Indexed OCR Text

Pages 641-660

أما الأول؛ فلأنه كوفي، وقيس بن مسلم كوفي أيضاً، لكن الراوي عنه سهل بن عتاب
بصري كما يأتي، وأما الآخر؛ فعلى العكس من ذلك؛ فإنه بصري، والراوي عنه
كذلك، ولكن شيخه كوفي كما رأيت، ولذلك لم أستطع القطع بأنه هو.
وأما الهيثمي فقد قطع بذلك، ولا أدري ما الذي سوَّغَهُ له، ولكنه قد وقع في
وهم عجيب، فقال (٢ / ١٤٨):
((ورواه الطبراني في ((الكبير))، وفيه حفص بن سليمان المنقري، وهو متروك،
واختلفت الرواية عن أحمد في توثيقه، والصحيح أنه ضعفه، والله أعلم، وقد ذكره
ابن حبان في (الثقات)).
قلت: فاختلط على الهيثمي حفص بن سليمان القارىء الكوفي بحفص بن
سليمان المنقري البصري، فالأول هو المتروك؛ بخلاف الآخر؛ كما عرفت، وهو
الذي اختلفت الرواية عن أحمد فيه لا المنقري؛ فراجع ترجمته في ((التهذيب)) إن
شئت .
ثم رأيت الحافظ المزي قد ذكر في ترجمة الأول من ((تهذيبه)) أن قيس بن مسلم
من شيوخه .
رابعاً: سهل أبو عتاب، وهو سهل بن حماد أبو عتاب الدلال البصري، وهو ثقة
من رجال مسلم والأربعة .
خامساً: شباب العصفري، وهذا لقبه، واسمه خليفة بن خياط العصفري، وهو
ثقة من شيوخ البخاري وممَّن احتجَّ بهم في «صحيحه)).
سادساً: عبدالله بن أحمد بن حنبل؛ فهو ثقة مشهور، احتجَّ به النسائي.
قلت: ومن هذا التخريج يتبيَّن أن رجال الإِسناد كلهم ثقات لا شكَّ فيهم،
سوى حفص بن سليمان، فإن كان هو المنقري كما جزم الهيثمي؛ فالسند صحيح
كما قلنا أولاً، وإلاّ فلا.
٦٤١

وقد كنت جزمت بالأول قديماً تبعاً للحافظ الهيثمي، وذلك في كتابي ((تخريج
صفة صلاة النبي (َلت))، ثم بدا لي التوقف عنه؛ لهذا التحقيق الذي ذكرته.
ثم ترجَّح الاحتمال الأول بذكر الحافظ المزي في ((تهذيبه)) (٧ / ١١) قيس بن
مسلم الكوفي في شيوخ حفص الكوفي القارىء دون حفص البصري المنقري، والله
أعلم.
نعم؛ للحديث طریق أخری عن ابن عمر یتقوّى به، یرویه سریج بن يونس :
ثنا قُرَّان بن تمام عن عبيدالله بن عمر عن نافع عنه قال: قال رسول الله وَل :
((من استطاع منكم أن يسجد؛ فليسجد، ومَن لم يستطع؛ فلا يرفع إلى جبهته
شيئاً يسجد عليه، ولكن بركوعه وسجوده یومیء برأسه)).
أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (١ / ٤٣ / ١ - من زوائده): حدثنا محمد بن
عبدالله بن بکیر: ثنا سریج بن یونس به. وقال:
((لم یروه عن عبيدالله إلا قران، تفَّد به سریج)).
قلت: وهو ثقة من رجال الشيخين، وكذا مَن فوقه؛ سوى قُرَّان - بضم أوله
وتشديد الراء -؛ فهو صدوق ربما أخطأ؛ كما في ((التقريب))؛ فالسند جيد؛ لولا أنني
لم أجد ترجمة لمحمد بن عبدالله بن بكر شيخ الطبراني، لكن الظاهر أنه لم يتفرَّد
به؛ کما يشعر به قوله: «تفرد به سریج)).
ولعله لذلك قال الحافظ الهيثمي (٢ / ١٤٩):
((رواه الطبراني في ((الأوسط))، ورجاله موثَّقون، ليس فيهم كلامٌ يضرُّ، والله
أعلم».
ثم رجعت إلى ((المعجم الأوسط)) (٢ / ١٤٤ / ١ / ٧٢٣١)، فرأيته قد أورد
الحديث في ترجمة شيخه (محمد بن عبدالله بن بكر السراج العسكري)، وساق له
أحاديث أخرى مجموعها تسعة عشر حديثاً، مما يدلُّ على أنه من شيوخه المعروفين،
٦٤٢

