Indexed OCR Text

Pages 281-300

قال يونس : كنت أرى ابن شهاب يصنع ذلك إذا أتى فراشه .
وتابعه عبدالله - وهو ابن المبارك -: أخبرنا يونس بلفظ :
((كان إذا اشتكى نفث على نفسه بـ ﴿المعوذات﴾، ومسح عنه بيده ، فلما
اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث ،
وأمسح بيد النبي عنه)) .
أخرجه البخاري أيضاً (٤٤٣٩) .
ورواه مسلم ؛ وابن حبان (٦٥٥٦) من طريق آخر عنه .
وأما رواية مالك فهي في ((الموطأ)) (١٢١/٣) عن ابن شهاب به مختصراً بلفظ :
((كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بـ ﴿المعوذات﴾ وينفث)). قالت: فلما اشتد
وجعه كنت أنا أقرأ عليه ، وأمسح عليه بيمينه ، رجاءَ بركتها .
ومن طريق مالك أخرجه البخاري (٥٠١٦)، ومسلم (١٦/٧) ، وأبو داود
(٣٩٠٢)، والنسائي في ((عمل اليوم)) (١٠٠٩)، وابن ماجه (٣٥٢٨)، وأحمد
(١٠٤/٦ و١١٤ و١٨١ و٢٥٦ و٢٦٣) ، كلهم عن مالك به .
ومن الأوهام الظاهرة قول المعلق على حديث الترجمة في حاشية ((عمل
النسائي» :
((وأخرجه مسلم من رواية مالك عن ابن شهاب بأتم من هذا)) !
فكأنه يعني قول عائشة : ((فلما اشتد وجعه .. )) وهذا خلاف المتبادر من
قوله : ((بأتم من هذا)) ، فإن الحديث عند النسائي في أذكار النوم ، وحديث الترجمة
في الباب أتم منه كما ترى ، ثم إنه قد فاته أنه عند البخاري أيضاً . ومن أجل هذا
٢٨١

الاختلاف ذهب بعضهم إلى أن حديث مالك ومن تابعه عن ابن شهاب غير
حدیث الترجمة ، فهما حدیثان مدارهما على الزهري بإسناد واحد ، وهو الذي
رجحه الحافظ في ((الفتح)) (٦٢٠/٩)، وحكى عن أبي مسعود أنهما حديث
واحد ، وهو عندي محتمل ، بل هو الأرجح ؛ بدليل رواية الأُوَيسي المتقدمة عن
سليمان - وهو ابن بلال - عن يونس ؛ فإنه جمع فيها بين رواية عُقَيل وبعض رواية
مالك المتعلق بشكواه ◌َ ليه ، ولو بنحوه ؛ فإنه ظاهر الدلالة أن الحديث واحد ، وأن
الرواة عن الزهري كان يزيد بعضهم على بعض . والله سبحانه وتعالى أعلم .
هذا ؛ وفي الحديث أن السنة أن ينفث في كفيه أولاً ، ثم يقرأ، ثم يمسح ، هذا
ظاهر جداً فيه ، وقد تأول بعضهم قوله : ((ثم نفث فيهما فقرأ فيهما)) بمعنى : ثم
عزم على النفث، فقد جاء في ((تحفة الأحوذي)) للمباركفوري (٢٣١/٤) ما نصه :
((قال العيني: قال المظهري في ((شرح المصابيح)): ظاهر الحديث يدل على أنه
نفث في کفه أولاً ، ثم قرأ ، وهذا لم يقل به أحد ، ولا فائدة فيه ، ولعله سهو من
الراوي ، والنفث ينبغي أن يكن بعد التلاوة ليوصل بركة القرآن إلى بشرة القارئ أو
المقروء له . وأجاب الطيبي عنه : بأن الطعن فيما صحت روايته لا يجوز، وكيف
والفاء فيه مثل ما في قوله تعالى: ﴿إذا قرأتَ القرآنَ فاستَعِذْ﴾، فالمعنى: جمع
كفيه ثم عزم على النفث . أو لعل السر في تقديم النفث فيه مخالفة السحرة .
انتهى . وفي رواية للبخاري : كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ ﴿قل هو الله
أحد﴾ وبـ (المعوذتين) جميعاً. قال الحافظ: أي: يقرأها وينفث حالة القراءة)).
فأقول : لم ينشرح صدري لكل هذه الأقوال ، وبعضها أوهن من بعض ، وهاك
البيان :
٢٨٢

