Indexed OCR Text

Pages 261-280

وجملة القول أنّه لا يوجد ما ينفي قول ابن القيّم المتقدّم أنّه لم يعتمر بعد
الحج أحد ممن كان مع النبي ﴿ سوى عائشة، ولذلك لمّا نقل كلامه مختصراً
الحافظ في ((الفتح)) لم يتعقّه إلا بقوله (٣ / ٤٧٨):
(( وبعد أن فعلته عائشة بأمره دلَّ على مشروعيته )) !
ومن تأمَّل ما سُقناه من الروايات الصحيحة ، وما فيها من بيان سبب أمره
◌َّ إياها بذلك؛ تجلّى له يقيناً أنّه ليس فيه تشريع عامّ لجميع الحجّاج ، ولو كان
كما توهَّم الحافظ لبادر الصحابة إلى الإتيان بهذه العمرة في حجّته ﴿ وبعدها ،
فعدم تعبّدهم بها ، مع كراهة مَنْ نصّ على كراهتها من السلف كما تقدم لأكبر
دليل على عدم شرعيتها . اللهمَّ إلا من أصابها ما أصاب السيدة عائشة رضي الله
عنها من المانع من إتمام عمرتها . والله تعالى ولي التوفيق .
وإن مما ينبغي التنبه له أن قول ابن القيم المتقدم :
((إنما كانت عُمَرُهُ كلها داخلاً إلى مكة)) ، لا ينافيه اعتماره
(الجعرانة) ، كما توهم البعض ؛ لأنها كانت مرجعه من الطائف ، فنزلها ، ثم قسم
غنائم حنين بها ، ثم اعتمر منها .
٢٦٢٧ - ( مَرَرْتُ ليلَة أَسْريَ بي على مُوسى فَرَأَيْتُهُ قائماً يُصَلَّى
في قبره [عند الكثيب الأحمر ]).
أخرجه مسلم (٧ / ١٠٢)، والنسائي (١ / ٢٤٢) ، وابن حبان (٤٩ -
الإحسان)، وأحمد (٣ / ١٢٠) من طرق عن سليمان التيمي عن أنس قال : قال
رسول الله : .... فذكره .
وتابعه ثابت البناني عن أنس به ، والزيادة له .
أخرجه مسلم، والنسائي، وابن حبان (٥٠)، وأحمد (٣ / ١٤٨ و٢٤٨)،
٢٦١

وأبو نعيم في ((الحلية)) (٦ / ٢٥٣)، وابن عساكر في ((التاريخ)) (٢/١٩٧/١٧)
من طرق عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني وسليمان التيمي عن أنس به .
وخالفهم معاذ بن خالد قال : أنبأنا حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن
ثابت عن أنس به .
أخرجه النسائي وأفاد أنه خطأ من معاذ بن خالد فقال عقب الرواية السابقة :
((هذا أولى بالصواب عندنا من حديث معاذ بن خالد . والله تعالى أعلم)).
ثم أخرجه هو ، وأحمد (٥ / ٥٩ و ٣٦٢ و ٣٦٥) من طرق أخرى عن سليمان
عن أنس عن بعض أصحاب النبي # ، وفي رواية : سمعت أنساً يقول :
أخبرني بعض أصحاب النبي ◌َ﴾ به .
قلت : فالظاهر أنّ أنساً تلقّاه عن غيره من الصحابة ، فكان تارة يذكره
ويسنده ، وتارة يرسله ولا يذكره، ولا يضرُّ ذلك في صحة الحديث لأنّ مراسيل
الصحابة حجّة ، كما هو معلوم .
٢٦٢٨ - (إنَّ المُؤْمن ينزلُ به الموتُ ويعاينُ ما يُعاينُ ، فَوَدَّ لو
خَرَجَتْ - يعني نفسَه - واللهُ يحبُّ لقاءه ، وإنّ المؤمن يُصْعَدُ بروحه إلى
السماءِ ، فتأتيهِ أرواحُ المؤمنين فيستخبرونه عن معارفهم من أهلٍ
الأرضِ ، فإذا قال : تركتُ فلاناً في الدنيا أَعْجَبَهم ذلك ، وإذا قال : إنّ
فلاناً قد مات ، قالوا : ما جيء به إلينا .
وإنّ الْمُؤْمن يُجْلَسُ في قبره فيُسْأَلُ: من ربُّهُ؟ فيقول : ربّي الله .
فيقال: مَن نبيُّك؟ فيقولُ: نبِيِّي محمد ◌َ هُ. قال: فما دينُك ؟ قال:
٢٦٢

ديني الإسلامُ. فَيُفتح له بابٌ في قبره فيقولُ أو يُقال: انْظُر إلى
مجلِسِك . ثم يرى القَبْر، فكأنَّما كانت رقدةً .
فإذا كان عدوّاً لله نزل به الموتُ وعاين ما عايَنَ ، فإنّه لا يحبُّ أن
تَخْرُجَ روحُه أبداً، واللهُ يُبْغضُ لقاءه ، فإذا جَلَسَ في قبره أو أُجْلِس ،
فيُقال له : مَن رَبُّك؟ فيقولُ: لا أدري! فيقال: لا دَرَيْتَ. فَيُفتح له
بابٌ من جهنّم ، ثم يُضْربُ ضربةً تُسمِعُ كلَّ دابَّةٍ إلاّ الثقلين ، ثم يُقال
له : نَمْ كما ينامُ المَنْهوشُ - فقلت لأبي هريرة : ما المنهوش ؟ قال : الذي
ينهشه الدوابَ والحيَّاتُ - ثم يُضَيَّقُ عليه قَبْرُهُ) .
أخرجه البزّار في ((مسنده)) (ص ٩٢ - زوائده) : حدثنا سعيد بن بَحْر
القراطيسي : ثنا الوليد بن القاسم : ثنا يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي
. فذكره . وقال البزار :
:
هریرة - أحسبهُ رَفَعَهُ - قال : قال رسول الله
(( لا نعلم رواه عن يزيد هكذا إلا الوليد)).
قلت : وهو صدوقٌ يخطىء كما في (( التقريب))، ومن فوقه من رجال
الشيخين ، وقال الهيثمي عقبه :
(( في (( الصحيح)) بعضه ، ورجاله ثقات، خلا شيخ البزار فإنّي لا أعرفه)).
قال الحافظ ابن حجر عقبهُ :
(( قلت : هو موثّق ، ولم يتفرّد به )) .
قلت : له ترجمة في ((تاريخ بغداد)) (٩ / ٩٣)، وقال :
(( وكان ثقة، مات سنة ثلاث وخمسين يعني ومائتين)).
٢٦٣

