Indexed OCR Text

Pages 101-120

(( وقيل : إن هذه التوبة لم تكن عن الكفر ، وإنما هي عن ذنوب كانوا يفعلونها
معه ، فتابوا عنها مع إصرارهم على الكفر ، فردت عليهم لذلك ، ويؤيده ما أخرجه
ابن جرير (١) عن أبي العالية قال : هؤلاء اليهود والنصارى كفروا بعد إيمانهم، ثم
ازدادوا كفراً بذنوب أذنبوها ، ثم ذهبوا يتوبون من تلك الذنوب في كفرهم ، فلم
تقبل توبتهم ، ولو كانوا على الهدى قُبلت ، ولكنهم على ضلالة)).
قلت : وهذا هو الذي اختاره إمام المفسرين ابن جرير رحمه الله تعالى ،
فليراجع كلامه من أراد زيادة تبطُّر وبيان .
٢٥٤٦ - (اشْوُوا لنا مِنْهُ، فقد بَلَغَ مَحِلَّهُ) .
أخرجه أبو يعلى (٢ / ٧٩٦)، ومن طريقه الضياء في (( الأحاديث المختارة))
(ق ١٩٤ / ٢) : حدثنا محمد بن يحيى بن أبي سمينة السامي : نا وكيع عن
شعبة عن قتادة عن أنس :
أن النبي # دخل بيت عائشة فرأى لحماً ، فقال: اشووا لنا منه . فقالوا :
٠٠٠) فذكره .
يا رسول الله ! إنها صدقة . فقال رسول الله
قلت : وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين ؛ غير ابن أبي سمينة
وهو التمار البغدادي ؛ ثقة. ولكني لم أجد من قال فيه (السامي)(٢) . والله أعلم .
ثم رواه (٢ / ٨٢٣) من طريق أبي داود قال : أنبأنا شعبة به نحوه بلفظ :
((هو عليها صدقة ، ولنا هدية)).
وهو بهذا اللفظ في (( الصحيحين )) وغيرهما .
(١) أخرجه في تفسيره (٥٧٩/٦ رقم ٧٣٧٦ - ٧٣٨١) من طرق عن داود بن أبي هند عن أبي
العالية بنحوه ، والسياق المذكور لَفَّقه الألوسي من مجموع الطرق ، فتنبه .
(٢) ووقع في ((مسند أبي يعلى)) (٣٠٧٨) المطبوع: ((الشامي)! وهو بغداديٌّ!
١٠١

٢٥٤٧ - (إنّ الله إذا استُودع شيئاً حَفِظَهُ) .
أُخرجه النّسائي في ((عمل اليوم)) (٥٠٩)، وابن حبان (٢٣٧٦ - الموارد)،
والبيهقي (١٧٣/٩)، والطبراني (٢/٢٠٦/٣)، وعلي بن المفضل المقدسي في
(((الأربعين في فضل الدعاء والداعين)) (٥ / ٢٥٠ /١) عن محمد بن عائذ
الدمشقي : أخبرنا الهيثم بن حميد عن المطعم بن المقدام عن مجاهد قال :
خرجت إلى العراق ، وشيعنا عبد الله بن عمر ، فلما فارقنا قال : إني ليس
عندي شيء أعطيكم، ولكني سمعت رسول اللهملاء يقول : (فذكره) ، وإني
أستودع الله دينكم وأمانتكم ، وخواتيمَ أعمالكم .
قلت : وهذا إسناد جيد ، رجاله كلهم ثقات؛ على ضعف يسير في الهيثم
ابن حميد .
وله شاهد من حديث عمر ◌َّالله، أخرجه عبد الوهاب بن أحمد أبو الحسين
في ((حديث أبي بكر بن أبي الحديد)) (ق ١٩١ / ٢) عن نهشل الضبي عن أبي
غالب أو أبي قزعة أو عن كلاهما عنه مرفوعاً .
قلت : هكذا وجدته بخطي عن المصدر المذكور، ويبدو أن فيه سقطاً وزيادة
فقد أخرجه الإمام أحمد (٢ / ٨٧) من طريق سفيان عن نهشل بن مجمع عن
قزعة عن ابن عمر عن النبي {﴾ قال :
(( إن لقمان الحكيم كان يقول : (فذكر حديث الترجمة) ، وقال مرة نهشل :
عن قزعة أو عن أبي غالب )) .
ثم أخرجه أحمد من طريق أخرى عن سفيان : أخبرني نهشل بن مجمع
الضبي - قال: وكان مرضياً - عن قزعة قال: أنا رسول الله / * أن لقمان ..
الحديث .
قلت : وهذا سند صحيح لولا أن نهشلاً تردد بين قزعة وأبي غالب ، وقزعة
١٠٢