أولاً : أما الطعن في الحديث فهو من أبطل الباطل ؛ فإنه سبيل المبتدعة
وعلماء الكلام ، وقد عرفت أن رجاله ثقات أثبات .
ثانياً : وأما تأويله بنحو ما في آية التلاوة ؛ فكان يمكن التسليم بذلك ، لولا أن
مجموع الروايات عن عُقيل ترده وبخاصة رواية ابن حبان المتقدمة بلفظ :
((جمع كفيه ، ثم نفث فيهما ، ثم قرأ)).
ونحوها رواية أحمد :
( .. فينفث فيهما ، ثم يقرأ)) .
فهذه صريحة في الترتيب المذكور لا تقبل التأويل .
ثالثاً : وأما دعوى أنه لم يقل به أحد ولا فائدة فيه ؛ فهذا في البُطْل بمنزلة
الطعن في الحديث ؛ إذ لا يسوغ لمسلم أن يقول في العمل بما صح في الحديث : لا
فائدة فيه ؛ كما هو ظاهر .
وأما القول بأنه لم يعمل به أحد ، فهو من الرجم بالغيب ، ورحم الله الإمام
أحمد إذ قال : ((من ادعى الإجماع فقد كذب ، وما يدريه؟! لعلهم اختلفوا)).
رابعاً: ما نقله عن الحافظ موجود في ((الفتح)) (٢١٠/١٠) في شرح حديث
الأويسي المتقدم ، وهو تأويل أيضاً مخالف لما تقدمت الإشارة إليه من الرواية
الصحيحة مع توجيهها بمخالفة السحرة كما تقدم عن الطَّيبي رحمه الله .
ثم إنني لا أكاد أجد أي فرق بين تقديم النفث على القراءة ، وتقديم المسح
باليد على المريض قبل القراءة ، كما في حديث عائشة أيضاً قالت :
((كان رسول الله يا إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ، ثم قال : أذهب
البأس ربَّ الناس .. )) الحديث .
٢٨٣

أخرجه مسلم (١٥/٧)، وأحمد (١٢٧/٦) من طريقين عن الأعمش عن أبي
الضحى عن مسروق عنها .
ورواه البخاري وغيره بنحوه ، وسبق تخريجه برقم (٢٧٧٥) .
ونحوه حديث علي في شكواه لما دخل عليه النبي به قال : فمسحني بيده،
ثم قال: ((اللهم اشفه .. )) الحديث .
أخرجه ابن أبي شيبة (٤٦/٨)، وأحمد (١٢٨/١) بسند فيه ضعف،
وصححه أحمد شاكر (٢٣٤/٢)!
أقول : فكما شرع المسح قبل القراءة ، فمثله النفث قبل القراءة ، فكما لا
يقال : لا فائدة من المسح قبلها ، فكذلك لا يقال : لا فائدة من النفث قبل القراءة ؛
إذ الكل شرع لا مجال للرأي فيه ؛ فتأمل !
(فائدة) : أخرج ابن حبان حديث المسح بزيادة في آخره ، فوجب النظر فيها ،
أخرجه (١٤٤٣) من طريق بشر بن الوليد الكندي : حدثنا حماد بن زيد عن عمرو
ابن مالك النُّكري عن أبي الجوزاء عن عائشة قالت :
كنت أعوِّذ رسول الله عَ ل بدعاء كان جبريل عليه السلام يعوذه به إذا مرض :
((أذهب البأس .. )) الحديث ، وزاد :
((فلما كان في مرضه الذي توفي فيه جعلت أعوذه بهذا الدعاء فقال
:港
((ارفعي يدك ، فإنها كانت تنفعني في المدة)).
قلت : وهو إسناد ضعيف ؛ أبو الجوزاء اسمه أوس بن عبدالله الربعي ، قال ابن
عبدالبر في ((التمهيد)) (٢٠٥/٢٠) وغيره :
٢٨٤

