Indexed OCR Text

Pages 1-20

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمن الرّحیمِ
مقدمة المؤلف :
إِنَّ الحمدَ لله، نحمده، ونستعينُه، ونستغفرُه(١)، ونعوذُ بالله من شرور
أنفسِنا وسيِّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله .
يا أيُّها الذين آمنوا أَتَّقوا الله حقَّ تُقاتِه ولا تَموتُنَّ إلا وأَنْتُم مُسلمونَ﴾ .
﴿يَا أَيُّها الناس اتَّقوا ربَّكُم الذي خَلَقَكُم من نفسٍ واحدةٍ وخلقَ منها
زوجَها وَبَثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتَّقوا الله الذي تساءلونَ به والأرحامَ إِنَّ
الله كانَ عليكم رقيباً﴾ .
﴿يا أيُّها الذينَ آمنوا اتَّقوا الله وقولوا قولاً سَديداً. يُصْلِحْ لكُم أَعْمالَكم
ويَغْفِرْ لكم ذُنوبكم ومَن يُطِعِ الله ورَسولَه فقد فازَ فوزاً عَظيماً﴾
(١) سمعتُ غيرما واحد من الخطباء يزيد هنا قوله: ((ونستهديه))، ونحن في الوقت الذي
نشكرهم على إحيائهم لهذه الخطبة في خطبهم ودروسهم، نرى لزاماً علينا أن نذكرهم بأن هذه
الزيادة لا أصل لها في شيء من طرق هذه الخطبة؛ خطبة الحاجة، التي كنتُ جمعتها في رسالة
خاصة معروفة، و﴿الذكرى تنفعُ المؤمنين﴾ .
١

أما بعد؛ فهذا هو المجلد الخامس من ((سلسلة الأحاديث الصحيحة
وشيء من فقهها وفوائدها)) أقدمه اليوم إلى قرائنا الكرام؛ لينهلوا مما فيه من
السنة الصحيحة، وثمارها اليانعة، على اختلاف أنواعها، وجميل توجيهاتها،
وتعدد فوائدها، مما يحتاجه كل مسلم في حياته؛ من العقائد، والعبادات،
والمعاملات، والأخلاق، وغيرها.
وإن أول حديث يبادرك من هذا المجلد قوله وهيلر: ((في كل قرنٍ مِن
أمَّتي سابقون))، ففيه بشارة عظيمة لهذه الأمة المحمدية باستمرار العاملين
بأحكام الله في كل قرن، وأن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتابَ الذينَ اصْطَفَيْنَا
مِن عِبادِنا فَمِنْهم ظاِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُم سابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بإذْنِ اللهِ
ذلك هُو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾(١)؛ ليس خاصاً بقرن دون قرن، بل هو عامٌّ في كل
العصور، حتى تقوم الساعة؛ خلافاً لما رُوِيَ عن عائشة أن السابق بالخيرات
إنما هو مَن مضى على عهد رسول الله وَّر! فإنه مع مخالفته لهذا الحديث
الصحيح، فيه مَن هو متر وك الحديث؛ كما هو مبين في الكتاب الآخر
(٣٢٣٥).
وقد تميَّزَ هذا المجلد بأمور؛ منها: كثرة الأحاديث الواردة في شمائله
الر وهدیه، مما يدخل في باب (كان)، من رقم (٢٠٥٣ - ٢١٤١)، ومن ذلك
أنه ((كان لا يطأ عقبه رجلان)) (٢٠٨٧ و٢١٠٤)؛ من آداب المشي مع
الكبراء، خلافاً لما عليه اليوم بعض مشايخ الصوفية والعلماء، فضلاً عن
الملوك والأمراء!
(١) فاطر: ٣٢.
٢

ومن ذلك أدب القول إذا قرأ القارىء: ﴿فبأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذُّبان﴾(١)
(٢١٥٠)؛ مما أخلِّ به جماهير المستمعين والقراء!
وحديث في وصاياه و ﴿ لأبي ذررضي الله عنه (٢١٦٦) ما أحوجنا إلى
معرفتها والتأسي بها.
ووجوب رحمة الكبير للصغير، وتوقير الصغير للكبير، ومعرفة حق العالم
(٢١٩٦)؛ مما أخل به الكثيرون.
وأحاديث في الجهاد في سبيل الله، وفضل غُباره (٢٢١٩ و٢٢٢٧ و
٢٢٢٨).
وحديث في أدب المسلم إذا سلم عليه الكافر (٢٢٤٢).
وحديث في الكبائر منها: ((التعرب بعد الهجرة)) (٢٢٤٤)، وبيان أن
نحوه التغرب!
وحديث: ((من باع بيعتين في بيعة ... ))، وتفسير بعض العلماء له ببيع
التقسيط بزيادة في الثمن، وحكمه (٢٣٢٦).
وحديث في الترهيب من ترك الصلاة على النبي وَلّ عند ذكره
(٢٣٣٧).
وحديث في لعن من سب الصحابة رضي الله عنهم (٢٣٤٠).
وحديث في تفسير المقام المحمود بالشفاعة الكبرى (٢٣٦٩).
وآخر في المحافظة على نظافة الطرق (٢٣٧٣).
(١) وردت في عدة مواضع من سورة الرحمن.
٣