ثقة ، وأبو غالب مجهول ، ولا يجوز ترجيح أحد طرفي التردد على الآخر إلا
بمرجِّح، وهذا ما لم نجده حتى الآن، ولذلك كنت أوردته في ((الضعيفة))
(٣١٩١) ، وأوضحت السبب هناك.
وأزيد هنا فأقول : إن في رواية نهشل هذه أن الحديث هو من قول لقمان
الحكيم، وهذه زيادة على رواية مجاهد التي ظاهرها أنها من قوله ﴿، والزيادة
على الثقة لا تقبل إلا من ثقة مثله ، وهذا معدوم هنا . فتنبه .
وفي معنى الحديث ما أخرجه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٥٠٨)،
وكذا ابن السنّي من طريق الليث بن سعد وسعيد بن أبي أيوب عن الحسن بن
ثوبان أنه سمع موسى بن وردان یقول :
أتيت أبا هريرة أودعه لسفر أردته ، فقال أبو هريرة مجمالله: ألا أعلمك يا ابن
أخي شيئاً علمنيه رسول الله تَه أقوله عند الوداع؟ قلت : بلى . قال : قل :
أستودعكم الله الذي لا يضيع ودائعه .
قلت : وهذا إسناد حسن. وأخرجه أحمد (٢ / ٤٠٣) ، لكنه لم يذكر سعيد
ابن أبي أيوب في إسناده .
وتابعهما ابن لھیعة عن الحسن بن ثوبان به ، إلا أنه قال :
((ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله :* ، إذا أردت سفراً أو تخرج
مكاناً ، تقول لأهلك .. )) ، فذكره .
أخرجه ابن السنّي (٥٠١)، وابن ماجه (٢٨٢٥) مختصراً، وأحمد (٢ /
٣٥٨) بلفظ :
(( أستودع الله دينك ، وأمانتك، وخواتيم عملك )) .
وابن لهيعة سيىء الحفظ فلا يحتج به إلا فيما وافق الثقات واللفظ الذي قبله
أصح. انظر الحديث المتقدم (١٦).
١٠٣

٢٥٤٨ - ( ما من ذي رَحِم يأتي رَحِمَهُ فيسألُهُ فَضْلاً أعطاهُ اللهُ إِيّاه
فَيَبْخَلُ عليه ؛ إلاّ أُخْرِجَ له يومَ القيامةِ من جهنّم حَيَّةٌ يُقال لها : شجاع
يتلمّظ ؛ فَيُطُوَّقُ به) .
أخرجه الطبراني في «الكبير)) (٢/٢٣٥/١ - النسخة العتيقة)، و ((الأوسط))
(٢ / ٤٢ / ١ / ٥٧٢٣) عن عبد الله بن أبي زياد القطواني : نا إسحاق بن الربيع
العصفري عن داود بن أبي هند عن عامر الشعبي عن جرير بن عبدالله عن النبي
قلت : وهذا إسناد حسن ، رجاله ثقات ؛ غير العصفري ، وقد روى عنه جمع
آخر من الثقات غير القطواني ، قال الذهبي :
((ذكره ابن عدي، وساق له حديثين غريبين ، متن الواحد : ((كلُّ معروف
صدقةٌ)). رواه عنه أحمد بن بديل، وإسحاق صدوق إن شاء الله)).
وأقرّه الحافظ في (( التهذيب)).
وأما في (( التقريب)) فقال :
(( مقبول )) .
وقال المنذري (٢ / ٣٣)، ثم الهيثمي (٨ / ١٥٤):
((رواه الطبراني في ((الأوسط)) و ((الكبير)) بإسناد جيد)).
وللحديث شواهد عند المنذري أحدها في ((سنن أبي داود)) تقدم تخريجه
برقم (٢٤٣٨).
١٠٤

٢٥٤٩ - (أَحْسَنَ ابنُ الخطابِ).
أخرجه أحمد (٥ / ٣٦٨) : ثنا محمد بن جعفر : ثنا شعبة عن الأزرق بن
قيس عن عبد الله بن رباح عن رجل من أصحاب النبي ت﴿## :
أن رسول الله ◌َ ﴿ صلى العصر، فقام رجل يصلي ، فرآه عمر ، فقال له :
اجلس ، فإنما هلك أهل الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصل . فقال رسول الله
: : فذكره .
قلت : وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال البخاري ، وجهالة الصحابي لا
تضر، وهو أبو رمثة كما في رواية أبي داود (١٠٠٧) من طريق المنهال بن خليفة
عن الأزرق بن قيس به نحوه . والمنهال ضعيف .
وللحديث شاهد من حديث معاوية يَالش أن النبي عَ ل أمر أن لا توصل
صلاة بصلاة حتى يتكلم أو يخرج . رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في (( صحيح
أبي داود)) (١٠٣٤) .
والحديث نص صريح في تحريم المبادرة إلى صلاة السنة بعد الفريضة دون
تكلم أو خروج ، كما يفعله كثير من الأعاجم وبخاصة منهم الأتراك، فإننا نراهم
في الحرمين الشريفين لا يكادُ الإمام يسلم من الفريضة إلا بادر هؤلاء من هنا
وهناك قياماً إلى السنة !
وفي الحديث فائدة أخرى هامة ، وهي جواز الصلاة بعد العصر ، لأنه لو كان
غير جائز، لأنكر ذلك على الرجل أيضاً كما هو ظاهر ، وهو مطابق لما ثبت عن
النبي ◌َ أنه كان يصلي بعد العصر ركعتين ، ويدل على أن ذلك ليس من
أنه قال: (( لا صلاة بعد العصر حتى تغرب
، وما صح عنه
خصوصياته
الشمس)) محمول على ما إذا كانت الشمس مصفرة ، لأحاديث صحت مقيدة
(١)وكذلك العرب منظر ين نفعل
١٠٥