(لم يسمع من عائشة)).
وقد ردّ الحافظ في ((التهذيب)) هذاا الزَّعْمَ، وفي ((صحيح مسلم)) روايةُ أبي
الجوزاء عنها رضي الله عنها .
وبشر بن الوليد الكندي مختلف فيه ، وقد وثقه الدارقطني وغيره ، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)) (١٤٨/٨)، ولا أجد جرحاً عليه عند من طعن فيه سوى أنه
كان قد خرف ، ولذلك ؛ لم يزد الذهبي على قوله في ((المغني)) فيه :
((قال صالح جزرة : صدوق ، لكنه خرف)) .
فمثله يستشهد به . وقد توبع ؛ قال أحمد (٢٦٠/٦ - ٢٦١) : ثنا يونس : ثنا
حماد - يعني : ابن زيد - به .
وهذا إسناد صحيح لولا ما سبق بيانه ؛ فإن يونس هذا هو ابن محمد بن
مسلم المؤدب : ثقة ثبت من رجال الشيخين .
لكن قد صحت هذه الزيادة من طريقين آخرين عن عائشة ، أحدهما من
طريق أبي بردة عن عائشة قالت :
أغمي على رسول اللّه ◌َ ا ورأسه في حجري ، فجعلت أمسحه وأدعو له
بالشفاء ، فلما أفاق قال :
((لا ، بل أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل)).
أخرجه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (رقم ١٠٩٧) وفي ((السنن الكبرى))
(٧١٠٤/٢٦٠/٤)، وابن حبان أيضاً (٦٥٥٧/١٩٩/٨) من طريق سفيان عن
إسماعيل بن أبي خالد عن أبي بردة به ، وقال النسائي :
٢٨٥

((الأعلى : الأسعد)).
قلت : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، وعزاه الحافظ (١٣٧/٨)
للنسائي وابن حبان وأقره ، لكنه جعله من رواية أبي بردة عن أبي موسى ! وأنت
ترى أنه عندهما من روايته عن عائشة وليس عن أبي موسى !لكن يبدو أن له
أصلاً من حديث أبي موسى؛ فقد ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣٧/٩) من
حديثه نحوه بلفظ :
((لا، ولكن أسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد: جبريل .. )).
وقال الهيثمي :
((وفيه محمد بن سلام الجمحي ، وهو ثقة وفيه ضعف ، وبقية رجاله
ثقات)).
فلا أدري إذا كان الحافظ وهم ، فعزا حديث أبي بردة عن أبي موسى للنسائي
وابن حبان ، وهو للطبراني، وقد عزاه هو إليه في مكان آخر من ((الفتح)»
(١٣٢/٨)، أو أنه وقع كذلك في نسخته من ((النسائي)) و((ابن حبان))؟! وهذا ما
أستبعده . والله أعلم .
أما الطريق الأخرى عن عائشة بتلك الزيادة ؛ فهي عند مسلم ، وابن أبي
شيبة ، وأحمد بنحوه ، وقد تقدم لفظها برقم (٢٧٧٥) .
٣١٠٥ - (في التي لمْ يُرتعْ منها. قالهُ لعائشةَ رضي اللهُ عنها) .
أخرجه البخاري (٥٠٧٧/١٢٠/٩ - فتح) ، وابن حبان بأتم منه بذكر
غضب عائشة (٤٣١٦) من طريق سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن
٢٨٦

عائشة رضي الله عنها قالت :
قلت : يا رسول الله ! أرأيت لو نزلتَ وادياً وفيه شجرة قد أُكل منها ، ووجدت
شجراً لم يؤكل منها ؛ في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال ... فذكره . يعني : أن رسول
الله ◌َيليه لم يتزوج بِكْراً غيرها .
قال الحافظ: ((وسليمان هو ابن بلال ، وأخرجه أبو نعيم في ((المستخرج)) ... )).
وقال الحافظ ابن كثير في ((البداية)) (١٣٠/٣):
((انفرد به البخاري)).
قلت : يعني دون مسلم . فقول الأديب أحمد عبيد - رحمه الله - في تعليقه
على ((روضة المحبين)) لابن القيم (ص٢٤٢) :
((قال المحب الطبري في ((مناقب أمهات المؤمنين)): خرجه مسلم وأبو حاتم)).
قلت : فهو وهم منه أو من المحب ، ولعله أراد أن يقول: ((البخاري)) فقال :
((مسلم))؛ فإن الحافظ المزي في (تحفة الأشراف)) (١٥٥/١٢) لم يعزه إلا
للبخاري .
وقد وجدت لسليمان بن بلال متابعاً ، ولكنه واه ، وهو عمران بن أبي الفضل
عن هشام بن عروة بإسناده عنها قالت :
((يا رسول الله! أرأيت لو نزلت وادياً قد عري جميع شجره إلا شجرة واحدة؛
أين كنت تنزل؟ قال: على الشجرة التي لم تَعرَ. قالت: فأنا تلك الشجرة)).
أخرجه ابن عدي في «الكامل)» (٩٥/٥) في ترجمة عمران هذا من رواية
إسماعيل بن عياش عنه . وقال فيه :
٢٨٧

