Indexed OCR Text

Pages 901-920

رسول الله! وما كرامته؟ قال: بدهنه وبمشطه كل يوم))، وقال:
((رواه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان))، وابن عساكر عن ابن عمر، وفيه إسحاق
ابن إسماعيل الرملي : قال أبو نعيم: حدث بأحاديث من حفظه فأخطأ فيها. وقال
النسائي: صالح)).
قلت: وهذه الزيادة مع ضعف سندها منكرة؛ لأنها تخالف الحديث الآتي . .
* *
انتهى المجلد الأول من ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)).
ويليه إن شاء الله تعالى المجلد الثاني، وأوله :
٥٠١ - (نَهِى وََّ عَنِ التّرَجُّلِ إِلَّ غِبّاً).
التنضيد والمونتاج
دار الحسن للنشر والتوزيع
هاتف ٦٤٨٩٧٥ - ص. ب ١٨٢٧٤٢ - عمان - الأردن
٩٠١
----

الاستدراكات
١ - آخر الحديث (٣٢)، وآخر الفائدة الثانية :
ثمَّ رأيتُ بحثًا جيدًا لأحدٍ إِخواننا في مكّة المكرمة - بارك الله فيه - انتصرَ فيه
لهذه السنة الظاهرة في رسالته التي أهداها إلي: (( التتمات لبعض مسائل الصلاة))
( ص ٤١ - ٤٢ )، فراجعه تزدد به علمًا وفائدةً إِن شاءَ الله تعالى.
٢- آخر الحديث ( ٣٦ ):
ثُمَّ تبيّ لي أنَّ تصحيح ابن القطان للحديث من الطريق الأولى عن ابن عباس
معلولٌ بالشذوذ ، ومثلها الطريقُ الثالثة عنه ؛ فإنّ ذكرَ جملة الأذنين فيه شاذّة أيضًا ،
وقد استفدتُ هذا كلّه من تحقيقٍ قام به الأخ الفاضل مشهور حسن في تعليقه على
كتاب ((الخلافيات)) للبيهقي (١ / ٣٦٦ - ٣٩٣)، يسَّرَ الله له تمامَ إِخراجِه ،
ونفعَ اللهُ به قرّاءه بمنّه وكرمه .
لكتّي كنتُ أَوَدُ من الأَخِ الفاضلِ أن يزوِّدَ قِرّاءَه بخلاصةٍ نافعةٍ بعد ذلك الجهد
الجهيد ، والتعبِ الشديدِ في تتبعِ طرقِ الحديث ، وهي بيان مرتبةِ الحديث ؛ لأنّها
بيتُ القصيدِ من التخريجِ ، فإنّ من المقررِ في علمٍ المصطلحِ أنَّ الحديثَ الضعيفَ
يتقوى بكثرةِ الطرقِ بالشرطِ المعروفِ هناك ، فالسؤالُ الذي يطرحُ نفسَه الآن - كما
يقالُ في هذا الزمانِ - : هل يبقى الحديثُ على ضعفِه كما تَدلّ عليه مفرداتُ
طرقه ، ويشيرُ إِليه صنيعُ الإِمامِ الدارقطنيّ والبيهقيّ ، أم إِنَّ مجموع طرقه يخرجه من
الضعفِ ، ويرقى به إلى مرتبةٍ الاحتجاج به ، ولو في رتبةِ الحديثِ الحسن لغيره على
الأَقْلّ ؟
- ٩٠٣ -

وجوابًا عليه أَقولُ : إِنَّ هذا الحديثَ مثالٌ صالحٌ للحديثِ الضعيفِ الّذي يتقوَّى
بكثرةِ الطرقٍ وبغيرِها ؛ وهاك البيان :
أَوَّلًا - إِنَّ كثيرًا من طرقِه ليسَ شديدَ الضعفِ ، إِنّا ضعفها سوءُ حفظٍ في
بعضٍ رواتِها، كما هو حالُ الطريقِ الأُولى في الحديث رقم (١)، ولذلك حسّنه
جمعٌ من الحفّاظِ - كما تقدّمَ منّي هناك - وفيهم المنذري ، وابن دقيق العيد - وهما
من الشافعيّةِ - وأَخذَ به الإِمامُ أَحمدُ .
ومثلُ طريق إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد في الحديثِ الثالث عن ابن
عمر ، فإِن إِسماعيلَ ثقةٌ ضُعِّفَ في غيرِ الشاميين ، وقد قال الحاكمُ فيه :
(( إِسماعيلُ بن عياش - على جلالتِه - إِذا انفردَ بحديثٍ ، لم يقبل منه ؛ لسوء
حفظِه )) .
قلت : فهو حجّة مقبول الحديث هنا؛ لأنّه قد توبعَ - كما ترى - .
ومثلُ طريقٍ سويد بن سعيد في الحديث ( ٩) ؛ فإِنّه ثقة من شيوخٍ مسلمٍ ولكنّه
كانَ اختلطَ .
فهذه الطرقُ الثلاثُ مَّا يتقوى الحديثُ بها لانتفاءِ شدّةِ الضعف عنها، والطرقُ
الأُخرى إِن لم تزدها قوّةً فلا تضرها كما لا يخفى .
ثانيًا - لقد صوّبَ الدارقطنيُّ - كما تقدّم - مرسلَ سليمان بن موسى عن
النبيِّ عَّهِ ، وهو تابعيٍّ حسنُ الحديثِ ، والسندُ إِليه صحيح ، فهو مرسلٌ قويٌّ ،
يحتجُ به مطلقًا عند كثيرٍ من الفقهاءِ، وعند المحدثين - ومنهم الإِمامُ الشافعيُّ - إِذا
جاءَ موصولًا من طريقٍ أُخرى ، فكيفَ وقد جاءَ كذلك من طرقٍ كما تقدّمَ ؟
ثالثًا - قد قال به بعضُ رواتِه من الصحابةِ ؛ كابن عمر رضي الله عنه ، فقد
- ٩٠٤ -

