاب أن رسول الله مح ﴿ قال: ((من دخل
السوق ... )) الحديث .
٣٩٠

قلت : وسكت عنه ، فكأنه أشار بذلك إلى تقويته بما قدمه قبله من حديث
أبي هريرة بطريقيه عنه . والله أعلم .
٣١٤٠ - (ومَا أَنا والدُّنيا؟! وما أنا والرَّقْم؟!).
أخرجه أبو داود (٤١٤٩)، وأحمد (٢١/٢)، وابن أبي شيبة في ((المصنف))
(١٦٢٢١/٢٣٩/١٣)، وابن حبان (٦٣١٩/٩١/٨) من طريق ابن نمير: حدثنا
فضيل بن غزوان عن نافع عن عبدالله بن عمر :
أن رسول الله ﴿ أتى فاطمة رضي الله عنها، فوجد على بابها ستراً ، فلم
يدخل ، قال : وقلما كان يدخل إلا بدأ بها ، فجاء علي - رضي الله عنه - فرآها
مهتمة، فقال: ما لك؟! قالت: جاء النبي :﴿﴿ إلي؛ فلم يدخل ، فأتاه علي
- رضي الله عنه - ، فقال :
يا رسول الله ! إن فاطمة اشتد عليها أنك جئتها فلم تدخل عليها؟! قال : ...
(فذكر الحديث)، فذهب إلى فاطمة، فأخبرها بقول رسول الله عَ ليه ، فقالت : قل
لرسول الله ◌َ لي : ما يأمرني به؟ قال :
((قل لها : فلترسل به إلى بني فلان)) .
قلت : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، وابن نمير اسمه عبد الله ، أبو
هشام الكوفي ، قال الحافظ :
(ثقة صاحب حديث من أهل السنة)) .
وقد تابعه محمد بن فضيل عن أبيه به نحوه ، وفيه :
((وكان ستراً موشَياً))؛ أي : مزخرفاً منقوشاً.
٣٩١

وزاد في آخره :
((أهل بيت بهم حاجة)).
أخرجه البخاري في («صحيحه» (رقم ٢٦١٣ - فتح)، (ج١٩٤/٢ /رقم ١١٧٩ -
مختصر البخاري)، وأبو داود أيضاً (٤١٥٠)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣١٢/٧).
ثم تبين أن الحديث سبق تخريجه برقم (٢٤٢١) ، لكنه هنا أوسع وأكثر
فائدةً ، فلا بأس من نشره مرة أخرى .
٣١٤١- (كلُّ أُمَّتي يدخلُ الجنةَ إلا مَنْ أَبى . قالوا : ومَنْ يأبى؟!
قال : من أطاعني دخل الجنةَ ، ومن عصاني فقدْ أَبى) .
أخرجه البخاري (رقم ٧٢٨٠ - فتح)، وأحمد (٣٦١/٢) من طرق عن فُليح :
حدثنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة : أن رسول الله
قال :... فذكره .
قلت : وفليح هذا هو ابن سليمان ؛ فيه كلام كثير من قبل حفظه ، مع أنه
أخرجاله في ((الصحيحين))؛ لكن قال الحافظ في ((مقدمة الفتح)) :
(«احتج به البخاري وأصحاب («السنن))، وروى له مسلم حديثاً واحداً ، وهو
حديث الإفك ، وضعفه ابن معين والنسائي وأبو داود ، وقال الساجي : هو من أهل
الصدق ، وكان يهم .. )).
وقول الساجي هو الذي اعتمده الحافظ في ((التقريب))؛ فقال:
((صدوق ، كثير الخطأ)).
وكذلك أورده الذهبي في ((الضعفاء»، وذكر أقوال من ضعفه .
٣٩٢

