Indexed OCR Text

Pages 1001-1020

أخرجه أبو نعيم في (( الدلائل)) (ص ٤٠٠ - ٤٠١)، وكذا البيهقي من طريق
عثمان بن عبد الوهاب الثقفي : حدثنا أبي عن يونس وعنبسة عنه .
قلت : وهذا إسناد صحيح ؛ لولا عنعنة (الحسن) ، وهو البصري ، فإنه كان
يدلس ، ورجاله ثقات رجال الشيخين ؛ غير عثمان بن عبد الوهاب ، وثقه ابن
حبان (٨ / ٤٥٣). وأصل الحديث في ((صحيح مسلم)) بلفظ آخر، وهو في
((صفة الصلاة)).
الرابعة : يرويه عيينة بن عبد الرحمن : حدثني أبي عن عثمان بن أبي
العاص قال :
لما استعملني رسول الله ◌َ ﴿ على الطائف؛ جعل يعرض لي شيء في
صلاتي ، حتى ما أدري ما أصلي ! فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله
فقال :
((ابن العاص؟)).
قلت : نعم يا رسول الله ! قال :
(( ما جاء بك ؟)).
قلت : يا رسول الله ! عرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي !
قال :
(( ذاك الشيطان ، ادنُّهْ )) .
فدنوت منه ، فجلست على صدور قدميّ ، قال : فضرب صدري بيده ، وتفل
في فمي وقال :
((أخرج عدوًّ الله!)).
١٠٠١

ففعل ذلك ثلاث مرات ، ثم قال :
((الحق بعملك)).
أخرجه ابن ماجه (٣٥٤٨)، والروياني في ((مسنده)) (ق ١٤٨ / ١ - ٢)
كلاهما بإسناد واحد عنه . وهو إسناد صحيح .
وفي الحديث دلالة صريحة على أن الشيطان قد يتلبس الإنسان ويدخل فيه
ولو كان مؤمناً صالحاً ، وفي ذلك أحاديث كثيرة ، وقد كنت خرجت أحدها فيما
تقدم برقم (٤٨٥) من حديث يعلى بن مرة قال :
((سافرت مع رسول الله تَ ه، فرأيت منه شيئاً عجباً .. )) وفيه :
(( وأتته امرأة فقالت : إن ابني هذا به لَمَمٌ منذ سبع سنين ، يأخذه كل يوم
مرتين ، فقال رسول اللّه ◌َ ا: ((أدنيه))، فأدنته منه ، فتفل في فيه ، وقال: اخرج
عدو الله ! أنا رسول الله )).
رواه الحاكم وصححه . ووافقه الذهبي ، وهو منقطع . ثم خرجته من طرق
أخرى عن يعلى ، جود المنذري أحدها ! ثم ختمت التخريج بقولي :
((وبالجملة فالحديث بهذه المتابعات جيد(١). والله أعلم)).
ثم وقفت على كتاب عجيب من غرائب ما طبع في العصر الحاضر بعنوان
(طليعة (( استحالة دخول الجان بدن الإنسان)) )! لمؤلفه (أبو عبد الرحمن إيهاب
ابن حسين الأثري) - كذا الأثري موضة العصر ! - وهذا العنوان وحده يغني القارىء
اللبيب عن الاطلاع على ما في الكتاب من الجهل والضلال ، والانحراف عن
(١) وله شواهد كثيرة يزداد بها قوة، قد ساقها المؤلف الآتي ذكره، وسلم بصحته في الجملة ،
ولكنه ناقش في دلالته ، ويأتي الرد عليه .
١٠٠٢

الكتاب والسنة ؛ باسم الكتاب والسنة ووجوب الرجوع إليهما ، فقد عقد فصلاً في
ذلك ، وفصلاً آخر في البدعة وذمّها وأنها على عمومها ، بحيث يظن من لم يتتبع
كلامه وما ينقله عن العلماء في تأييد ما ذهب إليه من الاستحالة أنه سَلَفي أو
أثري - كما انتسب ـ مائة في المائة ! والواقع الذي يشهد به كتابه أنه خلفي
معتزلي من أهل الأهواء ، يضاف إلى ذلك أنه جاهل بالسنة والأحاديث ؛ إلى
ضعف شديد باللغة العربية وآدابها ، حتى كأنه شبه عامي ، ومع ذلك فهو مغرور
بعلمه ، معجب بنفسه ، لا يقيم وزناً لأئمة السلف الذين قالوا بخلاف عنوانه
كالإمام أحمد وابن تيمية وابن القيم ، والطبري وابن كثير والقرطبي ، والإمام
الشوكاني وصديق حسن خان القنوجي ، ويرميهم بالتقليد ! على قاعدة (رمتني
بدائها وانسلّت) ، الأمر الذي أكّد لي أننا في زمان تجلّت فيه بعض أشراط الساعة
التي منها قوله
(( وينطق فيها الرويبضة . قيل : وما الرويبضة ؟ قال : الرجل التافه يتكلم في
أمر العامة)) (١) .
ونحوه قول عمر پماشه :
(( فساد الدين إذا جاء العلم من الصغير، استعصى عليه الكبير، وصلاح
الناس إذا جاء العلم من قبل الكبير، تابعه عليه الصغير))(٢) .
وما أكثر هؤلاء (الصغار) الذين يتكلمون في أمر المسلمين بجهل بالغ ، وما
العهد عنا ببعيد ذاك المصري الآخر الذي ألف في تحريم النقاب على المسلمة !
ـل: (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء
وثالث أردني ألّف في تضعيف قوله
(١) حديث صحيح مخرج من طرق فيما تقدم برقم (١٨٨٧ و٢٢٣٨ و٢٢٥٣).
(٢) رواه قاسم بن أصبغ بسند صحيح كما في ((الفتح)) (١٣ / ٣٠١).
١٠٠٣