بذلك . وقد سبق تخريج بعضها مع الكلام عليها من الناحية الفقهية تحت الحديث
(٢٠٠ و ٣١٤).
النهي عن الغلو في تعظيمه
٢٥٥٠ - ( يا أيُّها الناسُ! لا تَرْفَعُوني فَوْقَ قَدْري، فإنّ الله اتَّخَذني
عَبْداً قبل أن يَتَّخِذني نبيّاً) .
أخرجه الحاكم (٣ / ١٧٩) من طريق علي بن قادم : ثنا عبد السلام بن
حرب عن يحيى بن سعيد قال :
كنا عند علي بن الحسين فجاء قوم من الكوفيين ، فقال علي :
يا أهل العراق أحبّونا حبّ الإسلام، سمعت أبي يقول : قال رسول
الله عَ ل: فذكره . فذكرته لسعيد بن المسيب ، فقال: وبعدما اتخذه نبياً . وقال :
((صحيح الإسناد)) . ووافقه الذهبي.
قلت : وهو كما قالا .
٢٥٥١ - (ما مِنْ يوم أكثرُ من أن يُعْتِقَ الله فيه عَبْداً من النار مِنْ يوم
عَرَفَةَ ، وإنّه لَيَدْنو، ثم يُبَاهي بهم الملائكة ، فيقولُ : ما أراد هؤلاء؟) .
أخرجه مسلم (٤ / ١٠٧)، والنسائي (٢ / ٤٤)، وفي ((الكبرى)) أيضاً
(ق ٨٣ / ١)، وابن ماجه (٣٠١٤)، والدارقطني في ((سننه)) (ص ٢٨٩)، وكذا
البيهقي (٥ / ١١٨)، وابن عساكر في جزء ((فضل عرفة)) (ق ٢/٢) كلهم من
طريق مخرمة بن بكير عن أبيه قال : سمعت يونس بن يوسف يحدث عن سعيد
ابن المسيب عن عائشة أن رسول الله صَ ل قال : فذكره .
١٠٦

(تنبيه) : قد وقع لبعض العلماء بعض الأوهام في متن الحديث ، فوجب
بيانها ليكون القراء على حذر منها :
أولاً: قال المنذري في ((الترغيب)) (٢ / ١٢٩) بعدما عزاه لمسلم والنسائي
وابن ماجه :
(( وزاد رزين في ((جامعه)) فيه : اشهدوا ملائكتي! أني قد غفرت لهم)).
فأقول : هذه الزيادة لا أصل لها في شيء من روايات الحديث التي وقفت
عليها، وقد ذكرت آنفاً مخرجيها، وإنّما رُويت هذه الزيادة من حديث جابر ◌َالله،
لكن فيه عنعنة أبي الزبير ، مع الاختلاف عليه في لفظه ، ولذلك أوردته في
الكتاب الآخر (٦٧٩)، وهو شاهد قوي لحديث الترجمة، دون قوله: (( فيقول : ما
أراد هؤلاء؟))، وفيه: ((ينزل الله إلى السماء الدنيا))، بدل قوله: ((وإنه ليدنو)).
وإنا لنعهد من رزين أنه كثيراً ما يخلط بين حديث وحديث يختلفان في
المخرج ، فيسوق أحدهما ثم يضم إليه زيادة من حديث آخر ، دون أن يشير إلى
ذلك ، وقد تكون زيادة لا أصل لها في شيء من طرق الحديث . والله أعلم .
ثانياً : أورد السيوطي حديث الترجمة في ((الجامع الكبير)) من رواية مسلم
والنسائي وابن ماجه أيضاً بلفظ :
((عبداً أو أمة)).
فهذه الزيادة (( أو أمة)) لا أصل لها أيضاً عندهم ، ولا عند غيرهم ممن أخرج
الحديث. وانطلى أمرها على صاحب (( الفتح الكبير في ضم الزيادة إلى الجامع
الصغير))، وعليّ أيضاً حينما جعلت ((الفتح)) قسمين: ((صحيح الجامع الصغير
وزيادته)) و((ضعيف الجامع الصغير وزيادته))، فأوردت الحديث في القسم الأول
برقم (٥٦٧٢) ، فمن كان عنده فليعلق عليه بما يدل على أن هذه الزيادة لا أصل لها .
١٠٧

ثالثاً: جاء الحديث في ((الترغيب)) (١٢٩/٢ - الطبعة المنيرية) برواية الثلاثة
المذكورين أيضاً بلفظ ((عبيداً)) بصيغة الجمع، وكذلك وقع في سائر النسخ
المطبوعة ، منها مطبوعة مصطفى عمارة ، ويظهر أنه خطأ قديم لعله من المؤلف
نفسه ، فقد جاء كذلك في مخطوطة الظاهرية (ق ١٣٩ / ١)، ونبّه عليه الحافظ
الناجي، فقال في ((العجالة)) (١٣٣ / ٢):
(كذا وجد في أكثر نسخنا ، وإنما هو ((عبداً)) بالإفراد)).
رابعاً: وقع في ((الترغيب)) أيضاً بلفظ: ((ليدنو يتجلى)) بهذه الزيادة :
((يتجلى)). وكذلك وقع فيما سبقت الإشارة إليه من الطبعات والنسخ، وهي
زيادة منكرة لا أصل لها أيضاً في شيء من طرق الحديث ورواياته ، ولا أدري إذا مر
عليه الناجي فلم يعلق عليه بشيء، أو أنها لم تقع في نسخته من ((الترغيب))،
غالب الظن الأول ، وليس كتابه في متناول يدي الآن ، لترجيح أحد الاحتمالين .
وهذا الخطأ عندي أسوأ من الذي قبله ، لأنَّه مغيرٌ لمعنى الحديث ، لأنه تفسير
للدنو بالتجلّي ، وهذا إنما يجري على قاعدة الخلف وعلماء الكلام في تأويل
أحاديث الصفات ، خلافاً لطريقة السلف رضي الله عنهم ، كما خالفوهم في تأويل
أحاديث نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا (١) بأن المعنى نزول رحمته . وهذا كله
مخالف لما كان عليه السلف من تفسير النصوص على ظاهرها دون تأويل أو تشبيه
كما قال تعالى: ﴿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (الشورى: ١١)،
فنزوله نزول حقیقی یلیق بجلاله لا یشبه نزول المخلوقین ، وکذلك دنوّه عز وجل دنوّ
حقيقي يليق بعظمته ، وخاص بعباده المتقربين إليه بطاعته ، ووقوفهم بعرفة تلبية
لدعوته عز وجل . فهذا هو مذهب السلف في النزول والدنو ، فكن على علم بذلك
(١) وهي أحاديث كثيرة متواترة، خرّجت طائفة كبيرة منها في ((الإرواء)) (٤٤٩)، وفي ((تخريج
السنة)) لابن أبي عاصم (٤٩٢ - ٥١٣).
١٠٨
:

حتى لا تنحرف مع المنحرفين عن مذهبهم. وتجد تفصيل هذا الإجمال وتحقيق
القول فيه في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ، وبخاصة منها ((مجموعة الفتاوى))،
فراجع مثلاً (ج٥ / ٤٦٤ - ٤٧٨). وقد أورد الحديث على الصواب فيها (ص
٣٧٣) ، واستدل به على نزوله تعالى بذاته عشية عرفة ، وبحديث جابر المشار إليه
آنفاً .
سببُ نزولٍ ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله ﴾ الآية، وأن الكفرَ
العملي غير الاعتقادي
٢٥٥٢ - (إن الله عز وجل أنزلَ: ﴿وَمَنْ لم يحكمْ بما أنزلَ الله
فأولئك هم الكافرون﴾ و﴿أولئك هم الظالمون﴾ و﴿أولئك هم
الفاسقون﴾. قال ابن عباس: أنزلها الله في الطائفتين من اليهودِ،
وكانت إحداهما قد قَهَرت الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا
واصطلحوا على أنّ كلَّ قتيل قتله (العزيزةُ) من (الذليلةِ) فديَّتُه
خمسون وسْقاً ، وكل قتيل قتلُّه (الذليلةُ) من (العزيزة) فديَّتُه مائة
وسق، فكانوا على ذلك، حتى قَدِمَ النبي ﴿ُ المدينةَ، فذلّت
الطائفتان كلتاهما لمقدم رسولِ الله ﴿ ، ويومئذ لم يظهرْ ولم يوطئهما
عليه(١) وهو في الصلح ، فقتلتِ الذليلةُ من العزيزة قتيلاً، فأرسلت
(العزيزةُ) إلى (الذليلةِ) أن ابعثوا إلينا بمائة وسْق، فقالت (الذليلةُ):
وهل كانَ هذا في حيَّيْن قط دينُهما واحدٌ ، ونسبُهما واحدٌ ، وبلدُهما
واحدٌ ، ديّةُ بعضهم نصفهُ ديةٍ بعض؟! إنا إنما أعطيناكم هذا ضيماً
(١) لفظ الطبراني: ((ورسول الله :{ ). يومئذ لم يظهر عليهم ولم يوطئهما، وهو الصلح)).
١٠٩

منكم لنا ، وفَرَقاً منكم ، فأما إذْ قَدِمَ محمدٌ فلا نعطيكم ذلك ، فكادتِ
بینھم .
الحربُ تهيجُ بينهما ، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسولَ الله
ثم ذكرتِ (العزيزةُ) فقالتْ : والله ما محمدٌ بمعطيكم منهم ضعِفَ ما
يعطيهم منكم ، ولقد صدقوا ، ما أعطونا هذا إلا ضيماً منا ، وقهراً لهم،
فدُسّوا إلى محمدٍ مَنْ يَخْبُر لكم رأيه ؛ إنْ أعطاكم ما تريدون
حكّمتموه ، وإن لم يعطِكم حذِرْتم فلم تحكموه. فدَسّوا إلى رسول الله
ناساً من المنافقين ليَخْبُرُوا لهم رأيَ رسولِ الله ◌َ ﴿، فلما جاءَ
رسولُ الله ◌َ﴿ٍ أخبَر الله رسولَه بأمرِهم كلِّه ومَا أرادوا، فأنزلَ الله عز
وجل : ﴿يا أيُّها الرسولُ لا يحزّنْكَ الذين يُسَارعون في الكفرِ مِنَ
الذين قالوا : آمنا﴾ إلى قوله: ﴿ومَنْ لَمْ يحكُمْ بما أنزلَ الله فأولئك هم
الفاسقون﴾، ثم قال: فيهما والله نَزَلَتْ، وإياهما عنى الله عز وجل) .
أخرجه أحمد (١ / ٢٤٦)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣ / ١/٩٥)
من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة
ابن مسعود عن ابن عباس قال : فذكره .
وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢ / ٢٨١) لأبي داود أيضاً وابن جرير
وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس ، وهو عند ابن جرير في
((التفسير)) (١٢٠٣٧ ج ١٠ / ٣٥٢) من هذا الوجه ، لكنه لم يذكر في إسناده ابن
عباس .
وعند أبي داود (٣٥٧٦) نزول الآيات الثلاث في اليهود خاصة في قريظة
والنضير. فقط خلافاً لما يوهمه قول ابن كثير في ((التفسير)) (٦ / ١٦٠) بعد ما
ساق رواية أحمد هذه المطولة :
(( ورواه أبو داود من حديث ابن أبي الزناد عن أبيه نحوه)) !
١١٠