وله ترجمة في ((تاريخ بغداد)) (٥ / ٤٣٥)، وقال:
((روى عنه أهل فارس، وكان مستقيم الحديث، مات سنة ٢٩٨)).
فثبت الحدیث والحمد لله .
وله شاهد من حديث جابر نحو حديث ابن عمر الأول، يرويه سفيان الثوري
عن أبي الزبير عن جابر به .
أخرجه البزار (ص ٦٦ - زوائده)، والبيهقي .
ورجال إسناده ثقات، وليس له علة تقدح في صحته سوى عنعنة أبي الزبير؛
فإنه كان مدلساً، وبها أعله الحافظ عبدالحق الإِشبيلي في ((أحكامه)) (رقم ١٣٨٣ -
بتحقيقي)، ومع ذلك صرح الحافظ ابن حجر في ((بلوغه)) أنه قوي، والله أعلم.
والذي لا شكَّ فيه أن الحديث بمجموع طرقه صحيح، والله تعالى هو الموفق.
وقد روى أبو عوانة في ((مسنده)) (٢ / ٣٣٨) عن عمر بن محمد قال: دخلنا
على حفص بن عاصم نعوده في شكوى قال: فحدثنا قال:
((دخل علي عمي عبدالله بن عمر قال: فوجدني قد كسرت لي نمرقة - يعني:
الوسادة -. قال: وبسطت عليها خمرة. قال: فأنا أسجد عليها. قال: فقال لي: يا
ابن أخي! لا تصنع هذا، تناوَلْ الأرض بوجهك، فإن لم تقدر على ذلك؛ فأومىء
برأسك إيماء)).
وسنده صحيح على شرط الشيخين.
٣٢٤ - (مَنْ خَبَّبَ خَادِماً على أَهْلِها؛ فليسَ مِنَّا، ومَن أَفْسَدَ امْرَأَةً
على زَوْجها؛ فليسَ مِنَّا).
أخرجه الإِمام أحمد (٢ / ٣٩٧): ثنا أبو الجَوَّاب: ثنا عمار بن رُزيق عن
عبدالله بن عيسى عن عكرمة عن يحيى بن يعمر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
٦٤٣

مَلة : (فذكره).
ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم (٢ / ١٩٦).
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم،
وقال الحاكم :
((صحيح على شرط البخاري)).
الضوابط؛ وهذا وهم، وإن وافقه الذهبي! لأن عماراً ليس من رجال مسلم.
يترجال وأبو الجواب اسمه الأحوص بن جواب، وقد توبع:
فأخرجه أبو داود (٥١٧٠)، وابن حبان (١٣١٩) من طريقين آخرين عن عمار
ابنرزیق به .
وللحدیث شاهد من حديث ابن عباس مرفوعاً نحوه.
أخرجه الضياء في ((المختارة)) (٦٤ / ٢٥ / ٢)، وآخر من رواية بريدة بن
الحصیب بلفظ :
٣٢٥ - (لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَفَ بالأمَانَةِ، ومَنْ خَبَّبَ عَلى امْرَىءٍ
زَوْجَتَهُ أُوْ مَمْلوكَهُ؛ فليسَ مِنا).
أخرجه أحمد (٥ / ٣٥٢): ثنا وكيع: ثنا الوليد بن ثعلبة عن عبدالله بن بريدة
عن أبيه قال: قال رسول الله وَ له: (فذكره).
وأخرجه ابن حبان (١٣١٨) من طريق وكيع والبزار (١٥٠٠) عن غيره نحوه.
قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير الوليد هذا،
وقد وثقه ابن مَعين وابن حبان، وقد صحَّح إسناده المنذري في ((الترغيب)) (٣ / ٩٣).
(خبَّب): بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة؛ معناه: خدع وأفسد.
٦٤٤