الراشدين))، وفي حديث تحريم المعازف ، المجمع على صحتهما عند المحدِّثين ،
وغيرهم وغيرهم کثیر و کثیر !!
وإن من جهل هذا (الأثري) المزعوم وغباوته أنه رَغْمَ تقريره (ص ٧١ و ١٣٨)
أن :
(( منهج أهل السنة والجماعة التوقف في المسائل الغيبية عند ما ثبت عن
رسول الله ◌َ، وأنه ليس لأحد مهما كان شأنه أن يضيف تفصيلاً ، أو أن ينقص
ما ثبت بالدليل ، أو أن يفسر ظاهر الآيات وفق هواه ، أو بلا دليل)).
أقول : إنه رغم تقريره لهذا المنهج الحق الأبلج ، فإنه لم يقف في هذه المسألة
الغيبية عند حديث الترجمة الصحيح . بل خالفه مخالفة صريحة لا تحتاج إلى
بيان ، وكنت أظن أنه على جهل به ، حتى رأيته قد ذكره نقلاً عن غيره (ص٤)
من الملحق بآخر كتابه ، فعرفت أنه تجاهله ، ولم يخرجه مع حديث يعلى وغيره مما
سبقت الإشارة إليه (ص ١٠٠٢) .
وكذلك لم يقدّم أي دليل من الكتاب والسنة على ما زعمه من الاستحالة ،
بل توجّه بكليته إلى تأويل قوله تعالى المؤيد للدخول الذي نفاه : ﴿الذين يأكلون
الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ تأويلاً ينتهي به إلى
إنكار (المس) - الذي فسره العلماء بالجنون - وإلى موافقة بعض الأشاعرة والمعتزلة !
الذين فسروا (المس) بوسوسة الشيطان المؤذية ! وهذا تفسير بالمجاز، وهو خلاف
الأصل ، ولذلك أنكره أهل السنة كما سيأتي ، وهو ما صرح به نقلاً عن الفخر
الرازي الأشعري (ص ٧٦ و ٧٨) :
(( كأن الشيطان يمس الإنسان فيجن )) !
ونقل (ص ٨٩) عن غيره أنه قال :
١٠٠٤
-- ---

(( كأن الجن مسه )) !
وعليه خص المس هذا بمن خالف شرع الله ، فقال ( ص٢٢) :
(( وما كان ليمس أحد (كذا غير منصوب!)(١) إلا بالابتعاد عن النهج
المرسوم)) !
ولو سلَّمنا جدلاً أن الأمر كما قال ، فلا يلزم منه عند العلماء ثبوت دعوى
النفي ، لإمكان وجود دليل آخر على الدخول كما في هذا الحديث الصحيح ، بينما
توهم الرجل أنه بردِّه دلالة الآية على الدخول ثبت نفيه إياه ، وليس الأمر كذلك
لو سلَّمنا برده ، فكيف وهو مردود عليه بهذا الحديث الصحيح ، وبحديث يعلى
المتقدم وبهما تفسّر الآية ، ويبطل تفسيره إياها بالمجاز .
ومن جهل الرجل وتناقضه أنه بعد أن فسَّر الآية بالمجاز الذي يعني أنه لا
(مس) حقيقة ، عاد ليقول (ص ٩٣) :
(( واللغة أجمعت على أن المس : الجنون)).
ولکنه فسّره علی هواه فقال :
أي من الخارج لا من الداخل ، قال :
((ألا ترى مثلاً إلى الكهرباء وكيف تصعق المماس لها من الخارج ... )) إلخ
هرائه . فإنه دخل في تفاصيل تتعلّق بأمرٍ غيبي قياساً على أمور مشاهدة مادية ،
وهذا خلاف المنهج السلفي الذي تقدم نقله عنه ، ومع ذلك فقد تعامى عما هو
معروف في علم الطب أن هناك جراثيم تفتك من الداخل كجرثومة (كوخ) في
مرحلته الثالثة ! فلا مانع عقلاً أن تدخل الجان من الخارج إلى بدن الإنسان ،
وتعمل عملها وأذاها فيه من الداخل ، كما لا مانع من خروجها منه بسبب أو
(١) قلت: ومثله كثير، انظر بعض الأمثلة في آخر هذا التخريج.
١٠٠٥