وقال السيوطي في (( شرح الصدور)) (ص ٣٨) :
( سنده صحیح )) !
والشطر الأول منه شاهد موقوف من طريق ثور بن يزيد عن أبي رهم السمعي
عن أبي أيوب الأنصاري قال :
((إذا قُبضتْ نفس العبد تلقّاه أهل الرحمة من عباد الله كما يلقون البشير في
الدنيا ، فيقبلون عليه ليسألوه ، فيقول بعضهم لبعض : أنظروا أخاكم حتى يستريح
فإنّه كان في كرب ، فيقبلون عليه فيسألونه : ما فعل فلان ؟ ما فعلت فلانة ؟ هل
تزوجت ؟ فإذا سألوا عن الرجل قد مات قبله قال لهم : إنّه قد هلك ، فيقولون :
إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ذُهِبَ به إلى أمه الهاوية ، فبئست الأم وبئست المربّية ،
قال : فيعرض عليهم أعمالهم ، فإذا رأوا حسناً فرحوا واستبشروا ، وقالوا : هذه
نعمتك على عبدك فأتّها ، وإن رأوا سوءاً قالوا: اللهمَّ راجع بعبدك)).
أخرجه عبد الله بن المبارك في (( الزهد)) (٤٤٣).
قلت : ورجاله ثقات ؛ لكنّه منقطع بين ثور بن يزيد وأبي رهم . وقد وصله
ورفعه سلام الطويل فقال : عن ثور عن خالد بن معدان يعني : عن أبي رهم رفعه .
أخرجه ابن صاعد في زوائد ((الزهد)) (٤٤٤)، لكن سلام هذا متروك ، لكن
ذكره ابن القيّم في (( الروح)) ( ص ٢٠) من طريق معاوية بن يحيى عن عبد الله
ابن سلمة أنّ أبا رهم السمعي حدثه أنّ أبا أيوب الأنصاري حدّثه أنّ رسول الله
قال : ... فذكره دون تخريج ، وقد عزاه في ((شرح الصدور)) لابن أبي الدنيا
والطبراني في «الأوسط))، وسكت عنه ، ومعاوية بن يحيى ضعيف. ثم ذكر
السيوطي من رواية آدم بن أبي إياس في (( تفسيره )): حدثنا المبارك بن فضالة عن
الحسن مرفوعاً :
٢٦٤

(( إذا مات العبد تلقى روحه أرواح المؤمنين فيقولون له : ما فعلَ فلان ؟ ما فعل
فلان؟ فإذا قال : مات قبلي؛ قالوا : ذهب به إلى أمّه الهاوية ، فبئست الأم
وبئست المربِّية )) .
قلت : وهذا مرسل ضعيف الإسناد . ثم ذكر آثاراً كثيرة بمعناه .
وبالجملة فالحديث صحيح كما قال السيوطي بهذه الشواهد والله أعلم .
ثم رأيت القرطبي قال في ((التذكرة)) (ق ٤٠ / ٢ - ٤١ / ١) بعد أن ذكر أثر
ابن المبارك المتقدّم عن أبي أيوب وغيره من الآثار:
(( وهذه الأخبار وإنْ كانت موقوفة فمثلها لا يقال من جهة الرأي ، وقد خرّج
النسائي بسنده عن أبي هريرة ... الحديث، وفيه: ((فيأتون به أرواح المؤمنين
فلهم أشدُ فرحاً به من أحدكم بغائبه ، يقدم عليه فيسألونه : ماذا فعل فلان ؟ ماذا
فعلَ فلان؟ فيقولون : دعوه فإنّه كان في غمِّ الدنيا ... )) الحديث)).
قلت : وقد سبق تخريجه برقم (١٣٠٩)، وسيعاد بتوسُّع برقم (٢٧٥٨) .
٢٦٢٩ - (كان يَخْرُجُ يُهريقُ الماءَ ، فيتمسَّح بالتُّراب ، فأقولُ : یا
رسولَ الله! إنَّ الماءَ منك قريبٌ؟ فيقولُ: وما يُدْريني لعلّي لا أَبْلُغُهُ) .
أخرجه عبد الله بن المبارك في « الزهد)) (٢٩٢) : أخبرنا ، ابن لَهيعة عن
عبد الله بن هُبَيرة عن حَنَش عن ابن عباس مرفوعاً .
وأخرجه أحمد (١ / ٢٨٨)، وابن سعد في ((الطبقات)) (١ / ٣٨٣) من
طريق ابن المبارك به . ثم قال (١ / ٣٠٣) : ثنا يحيى بن إسحاق وموسى بن داود
قالا : ثنا ابن لهيعة به . وقال الهيثمي (١ / ٢٦٣) :
((رواه أحمد والطبراني في ((الكبير))، وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف)).
٢٦٥