صحَّ عنه أنّه قال: ((الأذنانِ من الرأس)). أخرجه الدارقطني (١ / ٩٨ /٥)،
وكذا عبدالرزاق ( ١ / ١١ ).
رابعًا - قد قال به أكثرُ العلماءِ، كما في ((المجموع)) للنووي (١ / ٤١٣)،
وذلك مما يتقوى به الحديثُ الضعيفُ عند الإِمامِ الشافعيّ وغيره. انظر ((جلباب المرأةِ
المسلمة)) ( ص ١٣، ٥٩ - ٦٠ ).
خامسًا - قد صحَّ عملُ النبيِّ عَ لِ به من حديث المقدام بن معديكرب ، وابن
عباس ؛ أنّه مسحَ رأسَه وأُذنيه ، ظاهرهما وباطنهما ، رواهما أبو داود وغيره ، وهما
مخرّجانٍ في (( صحيح أبي داود)) (١١٢ - ١١٤ و١٢٦ )، فلم يأخذ لهما ماءً
جديدًا، وأَمّا حديثُ عبدالله بن زيد المازنيّ؛ أنَّ النبيَّ عَ لِّ أَخذَ لأَذنيه ماءً خلافَ
الماءِ الّذِي أَخذَ لرأسِه، فهو حديثٌ شاذٌّ لا يصحُ، والمحفوظُ - كما قالَ الحافظُ -
بلفظ: (( مسح برأسِه بماءٍ غير فضل يديه)). رواه مسلم وغيره ، وهو مخرّبجٌ في
((صحيح أبي داود)) برقم (١١١ )، وقد فصلتُ القولَ في الشذوذِ المذكورِ في
المجلد الثاني من ((الضعيفة)) تحت الحديث ( ٩٩٥ ).
فَأَقولُ : بعضُ هذه الوجوهِ لو توفرت في الحديثِ المرسلِ ، لكانت كافيةً
لتقويته ، ورفعه إِلى مرتبةِ الاحتجاج به ، فكيفَ بها مجتمعةً؟ وهو اختيارُ الصنعانيّ .
وثمّةَ وجةٌ آخر يمكنُ به تقويتُه من طريقِ النظر ، وهو ما أَفَادَه الإِمامُ أَبو جعفر
الطحاويُّ في ((شرح المعاني)) (١ / ٢٠)، وهو: أنّهم أجمعوا على أنَّ المرأةَ
المحرمةَ لا يجبُ عليها أن تغطي وجهها ، وعليها أن تغطيَ رأسها وأذنيها ظاهرهما
وباطنهما ، فدلّ ذلك على أنّ حكمَهما حكمُ الرأسِ في المسح ، لا حكم الوجه ،
والله أعلم .
وبعد كتابةٍ ما تقدّمَ، رأيتُ الحافظَ ابن حجرٍ في ((النكت على كتابٍ ابن
- ٩٠٥ -

الصلاح )) قد تكلمَ على بعض هذه الطرق وبيّ عللها ، ولكنّه ختمَ ذلك بخلاصةٍ
جيدة وفقَ ما انتهيتُ إِليه - والحمدُ للهِ - فقال :
((وإِذا نظرَ المنصفُ إِلى مجموع هذه الطرقِ، علمَ أنَّ للحديثِ أصلاً، وأنّه
ليسَ مما يطرحُ ، وقد حسّنوا أحاديث كثيرةً باعتبارِ طرقٍ لها دون هذه، والله أعلمُ)).
((النكت)) (١ / ٤١٥ ).
٣ - آخر الحديث (٩١) وهو في تحريم ( المعازف ) وآلات الطرب :
ثمَّ وقفتُ على مقالٍ في جريدةِ (الرباط ) الأردنيّة الأسبوعيّة بقلم المدعو
( حسان عبدالمنان ) ، ذهب فيه إِلى تضعيفِ هذا الحديثِ المتفق على صحتِه عند
الأئمةِ ، والحفّاظِ المشهودِ لهم بالعلم والمعرفةِ لدى علماءِ الأمّةِ كافّة ، الذين لا يتفقونَ
على ضلالةٍ، فجاءَ هذا (!) ليشذَّ عنهم ويخالفَ سبيلَهم ، وقد كنتُ سميتُ منهم
جماعةً في مقدمةِ كتابي الجديدِ ((ضعيف الأدبِ المفرد)) ( ص ١٤ - ١٥ ) في
كلمةٍ قصيرةٍ كنتُ رددتُ بها عليه ، وهم - بعد البخاريّ وابن حبان - :
٣ - ابن تيميّة
٢ - النووي
١ - ابن الصلاح
٥ - ابن كثير الدمشقيّ ٦ - ابن حجر العسقلانيّ
٤ - ابن قيم الجوزيّة
٧ - السخاويّ
٨ - ابن الوزير اليماني ٩ - محمد بن إسماعيل
الصنعانيّ .
ونقلتُ هناك عبارةَ النوويّ والعسقلانيّ في الرَّدِّ على ابن حزمٍ تضعيفَه إِيّاه ،
وغير هؤلاءٍ كثيرٌ ممن سلكوا سبيلَهم - لم أذكرهم هناك - مّن لا يصحُ في عقل
عاقلٍ أن يُقرنَ مع أُحدِهم هذا الشاذِّ عنهم ، فكيفَ يُقرن معهم جميعهم ، ومنهم
الشوكانيُ، وأخيرًا أستاذه وشيخه - كما يزعمُ - الشيخ شعيب الأرناؤوط ؟!
- ٩٠٦ -