وقد نقل عنه صاحب (( الروض الباسم في الذبّ عن سنة أبي القاسم)) أنه
حسَّن إِسناده. ولم أرهذا في كتابه: (( التفسير))، فلعله في بعض كتبه الأخرى .
وتحسين هذا الإسناد هو الذي تقتضيه قواعدُ هذا العلم الشريف ، فإن مداره
على عبد الرحمن بن أبي الزناد ، وهو كما قال الحافظ :
((صدوق ، تغير حفظه لما قَدِمَ بغداد ، وكان فقيهاً)).
فقول الهيثمي (٧ / ١٦) :
((رواه أحمد والطبراني بنحوه ، وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد ، وهو
ضعيف ، وقد وُثِّق، وبقية رجال أحمد ثقات)).
قلت : فقوله فيه : ((ضعيف، وقد وثق)) ليس بجيد ، لأنه يرجّح قول من
ضعفه على قول من وثقه ، والحق أنه وسط ، وأنه حسن الحديث ؛ إلا أن يخالف ،
وهذا مما لا يستفاد من قوله المذكور فيه . والله أعلم .
( فائدة هامة ) :
إذا علمت أن الآيات الثلاث : ﴿ومن لم يحكم بما أنزلَ الله فأولئك هم
الكافرون﴾، ﴿فأولئك هم الظالمون﴾، ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ نزلت في اليهود
وقولهم في حكمه : ((إن أعطاكم ما تريدون حكّمتموه ، وإن لم يعطكم حذرتم
فلم تحكّموه)) ، وقد أشار القرآن إلى قولهم هذا قبل هذه الآيات فقال : ﴿يقولون إن
أوتيتم هذا فخذوه ، وإن لم تؤتوه فاحذروا﴾ ، إذا عرفت هذا ، فلا يجوز حمل هذه
الآيات على بعض الحكام المسلمين وقضاتهم الذين يحكمون بغير ما أنزل الله من
القوانين الأرضية ، أقول : لا يجوز تكفيرهم بذلك ، وإخراجهم من الملة ، إذا كانوا
مؤمنين بالله ورسوله ، وإن كانوا مجرمين بحكمهم بغير ما أنزل الله ، لا يجوز ذلك ،
لأنهم وإن كانوا كاليهود من جهة حكمهم المذكور، فهم مخالفون لهم من جهة
١١١

أخرى ، ألا وهي إيمانهم وتصديقهم بما أنزل الله ، بخلاف اليهود الكفار، فإنهم كانوا
جاحدين له كما يدل عليه قولهم المتقدم: (( ... وإن لم يعطكم حذرتموه فلم
تحكّموه)) ، بالإضافة إلى أنهم ليسوا مسلمين أصلاً، وسرّ هذا أن الكفر قسمان:
اعتقادي وعملي . فالاعتقادي مقرّه القلب . والعملي محلّه الجوارح. فمن كان
عمله كفراً لمخالفته للشرع ، وكان مطابقاً لما وقر في قلبه من الكفر به ، فهو الكفر
الاعتقادي ، وهو الكفر الذي لا يغفره الله ، ويخلد صاحبه في النار أبداً. وأما إذا
كان مخالفاً لما وقر في قلبه ، فهو مؤمن بحكم ربه ، ولكنه يخالفه بعمله ، فكفره
كفرٌ عملي فقط ، وليس كفراً اعتقادياً، فهو تحت مشيئة الله تعالى إن شاءعذّبه،
وإن شاء غفرله ، وعلى هذا النوع من الكفر تُحمَلُ الأحاديثُ التي فيها إطلاق
الكفر على من فعل شيئاً من المعاصي من المسلمين ، ولا بأس من ذكر بعضها :
١ - اثنتان في الناس هما بهم كفر ، الطعن في الأنساب ، والنياحةُ على
الميت . رواه مسلم .(١)
٢ - الجدال في القرآن كفر. (٢)
٣ - سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر. رواه مسلم. (٣)
٤ - كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق . (٤)
٥ - التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر .(٥)
٦- لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض. متفق عليه. (٦)
(١) تخريج (( الطحاوية)) (ص ٢٩٨).
(٢) ((صحيح الجامع الصغير)) (٣ / ٨٣ / ٣١٠١).
(٣) تخريج ((الإيمان)) لأبي عبيد (ص ٨٦)، وتخريج ((الحلال)) (رقم ٣٤١) .
(٤) ((الروض النضير)) (رقم ٥٨٧).
(٥) ((الأحاديث الصحيحة)) (رقم ٦٦٧).
(٦) ((الروض النضير)) (رقم ٧٩٧)، و (( الأحاديث الصحيحة)) رقم (١٩٧٤).
١١٢

إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي لا مجال الآن لاستقصائها . فمن
قام من المسلمين بشيء من هذه المعاصي ، فكفرُه كفر عملي ، أي إنه يعمل عمل
الكفار ، إلا أن يستحلَّها ، ولا يرى كونَها معصية فهو حينئذ كافرٌ حلال الدم ، لأنه
شارك الكفار في عقيدتهم أيضاً ، والحكم بغير ما أنزل الله ، لا يخرج عن هذه
القاعدة أبداً، وقد جاء عن السلف ما يدعمها ، وهو قولهم في تفسير الآية : ((كفر
دون كفر))، صح ذلك عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس مَالله، ثم تلقاه عنه
بعض التابعين وغيرهم ، ولا بد من ذكر ما تيسر لي عنهم لعل في ذلك إنارة
السبيل أمام من ضلّ اليوم في هذه المسألة الخطيرة ، ونحا نحو الخوارج الذين
يكفِّرون المسلمين بارتكابهم المعاصي ، وإن كانوا يصلون ويصومون !
١ - روى ابن جرير الطبري (١٠ / ٣٥٥ / ١٢٠٥٣) بإسناد صحيح عن ابن
عباس: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ قال: هي به كفر،
ولیس کفراً بالله وملائكته وكتبه ورسله .
٢ - وفي رواية عنه في هذه الآية: إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه(١)،
إنه ليس كفراً ينقل عن الملة ، كفر دون كفر .
أخرجه الحاكم (٢ / ٣١٣)، وقال: ((صحيح الإسناد)). ووافقه الذهبي ،
وحقهما أن يقولا : على شرط الشيخين . فإن إسناده كذلك .
ثم رأيت الحافظ ابن كثير نقل في «تفسيره)) (٦ / ١٦٣) عن الحاكم أنه قال :
((صحيح على شرط الشيخين))، فالظاهر أن في نسخة ((المستدرك)) المطبوعة
سقطاً ، وعزاه ابن كثير لابن أبي حاتم أيضاً ببعض اختصار .
٣ - وفي أخرى عنه من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: من
(١) كأنه يشير إلى الخوارج الذين خرجوا على علي ◌َالله.
١١٣

جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومن أقرَّ به ولم يحكم فهو ظالم فاسق . أخرجه ابن
جرير (١٢٠٦٣) .
قلت : وابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس ، لكنّه جيد في الشواهد .
٤ - ثم روى (١٢٠٤٧ - ١٢٠٥١) عن عطاء بن أبي رباح قوله : (وذكر الآيات
الثلاث) : كفرٌ دون كفرٍ، وفسقٌ دون فسقٍ ، وظلمٌ دون ظلم . وإسناده صحيح .
ءـ
٥ - ثم روى (١٢٠٥٢) عن سعيد المكي عن طاووس (وذكر الآية) ، قال :
ليس بكفر ينقل عن الملة . وإسناده صحيح ، وسعيد هذا هو ابن زياد الشيباني
المكي ، وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان وغيرهم ، وروى عنه جمع .
٦ - وروى (١٢٠٢٥ و١٢٠٢٦) من طريقين عن عمران بن حدير قال : أتى أبا
مجلز (١) ناسٌ من بني عمرو بن سدوس (وفي الطريق الأخرى : نفر من
الإباضية)(٢) فقالوا : أرأيت قول الله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
الكافرون﴾ أحق هو؟ قال : نعم. قالوا: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
الظالمون﴾ أحق هو؟ قال: نعم. قالوا: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
الفاسقون﴾ أحق هو؟ قال: نعم. قال : فقالوا : يا أبا مجلز فيحكمُ هؤلاء بما أنزل
الله ؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به ، وبه يقولون وإليه يدعون - [يعني الأمراء] -
فإن هم تركوا شيئاً منه عرفوا أنهم أصابوا ذنباً. فقالوا : لا والله ، ولكنك تَفْرَقُ (٣).
قال: أنتم أولى بهذا مني ! لا أرى ، وإنكم أنتم ترون هذا ولا تَحَرَّجون ، ولكنها
أنزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك. أو نحواً من هذا ، وإسناده صحيح .
وقد اختلف العلماء في تفسير الكفر في الآية الأولى على خمسة أقوال
(١) من كبار ثقات التابعين واسمه لاحق بن حميد البصري .
(٢) طائفة من الخوارج .
(٣) أي : تجزع وتخاف .
١١٤

ساقها ابن جرير (١٠ / ٣٤٦ - ٣٥٧) بأسانيده إلى قائليها، ثم ختم ذلك بقوله
(١٠ / ٣٥٨) :
(( وأَوْلى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال : نزلت هذه الآيات في
كفار أهل الكتاب ، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت ، وهم المعنيُّون
بها ، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم ، فكونها خبراً عنهم أولى .
فإن قال قائل : فإن الله تعالى ذِكْرُه قد عمَّ بالخبر بذلك عن جميع من لم
يحكم بما أنزل الله ، فكيف جعلته خاصاً ؟
قيل : إن الله تعالى عمّ بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به
في كتابه جاحدين ، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم - على سبيل ما تركوه -
كافرون . وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به هو بالله كافر ،
كما قال ابن عباس ، لأنه بجحوده حُكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه ؛ نظيرَ
جحودِه نبوةً نبيه بعد علمه أنه نبي )) .
وجملة القول ؛ أن الآية نزلت في اليهود الجاحدين لما أنزل الله ، فمن
شاركهم في الجحد ، فهو كافر كفراً اعتقادياً ، ومن لم يشاركهم في الجحد فكفره
عملي لأنه عمل عملهم ، فهو بذلك مجرم آثم ، ولكن لا يخرج بذلك عن الملة
كما تقدم عن ابن عباس مَبَالله. وقد شرح هذا وزاده بياناً الإمام الحافظ أبو عبيد
القاسم بن سلام في ((كتاب الإيمان)) ((باب الخروج من الإيمان بالمعاصي)) (ص
٨٤ - ٩٧ - بتحقيقي) ، فليراجعه من شاء المزيد من التحقيق .
وبعد كتابة ما سبق ، رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول في
تفسير آية الحكم المتقدمة في ((مجموع الفتاوى)) (٣ / ٢٦٨) :
((أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله)).
١١٥