قلت : لكن رواية ابن المبارك مع سائر العبادلة عن ابن لهيعة صحيحة عند
العلماء کما ذکروا في ترجمته ، ولذلك فالإسناد عندي صحیح لأنَّ سائر رجاله
ثقات معروفون من رجال مسلم ، وحنش هو ابن عبد الله السبائي(١) الصنعاني
الدمشقي .
ولبعضه شاهد من رواية محمد بن سنان القزاز: ثنا عمرو بن محمد بن أبي
رزين : ثنا هشام بن حسان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال :
(( رأيت النبي
تيمّم بموضع يقال له مربد الغنم، وهو يرى بيوت
المدينة)) .
أخرجه الدارقطني (ص ٦٨)، والحاكم (١ / ١٨٠)، وقال:
« حدیث صحیح تفرّد به عمرو بن محمد بن أبي رزين ، وهو صدوق ، وقد
أوقفه يحيى بن سعيد الأنصاري وغيره عن نافع عن ابن عمر)).
قلت : ووافقه الذهبي ، وهو مردود من وجهين :
الأول : أن ابن أبي رزين هذا فيه كلام من قبل حفظه ، أشار إليه الحافظ في
(( التقريب)) بقوله :
((صدوق ربّما أخطأ)).
فإذا خالف الثقات ، فلا تطمئن النفس لتصحيح حديثه .
والآخر : أن القزّاز هذا ضعيف ، فتعصيب الخطأ به أولى من تعصيبه
بشيخه كما لا يخفى على أهل المعرفة بهذا العلم .
ثم أخرجه الحاكم من طريق يحيى بن سعيد عن نافع قال :
(١) كذا بالمد، ويقال: (السبئي) بالقصر، قال في ((تاج العروس)): ((وكلاهما صحيح)).
٢٦٦

(( تَيمَّمَ ابن عمر على رأس ميل أو ميلين من المدينة فصلى العصر، فقدم
والشمس مرتفعة ولم يعد الصلاة)).
وأخرجه عبد الرزاق (٨٨٤) عن الثوري عن محمد ويحيى بن سعيد به .
وأخرجه الدارقطني (ص ٦٨)، والبيهقي (١ / ٢٣٣) من طريق أخرى عن
محمد بن عجلان عن نافع به نحوه . والدارقطني من طريق أخرى عن سفيان :
نا يحيى بن سعيد به . ومالك (١ / ٧٦)، وعنه عبد الرزاق (٨٨٣) عن نافع
به نحوه . فهو موقوف صحيح الإسناد ، كما أشار إلى ذلك الحاكم فيما تقدم .
وروى البيهقي عن الوليد بن مسلم قال : قيل لأبي عمرو - يعني الأوزاعي - :
حضرت الصلاة والماء حائز(١) عن الطريق أيجب عليَّ أن أعدل إليه ؟ قال : حدثني
موسى بن يسار عن نافع به نحوه ، ولفظه :
(( عن ابن عمر أنّه كان يكون في السفر فتحضره الصلاة والماء منه على غَلْوة
أو غلوتين ونحو ذلك ، ثم لا يعدل إليه )) .
وعن حُكيم بن رُزَيق عن أبيه قال : سألت سعيد بن المسيب عن راع في
غنمه ، أو راع تصيبه جنابة وبينه وبين الماء ميلان أو ثلاثة ؟ قال :
يتيمَّم صعيداً طيِّباً . وهذا صحيح أيضاً .
وأما ما رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١ / ١٦٠): حدثنا شريك عن
أبي إسحاق عن الحارث عن عليّ قال :
(( يتلوم الجنب ما بينه وبين آخر الوقت )).
وأخرجه البيهقي من طريق أخرى عن أبي إسحاق به نحوه ، ولفظه :
(١) كذا الأصل، ولعل الصواب (جائر) أي مائل، وإن كان (حائز) يأتي بمعناه .
٢٦٧

(( اطلب الماء حتى يكون آخر الوقت ، فإن لم تجد ماءً تيمَّم ثمّ صلّ )).
قلت : فهذا على وقفه ضعيف الإسناد ، علّته الحارث هذا - وهو ابن عبد الله
الأعور - فإنّه ضعيف ، ولذلك قال البيهقي عقبهُ :
(( وهذا لم يصح عن علي ، وبالثابت عن ابن عمر نقول، ومعه ظاهر القرآن)).
٢٦٣٠ - ( اطلبْني أولَ ما تطلبُني على الصراطِ . قال: فإن لم
ألقَكَ على الصراط ؟ قال : اطلُبني عندَ الميزانِ . قال: فإن لم ألقَكَ
عندَ الميزان؟ قالَ : فاطلُبْني عندَ الحوضِ ؛ فإنّي لا أخطىء هذه
الثلاثَ المواطنَ ) .
أخرجه الترمذي (٢ / ٧٠)، وأحمد (٣ / ١٧٨)، والضياء المقدسي في
((الأحاديث المختارة)) (ق ٢٤٢ / ١ - ٢) من طريق حرب بن ميمون الأنصاري أبي
الخطاب : حدثنا النضر بن أنس بن مالك عن أبيه قال :
سألت النبي ﴿ أن يشفع فيَّ يوم القيامة ، فقال : أنا فاعل . قال : قلت : يا
رسول الله ! فأين أطلبك ؟ قال : اطلبني ... الحديث . وقال الترمذي :
(( حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)).
قلت : وأقرَّه المنذري في ((الترغيب)) (٤ / ٢١١)، وكذا الحافظ ابن حجر
في ((الفتح)) (١١ / ٤٠٥)، ورجاله ثقات رجال مسلم، فإنّه أخرج لحرب هذا
حديثاً آخر في (( الأطعمة)) (١٢١/٦)، وسائر رجاله من رجال الشيخين، وهو إلى
ذلك ثقة بلا خلاف ، إلا ما وهم فيه بعضهم ، فلا بدَّ من تحقيق القول في ذلك ،
فأقول :
قال الذهبي في (( الميزان)):
٢٦٨