لقد ذكَّرته هناك بهذه المخالفةِ الجسيمة الّتي لا أظنُّ أَنَّ مسلمًا يعترفُ بعلم
هؤلاءِ الأَئمةِ وفضلهم يتجرّأُ على مخالفتهم، وإِضافةً إِلى ذلك بيّنتُ له وهاءَ ما
تشبّثَ به في تضعيفِ الحديث ، فلمّا اطلعَ على ذلك عاند ، واستكبرَ - كعادته-
وركبُ رأسَه ، فكتبَ ردًّا طويلاً مجموعًا في خمسٍ صفحات ، ليس فيها شيءٌ من
العلم ، سوى آرائه الشخصيّة التي هي ﴿ كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآنُ ماءً ﴾، فهو
بحقِّ رجلٌ ( مَلِصّ ) ، كلما جوبه بدليلٍ لا مرةًّ له تملّصَ بتأويلٍ له من عنده .
خذ مثلاً ( عطية بن قيس ) التابعيّ الإِمام - كما وصفه الذهبيُّ - لمّ رددنا عليه
قولَه فيه: ((مجهول الحال)) بأنَّ مسلمًا وثّقه واحتجَّ به في ((صحيحه))، وبتوثيقٍ
الحافظ إِياه، تحذلقَ فقال: ((لم يوثّقه مسلم، وإِنَما ذكره في الشواهدِ ))، ثمَّ أشارَ إِلى
الحديث الذي يغنيه أنّه في ((مسلم)) برقم ( ٤٧٧ ).
وهذا ممّا لم يقله قبله أَحد ، وهو خلافُ ما عليه الحفاظُ الّذينَ ترجموا للرَّجلِ
كالمزيِّ والذهبيِّ والعسقلانيّ وغيرِهم؛ أطلقوا عزوَه لمسلم، ولم يقولوا: ((في
الشواهدِ))! بينما لمّا عزوه إِلى ((البخاريِّ))، قيدوه فقالوا بالرمزِ: ((تعليقًا))، وهذا
من دقَّتهم - رضي الله عنهم - الّتي يغفلُ عنها المذكورُ، أَو يتغافلُ عنها؛ لأنّه لا يثقُ
بعلمِهم ! بل صرّحَ بذلك المزيُّ فقال في آخرِ ترجمتِه :
(« استشهدَ له البخاريُّ ( يعني تعليقًا ) بحديثٍ واحدٍ ( يعني هذا) ، وروى له
الباقون)).
وإِنَّ مَمّا يؤكّدُ هذا الحديثَ الذي أشارَ إِليه ؛ فإِنّه عند مسلم حديثٌ بين حديثين
فيما يقولُه المصلي إِذا رفعَ رأسه من الركوع ، وثلاثتها أحاديث صحيحة ، ليس في
واحدٍ منها من لم يحتجَّ به مسلم .
وما مثله فيما ادعاه إِلَا كمثلٍ من لو عارضَه معارضٌ فقال في راوي الحديث
- ٩٠٧ -

الثالث - واسمه ( قيس بن سعد ، وليس من رجال البخاري ) :
لم يوثقه مسلم ، وإنّما ذكره في الشواهدِ !! هكذا فليكن الاجتهاد والتحقیق یا
محققَ ((الرباط))!
وأمّا تحذلقه في موقفِه من توثيقِ الحافظ فهو أعجبُ ، فقد قال :
(((لا قيمةَ لأَحكامِ ابن حجر إِن لم تستند إلى دليلٍ واضحٍ .. )) يعني عند غير
العالم ! وأَما هو فلحكمِه بالجهالةِ قيمةٌ - وأية قيمة - ولو لم يستند إلى دليلٍ ! نعوذٌ
بالله من زمان يتكلمُ فيه ( الروبيضةُ ) !
ونحو ذلك سائرُ أُجويتِه وردودِه ( عظمٌ بدونٍ لحم ) ! والكلامُ في ذلك
يطولُ ، والمجالُ والوقتُ أَضيقُ وأَعزُّ من تتبعها ، فأختمها بموقفِه تجاه قول ابن سعدٍ في
(عطية ): ((كانَ معروفًا))، فإِنّه قال:
(( ليس هذا بتوثيقٍ ، وإنما هو ضد مجهولٍ ، ولا علاقةَ له بمجهولِ الحالِ الّتي
ذكرتها فيه )» !
نقول له : أَيْنَ الدليلُ ؟! هو يطالبُ أميرَ المؤمنين في الحديثِ بالدليلِ على
التوثيقٍ ، أَفلا يحقُّ لنا أن نطالبَه بالدليل على ما يقولُ ، وهو نفسُه في هذا العلمِ
مجهول ؟!
إلّا أَنَنِي أَرِى أَنَّ قولَه: ((كانَ معروفًا)) مطلقٌ، والمطلقُ ينصرفُ إِلى الكمالِ
كما يقولُ العلماءُ، فهو كما قالَ: ((ضد مجهول))، ولكن خفيَ عليه أنّه حجّةٌ
عليه ، لأنّه كما يفهمُ من هذا اللفظِ ((مجهول )) الإِطلاق والشمول، فهو يشملُ
مجهولَ العينِ ومجهولَ الحالِ، فكذلك ضده ((معروف))؛ يشملُ معروفَ العين
ومعروفَ الحالِ ، فسقطَ ما زعم وقال !
- ٩٠٨ -

ثمَّ وجدتُ للحافظِ كلامًا يؤيّدُ ما ذكرتُ، فانظر ((مقدمة الفتح))
( ٣٨٤ ) .
وختامًا أَقولُ : قد تبيّنَ تكلّفُه الإِجابةَ عن ردّي على ما كانَ تشبَّثَ به في
تضعيفٍ هذا الحديثِ الصحيح ، بما كشفَ للقرّاءِ أنّه مبتدعٌ غيرُ متبع ، وإِنّ مما يؤكدُ
ذلك صمتَه تجاه ما كنت أدنته به من مخالفتِهِ لإِجماع الأئمةِ المُصحّحين للحديثِ ،
فإِنّه لم يُجب عن ذلك ولو بحرفٍ واحدٍ ، فحسبُه هذا إِدانةً له ، واللهُ حسيبُه .
وبقي هناك أشياءُ كثيرةٌ في ردّه ، مجالُ ردي عليها واسع جدًّا، ولكنَّ الوقتَ
أَضيقُ وَأَعزّ من إِضاعتِه بالرّدِّ عليه، فإنَّ الرَّجلَ كثيرُ الكلام ، ومن كثر كلامه كثر
سقطُه .. إِلّا أَنَّه لا بدَّ من بيان بعض النقاط الهامة منه :
أولًا - إِنّه يصورُ للناسِ أنَّ الخلافَ بيني وبينه خلافٌ شخصيٌّ لمجرّدِ اختلافٍ
في الرأي.، وهذا خلافُ الواقع ، وإنّما هو خلافٌ منهجيٌّ ؛ هو يهاجمُ السنّةَ
الصحيحةَ ، وأَنا أَدافعُ عنها؛ هو يضعّفُ الأحاديثَ الصحيحة بناءً على آراءٍ وأفكارٍ له
خاصّة ، وأَنا أُدافعُ عنها ، وأَردُّ عليه متَبِعًا في ذلك قواعدَ العلماءِ وأَحكامَهم ،
وهذا هو المثالُ بين يديك ، وتأتي أمثلةٌ أُخرى إِن شاءَ اللهُ تعالى ، فانظر الاستدراك
رقم : ١٣
ثانيًا - يطلبُ منّي الرفقَ واللينَ في الرَّدِّ عليه ، وأن لا أجرحَه - جاءَ ذلك فى
كلامٍ طويلٍ له - فَأَقُولُ :
أَبْشِرْ بكلٌ خيرٍ ، ورفقٍ ، ولينِ يومَ تترفَّقُ أَنتَ بستّةِ رسولِ الله عَلَّهِ، وأَحاديثه
الصحيحةِ ، ولا تنتهك حرمتها ، وترفعُ معولَ الهدمِ عليها ، وتتبعُ سبيلَ علماءٍ
المسلمين ، وتخالفُ طريق الجهلةِ الْمُفُسدين ، وباركَ اللهُ لك في خلافٍ تخالفني فيه
في رأيٍ يحتملُ الخطأَ والصوابَ .
- ٩٠٩ -