آخر ، وقد ثبت كل من الأمرين في الحديث فآمنًا به ، ولم نضربه كما فعل المعتزلة
وأمثالهم من أهل الأهواء ، وهذا المؤلف (الأثري) - زعم - منهم . كيف لا وقد
تعامى عن حديث الترجمة ، فلم يخرجه البتة في جملة الأحاديث الأخرى التي
خرجها وساق ألفاظها من (ص١١١) إلى (ص١٢٦) - وهو صحيح جداً - كما
رأيت ، وهو إلى ذلك لم يأخذ من مجموع تلك الأحاديث ما دل عليه هذا الحديث
ـي* للشيطان - من ذاك المجنون -، وهي معجزة عظيمة من معجزاته
من إخراجه
﴿، بل نصب خلافاً بين رواية ((اخرج عدو الله)) ورواية ((اخسأ عدو الله))،
فقد أورد على نفسه (ص ١٢٤) قول بعضهم :
((إن الإمام الألباني قد صحَّح الحديث)) ، فعقب عليه بقوله :
((فهذا كذب مفترى ، انظر إلى ما قاله الشيخ الألباني لتعلم الكذب : المجلد
الأول من سلسلته الصحيحة ص ٧٩٥ ح ٤٨٥)).
ثم ساق كلامي فيه ، ونص ما في آخره كما تقدم :
(( وبالجملة فالحديث بهذه المتابعات جيد. والله أعلم)).
قلت : فتكذيبه المذكور غير وارد إذن ، ولعل العكس هو الصواب ! وقد صرَّح
هو بأنه ضعيف دون أي تفصيل (ص٢٢) ، واغترَّ به البعض !
نعم ، لقد شكك في دلالة الحديث على الدخول بإشارته إلى الخلاف الواقع
في الروايات ، وقد ذكرت لفظين منها آنفاً . ولكن ليس يخفى على طلاب هذا
العلم المخلصين أنه ليس من العلم في شيء أن تضرب الروايات المختلفة بعضها
ببعض ، وإنما علينا أن نأخذ منها ما اتفق عليه الأكثر ، وإن مما لا شك فيه أن اللفظ
الأول: ((اخرج)) أصح من الآخر ((اخسأ))، لأنه جاء في خمس روايات من
الأحاديث التي ساقها ، واللفظ الآخر جاء في روايتين منها فقط ! على أني لا أرى
١٠٠٦

بينهما خلافاً كبيراً في المعنى ، فكلاهما يخاطب بهما شخص ، أحدهما صريح
في أن المخاطب داخل المجنون ، والآخر يدل عليه ضمناً .
وإن مما يؤكد أن الأول هو الأصح صراحة حديث الترجمة الذي سيكون
القاضي بإذن الله على كتاب (( الاستحالة)) المزعومة ، مع ما تقدم من البيان أنها
مجرد دعوى في أمر غيبي مخالفة للمنهج الذي سبق ذكره .
ولا بد لي قبل ختم الكلام على هذا الموضوع أن أقدم إلى القراء الكرام ولو
مثالاً واحداً على الجهل بالسنَّة الذي وصفت به الرجل فيما تقدم ، ولو أنه فيما
سلف كفاية للدلالة على ذلك ! لقد ذكر الحديث المشهور في النهي عن اتباع سنن
الكفار بلفظ لا أصل له رواية ولا دراية ، فقال (ص ٢٧) :
((وصدق رسول الله :﴿ ﴿ إذ يقول: ((لتتبعن من قبلكم من الأم حذاء القذة
بالقذة ، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه وراءهم . قالوا : اليهود والنصارى يا
رسول الله ؟ قال : فمن ؟)) . أو كما قال
! ((
ومجال نقده في سياقه للحديث هكذا واسع جداً ، وإنما أردت نقده في حرف
واحد منه أفسد به معنى الحديث بقوله (حذاء) ، فإن هذا تحريف قبيح للحديث لا
يخفى على أقل الناس ثقافة ، والصواب (حذو) . وليس هو خطأ مطبعياً كما قد
يتبادر لأذهان البعض ، فقد أعاده في مكان آخر . فقال (ص ٣٤) مقروناً بخطأ
آخر :
(( حذاء القذة بالقذة)) !
كذا ضبطه بفتح القاف ! وإنما هو بالضم (١) .
(١) وهو مخرج في ((الصحيحة)) من طرق بألفاظ متقاربة (٣٣١٢).
١٠٠٧

ونحو ذلك مما يدل على جهله بالسّنّة قوله (ص ٢٤٠) :
(( يقول السلف : ليس الخبر كالمعاينة)).
وهذا حديث مرفوع رواه جماعة من الأئمة منهم أحمد عن ابن عباس
مرفوعاً، وفيه قصة . وهو مخرج في (( صحيح الجامع الصغير)) (٥٢٥٠) .
ومن أمثلة جهله بما يقتضيه المنهج السلفي أنه حشر (ص ٧٤) في زمرة
التفاسير المعتبرة ((تفسير الكشاف))، و((تفسير الفخر الرازي))، فهل رأيت أو
سمعت أثرياً يقول مثل هذا ، فلا غرابة بعد هذا أن ينحرف عن السنة ، متأثراً بهما
ويفسّر آية الربا تفسيراً مجازياً !
وأما أخطاؤه الإملائية الدالة على أنه (شبه أمي) فلا تكاد تحصى ، فهو يقول
في أكثر من موضع :
(( تعالى معي))!
وقال (ص ١٣١) :
(( ثم تعالى لقوله تعالى)) ، وذكر آية .
وفي (ص ١٢٩) :
((فمن المستحيل أن تفوت هذه المسألة هذان الإمامان الجليلان))!
و (ص ١٣٠) .
(( أضف إلى ذلك أن الإمامين ليسا طبيبان)) !
فهو يرفع المنصوب مراراً وتكراراً .
وفي الختام أقول :
١٠٠٨