((وضعفه بَيِّن على حديثه)) .
وروى عن ابن معين أنه قال :
((ليس بشيء)).
وعن النسائي :
((ضعيف)).
وقال ابن أبي حاتم (٣٠٣/١/٣) عن أبيه :
(ضعيف الحديث ، منكر الحديث جداً، روى عنه إسماعيل بن عياش
حديثين باطلين موضوعين)).
قال الذهبي عقبه :
((أحدهما : مسابقة عائشة بألفاظ تنكر .
وثانيهما : عن هشام عن أبيه عن عائشة .. )).
قلت : فذكر حديثه هذا . وأقره الحافظ في ((اللسان)) ولم يتعقبه بشيء ، وفي
إطلاق الوضع عليه نظر ظاهر عندي ؛ لأنه بمعنى حديث مُتّابَعِهِ سليمان بن بلال
كما ترى .
ووجدت طريقاً أخرى عن عائشة: قال ابن سعد (٨٠/٨): أخبرنا محمد بن
عمر: حدثتني فاطمة بنت مسلم عن فاطمة الخزاعية ، قالت : سمعت عائشة ...
الحديث بأتم منه . لكن محمد بن عمر - وهو الواقدي - متروك ، فالعمدة على رواية
البخاري عن سليمان بن بلال .
٢٨٨

٣١٠٦(١) - (من أَكلَ منْ هاتينِ الشجرتَينِ الخبيثتَينِ فلا يقربنَّ
مسجدنا ، فإنْ كنتم لا بدَّ آكليهما فأميتُموهما طبخاً) .
أخرجه أبو داود (٣٨٢٧)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٦٦٨١/١٥٨/٤)،
والطحاوي في ((شرح المعاني)) (٣٣٨/٢)، والبيهقي في ((السنن)) (٧٨/٣)،
و ((الشعب)) (٥٩٦٢/١٠٥/٥)، وابن عدي في ((الكامل)) (٢٠/٣ - ٢١)، وأحمد
(١٩/٤)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٦٥/٣٠/١٩) من طرق عن خالد بن
ميسرة عن معاوية بن قرة عن أبيه؛ أن رسول الله ◌َ طال قال ... فذكره .
أورده ابن عدي في ترجمة (خالد) هذا ، وقال :
((وله غير هذا، وهو عندي صدوق ؛ فإني لم أرله حديثاً منكراً)).
ولهذا؛ ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٢٦٥/٦)، وقال الذهبي في
((الكاشف)):
(صدوق)).
والحافظ في «التقريب)»:
((صالح الحديث)) .
قلت : وله عند الطبراني وكذا النسائي حديث آخر في التعزية وفضل من
مات له فرط، وصححه الحافظ في ((الفتح)) (١٢١/٣).
وقد تابعه عليه شعبة ؛ عند الحاكم وغيره، وهو مخرج في ((أحكام الجنائز))
(٢٠٥) .
(١) كان سابقاً بهذا الرقم حديث: ((إن الله ضمن لمن ... ))، ثم نقل إلى ((الضعيفة)) (٦٧٢٠).
٢٨٩

ولحديث الترجمة شاهد قوي من حديث أنس مرفوعاً به .
أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط)» (٣٦٦٨/٣٩٢/٤): حدثنا سليمان
ابن داود الطبيب ، قال : حدثنا شيبان بن فروخ ، قال : حدثنا سلام بن مسكين
عن ثابت عنه . وقال :
((لم يروه عن سلام بن مسكين إلا شيبان بن فروخ)).
قلت : هو من شيوخ مسلم في ((صحيحه))، وفيه كلام لا يضر ، ومَنْ فوقه من
رجال الشيخين ، فالإسناد صحيح ؛ لولا أنني لم أجد لشيخ الطبراني (سليمان بن
داود الطبيب) ترجمة ، وقد روى له حديثاً آخر فقط ، مما يشعر أنه ليس بالمشهور
من شيوخه ؛ فلا أدري بعد هذا ما وجه قول الهيثمي (١٧/٢) :
((رواه الطبراني في ((الأوسط)) ورجاله موثقون))؟!
فإن هذا التوثيق اللين إن كان من أجل الشيخ ، فمن الذي وثقه؟ وإن كان
المقصود به من فوقه دونه ؛ فقد عرفت أنهم من رجال الصحيح ، وعهدنا به أنه لا
يغمز في أحدهم ولو كان فيهم مغمز ، مثل ابن إسحاق وشريك وغيرهم ؛ فإنه
كثيراً ما يقول في بعض الأسانيد: ((رجاله رجال الصحيح))، ولو كان فيه واحد من
أمثال المذكورين ، وهم ممن ضعِّفوا !
وهو في ((الصحيحين)) من طريق أخرى عن أنس مختصراً بلفظ :
((من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ، ولا يصلي معنا)).
وأخرجه أبو عوانة أيضاً (١٧/٢ - ١٨).
وحديث الترجمة عنده (٤٠٧/١ - ٤١٠).
۔
٢٩٠

