Indexed OCR Text

Pages 1181-1200

((قال الهيثمي (١ / ٢٨٣): ((رواه الطبراني في ((الكبير))، ورجاله ثقات))
كذا قال، وأما الحافظ فقال في ((التلخيص)) (٤ / ٦١٨): ((وإسناده ضعيف)).
قلت : وعلى كل حال يعطي الحديث قوة ، ولعله من أجل ذلك جزم بنسبته
إلى النبي # شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ((الفتاوى)) (٤٤/١) .. )).
ثم طبع المعجم الذي فيه هذا الحديث ، فرأيته فيه (١٩ / ١٤ / ٢٠) من
طريق قتادة بن الفضل بن قتادة الرهاوي عن أبيه : حدثني عمُّ أبي هاشم بن قتادة
الرهاوي عن أبيه .
فتبين لي صواب تضعيف الحافظ لإسناده ، وخطأ توثيق شيخه الهيثمي
لرجاله ، لأن عمدته في ذلك على ابن حبان ، فقد أورد كلاً من (هاشم بن قتادة
الرهاوي)، و (الفضل بن قتادة الرهاوي) في ((ثقاته)) (٥ / ٥٠٣) و(٧ / ٣١٧)،
ومن المعروف تساهل ابن حبان في التوثيق ، ولا سيما والرجلان لا يعرفان إلا بهذا
الإسناد، وله حديث آخر كنت خرجته في (( الضعيفة)) (٥٩٤١) لتجرده عن
شاهد ، بخلاف هذا ، فشاهده حديث الترجمة .
وله شاهد مختصر جداً في الختان من رواية الزهري قال : قال رسول
الله چخافٍ :
((من أسلم فليختتن ولو كان كبيراً)).
رواه حرب بن إسماعيل كما قال الحافظ في (( التلخيص)) (٤ / ٨٢ / ١٨٠٦
- تعليق اليماني المدني)، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) (١ / ١١٤) للبيهقي،
أطلقه، وذلك يعني (( السنن الكبرى)) له ، ولم أره فيه، وقد أبعد النجعة ، فقد
أخرجه الإمام البخاري في (( الأدب المفرد)) (٣٢٢ / ١٢٥٢) : حدثنا عبد العزيز بن
عبد الله الأويسي قال : حدثني سليمان بن بلال عن يونس عن ابن شهاب قال :
١١٨١

(( كان الرجل إذا أسلم أُمر بالاختتان وإن كان كبيراً)).
وهذا إسناد صحيح مقطوع أو موقوف، فإن الظاهر أن الإمام الزهري لا يعني
أن ذلك كان في عهد النبي ﴿ ، ولصحة إسناده عنه أوردته في كتابي الجديد
((صحيح الأدب المفرد)) (٤٨٤ / ٩٤٨ / ١٢٥٢). والله سبحانه وتعالى أعلم .
وترجم له البخاري فيه بـ (( باب اختتان الكبير )) ، وساق تحته حديث أبي
هريرة: ((اختتن إبراهيم ﴿، وهو ابن عشرين ومئة))، وهو موقوف، والصحيح
مرفوع بلفظ: (( ... بعد ثمانين سنة))، وقد رواه فيه قبل أبواب برقم (١٢٤٤) ،
وهو مخرج في ((الإرواء)) (٧٨)، وقد احتج به أحمد لختان الكبير، فروى
الخلال في ((الوقوف والترجل)) (١٤٦ / ١٨٣) عن حنبل أنه سأل أبا عبد الله
عن الذمِّيّ إذا أسلم ؟ قلت له :
ترى أن يطهر بالختانة ؟ قال :
((لا بد له من ذلك)).
قلت : فإن كان كبيراً أو كبيرة ؟
قال: أحب إلي أن يتطهر؛ لأن الحديث: (( اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين
سنة))، قال الله: ﴿ ملة أبيكم إبراهيم ﴾.
قيل له : فإن كان يُخاف عليه ؟ قال :
وإن كان يُخاف عليه ، كذلك يرجى له السلامة .
وفي رواية : لا بد له من الطهارة ، هذه نجاسة يعني : الأقلف .
ثم روى الخلال عن الإمام أحمد أنه سئل عن حج الأقلف ؟ فقال : ابن
عباس كان يشدد في أمره ، روي عنه أنه لا حج ولا صلاة له . قيل له : فما تقول ؟
قال :
١١٨٢

يختتن ثم يحج .
ثم ذكر عنه رواية أخرى فيها التسهيل في أمر الأقلف . والظاهر أن ذلك إذا
خاف على نفسه . والله أعلم .
( تنبيه) : انقلب على الشوكاني حديث الزهري المتقدم (ص ١١٨١)،
فجعله في كتابه ((نيل الأوطار)) (١ / ٩٨) من حديث أبي هريرة ، وقال عقبه :
((وقد ذكره الحافظ في (( التلخيص)) ولم يضعفه))!
وقلده على هذا الوهم المعلق على ((كتاب الوقوف والترجل)) (ص ١٤٨)،
والحافظ إنما ذكره من حديث الزهري كما سبق .
وتنبيه آخر : وهو أن أخانا الفاضل حمدي السلفي قال بعد أن بين ضعف
إسناد حديث الترجمة :
(( لكن للحديث شاهدان من حديث واثلة بن الأسقع، وقتادة أبي هشام)) .
فأقول : حدیث قتادة هذا تقدم . وأما حديث واثلة ، فهو شاهد قاصر لأنه ليس
فيه: ((واختتن))، وهو مخرج عندي في ((صحيح أبي داود)) تحت حديث
الترجمة ، وفي (( الروض النضير)) برقم (٨٩٣) .
أخذه ◌َةُ زكاة الحلي وتوزيعه إياها
٢٩٧٨ - ( يا فاطمة! (هي بنت قيس) إن الحقَّ [ عز وجل ] لم يبقِ
بَ لٍ لها حين قالت : خذ من طوقي الذهبي ما فرضَ
لك شيئاً . قاله
٠
اللهُ)
أخرجه أبو الشيخ في جزئه ((انتقاء ابن مردويه)) (٨٣ / ٣٠ - طبع الرشد)،
١١٨٣