٣٢٦ - (إِنَّ صَاحِبَكُمْ تَغْسِلُهُ المَلائِكَةُ. يعني؛ حَنْظَلَةَ).
رواه الحاكم (٣ / ٢٠٤)، والبيهقي في ((السنن)) (٤ / ١٥) عن ابن إسحاق:
حدثني يحيى بن عباد بن عبدالله عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول
الله ◌َ* يقول عند قتل حنظلة بن أبي عامر بعد أن التقى هو وأبو سفيان بن الحارث
حين علاه شدَّاد بن الأسود بالسيف فقتله، فقال رسول الله وَّ: (فذكره)، فسألوا
صاحبته فقالت: إنه خرج لما سمع الهائعة وهو جنب، فقال رسول الله وَ الله: ((لذلك
غسلته الملائكة)) .
ومن هذا الوجه أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (٩ / ٨٤ / ٦٩٨٦)، وقال
الحاكم :
((صحيح على شرط مسلم)).
وسكت عنه الذهبي، وإنما هو حسن فقط؛ لأن ابن إسحاق إنما أخرج له مسلم
في المتابعات.
وله شاهد أخرجه ابن عساكر (٢ / ٢٩٦ / ١) عن عبد الوهاب بن عطاء: نا
سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك قال:
((افتخر الحيان من الأوس والخزرج، فقال الأوس: منَّا غسيل الملائكة حنظلة
ابن الراهب، ومنَّ من اهتَزَّ له عرش الرحمن، ومنا مَن حمته الدبر عاصم بن ثابت بن
الأفلح، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت. قال: فقال
الخزرجيون: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه أحدٌ غيرهم: زيد بن ثابت، وأبو زيد،
وأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل)). وقال ابن عساكر:
«هذا حديث حسن)).
قلت: وعبد الوهاب بن عطاء - وهو الخفاف - ممَّن سمع من ابن أبي عروبة قبل
اختلاطه كما ذكر الحافظ العراقي وغيره .
٦٤٥

٣٢٧ - (لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيُّ؛ لَكَانَ عُمَرُ).
رواه الترمذي (٢ / ٢٩٣) وحسنه، والحاكم (٣ / ٨٥) وصححه، وأحمد (٤
/ ١٥٤)، والروياني في ((مسنده)) (٥٠ /١)، والطبراني في ((الكبير)) (١٧ / ٢٥٧)،
وأبو بكر النجاد في ((الفوائد المنتقاة)) (١٧ / ١ - ٢)، وابن سمعون في ((الأمالي))
(١٧٢ / ٢)، وأبو بكر القطيعي في ((الفوائد المنتقاة)) (٤ / ٧ / ٢)، والخطيب في
((الموضح)) (٢ / ٢٢٦)، وابن عساكر (٣ / ٢١٠ / ٢) عن أبي عبد الرحمن المقري:
نا حيوة عن بكر بن عمرو عن مشرح بن ھاعان عن عقبة بن عامر مرفوعاً.
ثم رواه النجاد من طريق ابن لهيعة عن مشرح به .
قلت: وهذا سند حسن، رجاله كلهم ثقات، وفي مشرح كلام لا ينزل حديثه
عن رتبة الحسن، وقد وثقه ابن معين.
وله شاهدان :
أحدهما: من حديث عصمة، رواه الطبراني (١٧ / ١٦٥)، وفيه الفضل بن
المختار، وهو ضعيف، وشيخ الطبراني كذَّبوه.
والآخر: عن أبي سعيد الخدري، رواه الطبراني في ((الأوسط)» (ق ٣٣٥ -
مجمع البحرين)، قال الهيثمي (٩ / ٦٨):
((وفيه عبدالمنعم بن بشير، وهو ضعيف)).
٣٢٨ - (مَا بالُ رِجالٍ بَلَغَهُم عَنِّي أَمْرٌ تَرَخَّصْتُ فِيهِ، فَكَرِهوه،
وتَنَزَّهوا عنهُ؟! فواللهِ؛ لأنا أَعْلَمُهُمْ باللـهِ، وأَشدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً).
رواه البخاري (٦١٠١ و٧٣٠١)، ومسلم (٧ / ٩٠)، وأحمد (٦ / ٤٥ و١٨١)
من حديث عائشة رضي الله عنها قالت:
((صنع رسول الله ور أمراً فترخّص فيه، فبلغ ذلك ناساً من أصحابه، فكأنهم
٦٤٦