وكذا مسلم وغيره من حديث عمر نحوه وفيه :
((فمن كان منكم أكلهما لا بد ؛ فليمتهما طبخاً)).
وهو مخرج في ((الإرواء)) (٢٥١٤/١٥٦/٨) .
وهو موقوف في حكم المرفوع .
٣١٠٧- (إنَّ رسولَ الله يفعلُ ذلكَ (يعني: تقبيلَ الزوجة وهو
صائمٌ)، أنا أتقاكم لله، وأعلمُكم بحدود الله) .
أخرجه عبدالرزاق في ((المصنف)) (٨٤١٢/١٨٤/٤)، ومن طريقه : أحمد
(٤٣٤/٥) : أنا ابن جريج : أخبرني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من
الأنصار : أن الأنصاري أخبر عطاءً :
أنه قبَّل امرأته على عهد رسول الله ياته وهو صائم ، فأمر امرأته فسألت النبي
عن ذلك؟ فقال النبي خير:
((إن رسول الله يفعل ذلك)).
فأخبرته امرأته فقال : إن النبي يرخَّص له في أشياء ، فارجعي إليه فقولي له ،
فرجعت إلى النبي عليه فقالت: قال: إن النبي يرخَّص له في أشياء؟! فقال :
((أنا أتقاكم لله، وأعلمكم بحدود الله)).
قلت : وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين إلا الرجل
الأنصاري فهو لم يُسَمَّ ، ومعلوم أن جهالة الصحابي لا تضر؛ لأنهم كلهم عدول
عند أهل السنة .
٢٩١

والحديث أخرجه مالك (٢٧٣/١) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار: أن
رجلاً ... ؛ فأرسله . لم يذكر الرجل الأنصاري ، والموصول أرجح ؛ لأن زيادة الثقة
مقبولة .
وللحديث شواهد كثيرة من حديث عائشة وغيرها بنحوه من طرق بألفاظ
متقاربة ، تقدم أحدها برقم (٣٢٨)، وفي طريق آخر عنها بلفظ :
((والله! إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله ، وأعلمكم بما أتقي)).
أخرجه مسلم وابن خزيمة وابن حبان في ((صحاحهم))، وهو مخرج في
((صحيح أبي داود)) (٢٠٦٧) .
:
وقد كان تقدم مني تخريج هذا الحديث برواية أحمد فقط عقب حديث
عائشة المشار إليه آنفاً (٣٢٩) ، والآن قدر لي إعادة تخريجه بزيادة فائدة والحمد لله .
وله شاهد بنحوه من حديث عمر بن أبي سلمة عند مسلم وغيره ، وهو مخرج
في ((الإرواء)) (٨٤/٤).
٣١٠٨ - (إنَّه سيُلحدُ فيه رجلٌ من قريش ، لو وزنتْ ذنوبُه بذنوبِ
الثقلين لرجحتْ . يعني : الحرم) .
أخرجه أحمد (١٣٦/٢): ثنا محمد بن كُنَاسة: ثنا إسحاق بن سعيد عن
أبيه قال :
أتى عبدُالله بن عمر عبدَالله بن الزبير فقال: يا ابن الزبير! إياك والإلحاد في
حرم الله تبارك وتعالى؛ فإني سمعت رسول الله عَ ليه يقول ... فذكره . قال : فانظر
لا تكونه .
٢٩٢

قلت : وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين ؛ غير محمد بن كناسة - وهو
محمد بن عبدالله بن عبدالأعلى بن كُنَاسَةَ الكوفي - وهو ثقة ، لكن قال أبو حاتم :
((كان صاحب أخبار، يكتب حديثه ولا يحتج به)).
قلت : وقد خالفه هاشم بن القاسم ، فقال أحمد في مسند عبدالله بن عمرو
(٢١٩/٢): ثنا هاشم: ثنا إسحاق - يعني: ابن سعيد -: ثنا سعيد بن عمرو قال :
أتى عبدُالله بن عمرو ابنَ الزبير ، وهو جالس في الحجر فقال : يا ابن الزبير !
إياك والإلحاد .. الحديث نحوه ، قال : فانظر أن لا تكون هو يا ابن عمرو ! فإنك قد
قرأت الكتب ، وصحبت الرسول عَ ليه ، قال : فإني أشهدك أن هذا وجهي إلى
الشام مجاهداً .
قلت : وهذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ، فهو أصح من
الذي قبله ؛ فإن هاشم بن القاسم - وهو أبو النضر الليثي مولاهم البغدادي - قال
الحافظ فيه :
((ثقة ثبت)).
وقال في الذي قبله - ابن كناسة - :
((صدوق)) .
وقال الهيثمي في حديث ابن كناسة هذا (٢٨٥/٣):
((رواه أحمد، ورجاله ثقات)).
وقال في حديث هاشم :
((رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح)).
٢٩٣