قال : حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث : حدثنا محمد بن المغيرة : حدثنا
النعمان : حدثنا أبو بكر: أخبرني شعيب بن الحباب عن الشعبي قال : سمعت
فاطمة بنت قيس رضي الله عنها تقول :
أتيت النبي ◌َ بطوق فيه سبعون مثقالاً من ذهب، فقلت: يا رسول
الله ! خذ منه الفريضة التي جعل الله فيه . قالت : فأخذ رسول الله مثقالاً وثلاثة
أرباع مثقال ، فوجهه . قالت : فقلت : يا رسول الله ! خذ منه الذي جعل الله فيه .
قالت : فقسم رسول الله على هذه الأصناف الستة ، وعلى غيرهم ، فقال : فذكره .
[قالت :] قلت : يا رسول الله ! رضيت لنفسي ما رضي الله عز وجل به ورسوله .
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات من رجال (( التهذيب )) إلى
(النعمان) ، وهو ابن عبد السلام الأصبهاني .
وأما الراوي عنه محمد بن المغيرة فهو الأصبهاني صاحب النعمان ، ترجمه أبو
الشيخ في ((طبقات الأصبهانيين)) (١ / ٢٤٣ - ٢٤٤)، وأبو نعيم في ((أخبار
أصبهان)) (٢ / ١٨٥ - ١٨٦) برواية جمع من الثقات عنه، وذكرا أنه كان صاحب
عبادة وتهجد ، صحب النعمان ، وسمع عامة أصوله ، توفي سنة (٢٣١)، وذكره
ابن حبان في (( الثقات)) (٩ / ١٠٥).
وأما شيخ أبي الشيخ (إبراهيم بن محمد بن الحارث) ، فقد ترجمه أبو الشيخ
في (( الطبقات)) أيضاً (٢ / ١٣٦)، وكذا أبو نعيم (١ / ١٨٨ - ١٨٩)، حدث عنه
أبو بكر البرذعي ومحمد بن يحيى بن منده ، سمع من سعيد بن منصور وذهب
سماعه ، وكان عنده كتب النعمان عن محمد بن المغيرة . قال أبو الشيخ :
(( وحضرت مجلسه فجاء أبو بكر البزار، فأخرج إليه كتب النعمان ، فانتخب
١١٨٤

عليه ، وكتب عنه عن أبيه )) . قال :
(( وكتبنا عنه من الغرائب ما لم نكتب إلا عنه)).
ثم ساق له حديثاً واحداً ، وهو أبو إسحاق ، يعرف بـ (ابن نائلة) ، من أهل
المدينة ، و (نائلة) أمه ، وساق له أبو نعيم أحاديث أخرى ، عن شيوخ سبعة له
عنه ، منهم الطبراني، وله في (( المعجم الأوسط)) أربعة أحاديث (٣٠٨١ - ٣٠٨٤ -
بترقيمي)، وآخر في ((المعجم الصغير)) رقم (٢٧٥ - الروض النضير) . توفي سنة
(٢٩١) .
قلت : وفي الحديث دلالة صريحة على أنه كان معروفاً في عهد النبي
وجوب الزكاة على حلي النساء، وذلك بعد أن أمر ◌َي بها في غير ما حديث
صحيح كنت ذكرت بعضها في (( آداب الزفاف))، ولذلك جاءت فاطمة بنت قيس
رضي الله عنها بطوقها إلى النبي ◌َ﴾ ليأخذ زكاتها منه ، فليضم هذا الحديث إلى
تلك ، لعل في ذلك ما يقنع الذين لا يزالون يفتون بعدم وجوب الزكاة على الحلي ،
فيحرمون بذلك الفقراء من بعض حقهم في أموال زكاة الأغنياء !
وقد يحتج به بعضهم على جواز الذهب المحلق للنساء ، والجواب هو الجواب
المذكور في الأحاديث المشار إليها آنفاً، فراجعه إن شئت في ((الآداب)).
على أن هذا ليس فيه أنها تَطَّوق به ، بخلاف بعض تلك الأحاديث ، فيحتمل
أن فاطمة رضي الله عنها كان قد بلغها الحكمان : النهي عن طوق الذهب ، فانتهت
منه ، ووجوب الزكاة ، فبادرت إلى النبي ◌ّ ليأخذ منه الزكاة ، وهذا هو اللائق
بها وبدينها رضي الله عنها .
١١٨٥