وحديث في النهي عن سب الشيطان، والأمر بالتعوذ من شره (٢٤٢٢).
وآخر في النهي عن تحدث الإِنسان بتلعب الشيطان به في منامه
(٢٤٥٣) .
وحديث هام في امتحان من لم تبلغه الدعوة يوم القيامة (٢٤٦٨) ...
إلى غير ذلك من الحكم والفوائد التي تضمنتها سائر الأحاديث،
وآخرها في فضل الصبر على البلاء إذا لم يُستغث بغير الله.
وختاماً؛ أسأل المولى سبحانه وتعالى أن يلهمني الصواب في كل ما
أكتب، وأن ينفع به الناس جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يوفّقنا
جميعاً للعمل بما علمنا، وأن يجعل ذلك كله خالصاً لوجهه تبارك وتعالى ؛ إنه
سميع مجيب .
وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عمان / ٢٣ ربيع أول سنة ١٤٠٩هـ
وكتب
محمد ناصر الدين الألباني
أبو عبد الرحمن
هذا؛ وكما جريت عليه في هذه السلسلة ((الصحيحة))، وفي الأخرى
((الضعيفة)) من وضع فهارس علمية مفصلة، تساعد القراء على تسهيل
الاستفادة منها، والرجوع إلى مطالبهم حين الحاجة إليها، فقد حال بيني وبين
وضع أكثر فهارسها عوائق؛ منها بعض الأمراض التي لازمتني حتى هذا
٤

الشهر، رمضان المبارك، الذي لزمت فيه داري، ولم أتمكن بسببها من
صيامه، والجلوس في مكتبتي لمتابعة أعمالي العلمية التي نذرت لها نفسي،
فاقتضت المصلحة العلمية أن يقوم بعض إخواننا من طلاب العلم العاملين
في ((المكتبة الإِسلامية)) بوضع الفهارس المشار إليها، راجياً لهم التوفيق في
ذلك، وقد كلفت ابنتي أم عبدالله - بارك الله فيها وفي زوجها وذريتها - أن تتولى
بيان ذلك في كلمة لها تكون ختاماً لهذه المقدمة :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد وَالله .
أما بعد؛ فهذا هو المجلد الخامس من ((سلسلة الأحاديث الصحيحة))،
يخرج إلى قرائه ومنتظريه رافداً غزيراً جديداً؛ ليلحق بأمثاله من السلسلتين
((الصحيحة)) ر ((الضعيفة))، وقد أولاه مؤلفه الوالد الفاضل مثلما أولى سابقيه،
فصنعه على عينه؛ أودعه زبدة علمه، وخلاصة أبحاثه، وأشرف بنفسه على
تصحيح تجاربه، واطلع على جميع مراحل صفه وتهذيبه، متحاملاً على
أوجاعه التي ما برحته هذا العام إلا يسيراً، مهتبلا كل فرصة من ليل أو نهار
ليأوي فيها إلى مكتبته، مستغلاً كل فترة هي أدعى أن تكون لراحته، مصراً
على أن يخرج الكتاب بأحسن صورة يرضاها ويستطيعها .
وهكذا كان، إلى أن وصل الكتاب إلى مرحلة (الفهرسة)، وكما هو
معروف، فإن فهرسة الشيخ علم وفن بحد ذاتها، خاصة الفهرس الأول
(المواضيع والفوائد)، فإنه يختصر موضوعات الكتاب وأبحاثه اختصاراً ملماً