((حرب بن ميمون (م، ت) أبو الخطاب الأنصاري ، بصري صدوق يخطىء ،
قال أبو زرعة: ليِّن . وقال يحيى بن معين : صالح. قلت : يروي عن مولاه النَّضر
ابن أنس وعن عطاء بن أبي رباح . وعنه عبد الله بن رجاء ويونس المؤدب
وجماعة ، وقد وثّقه علي بن المديني وغيره، وأما البخاري فذكره في ((الضعفاء))
وما ذكر الذي بعده صاحب الأغمية (١) ... )).
ثم قال الذهبيّ عقبهُ :
(( حرب بن ميمون العبدي أبو عبد الرحمن البصري العابد المعروف بـ
(صاحب الأغمية) عن عوف وحجاج بن أرطاة وخالد الحذاء ... ضعّفه ابن
المديني والفلاس ، وقال ابن معين : صالح . قلت : توفي سنة بضع وثمانين ومائة ،
وهو الأصغر والأضعف ، وقد خلطه البخاري وابن عدي بالذي قبله ، وجعلهما
واحداً ، والصواب أنّهما اثنان ، الأول صدوق لقي عطاء ، والثاني ضعيف أكبر من
عنده حميد الطويل . قال عبد الغني بن سعيد : هذا مما وهم فيه البخاري ، نبَّهني
عليه الدارقطني )) .
قلت : ما استصوبه الذهبيّ رحمه الله هو الصواب ، وبه جزم غير ما إمام من
المتقدمين والمتأخِّرين ، فقال الساجي :
(( حرب بن ميمون الأصغر ضعيف الحديث عنده مناكير، والأكبر صدوق)) .
وكذا قال عمرو بن علي الفلاس ، وروى عبد الله بن علي عن أبيه نحوه .
وقال الحافظ ابن حجر في الأكبر :
((صدوق ، رمي بالقدر من؛ السابعة)) . وفي الأصغر:
(١) جمع ( الغِماء): سقف البيت. ((المعجم الوسيط)).
٢٦٩

((متروك الحديث مع عبادته ؛ من الثامنة، ووهم من خلطه بالأول)).
وجرى على التفريق بينهما الخزرجي أيضاً في (( الخلاصة)) وغيره كما يأتي .
لكن في كلام الذهبي المتقدِّم بعض الأوهام لا بدَّ من التنبيه عليها إتماماً
للتحقيق :
أولاً: قوله في ترجمة الأكبر: ((قال أبو زرعة: ليِّن)) خطأ ، وحقّه أن ينقل
إلى ترجمة الأصغر، ففيها أورده ابن أبي حاتم (١ / ٢ / ٢٥١)، وتبعه الحافظ في
((التهذيب)).
ثانياً: قوله فيها وفي ترجمة الأصغر: (( وقال ابن معين: صالح)) خطأ أيضاً،
والصواب ذكره في ترجمة الأصغر فقط ، كما فعل ابن أبي حاتم وابن حجر .
ثالثاً: قوله: وأما البخاري فذكره في (( الضعفاء)) . فأقول :
إن كان يريد كتابه المعروف بـ (( الضعفاء)) كما هو المتبادر فلم أره ذكر فيه
الأكبر ، ولا الأصغر ، من النسخة المطبوعة في الهند ، فلا أدري إذا كان ذلك في
نسخة أخرى منه ، وإن كنت أستبعد هذا ، فإنّ الحافظ ابن حجر لم يذكره مطلقاً .
ولكنّه قال :
(( قال البخاري : قال سليمان بن حرب: هو أكذب الخلق)).
ولكن الحافظ في الوقت الذي لم يعزُ هذا لـ ((ضعفاء البخاري)) ، فإنَّه أورده
في ترجمة حرب بن ميمون الأصغر ، بينما البخاري نفسه إنَّما أورده في (( التاريخ
الكبير)) في ترجمة الأكبر، فقال (١ / ٢ /٦٥):
(( حرب بن ميمون يقال أبو الخطاب البصري مولى النَّضر بن أنس الأنصاري
عن أنس (!) سمع منه يونس بن محمد. قال سليمان بن حرب : هذا أكذب
الخلق)). ولم يذكر البخاري في ترجمة الأصغر شيئاً (١ / ٢ /٦٤).
٢٧٠

وقد استظهر محقِّق (( التاريخ)) أن الحامل للحافظ وغيره على صرف قول
البخاري هذا إلى ترجمة الأصغر أنّ ابن المديني وعمرو بن علي قد ليّناه ، ووثقا
هذا الأنصاري . ثمَّ أجاب عن تكذيب سليمان له بما خلاصته أنَّه جرح مبهم غير
مفسّر لأنّه قائم على قصّة لا تستلزم التكذيب المذكور بصورة لا تحتمل التأويل ،
فراجع كلامه فإنّه مفيد .
وخلاصة القول : إنّ حرب بن ميمون الأكبر صاحب هذا الحديث ، ثقة
حجَّة ، وثّقه ابن المديني شيخ البخاري والفلاس والساجي ، وكذا مسلم بإخراجه
له في ((الصحيح))، وابن حبان بذكره إيّاه في (( الثقات))، والخطيب بقوله فيه :
(( كان ثقة )) ، ولم يضعِّفه أحد سوى ما تقدّم من قول سليمان بن حرب فيه ، وقد
عرفتَ الجواب عنه ، وأنّه غير حرب بن ميمون الأصغر كما سبق عن جماعة من
الأئمة .
وبهذه المناسبة لا بدَّ من التنبيه على وهم أيضاً وقع في ترجمة (الأصغر) هذا
من (( تهذيب التهذيب)) لابن حجر، فقد قال (٢ / ٢٢٧) :
(( قال المزِّي : وقد جمع بينهما غير واحد ، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى)).
والذي رأيته في ((تهذيب الكمال)) للحافظ المزِّي خلافه ، فإنه بعد أن ترجم
للأكبر أتبعه بترجمة الأصغر ، وقال في آخرها :
(( ذكرناه للتمييز بينهما ، وقد جمعهما غير واحد ، وفرَّق بينهما غير واحد ،
وهو الصحيح إن شاء الله تعالى)).
فالظاهر أنّه سقط من الناسخ أو الطابع لـ ((تهذيب التهذيب)) جملة (( وفرّق
بينهما غير واحد))، فاختلّ المعنى . والله أعلم .
٢٧١