قلت: فمثله قد يحسّن حديثه ، أما الصحة فلا، وقال ابن عدي فيه (٣٠/٦) :
(«روى أحاديث مستقيمة وغرائب ، وقد اعتمده البخاري في ((صحيحه)) ،
وروی عنه الکثیر ، وهو عندي لا بأس به)) .
وقد ذكر له الحافظ شاهدين من حديث أبي أمامة وأبي هريرة ، وقد كنت
خرجتهما فيما تقدم ، الأول برقم (٢٠٤٣) ، والآخر تحت حديث أبي سعيد
الخدري برقم (٢٠٤٤)، ولفظه أتم ، وهو شاهد قوي لحديث فليح ، فكان على
الحافظ أن يذكره ، فالظاهر أنه لم يستحضره؛ لأنه تفرد به ابن حبان . وكنت
صححت إسناده ثمة على شرط البخاري ، بناءً على إسناده الذي ساقه الهيثمي
في ((موارد الظمآن))، وفيه: ((خليفة بن خياط))، وهو من رجال البخاري . ثم
تبينت أنه خطأ - لا أدري أمن الهيثمي هو أم الناسخ؟ -، وأن الصواب : ((خلف بن
خليفة))! وهذا وإن كان صدوقاً ومن رجال مسلم ؛ فإنه كان اختلط ، ولم يتبين لي
أنه حدث به قبل الاختلاط ، فحديثه شاهد جيد لحديث الترجمة . والله أعلم .
وحديث أبي هريرة المشار إليه هو مختصر بلفظ :
((لتدخلن الجنة إلا من أبى، وشرد على الله كشراد البعير)).
وقد كنت عزوته هناك للحاكم وحده ، وتعقبت تصحيحه إياه على شرط
الشيخين بأن فيه إسماعيل بن عبدالله بن أبي أويس .. ثم رأيت الحافظ قد عزاه
في ((الفتح)) (٢٥٤/١٣) لأحمد والحاكم معاً ، وقال الحافظ :
((وسنده على شرط الشيخين)).
وقلدهُ المعلقُ على ((الإحسان)) (١٩٧/١) في هذا وفي العزو إليهما معاً ، وقد
لفت نظري أنه مع ذكره موضع إخراج الحاكم إياه ؛ بيَّض لأحمد فلم يعين موضعه
٣٩٣

من («مسنده)) ، فأشكل ذلك علي ، فتابعت البحث للوصول إلى الحقيقة ، فوجدت
الحاكم قد أخرجه في مكان آخر غير المكان الذي كنت عزوت رواية إسماعيل إليه ،
ومن غير طريقه : أخرجه (٥٥/١) من طريق يعقوب بن إبراهيم ، وهذه متابعة قوية ؛
لو ثبتت كان الإسناد صحيحاً على شرطهما كما قال الحاكم ، لكن في النفس منها
شيء ؛ فإنه رواه عن شيخه القطيعي : ثنا عبدالله بن أحمد : ثني أبي : ثنا يعقوب
ابن إبراهيم ... إلخ. وظاهر هذا الإسناد أن الحديث في ((مسند أحمد))؛ لأنه من
رواية القطيعي كما هو معلوم ، وليس هو فيه كما يغلب على ظني بعد مزيد من
البحث عنه ، والاستعانة على ذلك بكل الوسائل الممكنة ؛ قديمها وحديثها :
أولاً : لم يذكره الهيثمي في ((مجمعه))، وقد ذكر فيه حديث أبي سعيد،
وحديث أبي أمامة المشار إليهما آنفاً .
ثانياً : لم يورده الحافظ نفسه في ((أطراف المسند))، كما نبأني بذلك أحد إخواني .
ثالثاً : لم يذكره أيضاً أخونا حمدي عبدالمجيد السلفي في ((فهارس المسند)).
إلى غير ذلك من الوسائل المعروفة اليوم .
وينتج من ذلك أن إطلاق العزو لأحمد وهم؛ لأنه يعني أنه في ((المسند))
وليس فيه . فالأمر لا يتعدى احتمالاً من الاحتمالات الثلاثة :
الأول : أن يكون الحديث من رواية أحمد في غير ((المسند))؛ مثل (الزهد))
و((فضائل الصحابة))؛ فإنهما من رواية القطيعي .
الثاني : أن يكون من أوهام القطيعي ؛ فإن فيه كلاماً من حيث كان اختلط
في آخر أمره .
الثالث : أن يكون من أخطاء الحاكم على القطيعي . والله سبحانه وتعالى أعلم .
٣٩٤