ليس غرضي مما تقدم إلا إثبات ما أثبته الشرع من الأمور الغيبية ، والرد على
من ينكرها . ولكنني من جانب آخر أُنكر أشد الإنكار على الذين يستغلُّون هذه
العقيدة ، ويتخذون استحضار الجن ومخاطبتهم مهنة لمعالجة المجانين والمصابين
بالصرع ، ويتخذون في ذلك من الوسائل التي تزيد على مجرّد تلاوة القرآن ما لم
ينزل الله به سلطاناً ، كالضرب الشديد الذي قد يترتب عليه أحياناً قتل المصاب ،
كما وقع هنا في عمان ، وفي مضر ، ما صار حديث الجرائد والمجالس . لقد كان
الذين يتولّون القراءة على المصروعين أفراداً قليلين صالحين فيما مضى ، فصاروا اليوم
بالمئات ، وفيهم بعض النسوة المتبرِّجات ، فخرج الأمر عن كونه وسيلة شرعية لا
يقوم بها إلا الأطباء عادة ، إلى أمور ووسائل أخرى لا يعرفها الشرع ولا الطب معاً،
فهي - عندي - نوع من الدَّجل والوساوس يوحي بها الشيطان إلى عدوه الإنسان
﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض
زخرف القول غروراً﴾، وهو نوع من الاستعاذة بالجن التي كان عليها المشركون في
الجاهلية المذكورة في قوله تعالى : ﴿وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال
من الجن فزادوهم رهقاً﴾ . فمن استعان بهم على فكِّ سحر - زعموا - أو معرفة
هوية الجني المتلبس بالإنسي أذكر هو أم أنثى ؟ مسلم أم كافر؟ وصدّقه المستعين به
ثم صدق هذا الحاضرون عنده، فقد شملهم جميعاً وعيد قوله حملته :
(( من أتى عرّافاً أو كاهناً فصدّقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد))،
وفي حديث آخر :
(( .. لم تقبل له صلاة أربعين ليلة)) (١) .
(١) رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في ((غاية المرام)) (رقم ٢٨٤)، ورواه الطبراني من طريق أخرى
بقيد: ((غير مصدق لم تقبل ... ))، وهو منكر بهذه الزيادة، ولذلك خرجته فى ((الضعيفة))
(٦٥٥٥). والحديث الذي قبله صحيح أيضاً؛ وهو مخرج في (( الإرواء)) برقم (٢٠٠٦)، وفي غيره .
١٠٠٩

فينبغي الانتباه لهذا ، فقد علمت أن كثيراً من ابْتُلوا بهذه المهنة هم من
الغافلين عن هذه الحقيقة ، فأنصحهم - إن استمروا في مهنتهم - أن لا يزيدوا في
مخاطبتهم على قول النبي ﴿﴿: ((اخرج عدو الله))، مذكراً لهم بقوله تعالى
﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ﴾ .
والله المستعان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
٢٩١٩ - ( خَفِّف الصلاةَ على الناسِ، حتى وَقَّتَ ﴿سبح اسمَ
ربِّكَ الأعلى﴾ و﴿ اقرأ باسم ربِّكَ الذي خلقَ﴾، وأشباهَها من
القرآن) .
أخرجه أحمد (٤ / ٢١٨)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٩ / ٣٨ - ٣٩)
من طريق ابن خثيم : أنا داود بن أبي عاصم الثقفي عن عثمان بن أبي العاص
قال :
آخر كلام كلَّمني رسول الله ﴿ ﴿ إذ استعملني على الطائف، قال: فذكره.
قلت : وإسناده صحيح ، رجاله كلهم ثقات . وإنما أخرجته لتوقيت السور
المذكورة ، وإلا فأصل الحديث في (( صحيح مسلم)) وغيره ، وبأتم منه ، وهو مخرجٌ
في ((صحيح أبي داود)) تحت الحديث (٥٤١) .
٢٩٢٠ - (كانَ لا يدعُ ركعتين قبلَ الفجرِ، وركعتين بعدَ العصرِ ) .
أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢ / ٣٥٢) : حدثنا عفان قال : نا أبو
عوانة قال : ثنا إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه :
أنه كان يصلي بعد العصر ركعتين ، فقيل له ؟ فقال: لولم أصلُّهما إلا أني
رأيت مسروقاً يصليهما لكان ثقة ، ولكني سألت عائشة ؟ فقالت : فذكره .
١٠١٠