وَأَظنُّك تعلمُ موقفَ النبيِّ عَّهِ الصارمَ إِذا انتهكت محارمُ اللهِ، وأنَّ اللينَ
والشدّةَ لكلِّ منهما مكانُه اللائقُ به ، بنصِ الكتابِ والسنّةِ ، وتعلم يقينًا قول الشاعر:
ووضعُ الندى في موضعِ السيف بالعُلى
مُضرٌّ كوضعِ السيفِ في موضعٍ الندى !
ولكن أَينَ كنتَ من هذا المطلبِ حين ألّفتَ رسالةً خاصةً في الرَّدِّ على
المتمسكينَ بالسنّةِ سميتها ((مناقشة الألبانيّين .. ))؛ فلقَّبتهم بغيرِ لقبِهم؟! وإِذا كانَ
هذا هو العنوان ، فكيفَ يكونُ حالُ الْمُعَنْوَن ؟! لقد حشوتَه غمزًا ولمزرًا ، وظهرَ فيه ما
تُكنّهُ في نفسِكَ من الأدبِ واللينِ الجمّ ! ومع هذا، فكلُّ ذلك يهونُ تجاه محاربتِك
السنّةِ التراصٌ بالأقدامِ والمناكبِ في الصفّ ، وتجويزِكَ فيها الصلاةَ بين السواري لغير
حاجة ، وتضعيفِك لثلاثةٍ أحاديث صحيحة بأساليبِك الخاصةِ الملتوية كما يأتي بيانُه إِن
شاءَ اللهُ في الاستدراك رقم : ١٣.
ثالثًا - إِنَّه أَخذَ عليَّ ثلاثةَ أُمُورٍ ، أَوَهمَ القرّاءَ أَنّي اعتديتُ عليه فيها ، ولا شيءَ
من ذلك والحمدُ للهِ :
١ - نفى ما كنتُ نسبتُه إليه من أنّه تشبثَ بعّةِ الانقطاع تقليدًا لابن حزمٍ
فقال :
((لم أَتَعرّضْ لحجّةٍ ابن حزمٍ، ولا ذكرتُ ابن حزم .. )).
فَأَقولُ : هذا من تملُّصِهِ الّذي وصفتُه به فيما سبقَ ؛ لأنَّ الذي نَسَبُه إِليه هو
الانقطاعُ وليسَ الحجّة ؛ لأنَّ حجّةَ ابنٍ حزم من مجموع أمرين : الانقطاعُ ، وترددُ
الراوي في اسمٍ صحابيّ الحديثِ ؛ هل هو ( أبو عامر، أَمَ أَبو مالك الأشعريّ ) ؟ فهو
لم يتعرض لهذه الحجّةِ ، ولكنّه تعرّضَ للانقطاع في أوّلِ كلامِه على الحديثِ في
- ٩١٠ -

جريدةِ ( الرباط ) بقولِه: ((فهذا الحديثِ معلقٌ)) أي : منقطع ؛ كما شرحه هو بعد .
فليتأمّل القارئ كيفَ نفى ما لم أَنسب إليه ، وهي الحجّة ، ولم ينفِ ما نسبتُه
إليه وهو الانقطاعُ، موهمًا القرّاءَ أنّني قلتُ عليه ما لم يقل! فماذا يسمِّي القرّاء هذا
الفعلَ منه؟! إِنّه - بلا شك - نوعٌ من التدليس؛ شاءَ أم أبى، إلّا أن يكونَ عيًا
عاجزًا عن بيانٍ مرادِه !
٢ - نفى قولي فيه: إِنّه ((زادَ على ابن حزم أنَّه لا مصححَ له غيرُ البخاريِّ وابن
حبّانَ )) فقال مستنكرًا: (( أَيْنَ قلتُ أَنا ذلك في مقالي، بل أينَ ما يفهمُ منه هذا؟!)).
فَأَقولُ: لم أَقل عنك أنّك قلتَ ذلك، وإنّما قلتُ: ((زاد .. )) إلخ العبارةِ
المذكورةِ ، فلا يجوزُ لكَ أن تنسبَ إِلِيَّ القولَ بذلك، ويبدو لي أنّك شعرتَ في قرارةٍ
نفسِك بخطئكَ فيما نسبت ؛ ولذلك أَضربتَ عنها بقولك: (( بل أين ما يفهمُ منه
هذا في ذلك المقال ؟ !! )) .
والجوابُ فهمتُه من لسانِ حالِك ، وأسلوبِك في مقالِك ، والعلماءُ يقولون :
(( لسانُ الحالِ أَنطقُ من لسانِ المقالٍ )) ، فَأَنا على يقينٍ أنّك تعلمُ أنَّ كثيرًا من الأئمةِ -
غير البخاريِّ وابن حبّانَ - قد صححوا الحديثَ ، ومع ذلك ؛ فإِنّك لم تذكر
غيرَهما ، فمن مجموع ما ذكرتَ، وما لم تذكر قلتُ ما ذكرتُه آنفًا ، ولا سيّما وأنتَ
معروف بكتمانٍ ما هو عليكَ من أقوالِ العلماءِ ، وسيأتي بعضُ الأمثلةِ على ذلك إِن
شاءَ اللهُ تعالى .
ثم ليتَ شعري ، لماذا اهتممتَ بما ظننتَه خطأ أَنّي نسبتُ إِليك ما لم تقل ،
- وظنّكَ لو كانَ ظنَّ المؤمنين، يضرّني ولا يضرُّك - ولم تهتم بما نسبتُ إِليكَ
يقينًا ، وهو مخالفتُك لإِجماع الأئمة في تصحيحهم لهذا الحديثِ ، وقد نقلتَه عنّي
في ردّك ، ولم تتعرّض للجوابِ عنه ألبتّة ، مع أنَّ هذه النسبةَ اليقينيّةَ تضرُك ولا
- ٩١١ -