٣١٤٢ - (يا مَعْشرَ النساء! تصدَّقْنَ، فما رأيتُ من نواقص عقل
- قطُّ - أو دينِ أَذْهبَ لقلوبِ ذوي الألبابِ منكنَّ ، وإني رأيتُكُنَّ أَكثرٌ
أهلِ النارِ يومَ القيامةِ ، فتقرَّنَ إلى الله بما استطعتُنَّ .
وكان في النساء امرأة ابن مسعود ... فساق الحديث ، فقالت :
فما نقصان ديننا وعقولنا يا رسول الله؟! فقال :
أمَّا ما ذكرتُ من نقصان دينكُنَّ؛ فالحيضةُ التى تصيبُكُنَّ ؛ تمكثُ
إحداكُنَّ ما شاءَ اللهُ أنْ تمكثَ لا تُصلي ، وأَمّا ما ذكرتُ من نقصان
عقولِكنَّ؛ فشهادةُ المرأةِ نصفُ شهادةِ الرجلِ) .
أخرجه مسلم (٦١/١)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩٢٧١/٤٠٠/٥)، وابن
خزيمة في ((صحيحه)) (١٠٦/٤ - ١٠٧) - ببعضه -، والطحاوي في ((شرح المعاني))
(٣٠٩/١)، وأحمد في («المسند» (٣٧٣/٢ - ٣٧٤)، وأبو يعلى في ((مسنده))
(٤٦٢/١١ - ٤٦٤)، وابن عبدالبر في ((التمهيد)) (٣٢٣/٣ -٣٢٤) - والسياق له -
كلهم من طريق إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو عن أبي سعيد المقبري
عن أبي هريرة :
أن النبي :{ انصرف من صلاة الصبح، فأتى النساء في المسجد ، فوقف
عليهن ، فقال :... فذكره ، والسياق لابن عبدالبر، ولم يسق مسلم لفظه ، وإنما
أحال به على لفظ حديث ابن عمر ، ساقه قبله ، فقال :
(بمثل معنى حديث ابن عمر عن النبي ﴿ٍ))(١).
ولذلك استجاز ابن كثير في «تفسيره)) (٣٣٥/١) عزوه لمسلم، فقال :
(١) وحديث ابن عمر مخرج في (الإرواء)) (٢٠٥/١)، و((الظلال)) (٤٦٣/٢ - ٤٦٤).
٣٩٥

((قال مسلم في ((صحيحه)): حدثنا قتيبة : حدثنا إسماعيل بن جعفر ... ))
فساقه بلفظ حديث ابن عمر .
وأقول : لكن جمعه بين إسناد مسلم عن أبي هريرة ولفظ ابن عمر عنده ؛ غير
محمود كما هو ظاهر ! لأن في كل من حديثيهما ما ليس في الآخر ، ولذلك كان
علیه أن ینبه على ذلك کما صنع مسلم - رحمه الله -.
ومن أجل ما بيَّنت من أن مسلماً لم يسق لفظه؛ أورده الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (١١٨/٣) ، فقال :
(رواه أحمد وأبو يعلى، ورجال أحمد ثقات)).
وذكر قبله :
((قلت : في ((الصحيح)) طرف منه)) .
وهو يشير بذلك إلى لفظ حديث ابن عمر، وهو تعبير قاصر، لا يُجَلِّي الأمر
للقارئ كما بينت .
ثم إن تخصيصه لأحمد بأن رجاله ثقات ؛ مما لا وجه له ؛ لأنه يشعر بأن
رجال أبي يعلى ليسوا كذلك ، وهو خطأ؛ لأن شيخ أحمد : سليمان بن داود - وهو
الطيالسي -، وشيخ أبي يعلى: يحيى بن أيوب - وهو المقابري -؛ كلاهما قال :
حدثنا إسماعيل به ، وكلاهما ثقة من رجال مسلم ، فكان الصواب أن يقول :
((ورجالهما ثقات)).
والأولی أن یضیف إلى ذلك :
((رجال الصحيح))، كما هي عادته ، والأصح أن يقول :
((وإسنادهما صحيح على شرط مسلم)).
٣٩٦