ولعلّه من هذا القبيل ما جاء في أوّل ترجمة الأكبر من ((تهذيب التهذيب))
قال :
(( روى له مسلم حديثاً في تكثير الطعام عند أمِّ سليم ، والآخر في قوله
. ((
لأنس : اطلبني
فإنّه يوهم أنّ الحديث الآخر - حديث الترجمة - رواه مسلم أيضاً ، وليس
كذلك ، ولولا أنه كان رمز له في رأس الترجمة بأنّه أخرج له مسلم والترمذي وابن
ماجه في ((التفسير))، لكان يمكن حمل قوله: (( والآخر)) على الترمذي ، ولكن
ذِكْره لابن ماجه عقبه يمنع منه إلا بتكلُّف ظاهر .
واعلم أنَّ هذا الحديث أورده الشيخ السهسواني الهندي في (( صيانة الإنسان
من وسوسة الشيخ دحلان )) (ص ٣٥٣) مستدلاً به على أنَّ طلب الشفاعة من
النبي ◌َ﴿ في حياته ثابت، ثم ساق أحاديث هذا أوَّلها ، وقال بعد أن ذكر تحسين
الترمذي إياه :
(( قلت : ورجاله رجال الصحيح ، وكلهم ثقات ؛ غير حرب بن ميمون أبي
الخطاب، فقد اختلف فيه، قال الذهبي في ((الميزان)) ... )).
ثم ساق كلامه المتقدِّم ، ولكن ملخّصاً .
ففهم منه مقلِّدهُ صاحب كتاب (( التوصل إلى حقيقة التوسل)) أن الحديث
ضعيف ، فقال عقب الحديث (ص ٣٢٠ - الطبعة الثانية) :
(( الحديث غير صحيح السند كما سيأتي بيانه)).
والبيان الذي وعد به لا يزيد على قوله في الصفحة المقابلة بعد أن ذكر أيضاً
تحسين الترمذي إياه :
٢٧٢

(( وفي سنده أبو الخطاب حرب بن ميمون ضعِّف ووثّق ، ومن ضعَّفوه (!)
شيخ المحدِّثين البخاري ، فحديث يقول فيه الترمذي : حسن غريب لا نعرفه إلا من
هذا الوجه الحسن الغريب (!)، والترمذي معروف لينه وتساهله في نقد الرواة
والروايات . وفيه أيضاً من ضعَّفه البخاري ، وحسبك به ناقداً حجّة في هذا الشأن ،
فكيف يحتجّ بهذا الحديث ... ؟! اللهمّ علِّمنا العلم الذي لا جهل معه)) !
قلت : فهذا الكلام مع ما فيه من الرِّكَّة والعجمة وضعف البيان حتى وصف
الترمذي باللين! وقال: ((ضعَّفوه))، وهو يريد ((ضعَّفه))، فهو يدلُّ على عدم
معرفة قائله بهذا العلم الشريف ، وقلة اطّلاعهِ على أقوال أئمة الجرح والتعديل ،
فضلاً عن عجزه التامّ عن التوفيق بين أقوالهم في الراوي الواحد . فمن كان هذا
حاله ، فمن البدهيّ أن يقول ما لم يقله أحد قبله ، حتى ولا مقلّده وعمدته في
الكلام على الأحاديث ، وهو الشيخ الفاضل : السهسواني ، فإنّ هذا تكلّم على
الحديث بأسلوب معروف عند أهله ، وإن كان لم يُفصح عن مرتبته ، مع أنّ ظاهره
أقرب إلى تأييده تحسين الترمذي إيّاه منه إلى ردّه ، فجاء هذا المومى إليه فلخّص
كلامه تلخيصاً بعيداً جداً عن الواقع أدى به إلى التصريح بأنّ إسناده غير صحيح،
وأنّ راويه أبا الخطاب مختلف فيه ((ضعِّف ووثّق ، ومن ضعّفه البخاري )) وهذا كله
لعدم علمه ومعرفته ، ولذلك فلم يحسن التعبير ، فـ ( أبو الخطاب ) متَّفق على
توثيقه ، ولم يضعَّفهُ أحد غير البخاري ، على ما في تضعيفه إيّاه من تردّد العلماء ؛
هل أراد به أبا الخطاب هذا أم حرب بن ميمون الأصغر؟ ، كما تقدّم بيانه ، وأنَّه إن
أراد به الأول ، فهو جرح غير مفسّر، كما تقدّم ، ولذلك لم يعتمد عليه من جاء
بعده من النقّادِ كالذهبي والعسقلاني والخزرجي، ومن قبلهم المنذري الذي أقرَّ
الترمذي على التحسين ، وكلّ هؤلاء يعلمون أنّ البخاري هو شيخ المحدّثين حقاً،
ولكنّهم يعلمون أيضاً أنّ الحقَّ لا يعرف بالرجال ، وأنَّه لا عصمة لأحد منهم ،
٢٧٣