دون أن يضيع فوائدها، وفي هذه المرحلة بالذات صحب الوالد كتابه إلى
مكان استجمامه وخلوته، ففتح الله عليه بركاته، ومتعه بالعافية، فكنتَ تراه
عاكفاً عليه دون تمييز بين ساعات ليلٍ أو نهار حتى تمم الفهرس الأول، ثم
كان لا بد من عودته إلى بيته، وكان الشتاء قارساً زاد في أوجاع الوالد ومرضه،
مما اضطره إلى التوقف عن إتمام بقية الفهارس، فعُهد إلى بعض موظفي
((المكتبة الإسلامية)) بإتمامها وتصحيح تجاربها، وللأسف لم يتمكن الوالد
من الاطلاع عليها ومراجعتها كما كان يريد.
وحرصاً على نفع المسلمين بما في الكتاب من حديث شريف، وعدم
تعطيل ما به من علم غزير؛ كان لا بد أن يخرج الكتاب بهذه الصورة، وما لا
يدرك كله لا يترك جله .
والله تعالى نسأل أن يجزي الوالد الفاضل عنا وعن المسلمين خير
الجزاء، وأن يمد في عمره، ويمتعه بالصحة والعافية، ويبارك في وقته؛
ليتحف المسلمين بما عنده من كتبه ومؤلفاته، فيتابع نشرها، ويشرف بنفسه
على طباعتها وإخراجها؛ ليعم نفع المسلمين بها في مشارق الأرض
ومغاربها، إنه سميع مجيب .
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب
إليك.
عمان / ٢٥ رمضان ١٤٠٩ هـ
أم عبدالله
٦

٢٠٠١ - (فِي كُلِّ قَرٍْ مِنْ أُمَّتِي سَابقونَ).
أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (١ / ٨)، وعنه الديلمي (٢ / ٣٣٣) معلقاً: حدثنا
عبد الله بن جعفر (وقال الديلمي: ابن فارس): حدثنا إسماعيل بن عبد الله (وقال
الديلمي: إسماعيل بن سمويه): حدثنا سعيد بن أبي مريم (وقال الديلمي : سعيد بن
الحكم): حدثنا يحيى بن أيوب عن ابن عجلان عن عياض بن عبد الله عن عبد الله بن
عمرو عن النبي ◌َّقر به، إلا أن أبا نعيم قال: ((لكل قرن ... )).
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات معروفون من رجال ((التهذيب)) - على كلام
يسير في محمد بن عجلان - غير إسماعيل بن عبد الله يلقب سمويه، وهو ثقة حافظ،
مات سنة ٢٦٧ .
وعبد الله بن جعفر، هو ابن أحمد بن فارس الأصبهاني من شيوخ أبي نعيم الذين
يكثر عنهم، وترجم له في ((أخبار أصبهان)) (٢ / ٨٠)، وكذا ابن العماد في ((الشذرات))
- وفيات سنة (٣٤٦) ووصفه بـ ((الصالح)).
وقال الذهبي في ((السير)) (١٥ / ٥٥٣):
((وكان من الثقات العُبَّاد)).
ثم ذكر أنه وثقه ابن مردويه وعبد الله بن أحمد السوذرجاني .
والحديث عزاه السيوطي في ((الجامع)) للحكيم الترمذي فقط، وذكر في ((الفتاوي))
(٢ / ٤٦٢) أنه رواه من طريق ليث بن سعد عن محمد بن عجلان به .
والحديث رواه الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٢ / ١٣٢) من طريق أبي
نعیم، وقال:
((حديث غريب جداً، وإسناده صالح)).
٧

صفة الفجر الصادق الذي تحل به الصلاة
٢٠٠٢ - (الفَجْرُ فَجْرَانِ؛ فَجْرٌ يُقَالُ لَهُ: ذَنَبُ السِّرْحَانِ، وَهُوَ
الكَاذِبُ يَذْهَبُ طُولاً، وَلاَ يَذْهَبُ عَرْضاً، وَالفَجْرُ الآخَرُ يَذْهَبُ عَرْضاً،
وَلاَ يَذْهَبُ طُولاً).
أخرجه الحاكم (١ / ١٩١)، وعنه البيهقي (١ / ٣٧٧)، والديلمي (٢ / ٣٤٤)
عن عبد الله بن روح المدائني : حدثنا يزيد بن هارون: حدثنا ابن أبي ذئب عن الحارث
ابن عبدالرحمن عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول
الله ◌َلّ: فذكره. وقال الحاكم:
((إسناده صحيح))، ووافقه الذهبي.
ذكره شاهداً لحديث ابن عباس المتقدم برقم (٦٩٣).
قلت: وإسناده جيد، رجاله ثقات مترجمون في ((التهذيب)) غير عبد الله بن روح
المدائني ترجمه الخطيب في ((تاريخه)) (٩ / ٤٥٤) وقال عن الدارقطني:
«ليس به بأس)).
وقال الحافظ في ((اللسان)):
((من شيوخ أبي بكر [الشافعي] الثقات)).
قلت: لكن أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (ج٣ رقم ٢٩٩٥)، والدارقطني
(ص٢٣١)، والبيهقي (١ / ٣٧٧ و٤ / ٢١٥) من طرق عن ابن أبي ذئب به مرسلاً لم
يذكر فيه جابراً. وقال الدارقطني :
((وهذا مرسل)».
وقال البيهقي :
٨