٢٩٧٩ - (إنّ الشيطانَ قَعَدَ لابن آدَم بأَطْرُقِهِ، فقَعَدَ له بطريق
الإسلام، فقال : تسلمُ وتذرُ دينَك ودين آبائك وآباء أبيك ؟! فعصاه
فأسْلَمَ ، ثم قَعَدَ له بطريق الهجرة ، فقال : تهاجرُ وتدعُ أرضَكَ
وسماءَكَ ، وإنما مثلُ المهاجِرِ كمثلِ الفرسِ في الطِّوَلِ ؟! فعصاهُ فِهاجَرَ ،
ثم قعدَ له بطريق الجهادِ ، فقالَ : تجاهدُ فهو جَهْدُ النفس والمالِ ، فتقاتِلُ
فتُقتلُ ، فتُنكح المرأةُ ، ويُقسمُ المالُ ؟! فعصاه فجاهدَ . فقالَ رسول الله
فمن فَعَلَ ذلك كان حقاً على الله عز وجل أن يدخله الجنةَ .
ومن قُتِلَ كان حقاً على الله أن يدخلَه الجنةَ .
وإن غَرِقَ كان حقاً على الله أن يدخله الجنةَ ، أو وقصتْهُ دابَتُهُ كان
حقاً على الله أن يدخله الجنةَ ) .
أخرجه البخاري في (( التاريخ الكبير)) (٢ /١٨٧/٢ - ١٨٨)، والنسائي (٢
/ ٥٨)، وابن حبان (٣٨٥ / ١٦٠١ - الموارد)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤ /
٢١ / ٤٢٤٦)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥ / ٢٩٣) ، ومن طريقه الطبراني
في ((المعجم الكبير)) (١٣٨/٧)، وأحمد (٤٨٣/٣) من طريق أبي عقيل عبد الله
ابن عقيل قال : حدثنا موسى بن المسيب عن سالم بن أبي الجعد عن سَبْرة بن أبي
فاكه قال: سمعت رسول الله عليه يقول : فذكره .
قلت : وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات ، وفي بعضهم كلام لا يضر،
ولذلك قال الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٣ /٢٩):
(( أخرجه النسائي من حديث سبرة بن أبي فاكه بإسناد صحيح)) .
١١٨٦

وأقره الزبيدي في شرحه على ((الإحياء)) (٧ / ٢٧٠)، كما أقر المنذري في
((الترغيب)) (٢ / ١٧٣) ابن حبان على تصحيحه، وكذلك قواه الحافظ ، ولكنه
أشار إلى أن فيه علة ، ولكنها غير قادحة ، فقال في ترجمة (سبرة) من ((الإصابة)):
(( له حديث عند النسائي بإسناد حسن ، إلا أن في إسناده اختلافاً)).
قلت : هو اختلاف مرجوح لا يؤثر ، وقد أشار إليه الحافظ المزّي في ترجمة
(سبرة) من (( التهذيب))، فإنه ساقه من طريق أحمد ، وقال عقبه :
(( تابعه محمد بن فضيل عن موسى بن المسيب . ورواه طارق بن عبد العزيز
عن محمد بن عجلان عن موسى بن المسيب عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن
أبي سبرة عن النبي ﴿﴿)).
وذكر مثله في (( تحفة الأشراف)) (٣ / ٢٦٤) .
قلت آنفاً : إن هذا الخلاف لا يؤثر، وذلك لأن محمد بن عجلان لا يعارض
به الثقتان عبد الله بن عقيل ومتابعه محمد بن فضيل ، لا سيما وابن عجلان فيه
كلام معروف ، وهذا يقال لو صحت المخالفة عنه ، فإن الراوي عنه طارق بن
عبدالعزيز فيه كلام أيضاً ، وهو طارق بن عبد العزيز بن طارق الربعي ، هكذا نسبه
في (( الجرح)) ، وقال عن أبيه :
(( ما رأيت بحديثه بأساً في مقدار ما رأيت من حديثه)).
ونسبه في ((الثقات)) (٨ / ٣٢٧) إلى جده ، فقال:
((طارق بن طارق المكي )) ، وقال :
((ربما خالف الأثبات في الروايات)).
وكذا في ((ترتيب الثقات)) لابن قطلوبغا (١ /٢/٣٠٣)، وفي ((لسان
١١٨٧

الميزان )) أيضاً، لكن تحرف فيه اسم الأب إلى (بارق) وهو من الطابع فيما أظن.
والله أعلم .
وقد وصله عنه البيهقي في (( الشعب)) (رقم ٤٢٤٧) من طريق أبي عبد الله ،
وهو الحاكم، وليس هو في ((المستدرك))، فالظاهر أنه في كتابه: (( التاريخ))، وقال
البيهقي عقبه :
(( هكذا في كتابي (جابر بن [أبي] سبرة) ، وكذلك رواه أبو مصعب أحمد بن
أبي بكر الزهري عن أبيه عن ابن عجلان ... وهو في الثاني والسبعين من
(التاريخ))) . وكأنه يعني تاريخ شيخه الحاكم .
ووالد أحمد بن أبي بكر اسمه (القاسم بن الحارث بن زرارة .. ) كما في
ترجمة (أحمد) ، ولم أجد له ترجمة ، ولا ذكروه في ترجمة ابنه . والله سبحانه
وتعالى أعلم .
ثم رأيت أبا نعيم قد وصله أيضاً في ((معرفة الصحابة)) (١ / ١٢٥ /١) من
طرق عن طارق بن عبد العزيز بن طارق به . وقال :
(( وهذا مما وهم فيه طارق ، تفرد بذكر جابر . ورواه ابن فضيل عن موسى أبي
جعفر عن سالم عن سبرة بن أبي فاكه ، و[هو] المشهور)).
ورواية ابن فضيل هذه وصلها أبو نعيم في ترجمة ( سبرة بن الفاكه ) من
طرق عنه .
وذكر الحافظ في ترجمة (جابر) حديثه هذا ، وقال :
((قال ابن منده : غريب تفرد به (طارق) ، والمحفوظ في هذا عن سالم بن أبي
الجعد عن سبرة بن أبي فاكه )).
١١٨٨