وإنّما هو مشاعٌ بينهم ، فلذا فهم يبحثون عنه ، فمع من كانَ اتبعوهُ ، وهذا ما صَنَعوهُ
هنا ، فأعرضوا عن تضعيف البخاري ، واعتمدوا قول الذين وثَّقوه كما سبق .
وأزيد هنا فأقول: قال الذهبي في (( ديوان الضعفاء)) (مخطوط) :
(( حرب بن ميمون أبو الخطاب، ثقة، رماهُ بالكذب سليمان بن حرب)).
وقال في («المغني)) (١ / ١٥٣ - طبع حلب):
(( ثقة، غلط من تكلّم فيه ، وهو صدوق)).
فأنت تراه لم يعتدَّ بمن رماه بالكذب فضلاً عمَّن تكلّم فيه .
ولهذا الرجل قصةٌ طويلةٌ فيها عبرةٌ لمن يعتبر ، لا مجال للتحدُّث عنها بهذا
المكان ، وإنَّما لا بُدَّ من الإشارة إليها بأوجز ما يمكن من الكلام .
فهو رجل عاش نحو ربع قرن من الزمان رئيساً على إخواننا السلفيِّين في
حلب ، ومنذ بضع سنين بدأ يظهر شيئاً من الشدة عليهم ، وفرض الرأي ، فمن
استسلم له قربه إلیه ، ومن خالفه في رأيه أبعده عنه ، وامتنع من التعاون معه ، ولو
كان صاحبه القديم منذ بدء الدعوة هناك ، يفعل هذا ، وهو ممن لا علم عنده يُذكر
ولا تحقيق إلا ما كان استفاده من غيره ، إلى أن خرج عليهم برأي لا عهد لهم به ،
وهو أن نساء النبي ﴿﴿ معصومات من الزنا ، وإنْ كان الجميع متفقين معه على
أنّهنّ متنَ وهنّ عفيفات شريفات ، فكان لا يقنع إلا بأن يقولوا معه إنّهنّ
معصومات العصمة الشرعية ، فلمّا طالبوه بالحجّة ، وناقشه فيها أبرز من فيهم فقهاً
وفهماً ، كان جزاؤه منه أن قاطعه وهجره ، وبالنّار إن استمرَّ على مخالفته أوعده ،
وحاول أن يبعده عن الجماعة ، بعد أن أعلن عدم استعداده أن يتعاون معه ، فجلب
بذلك ضرراً على نفسه ودعوته ، حيث تبيّن للجماعة هناك بأن عمله ليس على
المنهج ، وعلى الرغم من نصحي إيّاه ، فلم يستجب ، فكانت عاقبته أن أزالوه من
٢٧٤

رياسته ، بعد أن اجتمعوا في داره ، وأنا معهم وبعض إخواننا الدمشقيِّين ، وكلّهم
ينصحونه ، ويطلبون منه أن يكفّ عن فرض رأيه وإصراره ، وأن يتعاون مع كلِّ
إخوانه ، وبخاصة القدامى والفقهاء منهم ، فرفض ، فكان أن أقالوه عن رياسته ،
ونصبوا علیهم غيره وهم في داره !
فكان بعد ذلك ينال من صاحبه القديم كلّما جاء ذكره ، ويصفه بما ليس فيه !
مع أنه معروف بين إخوانه بإخلاصه وتدينه وفقهه وغيرته على الدعوة ، فيما نعلم
والله حسيبه ولا نزكِّي على الله أحداً ، من أجل ذلك قطعت صلتي به ، فلا أزوره ،
ولا يزورني ، وإن كان يُظهر مودتي وتبجيلي، كلّما لقيني ، وأنا أصدُّ عنه، حتى
يتوب إلى ربّه من فعلته ، ويعتذر لأخيه عن اساءته إليه ، ولله عاقبة الأمور.
وعلى الرغم من أنَّه ترك بلدته (حلب) ، وتركته الجماعة كما سبق ، فهو لا
يزال يعلن في البلاد السعودية أنّه رئيس الجماعة ، بل ويصرِّح بأنَّه مؤسِّس الدعوة
السلفيَّة ، فعل ذلك في كتابه (( التوصُل))، فانتقدته في كتابي (( التوسل أنواعه
وأحكامه )) (ص٩١ - ٩٣)، فردَّ عليَّ في طبعته الثانية من كتابه المذكور، بما يبدو
للقاريء اللبيب أنّه تبيّن له صواب نقدي إيّاه ، ولكنّه لم يظهر ذلك ، وأكبر دليل
على ذلك أنه في طبعته الثانية قيّد لقبه السابق ، فقال عن نفسه بنفسه (!) :
((مؤسّس الدعوة السلفيّة بحلب))، دون أن يذكر بأنَّه استفاد ذلك من نقدي المشار
إليه ، وتأوّل قوله: ((مؤسّس)) بما كنت ذكرته أنا في نقدي بأنه لعلّه أراد به :
((مجدِّد الدعوة السلفيّة))، فتكلّم طويلاً بكلام لا يخرج عن التأويل المذكور،
فوددت لو أنّه صرّح بأنّه: (( مجدِّد الدعوة السلفيّة بحلب)) إذن لما وافقه إخوانه
على ذلك ، لأنَّهم يعلمون أنّه ليس أهلاً لذاك ، وأنّه حسبه أن يكون تابعاً لأحد
المجدِّدين ، كما قلت هناك، وكتابه المذكور أكبر شاهد على ما أقول ، فهو ممتليء
بالأخطاء العلمية ، من أنواع مختلفة ، على ركَّةٍ وعِيٍّ في التعبير ، وكلامه في هذا
٢٧٥