ثم ذكر (٧ / ٢٥٤) أن الإمام أحمد سئل عن الكفر المذكور فيها ؟ فقال : كفر
لا ينقل عن الإيمان ، مثل الإيمان بعضه دون بعض ، فكذلك الكفر، حتى يجيء
من ذلك أمر لا يختلف فيه .
وقال (٧ / ٣١٢) :
(( وإذا كان من قول السلف أن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق ، فكذلك في
قولهم أنه يكون فيه إيمان وكفر ؛ ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة ، كما قال ابن
عباس وأصحابه في قوله تعالى : ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم
الكافرون﴾، قالوا: كفراً لا ينقل عن الملة . وقد اتّبعهم على ذلك أحمد وغيره من
أئمة السنة)).
٢٥٥٣ - (مَنْ خَرَجَ حاجاً فمات كَتَبَ اللهُ له أجرَ الحاجّ إلى يوم
القيامة ، ومن خَرَج مُعْتمراً فماتَ كتب اللهُ له أجرَ المُعْتَمر إلى يوم
القيامة ، ومن خَرَجَ غازياً في سبيل الله فمات كَتَبَ الله له أَجْر الغازي
إلى يوم القيامة) .
أخرجه أبو يعلى في («مسنده)) (٤ / ١٥٠٥): حدثنا إبراهيم بن زياد
- سَبَلان - : نا أبو معاوية : نا محمد بن إسحاق عن جميل بن أبي ميمونة عن
عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله حظية: فذكره .
وتابع أبا يعلى؛ الحافظُ الطبراني في «الأوسط)) (٢ / ٢٤ / ٢ /٥٤٥٤):
حدثنا محمد بن السري قال : نا إبراهيم بن زياد - سبلان - به . وقال :
(( تفرد به أبو معاوية)) .
ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في ((العلل)) (١ / ٣٢٦ - ٣٢٧)، والبيهقي
في ((الشعب)) (٣ / ٤٧٤).
١١٦
٠

قلت : وهذا إسناد فيه علتان :
الأولى : جهالة حال جميل بن أبي ميمونة ، فقد أورده ابن أبي حاتم عن
أبيه من روايته عن ابن أبي زكريا الخزاعي . وعنه محمد بن إسحاق ثم قال :
(( وروى عن سعيد بن المسيب . روى عنه الليث بن سعد)).
وبه أعله الهيثمي ، فقال (٣ / ٢٠٩) :
(( رواه الطبراني في «الأوسط))، وفيه جميل بن أبي ميمونة ، وقد ذكره ابن
أبي حاتم ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في (الثقات))).
والأخرى : عنعنة ابن إسحاق ، وبها أعله المنذري تلميحاً ، فقال (٢ /
١٦٦ ) :
(( رواه أبو يعلى من رواية محمد بن إسحاق ، وبقية إسناده ثقات)).
قلت : وقد وجدت له إسناداً آخر عن الليثي ، فقال يحيى بن صاعد في
((مجلسان من الأمالي)» (ق ٥١ / ٢) : حدثنا عمرو بن علي قال: نا أبو معاوية
الضرير قال : حدثنا هلال بن ميمون الفلسطيني عن عطاء بن يزيد الليثي به .
وأخرجه أبو نعيم في «أخبار أصبهان)) (٢ / ٢١) من طريق ابن صاعد به ،
لكنه قال :
((الواسطي)) بدل ((الفلسطيني))، وهو خطأ من الناسخ أو الطابع.
قلت : وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ؛ غير هلال بن
ميمون الفلسطيني ، وثقه ابن معين وابن حبان ، وقال النسائي : ليس به بأس .
وأما أبو حاتم فقال :
((ليس بالقوي ، يكتب حديثه)) .
وقد أخرج له ابن حبان عدة أحاديث في (( صحيحه))، وهذه أرقامها (١١٦٠
١١٧