تضرّني ، أليس هذا يعني أنَّ همَّكَ أَن تتبعَ عثراتٍ غيرِك ، وتنسى نفسَك ، غير آبهٍ
بالحكمةِ القائلةِ: (( يبصرُ أحدُكم القذاةَ في عين أُخيه ، ولا يرى الجذعَ في عينه)» ؟!
٣ - قال: ((ادعيتَ عليَّ بالكذبِ لمسألةٍ، مع أنَّ الكذبَ المعروفَ لا يدخلُ
في نحوِ هذه المسائلِ ، فلو كانَ كلَّ مخطئ في مسألةٍ كاذبًا ، لما سلم أحدٌ ، ولا
أَنْتَ ؛ لأَنَّ مدارَ هذه المسائلِ العلم )).
فأَقولُ : نعم ، الكليّة لا يقولُ بها أَحدٌ ، حتّى ولا أَنْتَ ، ولكن لماذا المغالطةُ
والتملصُ والتعمية، لماذا قلت: ((لمسألةٍ)) نكّرتها ولم تبيّتها، وذهبتَ تسوّدُ ما لا
علاقةَ له بالمسألةِ! لقد قلتَ في مقالِك: ((فيه عطية بن قيس الحمصيّ ؛ فإِنّه ليس
معروفًا بالضبطِ والإِتقانِ، لم يوثقه غير ابن حبان))، فهنا قلتُ لك: ((وهذا كذبٌ ،
فقد وثقه الإِمامُ مسلمٌ .. )) إلخ .
وأنا في هذا القولِ لم أُخالف شرعًا ولا لغةً ، بل اتبعتُ فيه أُفصحَ من نطقَ
بالضاد ، في قولِهِ عَّ لِ لمن خطؤه أيسرُ من خطئِك بكثيرٍ؛ لأنّه اعتمدَ على نصِّ عام
من القرآنِ، لم يبلغْه تخصيصُه من السنّةِ: ((كذبَ أَبو السنابل)) (١) ، فأينَ خطؤُكَ
منه ، ولم تستند فيه ولا إِلى قولٍ عالم يجبُ عليك اتباعُه ؟! بل خالفتَ فيه كلّ
العلماءِ ، واتبعتَ غيرَ سبيلِهم! واللهُ المُستعانُ .
٤ - ولعلّه ختامًا، أَخذَ عليّ شيئًا آخر ، فقال :
((٤ - ثمَّ قلت: ((إِلى غيرِ ذلك من التلبيساتِ والخطيئات (لا الأخطاء) .. ))
أَقول: لماذا هذا الإِجمالُ أَيّها الشيخُ ، هلّ ذكرتَ لي شيئًا منها)).
هذا كلامُه ، وفي الرَّدِّ عليه أَقول:
أَمَا الإِجمالُ ، فَأَنْتَ تعرِفُ سبَه ، ولكنّك تتجاهله ، فإنَّ ردي عليك في
(١) وهو مخرّج في ((الصحيحة)) (٣٢٧٤)، وانظر تعليق الحافظ عليه في ((الفتح))
(٩ / ٤٧٥)، ولا أستبعدُ من الموماً إِليه أَن يختلقَ له علّة من علله الكثيرة ؛ فيضعفه ليبطلَ حجته عليه !
- ٩١٢ -

مقدمةِ (( ضعيف الأدب)) لم يكن وحيدًا ، بل كانَ فيها ردودٌ أُخرى على أمثالك ممن
يضعِّفونَ الأحاديثَ الصحيحةَ ، وغيرِهم من يصحّحونَ الأحاديثَ الضعيفة بغير
علم ، وفيهم من هو كثيرُ النقلِ عّي والاستفادة من كتبي ، والإِشادة بها والإِحالة
عليها ، فيما يشعرُ أنّه من المقدِّرين والمحبين ، ومع ذلك فقد شملتُه معك في الرَّدِّ ؛
لتعلمَ أَنّي أَردُّ للعلم والانتصارِ للسنّةِ المظلومةِ من مدعي العلم ، لا بخصومةٍ شخصيّةٍ
كما تحاولُ أنْ تتأوّلَه بغيًا وعدوانًا، والمقصودُ أنَّ الرَّدَّ عليك كانَ في جملةٍ ردودٍ
أُخرى ، وباختصارٍ شديدٍ في أقلّ من (١٦ ) صفحة ، فلو أنّني أفردتُ في الرَّدِّ
عليك وحدَك مفصلاً لكانَ منه كتابٌ آخرُ أكبرُ من الذي أُقدّمُ له: ((ضعيف الأَدب
المفرد ))، وهذا غير مناسبٍ كما لا يخفى عليك .
وما دمتَ تحضُّني على أَن أَذكرَ لكَ شيئًا من تلك ((التلبيسات والخطيئات))
نعم ((الخطيئات)) ( لا الأخطاء)، فها أَنَا فاعلٌ ذلك إِن شاءَ اللهُ ، لا من أَجلِك ،
فأَنتَ على علم بما صدرَ منك! ولكن من أجلِ بعض القرّاءِ الّذين لا ينتبهونَ لها ، ولا
يزالونَ يحسنونَ الظنَّ بقائلِها :
أَوَّلًا - قلت - بعد أنْ ذكرتَ أَنَّ الحديثَ معلقٌ عند البخاريّ ، لم يصرّح
بالسماع فهو منقطعٌ - :
((واختلف في ((قال لي))، والأَرجحُ أنّه تعليقٌ أَيْضًا؛ لأَسبابٍ لا يتسعُ المقامُ
لذكرِها)» !
فَأَقولُ : فيه ما يأتي من التلبيسٍ وغيرِه :
١ - ليس هناك أَيُّ اختلاف في اتصالٍ إِسنادٍ قال فيه البخاريُّ: «قال لي
فلان ))، وإنّما هناك مغربيٍّ غيرُ معروفٍ قال: ((إِنَّ إِسنادٌ لا يذكرُه البخاريُّ للاحتجاج
- ٩١٣ -