كرهوه وتنزَّهوا عنه! فبلغه ذلك، فقام خطيباً، فقال: (فذكره)).
وأخرجه البخاري مختصراً نحوه (٦١٠١ و٧٣٠١) ومن طريقه البغوي في ((شرح
السنة)) (رقم ١٠٠).
قلت: والأمر الذي ترخَّص فيه رسول الله وَّله هو التّقبيل في الصيام؛ خلافاً لما
قد يتبادر لبعض الأذهان، والدليل الحديث الآتي :
٣٢٩ - (أَنا أَتْقَاكُمْ للهِ وأَعْلَمُكُمْ بِحُدودِ اللهِ).
رواه الإمام أحمد (٥ / ٤٣٤): ثنا عبد الرزاق: أنا ابن جريج: أخبرني زيد بن
أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من الأنصار أن أنساً الأنصاري أخبر عطاء:
((أنه قبل امرأته على عهد رسول الله وَيرٍ وهو صائم، فأمر امرأته، فسألت النبي
وَلجر عن ذلك؟ فقال النبي وَله: إن رسول الله يفعل ذلك. فأخبرته امرأته، فقال: إن
النبي ◌َليل يرخص له في أشياء، فارجعي إليه فقولي له. فرجعت إلى النبي وسلّ فقالت:
قال: إن النبي ◌ّ * يرخص له في أشياء. فقال: (فذكره).
قلت: وهذا سند صحيح متَّصل.
مِنْ أَدْبِ المَجْلِسِ
٣٣٠ - (كُنَّا إِذا انْتَهَيْنَا إِلى النَِّّ ◌َِّ؛ جَلَسَ أَحَدُنا حَيْثُ يَنْتَهِي).
أخرجه زهير بن حرب في ((العلم)) (رقم ١٠٠ بتحقيقي)، والبخاري في ((الأدب
المفرد)) (١١٤١)، وأبو داود (٤٨٢٥)، والترمذي (٢ / ١٢١)، وأحمد (٥ /٩١،
و١٠٧ - ١٠٨)، وابنه عبد الله في «زوائده)» (٥ / ٩٨)، وابن حبان (١٩٥٥ - موارد)
عن شريك عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: (فذكره). وقال الترمذي :
((حديث حسن صحيح غريب، وقد رواه زهير عن سماك أيضاً)).
٦٤٧

قلت: شريك فيه ضعف من قبل حفظه، لكن متابعة زهير إياه تقوية، وهو زهير
ابن معاوية بن حُديج، وهو ثقة من رجال الشيخين .
ثم وجدت له شاهداً من حديث علي رضي الله عنه في ((طبقات ابن سعد)) (١
/ ٤٢٢ - ٤٢٤)، وفيه جميع بن عمير، وهو ضعيف. انظر (٥ / ٨٥) من هذه
السلسلة.
وفي الحديث تنبيه على أدب من آداب المجالس في عهد النبي ◌َّ، طالما
أهمله الناس اليوم، حتى أهل العلم، وهو أن الرجل إذا دخل المجلس؛ يجلس فيه
حيث ينتهي به المجلس، ولو عند عتبة الباب، فإذا وجد مثله؛ فعليه أن يجلس فيه،
ولا يترقّب أن يقوم له بعض أهل المجلس من مجلسه؛ كما يفعل بعض المتكبِّرين من
الرؤساء، والمتعجرفين من المتمشيخين؛ فإن هذا منهيٌّ عنه صراحة في قوله وَلات :
((لا يقيم الرجل الرجل من مقعده، ثم يجلس فيه، ولكن تفسَّحوا وتوسَّعوا)).
أخرجه مسلم (٧ / ١٠)، وزاد في رواية :
«وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه؛ لم يجلس فيه)).
بل ثبت نهيه و ﴿ الرجلَ أن يقوم للرجل من مجلسه كما تقدَّم برقم (٢٢٨) فتنبّه.
٣٣١ - (إنَّ الرُّقى والتَّمَائِمَ والتِّوَلَّةَ شِرٌْ).
أخرجه أبو داود (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٠)، وابن حبان (١٤١٢ - زوائده)،
وأحمد (١ / ٣٨١) من طريق يحيى الجزار عن ابن أخي زينب امرأة عبدالله عن زينب
امرأة عبدالله عن عبدالله قال: سمعتُ رسول الله والله يقول: (فذكره).
قلت: ورجاله ثقات كلهم، غير ابن أخي زينب، قال الحافظ في ((التقريب)):
((كأنه صحابي، ولم أره مسمَّى)).
قلت: وسقط ذكره من كتاب ((زوائد ابن حبان))، وكذا من ((ترتيبه)) (٧ / ٦٣٠)،
٦٤٨

