Indexed OCR Text
Pages 261-280
من فضائل علي، ومعنى الموالاة
٢٢٢٣ - (ما تُريدونَ مِن عَليّ؟ إِنَّ علياً مِنِّي، وأنا منهُ، وهو وليُّ كلِّ
مُؤْمِنٍ بعدي).
أخرجه الترمذي (٣٧١٣)، والنسائي في ((الخصائص)) (ص١٣ و١٦ - ١٧)،
وابن حبان (٢٢٠٣)، والحاكم (٣ / ١١٠)، والطيالسي في ((مسنده)) (٨٢٩)، وأحمد
(٤ / ٤٣٧ - ٤٣٨)، وابن عدي في ((الكامل)) (٢ / ٥٦٨ - ٥٦٩) من طريق جعفر بن
سليمان الضُّبعي عن يزيد الرشك عن مطرف عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال:
((بعث رسول الله وَّر جيشاً، واستعمل عليهم علي بن أبي طالب، فمضى في
السرية، فأصاب جارية، فأنكروا عليه، وتعاقدوا أربعة من أصحاب رسول الله ويل
فقالوا: إن لقينا رسول الله و لقد أخبرناه بما صنع علي، وكان المسلمون إذا رجعوا من سفر
بدأوا برسول الله ور فسلموا عليه، ثم انصرفوا إلى رحالهم، فلما قدمت السرية سلموا
على النبي ◌َّ﴿، فقام أحد الأربعة فقال: يا رسول الله! ألم تر إلى علي بن أبي طالب
صنع كذا وكذا، فأعرض عنه رسول الله وَ ◌ّر، ثم قام الثاني، فقال مثل مقالته، فأعرض
عنه، ثم قام إليه الثالث، فقال مثل مقالته، فأعرض عنه، ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا،
فأقبل إليه رسول الله وَ ير والغضب يعرف في وجهه فقال:)) فذكره. وقال الترمذي :
((حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان)).
قلت: وهو ثقة من رجال مسلم، وكذلك سائر رجاله، ولذلك قال الحاكم:
((صحيح على شرط مسلم))، وأقره الذهبي.
وللحديث شاهد، يرويه أجلح الكندي عن عبدالله بن بريدة عن أبيه بريدة قال:
بعث رسول الله * بعثين إلى اليمن، على أحدهما علي بن أبي طالب .. فذكر
القصة بنحو ما تقدم، وفي آخره:
٢٦١
((لا تقع في علي؛ فإنه مني، وأنا منه، وهو وليكم بعدي، وإنه مني وأنا منه، وهو
ولیکم بعدي)).
أخرجه أحمد (٥ / ٣٥٦).
قلت: وإسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير الأجلح، وهو ابن عبدالله
الكندي، مختلف فيه، وفي ((التقريب)):
((صدوق شيعي)).
فإن قال قائل: راوي هذا الشاهد شيعي، وكذلك في سند المشهود له شيعي آخر،
وهو جعفر بن سليمان، أفلا يعتبر ذلك طعناً في الحديث، وعلة فيه؟!
فأقول: كلا؛ لأن العبرة في رواية الحديث إنما هو الصدق والحفظ، وأما المذهب
فهو بينه وبين ربه، فهو حسيبه، ولذلك نجد صاحبي ((الصحيحين))، وغيرهما، قد
أخرجوا لكثير من الثقات المخالفين كالخوارج والشيعة وغيرهم، وهذا هو المثال بين
أيدينا، فقد صحح الحديث ابن حبان كما رأيت، مع أنه قال في راويه جعفر في كتابه
((مشاهير علماء الأمصار)) (١٥٩ / ١٢٦٣):
((کان یتشیع ویغلو فيه)).
بل إنه قال في ((ثقاته)) (٦ / ١٤٠):
«كان يبغض الشیخین)) .
وهذا، وإن كنت في شك من ثبوته عنه، فإن مما لا ريب فيه أنه شيعي ؛ لإِجماعهم
على ذلك، ولا يلزم من التشيع بغض الشيخين رضي الله عنهما، وإنما مجرد التفضيل.
والإسناد الذي ذكره ابن حبان برواية تصریحه ببغضهما، فیه جریر بن يزيد بن هارون،
ولم أجد له ترجمة، ولا وقفت على إسناد آخر بذلك إليه. ومع ذلك فقد قال ابن حبان
عقب ذاك التصريح :
٢٦٢
((وكان جعفر بن سليمان من الثقات المتقنين في الروايات، غير أنه كان ينتحل
الميل إلى أهل البيت، ولم يكن بداعية إلى مذهبه، وليس بين أهل الحديث من أئمتنا
خلاف أن الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعة، ولم يكن يدعو إليها، أن الاحتجاج بأخباره
جائز)).
على أن الحديث قد جاء مفرقاً من طرق أخرى ليس فيها شيعي .
أما قوله: ((إن علياً مني وأنا منه)).
فهو ثابت في ((صحيح البخاري)) (٢٦٩٩) من حديث البراء بن عازب في قصة
اختصام علي وزيد وجعفر في ابنة حمزة، فقال ◌َّ لعلي رضي الله عنه:
((أنت مني وأنا منك)).