(وهو أصح)).
قلت: لكن الحديث صحيح لشاهده المشار إليه آنفاً.
وله شاهد آخر أخرجه الدارقطني عن الوليد بن مسلم عن الوليد بن سليمان قال:
سمعت ربيعة بن يزيد قال: سمعت عبد الرحمن بن عائش صاحب رسول الله وَ لا يقول:
فذكره نحوه، وقال :
«إسناد صحيح)).
وأقول: ابن عائش هذا؛ قال في ((التقريب)):
(يقال: له صحبة، وقال أبو حاتم: من قال في روايته: سمعت النبي ◌ُّ فقد
أخطأ)).
والوليد بن مسلم يدلس تدليس التسوية .
وله شواهد أخرى بعضها في «صحيح مسلم»، وهي مخرجة في ((صحيح أبي
داود)) برقم (٢٠٣١ - ٢٠٣٣)، وسيأتي أحدهما برقم (٢٠٣١).
٢٠٠٣ - (الفِرْدَوْسُ رَبْوَةُ الجَنَّةِ، وَهِي أُوْسَطُهَا وَأَحْسَنُهَا).
رواه ابن جرير في ((تفسيره)) (١٦ / ٣٠)، وأبو نعيم في «صفة الجنة)) (٢ / ٢ -
شيخ الإِسلام) عن سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، لعنعنة الحسن وهو البصري، وضعف سعيد بن بشير.
لکن الحدیث صحیح. فإن له شواهد؛ منها:
١ - عن أنس مرفوعاً.
((يا أم حارثة ... والفردوس ربوة الجنة، وأوسطها وأفضلها)).
أخرجه أحمد (٣ / ٢٦٠)، وابن جرير (١٦ / ٣١)، والترمذي (٢ / ٢٠١)،
٩

وقال :
((حديث حسن صحيح)).
٢ - عن أبي هريرة أو أبي سعيد الخدري مرفوعاً.
((إذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس، فإنها أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقها عرش
الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)).
أخرجه ابن جرير بهذا اللفظ، وقد مضى تخريجه برقم (٩٢١) عن أبي هريرة
وحده نحوه من رواية البخاري وغيره. وبرقم (٩٢٢) عن عبادة بن الصامت مرفوعاً نحوه.
فضل مصافحة المسلم للمسلم
٢٠٠٤ - (إِذَا لَقِيَ المُسْلِمُ أَخَاهُ المُسْلِمَ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَصَافَحَهُ،
تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِمَا كَمَا يَتَنَاثَرُ وَرَقُ الشَّجَرِ بِالشِّتَاءِ).
أخرجه بحشل في ((تاريخ واسط)) (ص ١٦٥): ثنا وهب بن بقية قال: أخبرني
عبدالله بن سفيان الواسطي عن الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة عن مجاهد عن ابن عباس
مرفوعاً، قال عبدة:
((فقلت لمجاهد: إن هذا ليسير، فقال مجاهد: لا تقل هذا؛ فإن الله تعالى قال
في كتابه: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَميعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهِ أَلَّفَ
بَيْنَهُمْ﴾(١) فعرفت فضل علمه على غيره)).
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، غير عبد الله بن سفيان
الواسطي، قال العقيلي :
(١) الأنفال: ٦٣ .
١
٠

((لا يتابع على حديثه)).
وساق له حديثاً آخر، وأما هذا فله شواهد كثيرة، سبق تخريج بعضها برقم (٥٢٦)،
وقد ذكره بحشل في ترجمته، ولم يذكر له فيها جرحاً ولا تعديلاً، ولذلك خرجته، ولا سيما
أني لم أر أحداً ذكره من حديث ابن عباس. والله أعلم.
عاقبة الابتداع والغلو في الدين
٢٠٠٥ - (إنَّ قَوْماً يَقْرَؤونَ القُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ
الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ).
أخرجه الدارمي (١ / ٦٨ - ٦٩)، وبحشل في ((تاريخ واسط)) (ص١٩٨ - تحقيق
عواد) من طريقين عن عمر بن يحيى بن عمروبن سلمة الهمداني قال: حدثني أبي قال:
حدثني أبي قال :
(كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه
إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال: أُخَرَجَ إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟
قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعاً، فقال له أبو موسى : يا أبا
عبد الرحمن! إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته، ولم أرَ والحمد لله إلا خيراً، قال:
فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً، ينتظرون
الصلاة، في كل حلْقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة،
فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا
قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم،
وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء؟ ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلْقة من
تلك الحِلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد
الرحمن! حصى نعدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا
١١