قلت : وهذا إسناد صحيح غاية على شرط الشيخين ، وأبو عوانة اسمه
الوضاح اليشكري، وهو ثقة ثبت كما قال الحافظ في ((التقريب)).
وقد خالفه شعبة في متنه فرواه عن إبراهيم به ، إلا أنه قال :
(( .. أربعاً قبل الظهر)) ، مكان الركعتين بعد العصر .
أخرجه البخاري وغيره، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) رقم (١١٣٩).
ويظهر لي - والله أعلم - أن كلاً من الروايتين محفوظ لثقة رواتهما وحفظهما ،
ولأن للركعتين طرقاً كثيرة عن عائشة يأتي ذكر بعضها بإذن الله تعالى .
وقد أخرجه الطحاوي في ((شرح المعاني)) (١ / ١٧٧) من طريق هلال بن
يحيى قال : ثنا أبو عوانة به ، إلا أنه أدخل بين محمد بن المنتشر وعائشة -
مسروقاً .
وهلال هذا ضعيف. قال ابن حبان في ((الضعفاء)) (٣ / ٨٨):
(( كان يخطىء كثيراً على قلة روايته)).
نعم لحديث مسروق أصل صحيح برواية أخرى ، فكأنّها اختلطت عليه بهذه ،
فقال الإمام أحمد (٦ / ٢٤١) : ثنا إسحاق بن يوسف قال: ثنا مسعر عن عمرو
ابن مرة عن أبي الضحى عن مسروق قال : حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبةُ
حبيبِ الله المبرأة : أن رسول الله
كان يصلي ركعتين بعد العصر .
وهذا إسناد صحيح أيضاً على شرط الشيخين ، وقد أخرجاه من طريق أخرى
عن مسروق مقروناً مع الأسود بلفظ :
(( ما من يوم يأتي عليَّ النبي ﴿ إلا صلى بعد العصر ركعتين)).
وفي رواية بلفظ :
١٠١١

الخلية يدعهما سراً ولا علانية: ركعتان قبل
« ركعتان لم یکن رسول الله
صلاة الصبح ، وركعتان بعد العصر )).
وهو مخرج في ((الإرواء)) (٢ / ١٨٨ - ١٨٩)، والذي قبله في (( صحيح أبي
داود)) (١١٦٠).
وقد تابع إسحاق بن يوسف - وهو الأزرق - جعفر بن عون ، إلا أنه خالفه في
إسناده فقال : عن مسعر عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الضحى به .
أخرجه ابن أبي شيبة (٢ / ٣٥٣)، وأبو العباس السراج في ((مسنده)) (ق
١٣٢ /١) .
وجعفر بن عون صدوق من رجال الشيخين ، فإن كان حفظه فيكون لمسعر فيه
شيخان ، وإلا فرواية الأزرق أصح .
هذا وقد روى ابن أبي شيبة عن جماعة من السلف أنهم كانوا يصلون هاتين
الركعتين بعد العصر ، منهم أبو بردة بن أبي موسى وأبو الشعثاء وعمرو بن ميمون
والأسود بن يزيد وأبو وائل ؛ رواه بالسند الصحيح عنهم ، ومنهم محمد بن المنتشر
ومسروق كما تقدم آنفاً .
وأما ضرب عمر من يصليهما ، فهو من اجتهاداته القائمة على باب سدٍّ
الذريعة، كما يشعر بذلك روايتان ذكرهما الحافظ في ((الفتح)) (٢ / ٦٥):
إحداهما في ((مصنف عبد الرزاق)) (٢ / ٤٣١ - ٤٣٢)، و ((مسند أحمد))
(٤ / ١٥٥)، والطبراني (٥ / ٢٦٠)، وحسنه الهيثمي (٢ / ٢٢٣).
والأخرى عند أحمد ( ٤ / ١٠٢) أيضاً، والطبراني في (( المعجم الكبير))
(٢ / ٥٨ - ٥٩)، و((الأوسط)) (٨٨٤٨ - بترقيمي).
٠٤.٠.٠٠
١٠١٢