وروي من حديث حبشي بن جنادة، وقد سبق تخريجه تحت الحديث (١٩٨٠).
وأما قوله: ((وهو ولي كل مؤمن بعدي)).
فقد جاء من حديث ابن عباس، فقال الطيالسي (٢٧٥٢): حدثنا أبو عوانة عن
أبي بلج عن عمرو بن ميمون عنه
أن رسول اللّه ◌َير قال لعلي:
«أنت ولي كل مؤمن بعدي) .
وأخرجه أحمد (١ / ٣٣٠ - ٣٣١)، ومن طريقه الحاكم (٣ / ١٣٢ - ١٣٣)،
وقال :
((صحيح الإِسناد))، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا .
وهو بمعنى قوله {وَل: ((من كنت مولاه فعلي مولاه .. ))، وقد صح من طرق كما
تقدم بيانه في المجلد الرابع برقم (١٧٥٠).
فمن العجيب حقاً أن يتجرأ شيخ الإسلام ابن تيمية على إنكار هذا الحديث
٢٦٣
وتكذيبه في ((منهاج السنة)) (٤ / ١٠٤)، كما فعل بالحديث المتقدم هناك، مع تقريره
رحمه الله أحسن تقرير أن الموالاة هنا ضد المعاداة، وهو حكم ثابت لكل مؤمن، وعلي
رضي الله عنه من كبارهم، يتولاهم ويتولونه. ففيه رد على الخوارج والنواصب، لكن ليس
في الحديث أنه ليس للمؤمنين مولى سواه، وقد قال النبي ◌َّر:
((أسلم وغفار ومزينة وجهينة وقريش والأنصار موالي دون الناس، ليس لهم مولى
دون الله ورسوله)).
فالحديث ليس فيه دليل البتة على أن علياً رضي الله عنه هو الأحق بالخلافة من
الشيخين، كما تزعم الشيعة، لأن الموالاة غير الولاية؛ التي هي بمعنى الإمارة، فإنما
يقال فيها: والي كل مؤمن.
هذا کله من بیان شيخ الإسلام، وهو قوي متین کما ترى، فلا أدري بعد ذلك وجه
تكذيبه للحديث؛ إلا التسرع والمبالغة في الرد على الشيعة، غفر الله لنا وله .
٢٢٢٤ - (ما تَسْتَقِلُّ الشمسُ فَبْقَى شَيءٌ من خَلْقِ الله عزَّ وجلَّ إلا
سَبَّحَ اللهَ عزَّ وجلَّ وحَمِدَهُ، إلا ما كانَ من الشيطانِ وأَعْتَى بني آدَمَ، فسأَلْتُ
عِنْ أَعْتى بني آدَمَ؟ فقال: شرارُ الخَلْقِ، أو قال: شرارُ خَلْقِ الله).
أخرجه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (١٤٦)، وعنه الديلمي (٤ / ٤٦)،
وأبو نعيم في ((الحلية)) (٦ / ١١١) من طريق بقية بن الوليد: حدثني صفوان بن عمرو
عن عبدالرحمن بن ميسرة أبي سلمة الحضرمي عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه عن
رسول الله رَالر: فذكره.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات معروفون، غير أبي سلمة الحضرمي، وقد
روی عنه جمع منھم حریز بن عثمان، وقد قال أبو داود:
((شيوخ حريز كلهم ثقات)).
٢٦٤
وقال العجلي :
((شامي تابعي ثقة)).
وبقية؛ الكلام فيه معروف، والراجح منه الاحتجاج بحديثه إذا صرح بالتحديث
عن شيخه، وقد قال الذهبي في ((الكاشف)):
«وثقه الجمهور فيما سمعه من الثقات، وقال النسائي: إذا قال: (ثنا) و(نا)، فهو
ثقة)) .
قصة نومهم عن صلاة الفجر في السفر
٢٢٢٥ - (ما تقولونَ؟ إِنْ كانَ أَمْرَ دُنْيكُمْ فَشَأْنُكُم، وإِنْ كَانَ أَمْرَ
دِينِكُم فإِلَيَّ).
أخرجه الإمام أحمد (٥ / ٢٩٨) عن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الله بن
رباح عن أبي قتادة قال:
((كنا مع رسول الله وَّرَ في سفر، فقال: إنكم إن لا تدركوا الماء غداً تعطشوا،
وانطلق سرعان الناس يريدون الماء، ولزمت رسول الله وسلام، فمالت برسول الله وَالخيل
راحلته، فنعس رسول الله وَ ل﴿، فدعمته، فادَّعم، ثم مال، فدعمته، فادَّعم، ثم مال
حتى كاد أن ينجفل عن راحلته، فدعمته، فانتبه، فقال: من الرجل؟ قلت: أبو قتادة.