وجملة القول ؛ أن الحديث صحيح من رواية سالم عن سبرة رضي الله عنه ،
وقد صححه من تقدم ذكرهم، واحتج به ابن كثير في « التفسير» (٢ / ٢٠٤)،
وساقه ابن القيم في ((إغاثة اللهفان)) مساق المسلّمات .
وأما المعلق عليه (ابن عبد المنان) ، المتخصص في تضعيف الأحاديث
الصحيحة ، فقد جزم في تعليقه عليه (١ / ١٣٤) بأن إسناده ضعيف مخالفاً في
ذلك كل من ذكرنا من المصحِّحين له والمحتجين به ، معللاً إياه بأن سالم بن أبي
الجعد لم يصرح بالسماع من سبرة . متشبثاً في ذلك بما ذهب إليه البخاري وغيره
أنه لا يكفي في الحديث أو الإسناد المعنعن لإثبات اتصاله المعاصرة ، بل لا بد من
ثبوت اللقاء ولو مرة ، خلافاً لمسلم وغيره ممن يكتفي بالمعاصرة . والحقيقة أن هذه
المسألة من المعضلات ؛ ولذلك تضاربت فيها أقوال العلماء ، بل العالم الواحد ،
فبعضهم مع البخاري ، وبعضهم مع مسلم . وقد أبان هذا عن وجهة نظره ، وبسط
الكلام بسطاً وافياً مع الرد على مخالفه ، بحيث لا بدع مجالاً للشك في صحة
مذهبه ، وذلك في مقدمة كتابه ((الصحيح))، وكما اختلف هو مع شيخه في
المسألة ، اختلف العلماء فيها من بعدهما ، فمن مؤيد ومعارض ، كما تراه مشروحاً
في كتب علم المصطلح ، في بحث (الإسناد المعنعن) . ولدقة المسألة رأيت الإمام
النووي الذي انتصر في مقدمة شرحه على ((مسلم)) لرأي الإمام البخاري ، قد
تبنى مذهب الإمام مسلم في بعض كتبه في ((المصطلح))، فقال في بيان الإسناد
المعنعن في كتابه (( التقريب)):
(( .. وهو فلان عن فلان ، قيل: إنه مرسل . والصحيح الذي عليه العمل ،
وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول أنه متصل بشرط أن لا يكون
المعنعن مدلساً ، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضاً ، وفي اشتراط ثبوت اللقاء ،
وطول الصحبة ومعرفته بالرواية عنه خلاف .. )) .
١١٨٩

ونحوه في كتابه ((إرشاد طلاب الحقائق)) (١ / ١٨٥ - ١٨٩).
١ - وهذا الذي صححه النووي في كتابيه المذكورين ، هو الذي تبناه جمع من
الحفاظ والمؤلفين في الأصول والمصطلح، فمنهم: الطيبي في كتابه (( الخلاصة في
أصول الحديث)) (ص ٤٧)، والعلائي في (( التحصيل)) (ص ٢١٠).
٢ - والذهبي في رسالته اللطيفة المفيدة: ((الموقظة))، فإنه وإن كان ذكر فيها
القولين : اللقاء والمعاصرة ، فإنه أقر مسلماً على رده على مخالفه ، هذا من جهة .
ومن جهة أخرى فقد أشار في ترجمته في («سير النبلاء)) (١٢ / ٥٧٣) إلى صواب
مذهبه وقوته ، في الوقت الذي صرح بأن مذهب البخاري أقوى ، فهذا شيء ،
وكونه شرط صحّة شيء آخر كما هو ظاهر بأدنى نظر .
٣ - والحافظ ابن كثير في ((اختصار علوم الحديث)).
٤ - وابن الملقِّن في ((المقنع في علم الحديث)) (١ / ١٤٨)، وفي رسالته
اللطيفة ((التذكرة)) (١٦ / ١١).
٥ - والحافظ ابن حجر ، فإنه وإن رجَّح شرط البخاري على نحو ما تقدم عن
الذهبي؛ فإنه سلم بصحة مذهب مسلم، فقال في ((النكت على ابن الصلاح))
(١ / ٢٨٩) مدللاً على الترجيح :
((لأنّا وإن سلمنا ما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال ، فلا يخفى أن شرط
البخاري أوضح في الاتصال )).
وكذا قال في ((مقدمة فتح الباري)) (ص ١٢)، ونحوه في رسالته (( نزهة
النظر في توضيح نخبة الفكر)) (ص ٦١/١٧١ - بنكت الأخ الحلبي عليه) .
قلت : وکونه أوضح مما لا شك فيه ، وکذلك کونه أقوی ، کما نص على ذلك
١١٩٠