وقد وقفت على رواية ثالثة تشدُّ من عضدهما ، وهي من رواية إسرائيل عن
المقدام بن شريح عن أبيه قال : سألت عائشة عن صلاة رسول الله
يصلي؟ [قالت :]
کیف کان
((كان يصلي الهجير ثمّ يصلي بعدها ركعتين ، ثم يصلي العصر ثم يصلي
بعدها ركعتين . فقلت : فقد كان [عمر] يضرب عليها وينهى عنهما ؟ فقالت :
قد كان عمر يصليهما ، وقد علم أن رسول الله ﴿. [كانَ] يصليهما ، ولكن
قومك أهل الدِّين قوم طغام ؛ يصلون الظهر ، ثم يصلون ما بين الظهر والعصر،
ويصلون العصر ثم يصلون بين العصر والمغرب، فضربهم عمر ، وقد أحسن )).
أخرجه أبو العباس السراج في ((مسنده)) (ق ١٣٢ / ١).
قلت : وإسناده صحيح ، وهو شاهد قوي للأثرين المشار إليهما آنفاً ، وهو نص
صريح أن نهي عمر ◌ََّالله عن الركعتين ليس لذاتهما كما يتوهم الكثيرون ، وإنما هو
خشية الاستمرار في الصلاة بعدهما ، أو تأخيرهما إلى وقت الكراهة ، وهو اصفرار
الشمس ، وهذا الوقت هو المراد بالنّهي عن الصلاة بعد العصر الذي صَحَّ في
أحاديث كماسبق بيانه تحت الحديثين المتقدمين برقم (٢٠٠ و٣١٤) .
ويتلخص مما سبق أن الركعتين بعد العصر سنة إذا صليت العصر معها قبل
اصفرار الشمس ، وأن ضرب عمر عليها إنما هو اجتهاد منه وافقه عليه بعض
الصحابة ، وخالفه آخرون ، وعلى رأسهم أم المؤمنين رضي الله عنها ، ولكل من
الفريقين موافقون ، فوجب الرجوع إلى السنة ، وهي ثابتة صحيحة برواية أم
المؤمنين ، دون دليل يعارضه إلا العموم المخصص بحديث علي وأنس المشار إلى
أرقامهما آنفاً. ويبدو أن هذا هو مذهب ابن عمر أيضاً ، فقد روى البخاري (٥٨٩)
عنه قال :
١٠١٣

(( أصلي كما رأيت أصحابي يصلون، لا أنهى أحداً يصلي بلَيْلٍ ولا نهار ما
.شاء، غير أن لا تَحَرَّوْا طلوع الشمس ولا غروبها)). وهذا مذهب أبي أيوب
الأنصاري أيضاً ، فقد روى عبد الرزاق عنه (٢ / ٤٣٣) بسند صحيح عن ابن
طاوس عن أبيه :
أن أبا أيوب الأنصاري كان يصلي قبل خلافة عمر ركعتين بعد العصر ، فلما
استخلف عمر تركهما ، فلما توفي ركعهما ، فقيل له : ما هذا؟ فقال : إن عمر كان
يضرب الناس عليهما . قال ابن طاوس : وكان أبي لا يدعهما .
وهنا ينبغي أن نذكِّر أهل السنة الحريصين على إحياء السنن وإماتة البدع أن
يصلوا هاتين الركعتين كلما صلوا العصر في وقتها المشروع، لقوله تعزية: (( من سن
في الإسلام سنة حسنة .. )) . وبالله التوفيق.
٢٩٢١ - (إذا زَنَتِ الأَمَةُ فاجلدوها، فإن زَنَتْ فاجلدوها ، فإن زنتْ
فاجلدوها ، فإن زَنَتْ فاجلدوها ، ثم بيعوها ولو بضفيرٍ).
أخرجه ابن ماجه (٢ / ١١٩)، وأحمد (٦ / ٦٥) من طريق عمار بن أبي
فروة أن محمد بن مسلم حدثه أن عروة حدثه أن عمرة بنت عبد الرحمن حدثته
أن عائشة حدثتها أن رسول الله ◌َ ◌ّةٍ قال: (فذكره) .
قلت : وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين ؛ غير عمار - ويقال : عمارة -
ابن أبي فروة، قال البوصيري في «الزوائد » (١٥٩ / ١):
(( قال البخاري : لا يتابع في حديثه . وذكره العقيلي وابن الجارود في
((الضعفاء))، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) فما أجاد)).
قلت : وذلك لأنه لم يَرْوِ عنه غير يزيد بن أبي حبيب ، وقد انفرد به هكذا .
وخالفه مالك وسفيان وغيرهما فقالوا : عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن
١٠١٤

أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني مرفوعاً به نحوه. أخرجاه في ((الصحيحين))
وغيرهما، وقد خرجته في ((الإرواء» (٢٣٢٦) ، فالحديث متنه صحيح . والله
أعلم .
(تنبيه): ليس في رواية أحمد: ((فإن زنت فاجلدوها)) في المرة الرابعة ،
والظاهر أنها زيادة صحيحة ، ففي حديث ((الصحيحين)) المشار إليه آنفاً:
(( قال ابن شهاب : لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة)).
لكن في رواية لأحمد (٢ / ٣٧٦ و ٤٢٢) من طريق سعيد بن أبي سعيد (زاد
في رواية : عن أبيه) عن أبي هريرة ، وزاد :
((فإن عادت في الرابعة فليَبِعْها ولو بحبل من شعر، أو ضفير من شعر)).
وسنده صحيح على شرط الشيخين، وهو في ((مسلم)) (٥ / ١٢٣ - ١٢٤)
دون الزيادة . والله أعلم .
٢٩٢٢ - (لا تبيعوا القَيْنات، ولا تشتروهُنَّ، ولا تعلّموهن ، ولا
خير في تجارةٍ فيهنّ ، وثمنُهن حرامٌ ، وفي مثل هذا أُنزلتْ هذه الآية :
﴿ومِنَ الناسِ من يشتري لهوَ الحديثِ ليُضِلَّ عن سبيل الله﴾ إلى آخر
الآية) .
أخرجه الترمذي (١٢٨٢ و٣١٩٣)، وابن جرير الطبري في (( التفسير)) (٢١
/ ٣٩)، وأحمد (٥ / ٢٥٢ و٢٦٤)، والحميدي (٩١٠)، وابن أبي الدنيا في (( ذم
الملاهي)) (ق ٥ /١)، والبيهقي في ((السنن)) (٦ / ١٤)، والثعلبي في ((تفسيره))
(٣ / ٧٥ /١)، وعنه البغوي في (تفسيره)) (٦ / ٢٨٤)، والواحدي في
١٠١٥