فلا أدري أكذلك الرواية عنده أم سقط من الناسخ؟
والظاهر الأول؛ فقد رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٠ / ٢٦٢ / ١٠٥٠٣) من
طريق يحيى الجزار أيضاً قال: قال عبد الله ... (فذكر حديث الترجمة فقط، فأسقط
من الإِسناد زينب أيضاً)؛ فهو من اختلاف الرواة.
ورواه الحاكم (٤ / ٤١٧ - ٤١٨) من طريق يحيى الجزار، لكنه قال: عن
عبدالله بن عتبة بن مسعود عن زينب به، وإن عتبة هذا هو ابن أخي عبدالله بن
مسعود. وقال الحاكم :
((صحيح الإسناد على شرط الشيخين)).
ووافقه الذهبي .
وعلى كل حال؛ فإن للحديث طريقاً أخرى يتقوَّى بها، أخرجه الحاكم (٤ /
٢١٧) من طريق قيس بن السكن الأسدي قال:
((دخل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه على امرأة، فرأى عليها خرزاً من
الحمرة، فقطعه قطعاً عنيفاً، ثم قال: إن آل عبدالله عن الشرك أغنياء، وقال: كان
ممَّا حفظنا عن النبي وَّ: (فذكره). وقال:
((صحيح الإِسناد)).
ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، ثم تكلمت عليه مبسطاً فيما يأتي برقم
(٢٩٧٢).
وروى عبدالرزاق (١١ / ٢٠٨ / ٢٠٣٤٣)، والطبراني (٩ / ١٣٩ / ٨٨٦١
- ٨٨٦٣) من طريق أخرى عن ابن مسعود موقوفاً، وليس عند عبدالرزاق حديث
الترجمة .
الغريب :
(الرقى): هي هنا كل ما فيه الاستعاذة بالجن، أو لا يفهم معناها؛ مثل كتابة
٦٤٩

بعض المشايخ من العجم على كتابهم لفظة ( يا كبيكج) لحفظ الكتب من الأرضة
زعموا!
و(التمائم): جمع تميمة، وأصلها خرزات تعلقها العرب على رأس الولد لدفع
العين، ثم توسَّعوا فيها، فسمَّوا بها كل عودة.
قلت: ومن ذلك تعليق بعضهم نعل الفرس على باب الدار، أو في صدر
المكان! وتعليق بعض السائقين نعلاً في مقدمة السيارة أو مؤخرتها، أو الخرز الأزرق
على مرآة السيارة التي تكون أمام السائق من الداخل؛ كل ذلك من أجل العين زعموا!
وهل يدخل في (التمائم) الحجب التي يعلقها بعض الناس على أولادهم أو
على أنفسهم إذا كانت من القرآن أو الأدعية الثابتة عن النبي ◌َّار؟ للسلف في ذلك
قولان، أرجحهما عندي المنع؛ كما بينته فيما علَّقته على ((الكلم الطيب)) لشيخ
الإِسلام ابن تيمية (رقم التعليق ٣٤).
و(التولة)؛ بكسر التاء وفتح الواو: ما يحبِّب المرأة إلى زوجها من السحر
وغيره؛ قال ابن الأثير:
((جعله من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر ويفعل خلاف ما قدَّره الله تعالى)).
٣٣٢ - (لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُصَلِّي مَعَ رَسولِ اللهِ وَّهِ صَلاةَ الفَجْر في
مُروطِنا، ونَنْصَرِفُ ومَا يَعْرِفُ بَعْضُنا وُجوهَ بَعْضٍ).
أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) (٢١٤ / ١): ثنا إبراهيم: ثنا حماد عن عبيدالله
ابن عمر عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية أن عائشة قالت: (فذكره).
قلت: وهذا إسناد صحیح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غیر إبراهيم هذا،
وهو ابن الحجاج، ثم هما اثنان: إبراهيم بن الحجاج بن زيد السامي، أبو إسحاق
البصري، وإبراهيم بن الحجاج النيلي أبو إسحاق البصري أيضاً، وكلاهما يروي عنه
٦٥٠
٠