لأنه رواه عن ثلاثة من شيوخه منهم يحيى بن أيوب هذا !
ومن فوق هؤلاء الثلاثة - والرابع الطيالسي -: من رجال الشيخين ، وعلى هذا
فيمكن تصحيح الإسناد على شرطهما .
وعمرو بن أبي عمرو هو مولى المطلب المدني ، قال الحافظ :
((ثقة ربما وهم)) .
قلت : وقد أمنّا من وهمه : أنه قد تابعه عمر بن نُبَيه الكعبي عن المقبري به .
أخرجه الطحاوي ، وإسناده صحيح .
وله طريق أخرى عن أبي هريرة ببعض اختصار .
أخرجه الترمذي (٢٦١٦/٧) وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٩٥٦/٤٦٤/٢)،
وقال الترمذي :
((حديث صحيح غريب حسن من هذا الوجه)).
قلت : وهو على شرط مسلم .
واعلم أخي الكريم ! أن هذه القصة قد وقعت أكثر من مرة :
ففي حديث أبي هريرة هذا أنها كانت بعد انصراف النبي من صلاة الصبح
والنساء في المسجد .
ورواه أبو سعيد الخدري فقال :
((خرج رسول الله ﴿ في أضحى أو في فطر إلى المصلى ، فمرَّ على النساء،
فقال: (يا معشر النساء ! تصدقن ... )) الحديث ، رواه الشيخان وغيرهما ، وهو
مخرج في ((الإرواء)) (٢٠٤/١) .
٣٩٧

ففي هذا أنها كانت في العيد : أضحى أو فطر في المصلى ، وليس يخفى على
البصير أن هذا لا ينفي وقوع ذلك في غير العيد ، كما في حديث أبي هريرة أنه
وقع بعد انصرافه ية من صلاة الصبح والنساء في المسجد ، وهذا مما يبطل ما جاء
في كتاب ((تحرير المرأة في عصر الرسالة)) (٢٧٦/١) أن هذه الكلمة: ((ناقصات
عقل ودین)) ؛ قال :
((إنما جاءت مرة واحدة ، وفي مجال إثارة الانتباه والتمهيد اللطيف لعظة
خاصة بالنساء ، ولم تجئ قط مستقلة في صيغة تقريرية)) !
كذا قال! وهذه جرأة عجيبة في تأويل كلامه ، 8 وتحميله ما لا يحتمل من
المعاني ! وقد أقره الشيخ القرضاوي في تقديمه للكتاب (ص ٢٥) ، وذلك لتوهمهما أن
فيها غضّاً من قيمة المرأة ، وليس ذلك من ذلك ألبتة ! مثلهم في ذلك مثل المعتزلة
والمعطلة ؛ الذين يتأولون آيات الصفات وأحاديث الصفات ؛ لزعمهم أن ظواهرها تفيد
التجسيم والتشبيه ، وذلك مما لا يليق بالله تعالى فوجب التأويل ! وردُّ أهل السنة
عليهم معروف ، وهو أن فهم التشبيه من تلك النصوص هو الخطأ ، ولذلك ؛ اضطروا
إلى رده بالتأويل ، وعليه ؛ فنحن نقول لهم ولأمثالهم من المؤوّلة : صحح الفهم للنص
تسلم من التأويل والتعطيل . فالمشكلة الأساسية تعود إلى سوء الفهم ، أو ضعف
الإيمان ، وقد يجتمعان ، كما يفعل الشيخ الغزالي ومقلدوه من الآرائيين الجهلة . وهذا
هو المثال بين أيدينا؛ فإن صاحبنا مؤلف ((التحرير)) لمّا فهم من الحديث أن فيه غضاً
من شأن النساء ؛ تأوله بما لا يحتمله من المعنى بما تقدم نقله عنه ، حتى حمله ذلك
على إنكار وروده عنه ◌َ ه مرة أخرى! وعلى إنكار أنه معَ لهم يقرر قاعدة عامة! وهذا
- والله - منتهى الغفلة أو المكابرة ! وذلك؛ لأن الحديث يقرر أمراً جبلّاً لا يمكن لأحد
أن ينكره ولو كان ملحداً ، وهو أن المرأة تحيض ، وأن عقلها دون عقل الرجل ، هكذا
٣٩٨