يضيع من حسناتكم شيء، ويْحَكم يا أمة محمد! ما أسرع هلكتَكم! هؤلاء صحابة نبيكم
وَ* متوافرون، وهذه ثيابه لم تَبْلَ، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي
أهدی من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة؟! قالوا : والله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا
إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله - حدثنا: (فذكر
الحديث)، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم! ثم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة:
فرأينا عامة أولئك الحِلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج)).
قلت: والسياق للدارمي وهو أتم، إلا أنه ليس عنده في متن الحديث: ((يمرقون
... من الرمية)).
وهذا إسناد صحيح، إلا أن قوله: ((عمر بن يحيى)) أظنه خطأ من النساخ،
والصواب: ((عمرو بن يحيى))، وهو عمرو بن يحيى بن عمرو بن سلمة بن الحارث
الهمداني(١) .
كذا ساقه ابن أبي حاتم في كتابه ((الجرح والتعديل)» (٣ / ١ / ٢٦٩)، وذكر في
الرواة عنه جمعاً من الثقات منهم ابن عيينة، وروى عن ابن معين أنه قال فيه:
((صالح)).
وهكذا ذكره على الصواب في الرواة عن أبيه، فقال (٤ / ٢ / ١٧٦):
((يحيى بن عمرو بن سلمة الهمداني، ويقال: الكندي. روى عن أبيه روى عنه
شعبة والثوري والمسعودي وقيس بن الربيع وابنه عمرو بن یحیی)).
ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ويكفي في تعديله رواية شعبة عنه، فإنه كان ينتقي
الرجال الذين كان يروي عنهم، كما هو مذكور في ترجمته، ولا يبعد أن يكون في
(١) وكنت أظن قديماً أنه عمرو بن عمارة بن أبي حسن المازني، فتبين لي بعدُ أنه وهمّ قد
رجعت عنه .
١٢

((الثقات)) لابن حبان، فقد أورده العجلي في ((ثقاته))، وقال:
((كوفي ثقة)).
وأما عمرو بن سلمة، فثقة مترجم في ((التهذيب)) بتوثيق ابن سعد، وابن حبان
(٥ / ١٧٢)، وفاته أن العجلي قال في ((ثقاته)) (٣٦٤ / ١٢٦٣):
((كوفي تابعي ثقة)).
وقد كنت ذكرت في ((الرد على الشيخ الحبشي)) (ص ٤٥) أن تابعي هذه القصة هو
عمارة بن أبي حسن المازني، وهو خطأ لا ضرورة لبيان سببه، فليصحح هناك.
وللحديث طريق أخرى عن ابن مسعود في ((المسند)) (١ / ٤٠٤)، وفيه الزيادة،
وإسنادها جيد، وقد جاءت أيضاً في حديث جمع من الصحابة خرجها مسلم في
((صحيحه)) (٣ / ١٠٩ - ١١٧).
وإنما عُنِيتُ بتخريجه من هذا الوجه لقصة ابن مسعود مع أصحاب الحلقات، فإن
فيها عبرة لأصحاب الطرق وحلقات الذكر على خلاف السنة، فإن هؤلاء إذا أنكر عليهم
منكر ما هم فيه اتهموه بإنكار الذكر من أصله! وهذا كفر لا يقع فيه مسلم في الدنيا، وإنما
المنكر ما ألصق به من الهيئات والتجمعات التي لم تكن مشروعة على عهد النبي وَلّ،
وإلا فما الذي أنكره ابن مسعود رضي الله عنه على أصحاب تلك الحلقات؟ ليس هو إلا
هذا التجمع في يوم معين، والذكر بعدد لم يرد، وإنما يحصره الشيخ صاحب الحلقة،
ويأمرهم به من عند نفسه، وكأنه مشرع عن الله تعالى! ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ
الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله﴾(١). زد على ذلك أن السنة الثابتة عنه بَّ فعلاً وقولاً إنما هي
التسبيح بالأنامل، كما هو مبين في ((الرد على الحبشي))، وفي غيره.
ومن الفوائد التي تؤخذ من الحديث والقصة؛ أن العبرة ليست بكثرة العبادة، وإنما
(١) الشورى: ٢١ .
١٣