قال: مذ كم كان مسيرك؟ قلت: منذ الليلة. قال: حفظك الله كما حفظت رسوله. ثم
قال: لو عرسنا، فمال إلى شجرة فنزل، فقال: انظر هل ترى أحداً؟ قلت: هذا راكب،
هذان راكبان، حتى بلغ سبعة، فقلنا: احفظوا علينا صلاتنا، فنمنا، فما أيقظنا إلا حر
الشمس، فانتبهنا، فركب رسول الله وَلقر، فسار وسرنا هنيهة، ثم نزل فقال: أمعكم ماء؟
قال: قلت: نعم. معي ميضأة فيها شيء من ماء، قال: آئت بها. فأتيته بها، فقال: مسوا
منها، مسوا منها. فتوضأ القوم، وبقيت جرعة، فقال: ازدهر بها يا أبا قتادة! فإنه سيكون
٢٦٥
لها نبأ، ثم أذَّن بلال، وصلوا الركعتين قبل الفجر، ثم صلوا الفجر، ثم ركب وركبنا،
فقال بعضهم لبعض: فرطنا في صلاتنا، فقال رسول الله وَالله: (فذكره)، قلنا: يا رسول
الله! فرطنا في صلاتنا. فقال: لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة، فإذا كان ذلك
فصلوها، ومن الغد وقتها، ثم قال: ظنوا بالقوم، قالوا: إنك قلت بالأمس: إن لا تدركوا
الماء غداً تعطشوا، فالناس بالماء. فقال: أصبح الناس وقد فقدوا نبيهم، فقال بعضهم
لبعض: إن رسول الله ◌َّير بالماء، وفي القوم أبو بكر وعمر، فقالا: أيها الناس! إن رسول
الله ◌َّ لم يكن ليسبقكم إلى الماء ويخلفكم، وإن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا.
قالها ثلاثاً، فلما اشتدت الظهيرة، رفع لهم رسول الله صل﴿، فقالوا: يا رسول الله! هلكنا
عطشاً تقطعت الأعناق. فقال: لا هلك عليكم، ثم قال: يا أبا قتادة! ائت بالميضأة،
فأتيته بها. فقال: آحلل لي غمري، يعني: قدحه، فحللته، فأتيته به، فجعل يصب فيه
ويسقي الناس، فازدحم الناس عليه، فقال رسول الله وَّر: يا أيُّها الناس! أحسنوا المَلْءَ
فكلكم يصدرُ عن ريٍّ، فشرب القوم حتى لم يبق غيري وغير رسول الله وَّر، فصب لي.
فقال: اشرب يا أبا قتادة! قال: قلت: اشرب أنت يا رسول الله! قال: إن ساقي القوم
آخرهم. فشربت وشرب بعدي، وبقي في الميضأة نحو مما كان فيها. وهم يومئذ
ثلاثمائة)».
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه في «صحيحه)) دون
موضع الشاهد منه، وهو رواية لأحمد.
٢٢٢٦ - (ما حُبسَتِ الشمسُ على بَشَرٍ قطُّ؛ إلا على يوشَعَ بنِ نونٍ
لياليَ سارَ إِلی بیتِ المقدِسِ ).
رواه أحمد (٢ / ٣٢٥)، والخطيب (٩ / ٩٩)، وعنه ابن عساكر (٧ / ١٥٧ /
٢) من طريق أبي بكر بن عياش عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعاً.
٢٦٦
قلت: وهذا إسناد جيد على شرط البخاري. وقد أخرجه هو ومسلم من طريق
أخرى عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه مطولاً، وسيأتي إن شاء الله تعالى برقم (٢٧٤١).
فضل الغبار في سبيل الله
٢٢٢٧ - (ما خالَطَ قَلْبَ امْرِئٍ مسلِمٍ رَهَجُ في سَبيلِ الله، إلا حَرِّمَ
الله عليه النَّارَ).
أخرجه أحمد (٦ / ٨٥) عن إسماعيل بن عياش عن الأوزاعي عن عبد الرحمن
ابن القاسم عن أبيه عن عائشة :
((أن مكاتباً لها دخل عليها ببقية مكاتبته، فقالت له: أنت غير داخل علي غير مرتك
هذه، فعليك بالجهاد في سبيل الله، فإني سمعت رسول الله وَّلو يقول:)) فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، غير إسماعيل بن
عياش، وهو ثقة في روايته عن الشاميين، وهذه منها.
قلت: وقد تابعه سويد بن عبد العزيز: ثنا الأوزاعي به .
أخرجه ابن أبي عاصم في ((الجهاد)) (ق٨٤ / ١).
وسويد هذا لين الحديث، كما في ((التقريب))، فيستشهد به .
وله عنده طريق أخرى، أخرجه من طريق حفص بن جُميع عن المغيرة عن الحكم.
عن عطاء عنها.
:جـ
وحفص هذا ضعيف أيضاً.
ووجدت له طريقاً ثالثاً، فقال الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (رقم ٩٥٧٧ -
مصورتي): حدثنا هيثم بن خلف: نا محمد بن عمار الموصلي: نا القاسم بن يزيد
الجرمي عن صدقة بن عبد الله الدمشقي عن ابن جريج عن محمد بن زياد المدني عن
٢٦٧
بواب مولى عائشة قال: قالت عائشة: سمعت رسول الله وسلم يقول: فذكره نحوه. وقال:
((لم يروه عن ابن جريج إلا صدقة، ولا عن صدقة إلا القاسم بن يزيد، تفرد به
محمد بن عمار)).