خلقها الله لحكمة بالغة ، كما قال عز وجل : ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأنثى﴾، ولهذا قال
العلماء - واللفظ لعلامة الأندلس الحافظ ابن عبدالبر (٣٢٦/٣ - ٣٢٧) -:
((هذا الحديث يدل على أن نقصان الدين قد يقع ضرورة لا تُدفع ، ألا ترى أن
الله جَبَلَهُنَّ على ما يكون نقصاً فيهن ، قال الله عز وجل: ﴿الرجال قوَّامون على
النساء بما فَضَّلَ اللهُ بعضَهُم على بعض﴾، وقد فضَّل الله أيضاً بعض الرجال على
بعض ، وبعض النساء على بعض ، وبعض الأنبياء على بعض ، ﴿لا يُسأل عما
يفعل﴾، ﴿وهو الحكيم العليم﴾)) .
فهذه قاعدة عامة لا تستطيع امرأة أن تخرج عنها ، فكل امرأة تحيض ، كما أن
كل رجل يمذي !
ثم إن الله تعالى بحكمته رتب على تلك الجبلَّة حُكمَين ثابتَينِ : شهادة المرأة
على النصف من شهادة الرجل ، والمرأة الحائض لا تصلي ولا تصوم ، فهذه قاعدة
لا استثناء فيها شرعاً، كالتي قبلها لا استثناء فيها قدراً. وقد أكد النبي { ل هذه
الحقيقة بقوله : ((كمَل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة
فرعون ، ومريم بنت عمران ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر
الطعام)). رواه الشيخان، وهو مخرج في ((الروض النضير)) (رقم ٧٣) .
ويشبه ذلك الفرقَ الجِبِلِّيَّ بين الرجال والنساء : الفرقُ المعروف بين الملائكة
كافة ، والبشر عامة ، فالأولون كما قال الله : ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما
يؤمرون﴾، والبشر على خلاف ذلك، طبعهم الله على المعصية، ولكن أمرهم
:.
بالاستغفار، وذلك قوله
((والذي نفسي بيده؛ لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ، ولجاء بقوم يذنبون ، فيستغفرون
الله، فيغفر لهم)). رواه مسلم، وهو مخرج في هذه ((السلسلة)) (برقم ١٩٥٠).
٣٩٩

(تنبيه): في قول ابن عبدالبر: ((فساق الحديث)) إشارة قوية إلى أن له تتمة
اختصرها لعدم علاقتها بالباب ، فرأيت من تمام الفائدة أن أسوقها ، مع الإشارة إلى
حرف مشكل فيه كنت نبهت عليه في تعليقي على ((صحيح ابن خزيمة))، فتمام
الحدیث - عنده وعند المذکورین بعده في التخريج - :
وكان في النساء امرأة عبدالله بن مسعود ، فانقلبت إلى عبدالله بن مسعود
فأخبرته بما سمعت من رسول الله مَ ﴿، وأخذت حُلِيَّها ، فقال ابن مسعود : أين
تذهبين بهذا الحلي؟! قالت : أتقرب به إلى الله ورسوله (!) قال: ويحك ، هلمي
تصدقي به علي وعلى ولدي ، فأنا له موضع! فقالت: لا ؛ حتى أذهب إلى
رسول الله چاپ ، قال: فذهبت تستأذن علی رسول الله ټچ ، فقالوا : يا رسول الله !
هذه زينب تستأذن ، قال: ((أي الزيانب هي؟))، قال: امرأة ابن مسعود قال: ((ائذنوا
لها))، فدخلت على النبي :﴿، فقالت: يا رسول الله! إني سمعت منك مقالة،
فرجعت إلى ابن مسعود فحدثته ، وأخذت حليةً لي أتقرب به إلى الله وإليك (!)
رجاءَ أن لا يجعلني الله من أهل النار ! فقال لي ابن مسعود : تصدقي به علي وعلى
ولدي، فأنا له موضع، فقلت: حتى أستأذن رسول الله ﴿ه؟! فقال رسول الله ثانيا :
«تصدقي به علیه وعلی بنیه ؛ فإنهم له موضع)) .
قلت : فقولها أمام ابن مسعود: ((أتقرب به إلى الله ورسوله)) ، ثم أمام
ـ: ((أتقرب به إلى الله وإليك)) مشكل؛ لأن التقرب بالعبادة لا تكون إلا
النبي
إلى الله فقط كما بينت هناك . وأزيد هنا فأقول :
لعلها ضمنت قولها معنى الطاعة ، فكأنها قالت : أطيع الله ورسوله ، أو أن
قولها كان قبل النهي عن مثلها كمثل : ((ما شاء الله وشئت))؛ فقد كانوا يقولون
ذلك، ويسمع النبي ﴿ل ولا ينهاهم، حتى أمره الله تعالى بالنهي؛ فقد صح
٤٠٠