(( الوسيط)) (٣ /١٩٠ / ٢) من طرق عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن
القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة عن رسول الله عَل خلية به .
وكذا رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٨ /٧٨٠٥ و٧٨٢٥ و٧٨٥٥ و
٧٨٦١ و ٧٨٦٢) ، وقال الترمذي :
(( حديث غريب ، إنما يروى من حديث القاسم عن أبي أمامة ، والقاسم ثقة ،
وعلي بن يزيد يضعف في الحديث ، قاله محمد بن إسماعيل )).
ونقل البيهقي عن الترمذي أنه قال :
(( سألت البخاري عن إسناد هذا الحديث ؟ فقال : علي بن يزيد ذاهب
الحديث ، ووثق عبيد الله بن زحر، والقاسم بن عبد الرحمن)).
قلت : وقد تابعه الفرج بن فضالة الحمصي عن علي بن يزيد به دون ذكر
الآية .
أخرجه أحمد (٥ / ٢٥٧ و٢٦٨)، والطيالسي أيضاً (١١٣٤).
وأخرجه ابن ماجه (٢١٦٨)، وابن عساكر (٢ / ٤٢٥ /١) عن أبي المهلب
عن عبيد الله الأفريقي عن أبي أمامة قال :
((نهى رسول اللّه ◌َ ل عن بيع المغنيات، وعن شرائهن، وعن كسبهن ، وعن
أكل أثمانهن )» .
وأبو المهلب هذا اسمه مُطَّرِح بن يزيد الكوفي ، وهو ضعيف .
والأفريقي هو عبيد الله بن زحر نفسه ، فكأن أبا المهلب أسقط شيخه علي بن
يزيد الألهاني ، وهذا يدل على ضعفه .
١٠١٦

ووجدت للألهاني متابعاً قوياً ، فقال الوليد بن الوليد : ثنا ابن ثوبان عن یحیی
ابن الحارث عن القاسم به .
أخرجه الطبراني (٨ / ٢١٢ / ٧٧٤٩) من طريقين عنه .
قلت : وهذا إسناد حسن ، الوليد بن الوليد هو العنسي القلانسي الدمشقي ،
قال ابن أبي حاتم (٤ / ٢ / ١٩) عن أبيه :
(( صدوق ، ما بحديثه بأس ، حديثه صحيح )) .
ومن فوقه معروفون من رجال التهذيب على كلام في بعضهم .
ولنزول الآية شاهد من حديث ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية : ﴿ومن
الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ﴾ ؟ فقال :
(( هو الغناء والذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات)).
أخرجه ابن جرير، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٦ / ٣٠٩)، والحاكم (٢
/ ٤١١)، والبيهقي (١٠ / ٢٢٣)، وقال الحاكم:
((صحيح الإسناد)). ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.
ومثله ما عند ابن أبي شيبة (٦ / ٣١٠)، والبخاري في ((الأدب المفرد))
(١٢٦٥)، وابن جرير (٢١ / ٤)، وابن أبي الدنيا (ق٤ / ١ -٢)، والبيهقي (١٠ /
٢٢١) من طريق منصور بن أبي الأسود عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير
عن ابن عباس في هذه الآية : ﴿من يشتري لهو الحديث﴾ . قال :
(( نزلت في الغناء وأشباهه )).
قلت : ورجاله ثقات ، فهو صحيح الإسناد لولا أن ابن السائب كان اختلط ،
فهو شاهد جيّد على الأقل .
١٠١٧

وفي الباب عن جمع آخر من الصحابة ، لكن أسانيد بعضها شديد الضعف ،
فمن شاء الوقوف عليها فليرجع إلى (( مجمع الزوائد» (٤ /٩١)، و (( تخريج
الكشاف)) للحافظ العسقلاني (٤ / ١٢٩ - ١٣٠).
ثم وقفت على ترجمة الوليد بن الوليد العنسي في ((الميزان)) و ((اللسان))،
فوجدت فيه جرحاً شديداً من غير واحد من الحفاظ ، فقال الدارقطني وغيره :
((متروك))، وقال ابن حبان في ((الضعفاء)) (٣ / ٨١):
(( يروي عن ابن ثوبان وثابت بن يزيد العجائب )).
ثم ساق له حديث ((مكارم الأخلاق عشرة ... )) (١) ، وقال عقبه :
((وهذا ما لا أصل له من كلام رسول الله عم ليه)).
وجرح هؤلاء مقدم على تعديل أبي حاتم إياه ، لأنه جرح مفسر كما هو ظاهر ،
ويستغرب خفاء ذلك على أبي حاتم الإمام الحافظ النقاد المعروف بأنه من
المتشددين في الجرح ، والمعصوم من عصمه الله .
ولذلك فقد رجعت عن الاستشهاد بحديث الوليد هذا ، وبقي الحديث على
ضعفه ، إلا ما يتعلق منه بنزول الآية في الغناء ، للشواهد الصحيحة المذكورة عن
ابن مسعود وغيره ، فإنها في حكم المرفوع عند الحاكم وغيره ، لا سيما وقد حلف
ابن مسعود ثلاث مرات على نزولها في الغناء، وقد صححه ابن القيم في (( إغاثة
اللهفان)) (١ / ٢٤٠) عن ابن عباس وابن مسعود ، ثم تتابعت الآثار بذلك عن
التابعين وغيرهم ، ومنهم الحسن البصري ، فقد جزم بأنها نزلت في الغناء والمزامير .
كما أخرجه ابن أبي حاتم عنه كما في ((الدر المنثور)) (٥ / ١٥٩).
(١) تقدم تخريجه في (( الضعيفة)) (٧٢٠) .
١٠١٨