أبو يعلى، والأول يروي عن حماد بن سلمة، والآخر عن حماد بن زيد، وكل من
الحمادين يروي عن عبيدالله بن عمر، ولذلك لم يتعيّن عندي أيهما المراد هنا، ولا
ضيرَ في ذلك؛ فإنهما ثقتان، غير أن الأول احتجَّ به مسلم، والآخر احتجَّ به
الشيخان .
والحديث في ((الصحيحين)) دون ذكر الوجه، ولذلك أوردته، وهي زيادة
مفسِّرة، لا تعارض رواية الصحيحين؛ فهي مقبولة .
وهو دليل ظاهر على أن وجه المرأة ليس بعورة، والأدلة على ذلك متكاثرة.
ومعنى كونه ليس بعورة: أنه يجوز كشفه، وإلّ؛ فالأفضل والأورع ستره، لا
سيَّما إذا كان جميلاً، وأما إذا كان مزيَّناً؛ فيجب ستره قولاً واحداً، ومَن شاء تفصيل
هذا الإِجمال؛ فعليه بكتابنا ((حجاب المرأة المسلمة))؛ فإنه جمع فأوعى، وقد نشر
والحمد لله باسم ((جلباب المرأة المسلمة))، مع مقدمة مفيدة وتحقيقات جديدة.
( انظر الاستدراك رقم : ١٢ ) .
٣٣٣ - (إِن للإِسْلامِ صُوَىّ ومَناراً كَمَنارِ الطَّريقِ؛ مِنها أَنْ تُؤْمِنَ
باللهِ ولا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وإِقامُ الصَّلاةِ، وإِيتَاءُ الزّكاةِ، وصومُ رَمضانَ،
وحُجُّ البَيْتِ، والأمْرُ بالمَعْروفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وأَنْ تُسَلَّمَ عَلى
أَهْلِكَ إِذَا دَخَلْتَ عليهِم، وأَنْ تُسَلَّمَ على القومِ إِذا مَرَرْتَ بِهِم، فمَنْ
تَرَكَ مِن ذُلك شيئاً؛ فقد تَرَكَ سَهْماً مِن الإِسلامِ ، ومَن تَرَكَهُنَّ [كُلَّهُنَّ]؛
فقد وَلَّى الإِسلامَ ظَهْرَهُ).
أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب ((الإِيمان)» (رقم الحديث ٣ -
بتحقيقي) قال: حدثنيه يحيى بن سعيد العطار عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان
عن رجل عن أبي هريرة عن النبي وَلَّ، ومن طريق أبي عبيد أخرجه ابن بشران في
((الأمالي)) (ق ٩٨ / ٢)، وعبدالغني المقدسي في ((الأمر بالمعروف والنهي عن
٦٥١

المنكر)) (ق ٨٢ / ١)، وقال:
((رواه الطبراني في (السنة)).
قلت: ويحيى بن سعيد هذا شاميٍّ ضعيف، وقد خالفه جماعة في إسناده، فلم
يذكروا الرجل فيه، وهو الصواب.
فمنهم الوليد بن مسلم قال: ثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي هريرة
به .
أخرجه الحاكم (١ / ٢١) من طريق محمد بن أبي السري العسقلاني: ثنا
الوليد بن مسلم به. وقال:
((هذا حديث صحيح على شرط البخاري؛ فقد روى عن محمد بن خلف
العسقلاني، واحتجَّ بثور بن يزيد الشامي، فأما سماع خالد بن معدان عن أبي هريرة؛
فغير مستَبْعَد؛ فقد حكى الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عنه أنه قال: لقيت سبعة
عشر رجلاً من أصحاب رسول الله (وَ ليت)).
وقال أبو حاتم :
((خالد أدرك أبا هريرة، ولا يُذْكَر له سماع». «جامع التحصيل)» (ص ١٧١).
ونحوه في ((مراسيل ابن أبي حاتم)) (ص ٣٩ - ٤٠).
قلت: لقد انتقل ذهن الحاكم رحمه الله من محمد بن أبي السري العسقلاني
إلى محمد بن خلف العسقلاني، ومع أن ابن خلف ليس له دخل في هذا الحديث؛
فلم يرو عنه البخاري، وأما صاحب الحديث؛ فهو ابن أبي السري؛ كما هو مصرَّح
به في سنده؛ فهو ضعيف، وهو محمد بن المتوكل بن عبدالرحمن أبو عبدالله بن أبي
السري، قال الحافظ في ((التقريب)):
((صدوق، عارف، له أوهام كثيرة)).
ومنهم محمد بن عیسی بن سمیع عن ثور بن یزید به .
٦٥٢