وإذا عرفت هذا؛ فقد اختلفا في راوي هذا الحديث عن رسول الله عَ ليه والقائل
لابن الزبير : إياك والإلحاد في .. فقال ابن كناسة : عبد الله بن عمر ، وقال هاشم:
عبدالله بن عَمرو . وهذا هو الأرجح ؛ لأن هاشماً أحفظ من ابن كناسة كما عرفت
من ترجمة الحافظ لهما ، ومن تخريج الهيثمي لحديثهما . ويؤيد ذلك أمور ثلاثة :
الأول : أن ابن كناسة اضطرب في إسناده ، فرواه مرة عن إسحاق بن سعيد
كما تقدم . ومرة قال : ثنا إسحاق بن عيسى بن عاصم عن أبيه قال ... فذكره
مثل روايته المتقدمة .
أخرجه الحاكم (٣٨٨/٢) من طريق الحسين بن الفضل البجلي : ثنا محمد
ابن كناسة به . وقال :
((صحيح الإسناد)).
ورده الذهبي بقوله :
((قلت : [قال] أبو حاتم : ابن كناسة لا يحتج به)) .
والحسين الراوي عنه إمام محدث مفسر لغوي جليل ، له ترجمة في ((سير
الأعلام)) (٤١٤/١٣) للذهبي، ولذلك أنكر عليه الحافظ في ((اللسان)) إيراده إياه
في ((الميزان)) وقال :
((فكان الأولى أن لا يذكره لجلالته)). فراجع ((اللسان)) (٣٠٧/٢ - ٣٠٨).
والثاني : أن هاشم بن القاسم قد تابعه بشر بن الوليد الكندي : نا إسحاق
ابن سعيد به .
أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢/٩).
٢٩٤

والثالث : أن له طريقاً أخرى عن ابن عَمرو ، من رواية محمد بن كثير عن
الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عنه مرفوعاً بلفظ :
((يلحد رجل بمكة يقال له: عبدالله ، عليه نصف عذاب العالم)).
أخرجه البزار (٤٧/٢ - ٤٨ - الكشف) وقال :
((هكذا رواه محمد بن كثير، ولم يتابع على هذا الإسناد ، وقال عبدة: عن
الأوزاعي عن رجل من آل المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة عن عثمان)).
قلت : وبابن كثير هذا؛ أعله الهيثمي فقال (٢٨٤/٣) :
((وثقه صالح بن محمد وابن سعد وابن حبان ، وضعفه أحمد)).
ومن طريقه: أخرجه ابن عساكر أيضاً في ((التاريخ)) (٢٧٣/٩) .
هذا؛ وقول البزار فيما تقدم : ((وقال عبدة : عن الأوزاعي عن رجل من آل
المغيرة .. )) إلخ ، فلم أجد من وصله عن عبدة عن الأوزاعي به . وإنما وصله أحمد
عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي بإسناد آخر له كما يأتي ، وأظن أن الرجل من آل
المغيرة هو جعفر بن أبي المغيرة ؛ فقد رواه من طريقه يعقوب بن عبدالله عنه عن ابن
أبزى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : قال له عبدالله بن الزبير حين
حُصِر : إن عندي نجائب قد أعددتها لك ؛ فهل لك أن تحول إلى مكة فيأتيك من
أراد أن يأتيك؟ قال: لا؛ إني سمعت رسول الله عَ الله يقول:
((يلحد بمكة كبش من قريش اسمه عبدالله ، عليه مثل نصف أوزار الناس)).
أخرجه أحمد (٦٤/١)، والبزار أيضاً، وابن عساكر (٢٧٣/٩)، وقال الهيثمي
بعد أن عزاه للأولیْن :
((ورجاله ثقات)) .
٢٩٥