قلت: وهو ثقة حافظ من شيوخ النسائي، نسبه إلى جده، وإلا فهو محمد بن
عبدالله بن عمار، أبو جعفر البغدادي، نزيل الموصل.
ومن فوقه ثقات، غير صدقة؛ فهو ضعيف.
و(نواب) مولى عائشة لم أعرفه، ووقع في ((المعجم)) هكذا بغير إعجام، فلم يتبين
لي اسمه .
وبالجملة؛ فالحديث صحيح بهذه الطرق، وخيرها أولها، وقد وثق المنذري (٢
/ ١٦٨) رجالها. وكذلك فعل الهيثمي (٥ / ٢٧٦)، وأقره المناوي، بل قال في
((التیسیر)) :
((إسناده صحيح، وقول المؤلف: ((حسن))؛ تقصير)).
(تنبيه): (الرهج) بفتح الراء وفتح الهاء وتسكن: هو الغبار، كما في (ابن الأثير))
وغيره. وشذ المنذري فقال في تفسيره:
((هو ما بداخل باطن الإِنسان من الخوف والجزع)).
وهذا خطأ بلا نزاع، لم يقله غيره كما في ((عجالة الإِملاء)) للحافظ الناجي، وأيد
ذلك بالنقل عن أهل اللغة، ونقل عن طائفة منهم أنه بفتح الهاء، وأن الإِسكان لم يذكره
إلا صاحب ((القاموس)). والله أعلم.
ولعل المنذري رحمه الله تأثر فيما ذهب إليه بالحديث الذي ساقه عقبه مرفوعاً
بلفظ :
((إذا رجف قلب المؤمن في سبيل الله تحاتَّت عنه خطاياه، كما يتحات عنه عذق
النخلة)).
٢٦٨
رواه الطبراني .
ولا يخفى أن هذا حديث مستقل عن ذاك، ولا يمكن اعتباره بوجه من الوجوه مفسراً
له، هذا لو ثبت، فكيف وهو موضوع، كما بينته في ((الأحاديث الضعيفة)) (٥١٤٥)؟!
٢٢٢٨ - (ما على الأرض مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ، وَلَها عِنْدَ الله خَيْرٌ؛
تُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ وَلَها الدُّنْيَا إِلَّ القَتِيلَ [في سبيلِ الله]، فَإِنَّهُ يُحِبُّ
أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى).
أخرجه النسائي (٢ / ٦٢)، وأحمد (٥ / ٣١٨، ٣٢٢) من طريقين عن كثير بن
مرة أن عبادة بن الصامت حدثهم أن رسول الله وَل قال: فذكره.
قلت: وإسناد النسائي جيد، وكذلك إسناد أحمد لو أن ابن جريج صرح
بالتحدیث، لكنه شاهد للذي قبله .
(تنبيه): أورد السيوطي الحديث برواية المذكورين بزيادة في آخره:
((لما يرى من ثواب الله له)).
وهي ليست عندهما كما ذكرنا، وقد عزاه في ((الجامع الكبير)) لابن أبي الدنيا أيضاً
في ((ذكر الموت))، والروياني، والطبراني في ((الكبير))، والضياء المقدسي عن عبادة،
فلعلها عند أحدهم.
وقد وجدت لها شاهداً من حديث أنس مرفوعاً بلفظ :
((ما من نفس تموت فتدخل الجنة فتود أنها رجعت إليكم ولها الدنيا وما فيها إلا
الشهيد، فإنه ودَّ أنه قتل كذا وكذا مرة، لما رأى من الثواب)).
أخرجه الدارمي (٢ / ٢٠٦) بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجاه
بمعناه .
٢٦٩
٢٢٢٩ - (مَا عَلَّمْتَهُ إِذْ كَانَ جَاهِلاً، وَلا أُطْعَمْتَهُ إِذْ كَانَ سَاغِباً أُوْ
جائعاً).
أخرجه أبو داود (١ / ٤٠٨ - ٤٠٩)، وابن ماجه (٢ / ٤٤)، والحاكم (٤ /
١٣٣)، والبيهقي (١٠ / ٢)، وأحمد (٤ / ١٦٦ - ١٦٧)، وابن سعد (٧ / ٥٥) عن
أبي بشر عن عبادة بن شرحبيل قال:
((أصابتني سنة، فدخلت حائطاً من حيطان المدينة، ففركت سنبلاً فأكلت،
وحملت في ثوبي، فجاء صاحبه، فضربني، وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله وَّر، فقال
له: (فذكره) وأمره؛ فرد علي ثوبي، وأعطاني وسقاً أو نصف وسق من طعام)). وقال
الحاكم :
((صحيح الإِسناد))، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
٢٢٣٠ - (مَا أَنْكَرَ قَلْبُكَ فَدَعْهُ).