الإمام الذهبي كما تقدم، فهو كسائر الصفات التي تميز بها ((صحيح البخاري))
على ((صحيح مسلم)) كما هو مسلّم به عند جمهور العلماء ، فهو شرط كمال
وليس شرط صحَّة عندهم .
٦ - الإمام الصنعاني ؛ فإنه ناقش الحافظ ابن حجر فيما استدل به لشرط
البخاري في بحوث ثلاثة ذكرها في كتابه ((توضيح الأفكار)) ، وألزمه القول بصحة
مذهب مسلم ، وإن كان شرط البخاري أقوى .
وقد كنت ألزمته بذلك في تعليق لي موجز، كنت علقته على ((نزهته))،
نقله عني الأخ الحلبي في (( النكت عليه)) (ص ٨٨)، فليراجعه من شاء .
ولقوة الإلزام المذكور، فقد التزمه الحافظ رحمه الله كما تقدم نقله عنه آنفاً ،
والحمد لله .
ثم قال الصنعاني رحمه الله تعالى (١ / ٢٣٤):
(( وإذا عرفت هذا فمذهب مسلم لا يخلو عن القوة لمن أنصف ، وقد قال أبو
محمد بن حزم في كتاب (( الإحكام)) : (١)
٧ - اعلم أن العدل إذا روى عمن أدركه من العدول فهو على اللقاء والسماع ؛
سواء قال: ((أخبرنا)) أو ((حدثنا))، أو ((عن فلان)) أو ((قال فلان))، فكل ذلك
محمول على السماع منه . انتهى .
قلت : ولا يخفى أنا قد قدمنا عنه خلاف هذا فى حديث (المعازف)
فتذكره)) .
(١) قلت: ذكر ذلك في بحث له في المدلس (١ / ١٤١ - ١٤٢)، وهو من حجتنا على ابن
حزم ومن قلده من الغابرين والمعاصرين في إعلال حديث (المعازف) الذي رواه البخاري معلقاً على
هشام بن عمار بالانقطاع بينهما . وقد فصلت القول في الرد عليه تفصيلاً في كتاب خاص سيصدر
قريباً إن شاء الله تعالى .
١١٩١

هذا وإن مما يسترعي الانتباه ويلفت النظر - أن المذكورين من الحفاظ والعلماء
جروا فيما كتبوا في ((علم المصطلح )) على نحو مما جرى عليه سلفهم في التأليف ،
أعني به ابن الصلاح في ((مقدمته))، وقلما يخالفونه ، وإنما هم ما بين مختصر
وملخص ومقيد وشارح ، كما يعلم ذلك الدارس لمؤلفاتهم فيه ، وهذه المسألة مما
خالفوه فيها ؛ فإن عبارة النووي المتقدمة في الاكتفاء بالمعاصرة وإمكانية اللقاء ؛
هي منه تعديل لعبارة ابن الصلاح المصرحة بشرطية ثبوت اللقاء ، وعلى هذا
التعديل جرى المذكورون آنفاً ، وأكدوا ذلك عملياً في تصحيحهم للأحاديث المروية
بأسانيد لا يمكن التحقق من ثبوت التلاقي بين الرواة في كل الطبقات ، هذا يكاد
يكون مستحيلاً، يعرف ذلك من مارس فن التخريج ، ولم يكن من أهل الأهواء ،
وها هو المثال بين يديك ، فهذا الحديث من رواية سالم بن أبي الجعد عن سبرة
◌َاللّه ، فقد صححه من تقدم ذكرهم ، ومنهم الحافظ العراقي الذي أقر في شرحه
على ((المقدمة)) ابن الصلاح على شرطية اللقاء ، ولم أجد له قولاً يوافق الذين
اكتفوا بالمعاصرة ، ومع ذلك فقد وافقهم عملياً حين صحح إسناد هذا الحديث ، فإن
سالماً هذا لم نر من صرح بلقائه لسبرة ، ولكنه مقطوع بتابعيته ومعاصرته للصحابة ،
بل وروايته عن جمع منهم ، ونصوا أنه لم يسمع من بعضهم، وليس منهم
(سبرة) ، هذا ، ومع ذلك فقد تشبث مضعف الأحاديث الصحيحة ، ومخرِّب كتب
الأئمة بالتعليق عليها - بشرطية اللقاء ، فقال في تعليقه على كتاب ابن القيم
((إغاثة اللهفان)) (١ / ١٣٤) :
((إسناده ضعيف ، فإن سالماً لم يرو عن سبرة غير هذا الحديث ، ولم يصرح
بالسماع منه ، وهو معروف بالإرسال عن جمع من الصحابة ، فلا يثبت له الحديث
إلا إذا صرح بالسماع منه .. ))!
فيقال له : أثبت العرش ثم انقش ! فإن الشرط المذكور ليس لك عليه دليل إلا
١١٩٢