به، وإنّما للاستشهادِ))، حكاه ابن الصّلاح في ((المقدمة)) (ص ٧٥ - ٧٦ - الحلبيّة )
ثمّ ردّه، وبيّ ذلك الحافظ ابن حجر في ((نكته عليه)) فقال (٢ / ٦٠١):
(( قلت: لم يصب هذا المغربيُّ في التسوية بين قوله: ((قال فلان )) وبين قوله :
((قال لي فلان ))، فإِنَّ الفرقَ بينهما ظاهرٌ لا يحتاجُ إِلى دليلٍ؛ فإنَّ ((قال لي)) مثلُ
التصريحٍ في السماع، و ((قال )» المجرّدة ليست صريحةً أَصلّاً)).
ثُمَّ أَفَادَ - رحمه الله - فائدةً تقصمُ ظهرَ هذا الملبّسِ فقال :
((فقد رأيتُ في ((الصحيح)) عدّةَ أحاديث قال فيها: ((قال لنا فلان))،
وأوردها في تصانيفِه خارج ((الجامع)) بلفظ ((حدّثنا))، ووجدتُ في
((الصحيح)) عكسَ ذلك، وفيه دليلٌ على أنّهما مترادفان)).
٢ - قوله: ((والأَرجحُ أَنَّه تعليقٌ أَيَضًا)).
فأقولُ : فيه تلبيشٌ ظاهرٌ، فقد عرفتَ أنّه لا خلافَ هناك ، وبالتالي فليس ثمّةً
راجعٌ ومرجوع ، وعلى افتراضٍ وجودِه ، فيكونُ الأرجحَ لديه، فكانَ عليه أَن يقيِّدَه
فيقول : والأرجحُ عندي، وهو لو قالَ ذلك يكون مبطلًا مسيئًا إِلى الإِمامِ البخاريِّ؛
لأنّه يكونُ قد نسبَ إِليه ما لا يجوزُ من القولِ، كما هو ظاهرٌ لا يحتاجُ إِلى دليلٍ ،
فإِن أَبِيتَ ، نسبتُها إِليك أَنَك تجوّزُ لنفسِك أَن تقولَ: ((قال لي فلان)) وأَنْتَ تعني أنّه
ما قالَ لك ؟!
وقد يكونُ في قوله المتقدّمِ: ((والأَرجح أنّه تعليقٌ أَيضًا)) تلبيس آخر، وهو أَنّه
لا يعني ظاهرَه! وإِنما بتقديرِ مضافٍ محذوفٍ ، أي: في حكم التعليق ، أَي : كما
قال ذاك المغربيُّ، فإِن كانَ هذا مرادَه ، فلم التلبيسُ؟ إِلّا أنَّ مرادَه باطلٌ أَيْضًا كما
تقدّمَ .
- ٩١٤ -

٣ - قوله: ((لا يتسعُ المقامُ لذكرِها))!
فَأَقولُ : وهذه خطيئةٌ أُخرى ؛ لأَنّه لا يُصورُ أنّه يوجدُ سببٌ واحدٌ - بَلْهَ
أَسباب - تثبتُ أنَّ البخاريَّ يقول فيما لم يسمعه من فلان: ((قال لي فلان))؛ لأنّه
الكذبُ بعينه .
ثانيًا - قلتَ في هشام بن عمّار: ((لم يحتجَّ به البخاريُّ في صحيحه)).
قلتُ : هذا تلبيسٌ على القرّاءِ ، وقلبّ للحقائقِ العلميّةِ ، فالرَّجلُ كلٌّ من ترجمَ
له كالحافظِ المزيِّ وغيرِه رمزوا له بحرف (خ) إِشارةً إِلى أنّه محتجّ به عند البخاريِّ،
ولم يذكروا أنّه لم يروِ عنه احتجاجًا ، وإِنَما متابعةً، بل صرّح بما رمزوا أَعرفُ
الناس به ، ألا وهو الحافظُ ابن حجر العسقلانيّ، فقد ذكرَ في ((مقدمةِ الفتح))
( ص ٤٤٨ - ٤٤٩ ) ثلاثةَ أحاديث لهشام: الأوّل والثاني منها موصولان ، والثالث
حديث المعازفِ هذا المعلّق ، ثمّ قال عقبَ ذلك :
((وهذا جميعُ ما له في كتابِهِ مَّا تبيَّن لي أنّه احتجَّ به)).
والحديثُ الثاني الموصولُ هو في مناقبٍ أَبي بكر رضي اللهُ عنه ، ورقمه
(٣٦٦١) ، فخالفتَ قولَ الحافظِ أنّه مّا احتجَّ به ؛ بادعائك أنّه توبعَ عند البخاري
برقم (٤٦٤٠) ، ففيه تلبيسٌ شديدٌ ، إِذٍ إِنَّ هناك فرقًا بيًّا بين أن يتابَعَ الثقة من غيرِه
- وهذا يقعُ كثيرًا جدًّا - وبين أن يسوقَ البخاريُّ حديثَ مَنْ فيه ضعفٌ، ثمَّ يتبعُه
بِإِسنادٍ آخرَ فيه متابعٌ تقويةً له ، ففي مثل هذا ونحوه يقال : روى له البخاريُّ متابعةً ،
أمّا والحديثُ في موضعين متباعدين في البخاريِّ عن شيخين له فتدّعي أَنَّ أَحدَهما لم
يحتجّ به البخاريُّ ؛ لأنّه روى له متابعًا في الموضع الآخرِ ، فهذا في غاية التلبيسٍ مع
ما في ذلك من المخالفةِ للحفاظِ كما تقدّمَ ، نعوذُ باللهِ من الخذلان .
ومن الفائدةِ أَن أُستدرك عليك حديثًا آخرَ لهشام معلقًا عند البخاريّ ، في
- ٩١٥ -