أخرجه عبد الله بن المبارك في ((الزهد)) (٨٢٤ و ١١٦٢): أخبرنا ابن لهيعة قال:
حدثنا يزيد بن أبي حبيب أن سويد بن قيس أخبره أن عبد الله بن معاوية بن حديج أخبره:
((أن رجلاً سأل رسول الله وسل﴿ فقال: يا رسول الله! ما يحل لي مما يحرم علي؟
فسكت رسول الله وَ له، فرد عليه ثلاث مرات، كل ذلك يسكت رسول اللّه وَ له، فقال:
من السائل؟ فقال الرجل: أنا ذا يا رسول الله! قال: ونقر بأصبعيه:)) فذكره.
قلت: وهذا إسناد مرسل صحيح، رجاله ثقات، فإن ابن لهيعة صحيح الحديث
إذا روى عنه العبادلة، وابن المبارك أحدهم.
وله شاهد من حديث أبي أمامة قال:
٢٧٠
((سأل رجل النبي ◌َّ ما الإِثم؟ قال: ما حكَّ أو ما حاك في صدرك فدعه)).
أخرجه ابن المبارك (٨٢٥) بإسناد صحيح، وغيره كما سبق برقم (٥٥٠).
٢٢٣١ - (يا أبَا بَكْرٍ! ثَلاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٍّ: مَا مِنْ عَبْدِ ظُلِمَ بمَظْلَمَةٍ
فَيُغْضِي عنها لله عزَّ وجلَّ إِلَّ أَعَزَّ الله بهَا نَصْرَهُ، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ
يُرِيدُ بِها صِلَةً إِلَّ زَادَهُ اللهُ بِهَا كَثْرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِها كَثْرَةً
إِلَّ زَادَهُ الله بِها قِلَّةً).
أخرجه أحمد (٢ / ٤٣٦) عن ابن عجلان قال: ثنا سعيد بن أبي سعيد عن أبي
هريرة :
((أن رجلاً شتم أبا بكر، والنبي و طيور جالس، فجعل النبي ◌َّ يعجب ويبتسم، فلما
أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي بم# وقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله! كان
يشتمني وأنت جالس فلما رددت عليه بعض قوله؛ غضبت وقمت، قال: إنه كان معك
ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان،
ثم قال: )) فذكره .
قلت: وإسناده جید .
والحديث قال في ((مجمع الزوائد)) (٨ / ١٩٠):
((رواه أحمد، والطبراني في ((الأوسط)) بنحوه، ورجال أحمد رجال (الصحيح)))!
كذا قال، وابن عجلان إنما أخرج ه البخاري تعليقاً، ومسلم استشهاداً.
وللجملة الأخيرة منه طريق أخرى عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي
هريرة .
أخرجه أحمد (٢ / ٤١٨).
٢٧١
وسنده صحيح على شرط مسلم.
فضل السعي على نفسه وعياله
٢٢٣٢ - (وَمَا سَبِيلُ الله إِلَّ مَنْ قُتِلَ؟!
مَنْ سَعَى على والديهِ ففي سبيلِ الله، ومَنْ سَعَى على عِيالِهِ ففي
سبيل الله، [ومَنْ سَعَىْ على نفسِهِ لَيَعِفَّهَا فهو في سبيل الله]، ومَنْ سَعَى
مُكاثِراً ففي سبيلِ الطَّاغُوتِ، وفي روايةٍ: سَبيلِ الشيطانِ).
أخرجه البزار (١٨٧١ - الكشف)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٦ / ١٩٦ - ١٩٧)،
والأصبهاني في ((الترغيب والترهيب)) (ق ٤٧ / ٢ - ٤٨ / ١ - مصورة الجامعة الإِسلامية
الثانية)، والبيهقي في ((السنن)) (٩ / ٢٥) من طرق عن أحمد بن عبدالله بن يونس: ثنا
رياح بن عمرو: ثنا أيوب السّختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال:
بينا نحن مع رسول الله ( إذ طلع شاب من الثنية، فلما رأيناه رميناه بأبصارنا،
فقلنا: لو أن هذا الشاب جعل شبابه ونشاطه وقوته في سبيل الله! فسمع رسول الله واله
مقالتنا فقال: فذكره. والسياق لأبي نعيم والزيادة للأصبهاني .
قلت: وإسناده جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير رياح بن عمرو - وهو
القيسي -، وهو صدوق كما قال أبو زرعة.
وقال في ((المجمع)) (٨ / ١٤٤):
(رواه البزار، والطبراني في ((الأوسط))، وفيه رباح بن عمر؛ وثقه أبو حاتم، وضعفه
غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح)).
كذا وقع فيه: (رباح) بالموحدة، والصواب: (رياح) بالمثناة التحتية، و(ابن عمر)
٢٧٢
خطأ أيضاً، ولعله مطبعي لم يتنبه له الأعظمي في تعليقه على ((الكشف))، والصواب (ابن
عَمرو) بفتح العين.
والحديث صحيح، فإن له شواهد كثيرة كما بينته في ((التعليق الرغيب، على
الترغيب والترهيب)) وقد ذكر أحدها (٣ / ٤) من حديث كعب بن عجرة، وأخرجه بحشل
الواسطي في ((تاريخ واسط)) (ص ١٤٦).