الحديث من أوضح الأدلّة على ذلك، والله هو المسؤول أن يحفظ علينا إيماننا ، ويطهِّر
قلوبنا من الحسد والغلّ والكبر، إنّه خير مسؤول(١) .
٢٦٣١ - ( ما من عبد يَسْتَرْعيهِ اللهُ رعيَّة يموتُ يومَ يموتُ وهو غاشٌّ
لرعيَّتِهِ إلا حَرّم اللهُ عليه الجنّةَ) .
أخرجه البخاري (٤ / ٣٨٧)، ومسلم (١ / ٨٨ و٨/٦)، والدارمي (٢ /
٣٢٤)، وأحمد (٥ / ٢٥) من طرق عن الحسن قال:
عادَ عبيد الله بن زياد مَعْقِلَ بن يسار المزني في مرضه الذي مات فيه ، قال
مَعْقِل: إنِّي محدَّثك حديثاً سمعته من رسول الله عَ ليه لو علمتُ أنَّ لي حياةً ما
حدَّثتك، إنِّي سمعت رسول الله ◌َ ﴿ يقول : ... فذكره .
وفي رواية للبخاري عن الحسن قال : أتينا معقل بن يسار نعوده ، فدخل
علينا عبيد الله ، فقال له معقل :... فذكره نحوه .
وتابعه أبو المليح أنّ عبيد الله بن زياد دخل على معقل بن يسار في مرضه ؛
فقال له معقل : ... فذكره نحوه ، ولفظه :
(( ما من أميرٍ يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم
الجنَّة )).
أخرجه مسلم ، وقد مضى من رواية أحمد وغيره نحوه برقم (١٧٥٤) .
(١) وقد ذكرت تحت حديث عائشة المتقدِّم (٢٥٠٧) تفصيل ما أجملت هنا من الرد على قوله
بالعصمة ، وكان ذلك منذ نحو عشرين سنة . ثم توفي الرجل إلى رحمة الله ، وغفر لنا وله ، فترددت
كثيراً في نشر هذا - والكتاب تحت الطبع - ثم أمضيته للتاريخ والعبرة ، ودفعاً للقيل والقال ، ولا سيما
وقد بدأ بعض ذوي الأغراض والأهواء من الناشرين والمعلقين يخوضون بعد وفاته فيما لا علم لهم به ،
والله يقول : ﴿فاسأل به خبيراً﴾ .
٢٧٦

٢٦٣٢ - ( ما من عبد أتى أخاً له يزورهُ في الله إلاّ نادى مناد من
السماء : أنْ طِبْتَ وطابت لك الجنّةُ، وإلاّ قال اللهُ في مَلَكوتِ عَرْشِهِ :
عبدي زارَ فيّ ، وعليَّ قِراهُ ، فلم أرضَ له بقرىَّ دون الجنَّةِ) .
أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) (٣ / ١٠٢٤)، والبزار (٢ / ٣٨٨ - ٣٨٩)،
وأبو نعيم في «الحلية)) (٣ / ١٠٧)، والضياء في ((المختارة)) (ق ٢٤٠ / ١) من
طريق يوسف بن يعقوب : نا ميمون بن عجلان عن ميمون بن سياه عن أنس
مرفوعاً . وقال أبو نعيم :
((رواه الضحّاك بن حُمْرة عن حماد بن جعفر عن ميمون بن سياه مثله)).
قلت : وابن حُمْرة ضعيف ، ولكن الإسناد الذي قبله رجاله رجال
((الصحيح))، غير ميمون بن عجلان هذا، وقد أورده البخاري في ((التاريخ)) (٧ /
٣٤٣)، وابن أبي حاتم (٤ / ١ / ٢٣٩) من رواية يوسف هذا عنه ، ولم يذكرا فيه
جرحاً ولا تعديلاً، غير أنَّ ابن أبي حاتم قال :
(( وسئل أبي عنه؟ فقال: شيخ)).
واعلم أنّ من قيل فيه: (( شيخ))؛ فهو في المرتبة الثالثة من مراتب التعديل ،
یکتب حديثه وينظر فيه كما قال ابن أبي حاتم نفسه (٣٧/١/١)؛ وجرى عليه
العلماء كما تراه في (( التدريب)) (ص ٢٣٢)، ومعنى ذلك أنه من ينتقى من
حديثه ، أو أنَّه حسن الحديث إذا لم يخالف ، ولعلَّه قد أشار إلى ذلك الحافظ
الذهبيّ بقوله في مقدمة (( الميزان)):
((ولم أتعرَّض لذكر من قيل فيه: (( محلُّه الصدق)) ، ولا من قيل فيه :
(( لا بأس به))، ولا من قيل فيه: (( هو صالح الحديث ))، أو ( يكتب حديثه )) ، أو
((هو شيخ))، فإن هذا وشبهه يدلُّ على عدم الضعف المطلق )) .
٢٧٧