مبايعةِ النبيُّ عَّهِ يومَ الحديبية برقم (٤١٨٧)، وصله الحافظ (٧ / ٤٥٦)، وذكرَ
أنّه وقعَ في بعضِ النسخ: ((وقال لي)) فهو بهذا الاعتبارِ موصولٌ ، فكأَّه لذلك
صححه الحافظُ .
لم ينتهِ - مع الأسف - تلبيسك على القرّاء بما تقدّمَ ، فقد أَتَبعتَ الأَحاديثَ
الّتي ذكرتها ، وزعمتَ أنَّ البخاريَّ لم يحتجّ بها - إِذ قلتَ :
(( ليس في أَحاديثِهِ الأَربعةِ حديثٌ واحدٌ احتَّ به البخاريُّ في
((صحيحه))، وإنّما ذكرها متابعةً وتعليقًا وفي الشواهدِ، ومثل هذا معروف عند
عارفي ((صحيح البخاريّ)) أَنّه ليسَ على شرطِه)).
فَأَقولُ - والله المستعانُ -: لو أنَّه وقفَ عندَ قولِه: ((وفي الشواهدِ))، لقلنا :
هذا رأيه، إِلّا أَنّه باطلٌ كما سبقَ بيانُه، وأَمَّا أَن يتابعَ كلامَه فينسبَ ذلك إِلى عارفي
((صحيح البخاريّ))، فهو أَبطلُ وأَبطلُ، وتلبيش على القرّاءِ يصعبُ على عامتهم
اكتشافُه إِلَّ بالرجوع إِلى ما نقلتُه آنفًا عن الحفّاظِ ، وبخاصةٍ منهم الحافظ ابن حجرٍ
الَّذي هو ليس فقط من ((عارفي ((صحيح البخاري))))، بل هو أعرفُهم به، وقد
رأيت تصريحَه بخلافٍ ما نسبَ إِليه هذا ، فماذا أقولُ ؟ عاملَه اللهُ بما يستحقُّ .
ثالثًا - بعدَ أَن سوّدَ من الجريدةِ عمودًا ونصفًا ، وعرفتَ ما فيه ، جاء يباقعةٍ
أُخرى ( ضِغئًا على ◌ِّالة)، فأخرجَ من روايةِ البيهقيّ وابن حجر في (( التغليق)) متابعةً
بشر بن بكر لهشام بن عمّار ، ولم يعزُها لابن عساكر - وهو أقدمُ بقرونٍ من ابن
حجر كما هو معلوم - تدليسًا وتلبيسًا من تلك التلبيساتِ الّتي حضَّني على أَن أَذْكرَ
له شيئًا منها ! فقال عقب المتابعة المذكورة :
((وهذه على أَنّا سلّمنا أنّها متابعةٌ قويّةٌ لحديث هشام ، ليس فيها نصُّ صريح
على ( المعازفِ ) ؛ لأنّها رويت عند البيهقيّ وابن حجر ضمنَ روايةٍ هشام بن عمّارٍ
- ٩١٦ -

المتقدمة ، فذِكرُ ( المعازفِ ) معروفٌ في روايةِ هشام ، ولم يصرّح بها في روايةٍ
(بشر بن بكر) ، فلمّا امتزجت الروايتان ذكرت (المعازف ) وكأنّها لهما)). كذا
قال - هداه الله - وفيه ما يأتي: لكتّي قبل ذلك أُريدُ أن أَلفتَ النَّظرَ إِلى أنَّ قولَه:
((وهذه على أَنّا سلّمنا أنّها متابعةٌ قويّةٌ لحديث هشام ... )) فيه ركّة وغمغمةٌ، وعدمُ
الإِفصاحِ عن مرادِه ؛ فإِنّها تحتملُ التسليمَ بقوّةٍ هذه المتابعةِ حقًّا، كما تحتملُ التسليمَ
بها افتراضًا ، ولستُ أدري هل كانَ هذا التعبيرُ المغمغمُ مقصودًا، أم هو خطأ قلميٍّ أو
طبعيٍّ ؟! وسواءٌ كانَ هذا أم ذاك ، فالمهمّ الآن ما في تمامٍ كلامِه من التلبيس
والمكابرةِ، والإِنكارِ للحقائقِ العلميّةِ، وذلك قوله: ((لم يصرّح بـ (المعازف) في
رواية ( بشر بن بكر ) )) .
فأَقولُ : هذا كذبٌ - شئتَ أُم أَبِيتَ - بل هو كذبٌ له قرونٌ ، وبيانُه من
وجوه :
الأَوّلُ - أنَّ لفظه ثابتٌ صراحةً في روايةِ البيهقيّ في الجزءِ والصفحة الّتي
ذكرتَ أَنتَ (٣ / ٢٧٢)! أَخرجه من طريق أبي بكر الإسماعيليّ: أَخبرني الحسنُ
ابن سفيانَ : ثنا هشامُ بن عمّارٍ .. ( قلت: فساقَ إِسنادَه ومتنَه كما تقدّمَ ، ثمّ قال : )
قال ( يعني أبا بكر الإسماعيليّ ): وأخبرني الحسن أيضًا : ثنا عبدالرحمن بن
إِبراهيمَ : ثنا بشر - يعني ابن بكر - : ثنا ابن جابر عن عطية بن قيس قال :
قام ربيعةُ الجرشيُّ في الناسِ - فذكرَ حديثًا فيه طول ، قال : - فإِذا عبدالرحمن
ابن غنم الأشعريّ ، قلت : يمينٌ حلفتُ عليها ؟ قال : حدثني أبو عامر أو أَبو مالكٍ ..
أَنَّه سمعَ رسولَ اللهِ صَ الِ يقولُ:
((ليكوننَّ في أُمَتي أَقوام يستحلّونَ - قال في حديث هشام : الخمر
والحرير ، وفي حديث ( دحيم ): الخزَّ والحريرَ والخمرَ والمعازف، ولينزلنَّ
- ٩١٧ -

أَقوام ... )) الحديث .
قلتُ : فَأَنتَ ترى في هذه الروايةِ تكذيبَ الرَّجلِ في قولِه: إِنَّ رواية ( بشر)
رويت عند البيهقيّ ضمنَ روايةِ هشام ، والواقعُ عكسُه تمامًا ، فالسياقُ لروايةٍ
عبدالرحمن بن إِبراهيم - وهو ( دحيم ) ، وفي ضمنها وقعت روايةُ هشام ، إِلّا أنَّ
الخطبَ في هذا سهلٌ ، والمهم أنَّ فيه التصريح بأنَّ في روايةٍ ( دحيم ) ذكرَ المعازفِ ،
ولا ضرورةً للتذكيرِ بأنَّ روايةَ ( دحيم ) هي عن بشر ، وهذا هي الكذبةُ الكُبرى !
واللهُ المُستعانُ .
الوجهُ الثاني - أنَّ ذلكَ كلَّه ثابتٌ أيضًا في رواية ابن حجرٍ في ((تغليق
التعليق)) بنفس المكان الّذي عزاه إِليه جزءًا وصفحةً (٥ / ١٩)! أُخرجه من طريقٍ
أخرى عن الإسماعيليّ ، عن شيخِه الحسن بن سفيان ، عن شيخه هشامٍ بن عمّارٍ
وبشرِ بن بكرٍ كما تقدّمَ عندَ البيهقيّ ، إِلَّا أنَّ الحافظَ قال عقبَه :
(( لفظ الحسنِ بن سفيان عن هشام بن عمّار، ولفظُ (دحيم ) مثلُه)).
فإِذن ؛ لا فرقَ بين روايةِ هشامٍ وبشرٍ ، ففي كليهما لفظُ ( المعازفِ ) ، فبطل
كلام المنکِرِ !
وقد يقولُ من لم يتتبع تلبيساتِ الرَّجل: لعلّه لم يتنبّه لهذا الّذي بيَّنته ، وهو
واضح جدًّا .
فَأَقُولُ : ذلكَ ممكنٌ بالنسبةِ لغيرِه من أمثالِهِ المبتدئين في هذا العلمِ ، أَمّا هو فلا !
فإِن قيل : لم ؟ قلت : لكثرةٍ ما أُخذنا عليه من التلبيساتِ ، وتجاهلِه للنصوصٍ
الّتي تخالفُ هواه ، وفيما سبقَ كفايةٌ لكلِّ ناشدٍ للحقِّ منصفٍ ، والحبلُ جرّارٌ ، كما
سترى في بعضٍ الاستدراكاتِ الأُخرى .
- ٩١٨ -