كذا قال! وجعفر بن أبي المغيرة ، ويعقوب بن عبدالله - وهو القمي - قال
الحافظ في ترجمة كل منهما :
((صدوق يهم).
وفي إسنادهما علة أخرى ، وهي الانقطاع بين عثمان رضي الله عنه وابن
أبزى - واسمه سعيد بن عبدالرحمن بن أبزى الكوفي -، قال أبو زرعة :
((روايته عن عثمان مرسلة)).
ولذلك؛ قال الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) (٣٧٥/٣) عقب الحديث :
(رواه أحمد .. وفي إسناده مقال)).
وقال الحافظ ابن كثير في ((البداية)) (٣٣٩/٨):
((وهذا الحديث منكر جداً ، وفي إسناده ضعف ، ويعقوب هذا هو القمي وفيه
تشيع ، ومثل هذا لا يقبل تفرده به ، وبتقدير صحته فليس هو بعبدالله بن الزبير ؛
فإنه كان على صفات حميدة ، وقيامه بالإمارة إنما كان لله عز وجل ، ثم كان هو
الإمام بعد موت معاوية بن يزيد لا محالة ، وهو أرشد من مروان بن الحكم، حيث
نازعه بعد أن اجتمعت الكلمة عليه ، وقامت له البيعة في الآفاق ، وانتظم له
الأمر. والله أعلم)) .
لكن قد جاء الحديث من طريق أخرى عن عثمان رضي الله عنه ، فقال الإمام
أحمد (٦٧/١): ثنا علي بن عياش: ثنا الوليد بن مسلم قال: وأخبرني الأوزاعي
عن محمد بن عبدالملك بن مروان : أنه حدثه عن المغيرة بن شعبة : أنه دخل على
عثمان - رضي الله عنه - وهو محصور فقال ... فذكر قصته ، وفيه قول عثمان :
سمعت رسول الله عَ ل﴿ يقول :
٢٩٦

((يُلحِد رجل من قريش بمكة، يكون عليه نصف عذاب العالم)).
قلت : وهذا إسناد رجاله ثقات ؛ لكن له عندي علتان :
الأولى: الانقطاع بين ابن مروان والمغيرة ؛ وبه أعله الهيثمي فقال (٢٣٠/٧) : .
((رواه أحمد ، ورجاله ثقات ، إلا أن محمد بن عبدالملك بن مروان لم أجد له
سماعاً من المغيرة)) .
قلت : بل لم يذكروا له رواية عن صحابي ، ولذلك ؛ أورده ابن حبان في أتباع
التابعين من «ثقاته)) (٤٣٥/٧)، وصرح ابن أبي حاتم بالانقطاع فقال في ((الجرح))
(٤/١/٤) :
((روى عن المغيرة بن شعبة؛ مرسل، وعمن سمع معاوية)).
وأيد هذا الانقطاع الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على ((المسند))
(٣٦٩/١).
والأخرى : تدليس الوليد بن مسلم ؛ فإنه كان يدلس تدليس التسوية ، ومثله
لا يكتفى منه بتصريحه بسماعه من شيخه فقط ، بل لا بد من التصريح به فيمن
فوقه أيضاً، كما هو معلوم من علم المصطلح ، ولهذا قال الحافظ في ((جزء ماء زمزم
لما شرب به)) (٢/٢):
((والوليد يدلس فيسوِّي ، فلا يقبل من حديثه إلا ما صرح فيه بالتحديث له
ولشيخه)) .
وجملة القول ؛ أن الحديث صحيح من طريق هاشم بن القاسم ونحوها مما
ليس فيه ذكر لعبدالله بن الزبير رضي الله عنه .
٢٩٧