التقليد ، وأنت تتظاهر بأنك لا تقلد ، وهذا أمر واجب لو كنت من أهل العلم
بالكتاب والسنة ، وأصول الحديث والفقه ، ولا نرى أثراً لذلك في كل ما تكتب ،
إلا التحويش دون أي تحقيق أو تفتيش ، ولذلك فالواجب عليك إنما هو الاتباع ، فهو
خير لك بلا شك من التخريب والتضعيف لمئات الأحاديث الصحيحة عند
العلماء ، وقد تبلغ الألوف إذا مضيت في مخالفتك لـ ﴿سبيل المؤمنين﴾.
وأنا على مثل اليقين أن الرجل صاحب هوى وغرض - الله أعلم به - دلنا على
ذلك أسلوبه في تخريج الأحاديث ، فإنه ينشط جداً، ويتوسع ما وسعه التوسع في
التضعيف المذكور ، ويتتبع الأقوال المرجوحة التي تساعده على ذلك ، مع التمويه
على القراء بإعراضه عن ذكر الأقوال المعارضة له ؛ وبالإحالة إلى بعض البحوث
التي تخالف قوله !! وأما إذا كان الحديث قوياً، ولا يجد سبيلاً إلى تضعيفه
ونسفه ، انقلب ذلك النشاط إلى فتور وخمول ، واختصر الكلام عليه في بيان
مرتبته اختصاراً مخلاً دون بيان السبب ، كقوله مثلاً (١ / ١٣٠):
(( حديث حسن إن شاء الله )) !
ثم يسود خمسة أسطر في تخريجه دون فائدة تذكر ، موهماً قراءه بأنه بحاثة
محقق ! مع أنهم لا يدرون ما مقصوده من تعليق التحسين بالمشيئة الإلهية ، أهو
للتشكيك أم التحقيق ؟! والأول هو اللائق بالمضعِّف للصحيحة ! وله أحاديث
أخری من هذا النوع (ص ٢٢٠ و ٢٩٢ و٢٩٤) ، وانظر (ص ١٨٣ و ٢١٢ و ٢٢٤
و ٢٧٢ و ٢٧٧ و ٢٩٧).
ثم إن قوله عن سالم بن أبي الجعد أنه أرسل عن جمع من الصحابة ، فهو لا
يفيد انقطاعاً هنا ، لأنهم نصوا على أنه لم يدركهم ، أو لم يسمع منهم ، وليس
سالم منهم ، وحينئذ وجب حمله على الاتصال على مذهب الجمهور ، وهو الراجح
كما سبق تحقيقه .
١١٩٣
:

ومثال ثان لما ذكرت آنفاً ، كان الإمام مسلم قد ضربه مثلاً في أنواع أخرى لما
نحن فيه ، واحتج بها أهل العلم وصححوها ، حديثان من رواية ربعي بن حراش
عن عمران، أحدهما في إسلام حصين والد عمران، وفيه أن النبي ◌َ ◌ٍّ قال له
قبل أن يسلم وبعد أن أسلم: ((قل : اللهم قني شر نفسي ، واعزم لي على أرشد
أمري)» . قال النووي عقبه في شرحه لمقدمة مسلم :
(( إسناده صحيح )).
وكذا قال الحافظ في (( الإصابة / ترجمة (حصين))).
ويبدو للناظر المنصف أهمية هذا المثال ، وخاصة بالنسبة للنووي ؛ فإنه كان
قبل هذا التصحيح بصفحات قد رد على الإمام مسلم مذهبه ، فإذا به يجد نفسه لا
يسعه إلا أن يوافقه ، وما ذلك إلا لقوته في واقع الأمر. وهذا عين ما أصاب مضعف
الأحاديث الصحيحة ؛ فإنه لما جاء إلى هذا الحديث (١ / ١٠٧) وخرجه ، جوَّد
إسناده ! فلا أدري أهو من الغفلة وقلة التحقيق ، أم هو اللعب على الحبلين ، أو
الهوى ، وإلا لزمه أن يضعفه كما فعل بحديث الترجمة لاشتراكهما في العلة
عنده، وهي عدم تحقق شرط اللقاء ، أو أن يصححهما معاً، اكتفاء بالمعاصرة ، وهو
الصواب .
وقد أشار الحافظ إلى هذا الاكتفاء في آخر ترجمة (ربعي) ، فإنه لما نقل عن
ابن عساكر أن ربعياً لم يسمع من أبي ذر تعقبه بقوله :
(( وإذا ثبت سماعه من عمر، فلا يمتنع سماعه من أبي ذر)).
فهذا مما يؤكد أنه يتبنى الاكتفاء بالمعاصرة .
ويحضرني مثال ثالث ، وهو حديث محمد بن عبد الله بن الحسن العلوي ،
المعروف بـ (النفس الزكية) ، رواه عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً :
١١٩٤

((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير؛ وليضع يديه قبل ركبتيه))(١).
لقد صحح هذا الحديث جمع من الحفاظ ، منهم عبد الحق الإشبيلي ،
والشيخ النووي، وقواه الحافظ في ((الفتح)) (٢ / ٢٩١)، وفي ((بلوغ المرام))، وهم
يعلمون أن اللقاء بين النفس الزكية وأبي الزناد غير معروف ، كما أشار إلى ذلك
الإمام البخاري بقوله في ترجمة (النفس الزكية) من ((التاريخ الكبير)) (١/١/
١٣٩) :
(( لا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟)).
قلت : وهكذا يجد الباحث في كتب تخريج الأحاديث عشرات بل مئات
الأحاديث قد صححها الحفاظ والعلماء مكتفين في ذلك بالمعاصرة ، غير ملتزمين
فيها شرط اللقاء ، وما ذاك إلا عن قناعة منهم بأن هذا الشرط إنما هو شرط كمال ،
وليس شرط صحة ، فإن تحقق فبها ونعمت ، وإلا ففي المعاصرة بركة وكفاية ، على
هذا جرى السلف، كما شرح ذلك الإمام مسلم في ((مقدمته))، وتبعهم على ذلك
الخلف من الحفاظ الذين سمينا بعضهم، واشتد إنكار مسلم على مخالفيهم غيرة
منه على السنة المطهرة ، وخوفاً منه أن يهدر منها شيء ، وما قدمنا من الأمثلة يؤيد
ما ذهب إليه رحمه الله . وبالله التوفيق .
(١) تنبيه: لقد وقفت على رسالة لأحد متعصبة الحنابلة المعاصرين فى تضعيف هذا الحديث
الصحيح ، جاء فيها تجاهلات ومكابرات عجيبة ، أذكر ما تيسر منها :
١ - جعل قول البخاري الآتي معارضاً لمن وثق النفس الزكية !
٢ - تجاهل بروك الجمل على ركبتيه اللتين في مقدمتيه كما هو الثابت في كتب اللغة، وفي
أثر عمر الذي ذكره (ص ٤٢) محتجاً به وهو عليه : أنه كان يخر في صلاته بعد الركوع على ركبتيه
كما يخر البعير: يضع ركبتيه قبل يديه ! هذا هو بروك البعير أن يضع ركبتيه قبل يديه . وبذلك يكون
قد هدم كل ما بنى ، على أنه كان على شفا جرف هار!
١١٩٥