بكونها على السنة، بعيدة عن البدعة، وقد أشار إلى هذا ابن مسعود رضي الله عنه بقوله
أيضاً:
((اقتصادٌ في سُنَّة، خيرٌ من اجتهادٍ في بدعةٍ)).
ومنها: أن البدعة الصغيرة بريد إلى البدعة الكبيرة، ألا ترى أن أصحاب تلك
الحلقات صاروا بَعْدُ من الخوارج الذين قتلهم الخليفة الراشد علي بن أبي طالب؟ فهل
من معتبر؟!
٢٠٠٦ - (لَيْسَ فِي الجَنَّةِ أَعْزَبُ).
أخرجه أسلم الواسطي في ((تاريخه)) (١٨٠) من طريق سعيد بن عيسى الواسطي
قال: ثنا حماد بن سلمة عن أيوب ويونس وحميد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة
قال:
((افتخرت الرجال والنساء، فقال أبو هريرة: النساء أكثر من الرجال في الجنة، فنظر
عمر بن الخطاب إلى القوم فقال: ألا تسمعون ما يقول أبو هريرة؟ فقال أبو هريرة:
سمعت رسول الله * يقول في أول زمرة تدخل الجنة: وجوههم كالقمر ليلة البدر،
والثانية كأضوء كوكب في السماء، ولكل واحد منهم زوجتان يُرى مخ سوقهما من وراء
اللحم، وليس في الجنة عزب)).
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير سعيد الواسطي فلم أعرفه، وفي
ترجمته ذكره أسلم، ولم يحْكِ فيه جرحاً ولا تعديلاً. ولم يتفرد به، فقد رواه جمع من
الثقات عن أيوب عن محمد به نحوه.
أخرجه مسلم (٨ / ١٤٥ - ١٤٦)، وأحمد (٢ / ٢٣٠ و٢٤٧ و ٥٠٧).
وأخرجه الدارمي (٢ / ٣٣٦) من طريق هشام القردوسى عن محمد به.
١٤

جواز الطلاق دون تدخل القاضي:
٢٠٠٧ - (كَانَ طَلَّقَ حَقْصَةَ، ثُمَّ رَاجَعَهَا).
أخرجه أبو داود (٢٢٨٣)، والنسائي (٢ / ١١٧)، والدارمي (٢ / ١٦٠ - ١٦١)،
وابن ماجه (٢٠١٦)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (١ / ٥٣)، والحاكم (٢ / ١٩٧)،
والبيهقي (٧ / ٣٢١ - ٣٢٢) عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن صالح بن صالح عن
سلمة بن كُهَيل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن عمر مرفوعاً. وقال الحاكم :
((صحيح على شرط الشيخين))، ووافقه الذهبي.
وأقول: وهو كما قالا، وصالح هو ابن صالح بن حي .
وله عند أبي يعلى طريق أخرى فقال: حدثنا أبو كريب: نا يونس بن بكير عن
الأعمش عن أبي صالح عن ابن عمر قال:
((دخل عمر على حفصة وهي تبكي، فقال لها: وما يبكيك؟ لعل رسول الله وَالـ
طلقك، إن كان طلقك مرة، ثم راجعك من أجلي، والله لئن طلقك مرة أخرى لا أكلمك
أبداً).
وبهذا الإِسناد أخرجه البزار (ص١٥٦) نحوه. ثم قال: حدثناه أحمد بن يزداد
الكوفي : ثنا عمر بن عبد الغفار: ثنا الأعمش به .
والإِسناد الأول لا بأس به، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أن يونس بن بكير إنما
أخرج له البخاري تعليقاً، ثم هو صدوق يخطىء كما في ((التقريب)).
وقد تابعه عمر بن عبد الغفار، ولكني لم أعرفه .
ثم تذكرت أنه لعله عمرو - بالواو- بن عبد الغفار، فرجعت إلى ترجمته من
((الميزان))، فإذا هو هذا، وهو الفقيمي، قال أبو حاتم:
١٥

((متروك الحديث)).
قلت: فلا يفرح بمتابعته .
وللحديث شواهد مختصرة نحو حديث الترجمة :
الأول: عن هشيم: أنبأ حميد عن أنس قال:
((لما طلق النبي (وَلفي حفصة، أمر أن يراجعها، فراجعها)).
أخرجه أبو يعلى (٣ / ٩٥٧)، والحاكم (٢ / ١٩٧)، وقال:
((صحيح على شرط الشيخين))، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا .
وأخرجه الدارمي أيضاً لكنه لم يذكر الأمر، وأعل الحديث بما لا يقدح.
وله عند الحاكم (٤ / ١٥) طريق أخرى، لكنها ضعيفة.
الثاني: عن موسى بن جبير عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عاصم بن عمر
مرفوعاً :
أخرجه أحمد (٣ / ٤٧٨)، وكذا الطبراني كما في ((مجمع الهيثمي))، وقال:
((ورجاله ثقات)).
قلت: وفي هذا الإِطلاق للتوثيق نظر بَيِّن، فإن موسى هذا - وهو الأنصاري
المدني - لم يوثقه غير ابن حبان، ومع أنه معروف بالتساهل في التوثيق، فإن تمام كلامه
في كتابه ((الثقات)) (٧ / ٤٥١):
((يخطىء ويخالف)).
فإذا كان كذلك، فهو ليس من الثقات الذين يحتج بهم كما هو الشأن فيمن وثق
مطلقاً، وإنما هو ممن ينتخب حديثه في الشواهد والمتابعات، ولا سيما قد قال فيه ابن
القطان :
((لا یعرف حاله)).
١٦