وللحديث طريق أخرى، يرويه سليمان بن كيسان عن هارون بن راشد عن أبي
هريرة به نحوه .
أخرجه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) (٤ / ٤٢ /٢).
وهارون هذا قال الذهبي :
((روى عن تابعي عن أبي هريرة، مجهول، وذكره ابن حبان في (الثقات)).
٢٢٣٣ - (مَا أَجِدُ لهُ في غزوتِه هذه في الدُّنيا والآخرةِ إلَّ دَتَانِرَهُ
التي سَمَّى).
أخرجه أبو داود (١ / ٣٩٦)، والحاكم (٢ / ١١٢)، وعنه البيهقي (٦ / ٣٣١)
عن عبد الله بن الديلمي
أن يعلى بن منية قال :
((آذن رسول الله وَّر بالغزو، وأنا شيخ كبير، ليس لي خادم، فالتمست أجيراً
يكفيني، وأجري له سهمه، فوجدت رجلاً، فلما دنا الرحيل أتاني فقال: ما أدري ما
السهمان وما يبلغ سهمي؟ فسم لي شيئاً، كان السهم أو لم یکن، فسميت له ثلاثة دنانیر،
فلما حضرت غنيمته، أردت أن أجري له سهمه فذكرت الدنانير، فجئت النبي وَّ،
فذكرت له أمره، قال:)) فذكره، وقال الحاكم:
٢٧٣
((صحيح على شرط الشيخين))، ووافقه الذهبي!
:
قلت: عبد الله بن الديلمي - وهو ابن فيروز - لم يخرج له الشيخان، وكذلك
عاصم بن حكيم الذي في الطريق إليه، وهما ثقتان، فالإِسناد صحيح فقط.
وتابعه خالد بن دريك، عن يعلى بن أمية به نحوه .
أخرجه أحمد (٤ / ٢٢٣).
قلت: وإسناده جيد، رجاله ثقات .
وذكر له الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٤ / ٣١٠) شاهداً من رواية
الطبراني في «مسند الشاميين)) عن أبيٍّ (يعني ابن كعب) قال:
((استعنت رجلاً يغزو معي ... )) الحديث نحوه.
وسكت عن إسناده وإسناد أبي داود أيضاً!
٢٢٣٤ - (إنَّ الله وملائكتَهُ يُصَلُّونَ على الذينَ يَصِلُون الصُّفُوفَ).
أخرجه ابن وهب في ((الجامع)) (٥٨ / ٢) عن أسامة بن زيد الليثي عن عثمان بن
عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة زوج النبي ◌َّر عن رسول الله وسلم قال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد حسن من رواية ابن وهب عن أسامة. وقد رواه الحاكم من هذا
الوجه وصححه، ووافقه الذهبي .
وقد تابعه سفيان الثوري عن أسامة به. رواه جماعة عن سفيان. وخالفهم في متنه
معاوية بن هشام فرواه عن سفيان بلفظ :
(( .. يصلون على ميامن الصفوف)).
وهو بهذا اللفظ غير محفوظ كما قال البيهقي، وإن حسَّنه المنذري وغيره، كما
بينت في ((ضعيف أبي داود)) (١٠٤).
٢٧٤
٢٢٣٥ - (لَوْ أَنَّكُم إذا خرجْتُم مِن عندي تكونُونَ على مِثلِ الحالِ
التي تكونُونَ عليها عِندي؛ لَصَافَحَتْكُمُ الملائكَةُ فِي طُرُقِ المدينةِ).
أخرجه الإسماعيلي في ((المعجم)) (٢٩ / ١ - ٢): حدثنا محمد بن هارون بن
داهر: حدثنا عبد الواحد بن غياث: حدثنا غسان بن بُرزين الطهوي عن ثابت البناني عن
أنس بن مالك قال :
غدا أصحاب رسول الله وَ﴿ قالوا: يا رسول الله! هلكنا ورب الكعبة. قال: وما
ذاك؟ قالوا: النفاق النفاق !! قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا:
بلى. قال: ليس ذاك النفاق. ثم عاودوه الثانية، فقالوا: يا رسول الله! هلكنا ورب
الكعبة. قال: وما ذاك؟ قالوا: النفاق النفاق. قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأني
رسول الله؟ قالوا: بلى. قال: ليس ذاك بنفاق. ثم عاودوه الثالثة، فقالوا مثل ذلك، فقال
لهم: ليس ذلك بنفاق، فقالوا:
يا رسول الله! إنا إذا كنا عندك كنا على حال، وإذا خرجنا من عندك همتنا الدنيا
وأهلونا. فقال رسول الله رَطاهر: فذكره.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات مترجمون في ((التهذيب))، غير شيخ
الإسماعيلي ابن داهر هذا، فقد أورده الخطيب في ((التاريخ)) (٣ / ٣٥٥) برواية
الإِسماعيلي فقط عنه، وساق له عنه حديثاً آخر، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. لكن
الظاهر أنه من المقبولين عند الإسماعيلي، فقد ذكر في مقدمة كتابه ((المعجم)) أنه یبین
حال من ذمت طريقه في الحديث بظهور كذبه فيه أو اتهامه به أو خروجه عن جملة أهل
الحديث للجهل به والذهاب عنه. والله أعلم.