:
:
٢٩٨٠ - ( هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا؛ فقد أساءَ وتعدّى
وظلمَ . يعني الوضوء ثلاثاً ثلاثاً ) .
أخرجه النسائي (١ / ٣٣)، وابن ماجه (١ / ١٦٣ - ١٦٤) من طريق يعلى
قال : حدثنا سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده قال :
جاء أعرابي إلى النبي ◌َّهُ يسأله عن الوضوء؟ فأراه الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ثم
قال : فذكره .
قلت : وهذا إسناد حسن على الخلاف المعروف في الاحتجاج برواية عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده ، والذي استقر عليه عمل الحفاظ المتقدمين والمتأخرين
الاحتجاج بها ، وحسب القارىء أن يعلم قول الحافظ الذهبي فيه في كتابه
(( المغني)) :
(( مختلف فيه ، وحديثه حسن ، وفوق الحسن ، قال يحيى القطان : إذا روى
عنه ثقة فهو حجة . وقال أحمد : ربما احتججنا به . وقال البخاري : رأيت أحمد
وإسحاق وأبا عبيد ، وعامة أصحابنا يحتجون به ، فمن الناس بعدهم؟!)).
وقد بسط الكلام في الخلاف المشار إليه الحافظ ابن حجر ، وذكر أقوال الأئمة
فيه ، وهي جد متعارضة تعارضاً لا يستطيع الخروج منه بخلاصة صحيحة إلا من
كان مثله في المعرفة بهذا العلم الشريف والتحقيق فيه ، ثم ختم ذلك بقوله (٨ /
٤٨ - ٥٥) :
((فإذا شهد له ابن معين أن أحاديثه صحاح غير أنه لم يسمعها ، أو صح
سماعه لبعضها ، فغاية الباقي أن يكون وجادة صحيحة ، وهو أحد وجوه التحمل .
والله أعلم )) .
١١٩٦

وقد كنت ذكرت شيئاً من هذا الخلاف والترجيح في تخريجي لهذا الحديث
في ((صحيح أبي داود)) (رقم ١٢٤) ، ونقلت عن ابن القيم أنه قال :
(( وقد احتج الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده ، ولا يعرف في أئمة الفتوى إلا من احتاج إليها واحتج بها ، وإنما طعن
فيها من لم يتحمل أعباء الفقه كأبي حاتم البستي وابن حزم وغيرهما )) .
وعلى ذلك حسنت الحدیث هناك ، وصححته بشاهد له من حديث ابن
عباس ، مرجحاً به رواية سفيان لحديث الترجمة على رواية أبي عوانة التي فيها
زيادة بلفظ: (( فمن زاد أو نقص))، فزاد على سفيان: ((أو نقص))، وسفيان - وهو
الثوري - أحفظ من أبي عوانة .
ثم وقفت بعد سنين على رواية أخرى لسفيان ، فيها الزيادة المذكورة ، فكان
هذا من البواعث على إعادة النظر في الترجيح المذكور، والنظر فيها ، فقال ابن أبي
شيبة في ((المصنف)) (١ / ٨ -٩): حدثنا أبو أسامة عن سفيان به .
قلت : وهذا إسناد ظاهره الصحة ، ولكن له علة ، وهي عنعنة أبي أسامة - وهو
حماد بن أسامة - فإنه مع ثقته قال الحافظ فيه :
(ربما دلس ، وكان بأخرة يحدث من كتب غيره)).
وإذا كان الأمر كذلك ، فلا تترجح روايته على رواية (يعلى) لحديث الترجمة ،
وإن كان يعلى (وهو ابن عبيد الطنافسي) تكلم فيه بعضهم في روايته عن سفيان
خاصة ، إلا أنه قد توبع من ثقة لاخلاف فيه ، فقال ابن خزيمة في (( صحيحه))
(١ /٨٩ / ١٧٤)، وابن الجارود في ((المنتقى)) (٣٥ /٧٥): نا يعقوب بن
إبراهيم الدورقي : حدثنا الأشجعي عن سفيان به .
وهذا إسناد صحيح غاية ، فإن الدورقي ثقة حافظ .
١١٩٧