الثالث: عن قيس بن زید:
((أن النبي ◌ّ له طلق حفصة بنت عمر، فدخل عليها خالاها قدامة وعثمان ابنا
مظعون، فبكت، وقالت: والله ما طلقني عن شبع، وجاء النبي ◌َّ فقال:
قال لي جبريل عليه السلام: راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في
الجنة)).
أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢ / ٥٠)، والحاكم، من طريق حماد بن سلمة:
أنبأ أبو عمران الجوني عن قيس بن زید.
قلت: سكت عنه الحاكم ثم الذهبي، ولعل ذلك لوضوح علته، وهي قيس بن زيد
هذا، قال ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ٩٨):
((روى عن النبي ◌َّلير مرسلاً، لا أعلم له صحبة. روى عنه أبو عمران الجوني)).
الرابع: عن الحسن بن أبي جعفر عن عاصم عن زر عن عمار بن ياسر قال:
((أراد رسول الله و القر أن يطلق حفصة، فجاء جبريل فقال: لا تطلقها، فإنها صوامة
قوامة، وإنها زوجتك في الجنة)).
أخرجه أبو نعيم.
قلت: ورجاله ثقات، غير الحسن بن أبي جعفر، وهو الجُفري؛ قال الحافظ:
«ضعيف الحديث، مع عبادته وفضله)).
قلت: فإذا ضُمَّ إلى المرسل الذي قبله، ارتقى حديثه إلى مرتبة الحسن إن شاء
الله تعالى .
وقد رواه مرة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه :
((أن النبي و لي طلق حفصة تطليقة، فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام، فقال:
يا محمد! طَلَّقْتَ حفصةَ، وهي صوَّامة قوَّامة، وهي زوجتك في الجنة؟)).
١٧

أخرجه الحاكم وسكت عنه لما عرفت من حال الحسن بن أبي جعفر.
وجملة القول؛ أن تطليقه ** لحفصة ثابت عنه من طرق، وكونه أمر بإرجاعها ثابت
من حديث أنس الصحيح، وقول جبريل له: ((راجعها فإنها صوامة ... )) إلخ، حسن كما
ذكرنا. والله أعلم .
(فائدة): دل الحديث على جواز تطليق الرجل لزوجته، ولو أنها كانت صوامة
قوامة، ولا يكون ذلك بطبيعة الحال إلا لعدم تمازجها وتطاوعها معه، وقد يكون هناك أمور
داخلية لا يمكن لغيرهما الاطلاع عليها، ولذلك؛ فإن ربط الطلاق بموافقة القاضي من
أسوإ وأسخف ما يُسمع به في هذا الزمان! الذي يلهج به كثير من حكامه وقضاته وخطبائه
بحديث: ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق))، وهو حديث ضعيف؛ كما بينته في غيرما
موضع، مثل ((إرواء الغليل)) (رقم ٢٠٤٠).
٢٠٠٨ - (قاتِلُ عمَّارٍ وسالِبُهُ فِي النَّارِ).
رواه أبو محمد المخلدي في ((ثلاثة مجالس من الأمالي)) (٧٥ / ١ - ٢) عن ليث
عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً .
قلت: وهذا إسناد ضعيف، ليث - وهو ابن أبي سليم - كان اختلط.
لكن لم ينفرد به، فقال عبد الرحمن بن المبارك: ثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه
عن مجاهد به .
أخرجه الحاكم (٣ / ٣٨٧)، وقال:
((تفرد به عبد الرحمن بن المبارك، وهو ثقة مأمون، فإن كان محفوظاً؛ فإنه صحيح
على شرط الشيخين)).
قلت: له طريق أخرى، فقال الإِمام أحمد (٤ / ١٩٨)، وابن سعد في ((الطبقات))
(٣ / ٢٦٠ - ٢٦١) والسياق له: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن سلمة قال:
١٨