ولا ينافي ذلك ما استصوبه ابن جرير (٢١ / ٤) أن الآية عامة تعني كل ما
كان من الحديث ملهياً عن سبيل الله مما نهى الله عن استماعه ورسوله . قال :
((والغناء والشرك من ذلك)).
ومال إلى هذا ابن كثير في ((تفسيره))، وابن القيم في (( الإغاثة)) (١ /
٢٤٠ - ٢٤١) .
وفيما تقدم رد قوي على ابن حزم في قوله في (( رسالة الملاهي)) (ص ٩٧) :
أنه لم يثبت عن أحد من أصحاب النبي ﴿ تفسير الآية بأنه الغناء ! قال :
(( وإنما هو قول بعض المفسرين ممن لا تقوم بقوله حجة))!
ومع سقوط كلامه هذا بما سبق، فيخالفه صنيعه في (( المحلى))، فقد ساق
فيه الروايات المتقدمة عن ابن مسعود وابن عباس ، وعن غيرهما من التابعين ، ولم
يضعفها ، وإنما قال :
« لا حجة لأحد دون رسول الله
فنقول: كلمة حق أريد بها باطل، لأنه لم يذكر عنه أي ما يخالف
تفسيرهم . ثم زعم أنه قد خالفهم غيرهم من الصحابة والتابعين ! وهذا كالذي
قبله ، فإنه لم يذكر ولا رواية واحدة مخالفة ، ولو كان لديه لسارع إلى بيانها .
ثم احتج بأن الآية فيها صفةٌ مَنْ فعلها كان كافراً .
فنقول : هذا حق ، ولكن ذلك لا ينفي أن يؤاخذ المسلم بقدر ما قام فيه من
تلك الصفة؛ كالالتهاء بالأغاني عن القرآن . وتفصيل هذا في ((إغاثة اللهفان)).
١٠١٩

٢٩٢٣ - ( من لقي الله لا يشركُ به شيئاً لم يَتَنَدَّ بدم حرام ؛ دخلَ
الجنةَ) .
أخرجه أحمد (٤ / ١٥٢) : ثنا وكيع عن ابن أبي خالد عن عبد الرحمن بن
عائذ عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله عملية: فذكره . وبهذا الإسناد
رواه ابن أبي شيبة في ((مسنده))؛ كما في (( زوائد ابن ماجه)) (ق ٢/١٦٢)
للبوصيري ، وابن ماجه (٢٦١٨)، والحاكم (٣٥١/٤) من طريقين آخرين عن وكيع
به . وصححه الحاكم . ووافقه الذهبي ، وهو كما قالا ، فإن رجاله كلهم ثقات رجال
الشيخين ؛ غير ابن عائذ هذا، وقد وثقه النسائي وابن حبان . وأعله البوصيري
بالانقطاع فقال :
((هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن بن عائذ الأزدي سمع من عقبة بن
عامر فقد قيل : إن روايته عنه مرسلة)).
كذا قال ، وما علمتُ ذكر ذلك أحد قبله ، وظني أنه شبِّه له ، فقد ذكر الحافظ
أنه روى عن جمع من الصحابة ؛ منهم عمر وعلي ومعاذ وعقبة وغيرهم ، ثم قال :
(( وقد قيل : إنه أدرك علياً . وقال أبو زرعة : حديثه عن عليّ مرسل ، ولم
يدرك معاذاً ، وقال ابن أبي حاتم: روى عن عمر مرسلاً)).
فهذا كل ما ذكروه في ترجمته من الانقطاع ، فالظاهر أنه التبس عليه عقبة
بمعاذ، وشتان ما بين وفاتيهما، فإن معاذاً توفي سنة (١٨)، وعقبة سنة (٦٠)!
فقد أدركه يقيناً، وقد أشار إلى هذا الحافظ بقوله في (( التقريب )):
((ثقة، من الثالثة، ووهم من ذكره في الصحابة ، قال أبو زرعة: لم يدرك معاذاً).
ثم إن وكيعاً قد توبع ، فقال أحمد (٤ / ١٤٨): ثنا يزيد بن هارون : أنا
١٠٢٠