و ١٧٤٦ و٢٠٥٣ - وهو مكرر الذي قبله، ٣١٨٣ - الإحسان)، والأخيران رقمهما
في ((موارد الظمآن)) (٣٥٧ و ٤٣١). وأما حديث الرقم الأول فقد سقط منه ، وقد
استدركته في كتابي الجديد (( صحيح موارد الظمآن))، وهو على وشك التمام إن
شاء الله تعالى . بل هو تحت الطبع الآن يسر الله صدوره قريباً إن شاء الله .
(تنبيه) : شيخ الطبراني المتابع لأبي يعلى هو محمد بن السري بن مهران
الناقد البغدادي، ترجمه الخطيب (٥ / ٣١٨ - ٣١٩) ووثقه. وقد ساق له
الطبراني قبل هذا الحديث خمسة أحاديث أخرى نسبه فيها إلى جده (مهران) إلا
في هذا، فكان ذلك سبباً لوهم المعلّق على ((مجمع البحرين))، فإنه فسره (٣ /
١٨٦) على أنه (محمد بن السري بن سهل أبو بكر البزار) الموثق عند الخطيب
أيضاً وغيره ، وفي ذلك دليل على أنه غير متقن لهذا العلم ، لأن سبب وهمه أنه لم
يتنبه أن الطبراني في ((الأوسط)) قد أورد حديثه هذا في آخر أحاديثه كما تقدم ،
وهو قد عزاه لـ ((الأوسط))!
هذا أولاً .
وثانياً : أنه لما رأى الخطيب قد ذكر في ترجمة ابن سهل هذا أنه من شيوخ
الطبراني ، تسرع فحكم بأنه هو ، ولو أنه صبر وتابع البحث لوجد ما يحول بينه
وبين الوهم . فإن الخطيب بعد ترجمة واحدة فقط ترجم لابن مهران هذا ، وذكر في
شيوخه (سبلان) صاحب هذا الحديث ، وعنه الطبراني !!
فضل الغبار في سبيل الله
٢٥٥٤ _ (ما خالَطَ قلبَ امرىءٍ مسلم رَهَجٌ(١) في سبيل الله إلاّ حَرَّم
اللهُ عليه النَّارَ) .
(١) أي : الغبار.
١١٨

أخرجه أحمد (٦ / ٨٥) : ثنا أبو اليمان قال: ثنا إسماعيل بن عياش عن
الأوزاعي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة :
أن مكاتباً لها دخل عليها ببقية مكاتبته ، فقالت له : أنت غير داخل عليَّ غير
مرّتك هذه، فعليك بالجهاد في سبيل الله، فإني سمعت رسول الله مَ الله يقول :
فذكره .
قلت : وهذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ؛ غير
إسماعيل بن عياش وهو ثقة في روايته عن الشاميين ، وهذه منها .
وقال المنذري (٢ / ١٦٨)، وتبعه الهيثمي (٥ / ٢٧٦) :
((رواه أحمد، ورواته ثقات)).
قلت : وأخرجه ابن أبي عاصم ( ق ٨٤ / ٢) من طريق سويد بن عبد العزيز:
ثنا الأوزاعي به .
قلت : وقد وجدت له طريقاً أخرى قد يعتضدُ به ويقوى ، فقال الطبراني في
((الأوسط)) (٢ / ١٢٤ - ١٢٥ - مصورة الجامعة الإسلامية): حدثنا هشيم بن
خلف : ثنا محمد بن عمار الموصلي : ثنا القاسم بن يزيد الجرمي عن صدقة بن
عبد الله الدمشقي عن ابن جريج عن محمد بن زياد المدني عن فرات مولى عائشة
قال : قالت عائشة : فذكره مرفوعاً نحوه .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ، صدقة بن عبد الله الدمشقي ضعيف كما قال
الحافظ .
وفرات مولى عائشة لم أعرفه ، ولعل اسمه أصابه تحريف .
وله طريق ثالث ، فقال ابن أبي عاصم : حدثنا عمر بن يحيى الأيلي : ثنا
حفص بن جميع عن المغيرة عن الحكم عن عطاء عنها ؛ رفعت الحديث نحوه .
١١٩

قلت: وحفص بن جميع ضعيف كما في (( التقريب)).
٢٥٥٥ _ (مَنْ رمى بِسَهْم في سبيلِ الله كان له نُوراً يومَ القيامةِ) .
أخرجه البزار في (( مسنده)) (ص ١٨٣ - زوائده) : حدثنا عبد الرحمن بن
الفضل بن موفق : ثنا زيد بن الحباب : ثنا حميد المكي - مولى لابن علقمة - عن
عطاء - يعني ابن أبي رباح - عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه ◌َ يُّهُ: فذكره ، وقال :
( تفرد به عن حميد زيد )) .
قلت : وهو صدوق من رجال مسلم ، لكن شيخه المكي مولى ابن
علقمة - وهو غير ابن قيس الأعرج المكي - مجهول كما قال الحافظ ، وهو أصغر
من الأعرج كما قال الذهبي ، ويبدو أن الهيثمي توهم أنه ابن قيس المخرّج له في
((الصحيحين))، فإنه قال في ((المجمع)) (٥ / ٢٧٠) :
(( رواه البزّار عن شيخه عبد الرحمن بن الفضل بن موفق ، ولم أعرفه ، وبقية
رجاله رجال الصحيح)»!
ومن العجيب أن الحافظ ابن حجر أقرّه على ذلك، فإنه قال عقب قول البزار
المتقدم :
(( قال الشيخ: رجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمن ، وهو ثقة)) !.
قلت : وأنا أظن أنه يعني بـ (الشيخ) شيخه الهيثمي ، وحينئذ يُشْكِلُ قوله
عنه في عبد الرحمن: ((وهو ثقة))! والهيثمي قد قال فيه كما سبق: ((لم
أعرفه)). وقد ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٨ / ٣٨٢)، وقال :
(( روى عنه الحضرمي وأهل العراق)).
وجملة القول ؛ أن إسناد الحديث ضعيف ، لما عرفتَ من جهالة حميد
المكي ، فلا يغتر بقول المنذري (٢ / ١٧٢) :
١٢٠
أ