هذا أَوَّلًا .
وثانيًا - لأنّه رأى في ((فتح الباري)) (١٠ / ٥٤) رواية دحيم هذه بارزةً
شاخصةً مختصرةً ليس فيها القصّة ، وإِنّ جملةَ ( المعازفِ ) - الّتي لا يمكنُ أَن تخفى
على أَحدٍ - ساقها الحافظُ ليبيَّ ما سقطَ من رواية أبي داود المختصرة ، وقد ذكرها
الرَّجلُ في العمود الثاني من مقالِهِ محتجًا بها أنّه ليسَ فيها ذكرُ ( المعازفِ ) ، أَخذها
من ((الفتح)) معرضًا عن قولِ الحافظِ عقبها :
(( نعم ، ساقَ الإِسماعيليُّ الحديثَ من هذا الوجه من روايةٍ ( دُحيم ) عن بشرِ
ابن بكر بهذا الإِسنادِ فقال: ((يستحلُّونَ الحرَ والحريرَ والخمرَ والمعازفَ)) الحديث)).
فإِن قيلَ : من أَيْنَ لك أنّه رآها ؟
قلت : من علمي اليقيني أنّه قرأْ شرحَ الحافظِ للحديثِ ، وردّه على ابن حزم
تضعيفَه إِيَّاه ، ومن ردّه هو على ابن حجرٍ في العمودِ الثالثِ دفاعًا عن تضعيفِه لعطية
ابن قيس فقال :
((لذا فقولُ ابن حجر في ((الفتح)) (١٠ / ٥٤): قوّاه أبو حاتم - ليس
بدقيقٍ ))! (١)
فأَنتَ ترى أنَّه نقلَه من نفسِ الصفحةِ الّتي نقلتُ منها آنفًا قولَ الحافظِ في روايةٍ
الإِسماعيليّ ، فهل بعد هذا كلِّه ترك مجالًا لأحدٍ أن يحسنَ الظنَّ به ؟!
وليس هذا فقط ، فانظر التالي :
(١) كذا قالَ، ثمَّ ردّ على الحافظِ لأَنَّه فهم من قولِ الحافظِ في (عطية): ((صالح الحديث))
تقويته ، ويرى ( المضعّفُ) أنَّه جريحٌ ، مخالفًا في ذلك الذهبيَّ أَيْضًا فإِنّه صرّعَ بأَنَّه تعديلٌ ، كما سيأتي
نقلُه عنه في الاستدراك ( ١٤ ) ، فالرّجلُ ديدنه المخالفة ! ولم لا ؟ ( خالِفْ تُعرف ) ، وفعلاً قد
عُرف !! ولكن بماذا ؟!
- ٩١٩ -

الوجه الثالث - أخرجه الحافظُ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
(١٩ / ١٥٥) من طريق الهيثم بن كليب الشاشي: نا عيسى بن أحمدَ العسقلانيُ :
نا بشرُ بن بكر به مطولاً أم من رواية ( دحيم)، ومن نافلة القولِ أَن أَذكر أَنَّ فيه لفظَ
( المعازفٍ ) .
وما قلتُه في موقفِ الرَّجلِ من روايةِ الإِسماعيليّ وتجاهلِه ◌ِيّاها ، بل نفيه ما
فيها : يمكنُ أَن أَقولَه في موقفِه من هذه من حيثُ علمُه بها وكتمانُه إِيّها ، كما
أَشرتُ إِلى ذلك فيما تقدّمَ .
نعم ؛ يمكنُ أَن يقالَ: يحتملُ أَنَّه لم يتيسر له الرجوعُ إِليها ؛ لأنّها في مصدرٍ
غيرِ مطبوعٍ .
فَأَقولُ : هذا محتملٌ ، وإِن كنتُ أَستبعدُه ، ومع التسليم به فذلك مما لا يجوِّزُ
له أَن ينكرَ ما لم يحط به علمُه .
لقد طالُ الكلامُ جدًّا في هذا الاستدراك فوقَ ما كنتُ أَردتُ وَأَتَصوّرُ، وَأَخذَ
من وقتي الشيءَ الكثير ، وذلك من شؤم هؤلاءِ الّذين ( تزبيوا قبل أن يتحصرموا ) ،
وبخاصةٍ منهم هذا الّذي تمَّ من بينهم بتضعيفِ الأحاديثِ الصحيحةِ والطعن في
رواتِها ، واختلاقِ العلل لها، مع المخالفةِ لأَئمةِ الحديثِ وحفّاظِها ، لا يرقبُ فيهم إِلَا
ولا ذمّة ، ولكنّي أَتذكّرُ قولَ الله تبارك وتعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرٌ
لكم﴾،. محتسبًا في ذلك الأجرَ عندَ اللهِ تبارك وتعالى.
ولعلَّ من الفائدةِ أَن أَخِّصَ للقرّاءِ الكرامِ المخالفاتِ التي وقع فيها ؛ تذكرةً له ،
وعبرةً لكلِّ من يريدُ أَن يعتبرَ :
١ - خالفَ في تضعيفه لهذا الحديث الصحيح أكثرَ من عشرة من حفّاظٍ
- ٩٢٠ -