والأشجعي - واسمه عبيد الله بن عبيد الرحمن - ثقة مأمون ، أثبت الناس
كتاباً في الثوري كما في ((التقريب))، وقال الذهبي في ((الكاشف)):
((إمام ثبت كتب عن الثوري ثلاثين ألفاً)).
وعلى هذا فرواية (يعلى) أرجح من رواية أبي أسامة كما هو ظاهر .
وقد يخدج على هذا الترجيح، ما رواه أبو عبيد في كتابه ((الطهور)) عن
الحكم بن بشير بن سليمان عن موسى بن أبي موسى بلفظ :
((الوضوء ثلاث، فمن زاد أو نقص .. )) الحديث .
فأقول: لا، وإن سكت عنه ابن الملقن في ((البدر المنير)) (٣ / ٣٣٦) ، وما
ينبغي له ، فإن الحكم هذا لا يقاوم الثوري في الثقة والحفظ ، فإنه لم يوثقه غير ابن
حبان ، وقال أبو حاتم :
((صدوق)). ثم هو إلى ذلك قد خالفه في موضع آخر كما خالف فيه أبا
عوانة أيضاً ، وهو جعله وضوءه في ثلاثاً من قوله ◌َّاه ، فدل على أنه لم يحفظ ،
فروايته مرجوحة أيضاً ، فبقي حديث الترجمة هو المحفوظ دون الزيادة ، وهو الذي
جزم بصحته ابن القيم في ((إغاثة اللهفان)).
هذا، وثمة باعث آخر على تخريج الحديث هنا ، وهو الرد على عدو السنة
ومضعف الأحاديث الصحيحة ، فقد رأيته شرع في توجيه ضربات تخريبية أخرى ،
متظاهراً بتعليق وتحقيق بعض الكتب لأئمة مشهورين ، وتضعيف أحاديثهم التي
أقاموا عليها بحوثهم، فقد خرب من قبل كتاب النووي (( رياض الصالحين)) كما هو
معروف، والآن طلع على الناس بطبعة جديدة لكتاب ((الإغاثة)) المذكور، فعلق
عليه بتعليقات سيئة جداً، أفسد بها كثيراً من بحوثه القيمة بتضعيفه - بجهله أو
تجاهله البالغ - لأحاديثها الصحيحة ، منها هذا الحديث ، فإن ابن القيم ساقه رداً
١١٩٨

على الموسوسين في الطهارة ، المخالفين لما صح عنه ◌َّله أنه توضأ مرة مرة ، ولم يزد
على ثلاث ، وقال ابن القيم :
(( بل أخبر أن من زاد عليها فقد أساء وتعدى وظلم)).
فعلق المأفون عليه بعد تخريجه بقوله (١ / ١٨٠):
((ولفظ أبي داود: ((فمن زاد على هذا أو نقص .. )). قلت : وقد اختلف في
رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وأميل إلى تضعيفها ، ولم يرها من باب
الصحيح البخاريُّ ومسلمٌ وابنُ حبان )) ! .
قلت : هكذا يضلل الرجل قراءه بمثل هذا الكلام الواهي الذي يعرف جوابه
المبتدئون في هذا العلم ، وهو أنه لا يلزم من عدم إخراج هؤلاء أو أحدهم للحديث
أن يكون ضعيفاً ، فكم من حديث صحيح لم يخرجه هؤلاء البتة ، وكم من حديث
أخرجه الشيخان ولم يخرجه ابن حبان ، فضلاً عن أحاديث أخرجها هو دون
الشيخين ، بل كم من حديث رواه البخاري لم يروه مسلم ، وعلى العكس ، هذا
أولاً .
وثانياً : لقد ذكر هو اختلاف العلماء في رواية عمرو هذه ، فما فائدة تعقيبه
عليه بذكر الذين لم يصححوها - وهم طرف في الخلاف - سوى التضليل ؟! هذا مع
أن نفي الصحة لا يستلزم نفي الحسن كما هو معروف عند أهل العلم .
وثالثاً: لقد غش القراء بذكر البخاري معهم؛ فإنه لا بد أنه رأى بعينه في
ترجمة (عمرو) من (( التهذيب)) قول البخاري :
(( رأيت أحمد بن حنبل ، وعلي بن المديني ، وإسحاق بن راهويه ، وأبا عبيد ،
وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، ما تركه أحد
من المسلمين . قال البخاري: من الناس بعدهم ؟!)).
١١٩٩
:

وهذا مما يؤكد لكل قارىء لبيب منصف أن الرجل من أهل الأهواء ، فإن من
علاماتهم أنهم يذكرون ما لهم ، ويكتمون ما عليهم .
ورابعاً: مما يؤكد أنه منهم ، أنه إذا كان الحديث لا يخالف هواه قوّاه ولو كان
من هذه الرواية ، فقد خرج حديثاً آخر من هذا الوجه ، ثم قال : (١ / ٩٣):
((وقال الترمذي: ((حسن غريب)). وهو كما قال))!
ولقد كان الأولى به - لو كان عنده شيء من هذا العلم بعيداً عن الغرضية
والمخالفة والهوى - أن يبادر إلى بيان شذوذ زيادة: (( أو نقص))؛ لمباينتها لرواية
سفيان المحفوظة ، ولشاهدها من حديث ابن عباس ، وللسنة العملية التي جرى
عليها النبي ي من الاقتصار أحياناً على دون الثلاث كما تقدم ، ولكن أنى له
ذلك وقد أوقف نفسه لهدم السنة وتضعيفها ؟! والله المستعان .
٢٩٨١ - (تخصّر بهذه حتى تلقاني ، وأقل الناس المتخصرون . قاله
لعبد الله بن أنيس الجهني) .
أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢ /٥ -٦)، و((أخبار أصبهان)) (١ / ١٨٩ -
١٩٠) : حدثنا القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم: ثنا إبراهيم بن
محمد بن الحسن : ثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر : ثنا عبد العزيز بن محمد
عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن كعب عن عبد الله بن أنيس الجهني
أن رسول الله ◌َ الن قال :
(( من لي بخالد بن نبيح؟)).
رجل من هذيل ، وهو يومئذ قبل (عرفة) بـ (عرنة) ، قال عبد الله بن أنيس : أنا يا
رسول الله ! انعته لي ، قال :
١٢٠٠