والحديث صحيح - أعني حديث الترجمة - فإن له شواهد كثيرة وطرق عن أنس
وغيره، وقد تقدم بعضها برقم (١٩٤٨ و ١٩٦٣ و ١٩٦٥ و١٩٧٦).
٢٧٥
نزول عيسى واجتماعه بالمهدي
٢٢٣٦ - (يَنْزِلُ عيسى ابنُ مَرْيَمَ، فيقولُ أميرُهُمُ المهديُّ: تَعالَ صلِّ
بنا، فيقولُ: لا، إنَّ بعضَهُمْ أَميرُ بعضٍ ، تَكْرُمَةُ الله لهذه الأمَّةِ).
أخرجه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده)): حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم:
حدثنا إبراهيم بن عقيل عن أبيه عن وهب بن منبه عن جابر قال: قال رسول الله ويات:
فذكره .
كذا في ((المنار المنيف في الصحيح والضعيف)) لابن القيم (ص١٤٧ - ١٤٨)،
وقال :
(وهذا إسناد جيد)) .
وأقره الشيخ العباد في رسالته في ((المهدي)) المنشورة في العدد الأول من السنة
الثانية عشرة من مجلة ((الجامعة الإسلامية)) (ص٣٠٤).
قلت: وهو كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى، فإن رجاله كلهم ثقات من رجال
أبي داود، وقد أعِلَّ بالانقطاع بين وهب وجابر، فقال ابن معين في إسماعيل هذا:
((ثقة، رجل صدق، والصحيفة التي يرويها عن وهب عن جابر ليست بشيء، إنما
هو كتاب وقع إليهم، ولم يسمع وهب من جابر شيئاً)).
وقد تعقبه الحافظ المزي، فقال في ((تهذيب الكمال)»:
((روى أبو بكر بن خزيمة في ((صحيحه)) عن محمد بن يحيى عن إسماعيل بن
عبدالكريم عن إبراهيم بن عقيل عن وهب بن منبه قال:
هذا ما سألت عنه جابر بن عبد الله، وأخبرني أن النبي # كان يقول: أوكوا
الأسقية، وأغلقوا الأبواب ... الحدیث. وهذا إسناد صحيح إلى وهب بن منبه. وفيه رد
٢٧٦
على من قال: إنه لم يسمع من جابر، فإن الشهادة على الإِثبات مقدمة على الشهادة على
النفي، وصحيفة همام (أخو وهب) عن أبي هريرة مشهورة عند أهل العلم، ووفاة أبي
هريرة قبل جابر، فكيف يُستنكر سماعه منه، وكانا جميعاً في بلد واحد؟)).
ورده الحافظ في ((تهذيب التهذيب))، فقال:
((قلت: أما إمكان السماع فلا ريب فيه، ولكن هذا في همام، فأما أخوه وهب
الذي وقع فيه البحث فلا ملازمة بينهما، ولا يحسن الاعتراض على ابن معين بذلك
الإِسناد، فإن الظاهر أن ابن معين كان يغلط إسماعيل في هذه اللفظة عن وهب: ((سألت
جابراً)). والصواب عنده: عن جابر. والله أعلم)).
وأقول: لا دليل عندنا على اطلاع ابن معين على قول وهب: ((سألت جابراً)).
وعلى افتراض اطلاعه عليه ففيه تخطئة الثقة بغير حجة، وذا لا يجوز، ولا سيما مع إمكان
السماع ، والبراءة من التدليس، فإن هذا كاف في الاتصال عند مسلم والجمهور، ولو لم
يثبت السماع، فكيف وقد ثبت؟ وقد ذكر الحافظ في ترجمة عقيل هذا أن البخاري علق
(يعني في ((صحيحه))) عن جابر في ((تفسير سورة النساء)) أثراً في الكهان، وقد جاء
موصولاً من رواية عقيل هذا عن وهب بن منبه عن جابر.
قلت: ذكر هناك (٨ / ٢٥٢) أنه وصله ابن أبي حاتم من طريق وهب بن منبه قال:
سألت جابر بن عبد الله عن الطواغيت ..
ففيه التصريح أيضاً بالسماع. وبالله التوفيق .
وأصل الحديث في ((صحيح مسلم)) (١ / ٩٥) من طريق أخرى عن جابر رضي
الله عنه قال: سمعت رسول الله وَالد:
٦
((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة)). قال:
((فينزل عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، فيقول أميرهم: تعال صل لنا،
٢٧٧
فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة)) (١).
فالأمير في هذه الرواية هو المهدي في حديث الترجمة وهو مفسر لها. وبالله
التوفيق .