أخرجه ابن شاهين في ((الترغيب والترهيب)) (ق ٣١٧ / ١).
قلت: ومحمد هذا هو ابن عيسى بن القاسم بن سميع بالتصغير؛ قال الحافظ :
(صدوق، یخطىء ویدلس)).
ومنهم روح بن عبادة: ثنا ثور بن یزید به .
أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٥ / ٣١٧ - ٣١٨).
وفي ((أحاديث أبي القاسم الأصم)) (١٢ / ٢) عن محمد بن يونس الكديمي:
ثنا روح بن عبادة به .
قلت: والكديمي متهم، وفي ((التقريب)): ((ضعيف)).
قلت: لكنه لم يتفرَّد به، فقال أبو نعيم عقبه :
((غريب من حديث خالد، تفرَّد به ثور، حدث به أحمد بن حنبل والكبار عن
روح)).
قلت: ومن هؤلاء الكبار محمد بن بشار: ثنا روح بن عبادة به. رواه ابن نصر
في ((الصلاة)) (ق ٩٣ / ١). وبمتابعة أحمد وغيره صحّ الحديث، والحمد لله.
وله شاهد من حديث أبي الدرداء مرفوعاً بنحوه .
أخرجه ابن دوست في ((الأمالي)) (ق ١١٨ / ٢) من طريقين عن عبدالله بن
صالح قال: حدثني معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عنه .
قلت: وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد، رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح،
لكن عبدالله بن صالح، وإن أخرج له البخاري؛ فهو كما قال الحافظ:
((صدوق، كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة)).
(الصوى): جمع (صوَّ)، وهي أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي والمفازة
المجهولة، يستدل بها على الطريق وعلى طرفيها، أراد أن للإِسلام طرائق وأعلاماً
٦٥٣

یُهتدی بها .
كذا في ((لسان العرب)) عن أبي عمرو بن العلاء. (انظر الاستدراك رقم: ١٣).
٣٣٤ - (مَنْ قَالَ: رَضيتُ باللهِ رَبّاً، وبالإِسلام دِيناً، وبمُحَمَّدٍ
رسولاً؛ وَجَبَتْ لَهُ الجنَّةُ).
أخرجه أبو داود (١٥٢٩)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (رقم ٥)، وابن
حبان (٢٣٦٨)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٠ / ٢٤١ / ٩٣٣١) من طريق أبي
الحسين زيد بن الحباب: ثنا عبد الرحمن بن شريح الإِسكندراني : حدثني أبو هانىء
الخولاني أنه سمع أبا علي الجَنَبي أنه سمع أبا سعيد الخدري أن رسول الله وَ الله قال:
(فذكره).
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير أبي علي الجَنَبي،
واسمه عمرو بن مالك الهمداني، وهو ثقة.
واسم أبي هانىء الخولاني حميد بن هانیء.
وللحديث طريق أخرى عن أبي سعيد، يرويه ابن لهيعة عن خالد بن أبي
عمران عن أبي عبدالرحمن الحبلي عنه قال:
((أخذ رسول الله وَ لَّ بيدي، فقال: يا أبا سعيد! ثلاثة من قالهنَّ دخل الجنة.
قلت: ما هنَّ يا رسول الله؟ قال: مَن رضي بالله ربّاً، وبالإِسلام ديناً، وبمحمد
رسولاً. ثم قال: يا أبا سعيد! والرابعة لها من الفضل كما بين السماء إلى الأرض،
وهي الجهاد في سبيل الله)).
أخرجه الإمام أحمد (٣ / ١٤): ثنا يحيى بن إسحاق: أنا ابن لهيعة.
قلت: وإسناده لا بأس به في المتابعات والشواهد، وبخاصة أن يحيى بن
إسحاق من قدماء أصحاب ابن لهيعة؛ كما في ((التهذيب)) (٢ / ٤٢٠).
٦٥٤