أخبرنا أبو حفص وكلثوم بن جبير عن أبي غادية قال:
((سمعت عمار بن ياسر يقع في عثمان يشتمه بالمدينة، قال: فتوعدته بالقتل،
قلت: لئن أمكنني الله منك لأفعلن، فلما كان يوم صفين جعل عمار يحمل على الناس،
فقيل: هذا عمار، فرأيت فرجة بين الرئتين وبين الساقين، قال: فحملت عليه فطعنته في
ركبته، قال: فوقع فقتلته، فقيل: قتلت عمار بن ياسر؟! وأخبر عمرو بن العاص، فقال:
سمعت رسول الله # يقول: (فذكره)، فقيل لعمرو بن العاص: هو ذا أنت تقاتله؟
فقال: إنما قال: قاتله وسالبه)).
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم، وأبو الغادية هو الجهني،
وهو صحابي كما أثبت ذلك جمع، وقد قال الحافظ في آخر ترجمته من ((الإِصابة)) بعد
أن ساق الحديث، وجزم ابن معين بأنه قاتل عمار:
((والظن بالصحابة في تلك الحروب أنهم كانوا فيها متأولين، وللمجتهد المخطىء
أجر، وإذا ثبت هذا في حق آحاد الناس؛ فثبوته للصحابة بالطريق الأولى)).
وأقول: هذا حق، لكن تطبيقه على كل فرد من أفرادهم مشكل، لأنه يلزم تناقض
القاعدة المذكورة بمثل حديث الترجمة، إذ لا يمكن القول بأن أبا غادية القاتل لعمار
مأجور لأنه قتله مجتهداً، ورسول الله وَ لا يقول: ((قاتل عمار في النار))! فالصواب أن
يقال: إن القاعدة صحيحة إلا ما دل الدليل القاطع على خلافها، فيستثنى ذلك منها،
كما هو الشأن هنا، وهذا خير من ضرب الحديث الصحيح بها. والله أعلم.
ومن غرائب أبي الغادية هذا ما رواه عبد الله بن أحمد في ((زوائد المسند)) (٤ /
٧٦) عن ابن عون عن كلثوم بن جبر قال:
((كنا بواسط القَصَب عند عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، قال: فإذا عنده رجل
يقال له: أبو الغادية، استسقى ماءً، فأُتي بإناء مفضض، فأبى أن يشرب، وذكر النبي
رَس ** ، فذكر هذا الحديث: لا ترجعوا بعدي كفاراً أو ضلالاً - شك ابن أبي عدي - يضرب
١٩

بعضكم رقاب بعض(١). فإذا رجل يسب فلاناً، فقلت: والله لئن أمكنني الله منك في
كتيبة، فلما كان يوم صفين، إذا أنا به وعليه درع، قال: ففطنت إلى الفرجة في جربان
الدرع، فطعنته، فقتلته، فإذا هو عمار بن ياسر! قال: قلت: وأي يد كفتاه، يكره أن
يشرب في إناء مفضض، وقد قتل عمار بن ياسر؟!)).
قلت: وإسناده صحيح أيضاً.
والحديث رواه الحسن بن دينار عن كلثوم بن جبر المرادي عن أبي الغادية قال:
سمعت رسول الله 8* يقول: فذكره.
أخرجه ابن عدي (٨٥ / ١)، وابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢ / ٤٢١).
قلت: وهذا من تخاليط الحسن بن دينار، فإن الحديث ليس من رواية أبي الغادية
عن رسول الله وَله، بينهما عمرو بن العاص كما في الرواية السابقة.
فضل الصبر على الابتلاء
٢٠٠٩ - (إنَّ الله تَعَالى يقولُ: إِذا ابْتَلَيْتُ عَبْداً مِن عِبادي مُؤْمِناً،
فَحَمِدَني وصَبَرَ على ما ابْتَلَيْتُهُ به؛ فإِنَّهُ يقومُ مِن مَضْجَعِهِ ذلك كَيَومٍ ولَدَتْهُ
أمُّهُ مِن الخَطايا، ويقولُ الرَّبُّ الْحَفَظَةِ: إِنِّي أَنا قيَّدْتُ عَبْدِي هُذا
وابْتَلَيْتُهُ، فَأَجْروا إِلَّهُ] مِن الأجْرِ ما كُنْتُمْ تُجْرونَ لَهُ قبلَ ذُلك وهو
صَحیحٌ).
أخرجه أحمد (٤ / ١٢٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٩ / ٣٠٩ - ٣١٠)، وابن
عساكر في ((التاريخ)) (٨ / ٨ /٢) عن إسماعيل بن عياش عن راشد بن داود عن أبي
الأشعث الصنعاني
أنه راح إلى مسجد دمشق، وهجر بالرواح، فلقي شداد بن أوس والصُّنابحي معه،
(١) كذا الأصل، وكذلك هو في نقل ((المجمع)) (٧ / ٢٤٤) عنه، والكلام غير متصل.
٢٠