٣١٠٩ - (كُلُوهُ من ذي الحجَّةِ إلى ذي الحجَّةِ. يعني: لحمَ
الأضاحي) .
أخرجه البخاري في ((التاريخ)) (٣٧٠/٢/٤ - ٣٧١)، والطحاوي في ((شرح
معاني الآثار)) (٣٠٨/٢)، وابن حبان في (صحيحه)) (٥٩٠٣/٥٦٩/٧)، وأحمد
(١٥٥/٦)، والخطيب في ((الموضح)) (٢٠٢/١) عن يزيد بن أبي يزيد الأنصاري
عن امرأته : أنها سألت عائشة عن لحوم الأضاحي؟ فقالت عائشة :
قدم علينا علي من سفر ، فقدَّمنا إليه منه ، فقال: لا آكله حتى أسأل عنه
... فذكره .
رسول اللّه تَزي ، قالت : فسأله علي؟ فقال رسول الله
قلت : وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد ؛ لأن يزيد هذا ، أورده البخاري
بهذا الحديث ، ولم يتكلم عليه بجرح ولا تعديل ، وكذلك فعل ابن أبي حاتم
(٢٩٨/٢/٤)، وأما ابن حبان فذكره في ((الثقات)) (٦٣١/٧) برواية الحارث بن
يعقوب الأنصاري عنه وهو ثقة ، وروى عنه ثقتان آخران كما يؤخذ من
((التاريخ))، و((الموضح))؛ وهما: بكير بن عبدالله بن الأشج ، وبكر بن سوادة ،
ورابع وهو عبدالعزيز بن صالح ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)» (١١٢/٧)،
وذكرهم الحافظ في ترجمته من ((التعجيل)) (ص٤٥٤)؛ فهو صدوق إن شاء
الله تعالى .
وأما امرأته فلم أعرفها ، وقد جاءت في رواية ابن حبان مكنية بـ ((أم
سليم)). وقد أوردها الحافظ في ((كنى النساء)) من ((التعجيل)) فلم يزد على قوله
فيها :
((تقدمت فى ترجمة زوجها يزيد))!
٢٩٨.

لكن في رواية للخطيب من طريق ابن لهيعة عن عبدالعزيز بن صالح عن
یزید بن أبي يزيد قال :
حججت مع امرأتي أم سليم فدخلت على عائشة ... فذكرت مثل هذا
الحديث .
فأقول : فإن كانت هذه الرواية محفوظة ؛ وثبت أن يزيد هذا شارك امرأته في
الدخول على عائشة رضي الله عنها وسماعه لهذا الحديث منها ؛ فالإسناد جيد ،
والحديث صحيح ، وإلا ؛ فهو حسن لغيره ؛ لأن له شواهد كثيرة :
منها قوله # في حديث من رواية بريدة رضي الله عنه :
((ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدالكم .. )).
رواه مسلم وابن حبان (٥٣٦٧) وغيرهما، وهو مخرج في ((أحكام الجنائز))
(ص٢٢٧ - ٢٢٨ - المعارف) .
وروي نحوه عن غيره من الصحابة ، فانظر ((مجمع الزوائد)) (٢٥/٤ - ٢٧) .
وقد صح عن جمع من الصحابة أنهم كانوا يتزودون لحوم الهدايا والضحايا
إلى المدينة ، وقد تقدم تخريجها برقم (٨٠٥) .
٣١١٠ - (نهى أَنْ يجلسَ بينَ الضَّحِّ والظلِّ ، وقالَ: مجلسُ الشيطانِ) .
أخرجه أحمد (٤١٣/٣ - ٤١٤) : حدثنا بهز وعفان قالا: ثنا همام - قال عفان
في حديثه -: ثنا قتادة عن كثير عن أبي عياض عن رجل من أصحاب النبي
له: أن النبي ◌َ ﴾ نهى ...
قلت : وهذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات رجال الشيخين غير كثير، وهو ابن
٢٩٩

أبي كثير البصري مولى عبدالرحمن بن سمرة ، وقد وثقه ابن حبان (٣٣٢/٥)
والعجلي ، وروى عنه جمع من الثقات غير قتادة من التابعين الأجلاء مثل محمد
ابن سيرين ومنصور بن المعتمر وأيوب السختياني ، ولذلك رد الحافظ من جهّله
فقال في ((التهذيب» :
((وزعم عبدالحق تبعاً لابن حزم أنه مجهول ! فتعقب ذلك عليه ابن القطان
بتوثيق العجلي)) .
وعليه فما أنصفه الحافظ حين قال في ((التقريب)):
((مقبول)).
ولا الذهبي حين قال في ((الكاشف)»:
((وُثق))!
ولذلك؛ فالصواب أنه ثقة ، وأن حديثه هذا صحيح كما قال في ((التلخيص))
كما يأتي ، ولا يخدج عليه أن صحابيه لم يسمَّ ؛ لأن الصحابة كلهم عدول كما
تقدم مراراً .
على أنه قد جاء مسمى ، فقال عبدالله بن رجاء : ثنا همام عن قتادة عن كثير
ابن أبي كثير عن [أبي] عياض عن أبي هريرة قال ... فذكره دون قوله: «مجلس
الشيطان)).
أخرجه الحاكم (٢٧١/٤) وقال :
((صحيح الإسناد)) . ووافقه الذهبي .
وعبدالله بن رجاء ثقة من رجال مسلم ، والسند إليه صحيح .
٣٠٠