واعلم أيها الأخ المؤمن! أن كثيراً من الناس تطيش قلوبهم عند حدوث بعض
الفتن، ولا بصيرة عندهم تجاهها، بحيث إنها توضح لهم السبيل الوسط الذي يجب
عليهم أن يسلكوه إبانها، فيضلون عنه ضلالاً بعيداً، فمنهم مثلاً من يتّبع من ادعى أنه
المهدي أو عيسى، كالقاديانيين الذين اتبعوا ميرزا غلام أحمد القادياني الذي ادعى
المهدوية أولاً، ثم العيسوية، ثم النبوة، ومثل جماعة (جهيمان) السعودي الذي قام بفتنة
الحرم المكي على رأس سنة (١٤٠٠) هجرية، وزعم أن معه المهدي المنتظر، وطلب
من الحاضرين في الحرم أن يبايعوه، وكان قد اتبعه بعض البسطاء والمغفلين والأشرار من
أتباعه، ثم قضى الله على فتنتهم بعد أن سفكوا كثيراً من دماء المسلمين، وأراح الله تعالى
العباد من شرهم .
ومنهم من يشاركنا في النقمة على هؤلاء المدعين للمهدوية، ولكنه يبادر إلى إنكار
الأحاديث الصحيحة الواردة في خروج المهدي في آخر الزمان، ويدعي بكل جرأة أنها
موضوعة وخرافة !! ويسفه أحلام العلماء الذين قالوا بصحتها، يزعم أنه بذلك يقطع دابر
أولئك المدعين الأشرار! وما علم هذا وأمثاله أن هذا الأسلوب قد يؤدي بهم إلى إنكار
أحاديث نزول عيسى عليه الصلاة والسلام أيضاً، مع كونها متواترة! وهذا ما وقع
لبعضهم، کالأستاذ فرید وجدي، والشیخ رشيد رضا، وغيرهما، فهل یؤدي ذلك بهم إلى
إنكار ألوهية الرب سبحانه وتعالى لأن بعض البشر ادَّعوها كما هو معلوم؟! نسأل الله
السلامة من فتن أولئك المدعين، وهؤلاء المنكرين الأحاديث الصحيحة الثابتة عن سيد
المرسلين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
(١) مضى تخريجه برقم (١٩٦٠).
٢٧٨
القراءة بالمد المتصل
٢٢٣٧ - (أَقْرَأَنِيها: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالمَساكِين﴾ فَمَدَّهَا).
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٨٦٧٧) من طريق سعيد بن منصور: ثنا
شهاب بن خِراش: حدثني موسى بن يزيد الكندي قال :
كان ابن مسعود يقرء القرآن رجلاً، فقرأ الرجل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلِفُقَرَآءِ
والمَسَاكِين﴾(١) مرسلة، فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله مص يره، قال: كيف
أقرأكها يا أبا عبد الرحمن؟ قال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد رجاله موثقون، غير موسى بن يزيد الكندي، فإني لم أعرفه،
ولا ذكره الحافظ المزي في شيوخ ابن خراش في ((التهذيب))، وقد ذكره الهيثمي في
((المجمع)) (٧ / ١٥٥) من طريق الطبراني، لكن وقع فيه: ((مسعود بن یزید الكندي))،
وقال عقبه :
((ورجاله ثقات)»!
وفي ((ثقات ابن حبان)) (٣ / ٢٦٠):
((مسعود بن يزيد، يروي عن ابن عمر، روى عنه محمد بن الفضل)).
قلت: فالظاهر أنه هو، ولم يورده البخاري وابن أبي حاتم في كتابيهما.
ثم رأيت الحديث قد أورده الحافظ ابن الجزري في ((النشر في القراءات العشر))
(١ / ٣١٣) بإسناده إلى الطبراني به، وفيه: ((مسعود بن يزيد الكندي))، فدل على أن
((موسى)) في ((الطبراني)) محرف من ((مسعود)). والله أعلم.
وقال الجزري عقبه :
(١) التوبة: ٦٠.
٢٧٩
((هذا حديث جليل، رجال إسناده ثقات)).
وأقول: شهاب بن خراش فيه بعض الكلام؛ أشار إليه الحافظ بقوله في
((التقريب)):
((صدوق يخطىء)).
وقال الذهبي في ((الكاشف)»:
((وثقه جماعة، قال ابن مهدي: لم أر أحداً أحسن وصفاً للسنة منه. وقال ابن
عدي: له بعض ما ینکر)).
قلت: فمثله حسن الحديث إن شاء الله تعالى .
واستدل به ابن الجزري على وجوب مد المتصل. وذكر أن قصره غير جائز عند أحد
من القراء. فراجعه إن شئت.
(تنبيه): وقع في ((الكبير)): (فمدَّدها)، وفي ((النشر)): (فمدُّوها)، وفي
((المجمع)): (فمدِّدُوها)، ولعل الصواب ما أثبته.
٢٢٣٨ - (إنَّ مِن أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الفُحْشَ والنَّفَخُّشَ، وقَطيعةَ
الأَرْحَامِ ، وائْتِمَانَ الخَائنِ - أَحْسَبُهُ قالَ: وَتَخْوِينَ الأمينِ).
أخرجه البزار (ص٢٣٨ - زوائده) من طريق شبيب بن بشر عن أنس به مالك
مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات، غير شبيب بن بشر، وفيه كلام، والراجح
أنه حسن الحديث. ولذلك قال في «زوائد البزار)):
((حسن).
وقال في «مجمع الزوائد» (٧ / ٣٢٧):
٢٨٠