قلت : وجلُّ هؤلاء ممن يحسِّن العلماء حديثهم عادة ، فليكن مثلهم من قيل
فيه: ((هو شيخ))، ويؤيِّده أنَّ الحافظ المنذري جوَّد إسناد حديث هذا الشيخ؛ فقال
عقبهُ في (( الترغيب)) (٣ / ٢٣٩) :
((رواه البزار وأبو يعلى بإسناد جيّد)).
ووثّقه الهيثمي، فقال في ((المجمع)) (٨ / ١٧٣):
((رواه البزار وأبو يعلى، ورجال أبي يعلى رجال ((الصحيح))؛ غير ميمون بن
عجلان ، وهو ثقة)).
ولعلَّ تصريحه بتوثيقه إيّاه ، إنما هو اعتمادٌ منه على توثيق ابن حبان،
فقد أورده في ((الثقات)) كما يستفاد من ((التعجيل))، وإن لم أره في نسخة
الظاهرية من ((الثقات))، فإنَّ فيها خَرْماً. ثم طبع كتاب ((الثقات)) وقد أورده
فيه (٧ / ٤٧٣) برواية محبوب بن الحسن وأهل البصرة عنه . وهذان من رجال
((الميزان)) و((اللسان)) فراجعهما.
وقد روى عن هذا الشيخ إسماعيل بن عبد الملك الزئبقي أيضاً عند الضياء ،
وكذا محمد بن بكر، لكن سمّاه ميمون المرئي، لكن في (( التهذيب)) من هذه
الطبقة :
(( ميمون بن سياه المرئي البصري ، ويقال إنّه ابن ميمون بن عبد الرحمن بن
صفوان بن قدامة )) .
وابن سياه هذا هو من شيوخ ميمون بن عجلان كما في ترجمتهما من
((التاريخ)) و((الجرح والتعديل)) وهو شيخه في هذا الإسناد كما ترى ، وقد فرّقا
بينهما ، فهو غير المرئي إذن ، ومن الممكن أن يكون مشاركاً له في هذه النسبة .
والله أعلم .
٢٧٨

وقد توبع ميمون بن عجلان من الضحاك بن حُمْرة في الرواية المعلقة عند أبي
نعيم ، لكن الضحاك هذا ضعيف .
وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة . أخرجه البخاري في (( الأدب
المفرد )) (رقم ٣٤٥) ، والترمذي وحسَّنهُ في نسخة، وصحَّحه ابن حبان (٧١٢)،
وإسناده صالح للاستشهاد به كما بيَّنْتهُ في التحقيق الثاني لـ (( المشكاة))
(٥٠١٥) .
ولأبي يعلى بهذا الإسناد حديث آخر عن أنس في فضل المصافحة عند
اللقاء ، تقدَّم ذكره تحت الحديث (٥٢٥) .
٢٦٣٣ - (أَرواحُ الشُّهَدَاءِ فِي جَوْفِ طيرٍ خُضْرٍ ، لها قناديلُ معلّقةٌ
بالعَرشِ ، تسرحُ من الجنّة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل،
فاطَّلِعَ إليهم رتُّهم إِطْلاعةً ، فقال : هل تَشْتَهون شيئاً؟ قالوا : أيُّ شيءٍ
نشْتَهي ونحن نسرحُ من الجنّة حيث شِئْنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاثَ
مرّاتٍ ، فلمّا رأوا أنّهم لن يُتْركوا من أن يُسألوا ، قالوا : يا ربّ! نُريد
ء
أن تَرُدَّ أرواحَنا في أجسادِنا، حتى نُقْتلَ في سبيلك مرةً أخرى! فلمّا
رأى أن ليس لهم حاجةٌ تُركوا) .
أخرجه مسلم (٦ / ٣٨ - ٣٩)، والترمذي (٣٠١٤)، والدارمي (٢ / ٢٠٦)،
وابن ماجه (٢ / ١٨٥)، والبيهقي في ((الشعب)) (٤ / ١٩ - ٢٠)، والطيالسي
(٣٨ / ٢٩٤)، وابن أبي شيبة (٥ / ٣٠٨)، وهنّاد في ((الزهد)) (١٥٤)، والطبري
(٨٢٠٦) من طرق عن الأعمش عن عبد الله بن مرّة عن مسروق قال :
٢٧٩

سألنا عبد الله [بن مسعود] عن هذه الآية ﴿ولا تحسبنَّ الذين قتلوا في سبيلٍ
الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون﴾ ؟ قال :
أما إناً قد سألنا عن ذلك ؟ فقال : ... فذكره . والسياق لمسلم ، والزيادة
للترمذي ، وقال :
« حديث حسن صحيح )) .
قلت : هو مرفوع في صورة موقوف، فإنّ النبيِّ ◌َ ◌ٍّ لم يُذكر فيه صراحةً ،
لكنّه في حكم المرفوع قطعاً ، وذلك لأمرين :
الأول: أنَّ قوله: ((سألنا عن ذلك؟ فقال: )) لا يُمكن أن يكون المسؤول
والقائل إلا الرسول ، لأنّه هو مرجعهم في بيان ما أشكل أو غمض عليهم.
والآخر : أنَّ ما في الحديث من فضل الشهداء عند الله ، ومخاطبته تعالى
إيّاهم وجوابهم وطلبهم منهُ أن تردّ أرواحهم إلى أجسامهم ، كلّ ذلك مما لا يمكن أن
يقال بالرأي . ولذلك قال النووي في « شرح مسلم )» :
((وهذا الحديث مرفوع لقوله: (( إنّاً قد سألنا عن ذلك، فقال ، يعني النبي
.“業
وأمر ثالث: أنّه قد جاء طرفٌ منه مرفوعاً من حديث ابن عباس مَالله عند
أحمد (١ / ٢٦٦)، وصححه الحاكم (٢ / ٢٩٧ - ٢٩٨) ، ووافقه الذهبي ، وقد
تكلّمت عليه في ((تخريج الطحاوية)) (ص ٣٩٣)، و ((المشكاة)) (٣٨٥٣).
وكأنَّه لما ذكرنا استجاز شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن يصرّح
برفعه إلى النبي ، فإنّه أورده في ((مجموع الفتاوى)) (٤ / ٢٢٤ - ٢٢٥) من
رواية مسلم بلفظ :
٢٨٠