ثم استدركت فقلت: قد رواه ابن وهب: حدثني أبو هانىء الخولاني عن أبي
عبدالرحمن الحبلي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله مص# قال:
((يا أبا سعيد! من رضي بالله رباً ... )) الحديث. رواه مسلم (٦ / ٣٧).
استفدت هذا من الأخ الفاضل عبدالله الصالح في رسالته ((التعقبات المليحة
على السلسلة الصحيحة))، وقد كان موفقاً في الكثير الطيب منها.
ورواه أيضاً النسائي (٢ / ٥٧)، وأحمد (٣ / ١٤)، والبيهقي (٩ / ١٥٨)،
وكذا أبو عوانة (٥ / ٤٨)، وابن حبان (٤٥٩٣)، وغيرهم؛ بلفظ: ((نبيّا))، وهو أصح
من اللفظ الأول: ((رسولاً)).
وله شاهد من حديث المنيذر بلفظ: (( ... إذا أصبح ... ))، وسيأتي
(٢٦٨٦).
٣٣٥ - (كُنَّا نُنْهَى أَنْ نَصُفَّ بَيْنَ السَّواري عَلى عَهْدِ رَسولِ اللهِ
(وَ لِ﴿ ونُطْرَدُ عَنْها طَرْداً).
أخرجه ابن ماجه (١٠٠٢)، وابن خزيمة (١٥٦٧)، وابن حبان (٤٠٠)،
والحاكم (١ / ٢١٨)، والبيهقي (٣ / ١٠٤)، والطيالسي (١٠٧٣) من طريق هارون
ابن مسلم: ثنا قتادة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: (فذكره). وقال الحاكم:
((صحيح الإسناد)).
ووافقه الذهبي .
قلت: هارون هذا مستور كما قال الحافظ، لكن روى عنه ثلاثة من الثقات؛
كما بينته في ((تيسير الانتفاع))، ولذا حسنت إسناده في ((تمام المنة)) (ص ٢٩٦ -
٢٩٧) .
٦٥٥

وله شاهد من حديث أنس بن مالك يتقوى به، يرويه عبدالحميد بن محمود
قال :
((صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة، فدُفِعنا إلى السواري، فتقدَّمنا وتأخَّرنا،
فقال أنس: كنَّا نَّقي هذا على عهد رسول الله وَّآ)).
أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم بسند
صحيح؛ كما بينته في ((صحيح أبي داود)) (٦٧٧).
قلت: وهذا الحديث نصٌّ صريح في ترك الصف بين السواري، وأن الواجب
أن يتقدَّم أو يتأخر؛ إلا عند الاضطرار؛ كما وقع لهم.
وقد روى ابن القاسم في ((المدونة)) (١ / ١٠٦)، والبيهقي (٣ / ١٠٤) من
طريق أبي إسحاق عن معدي كرب عن ابن مسعود أنه قال:
((لا تصفُّوا بين السواري)).
وقال البيهقي :
((وهذا - والله أعلم - لأن الأسطوانة تحول بينهم وبين وصل الصف)).
وقال مالك :
((لا بأس بالصفوف بين الأساطين إذا ضاق المسجد)).
وفي ((المغني)) لابن قدامة (٢ / ٢٢٠):
((لا يكره للإِمام أن يقف بين السواري، ويكره للمأمومين؛ لأنها تقطع
صفوفهم، وكرهه ابن مسعود والنخعي، وروي عن حذيفة وابن عباس، ورخص فيه
ابن سيرين ومالك وأصحاب الرأي وابن المنذر؛ لأنه لا دليل على المنع، ولنا ما روي
عن معاوية بن قرة .... ولأنها تقطع الصف، فإن كان الصف صغيراً قدرَ ما بين
الساريتين؛ لم يكره؛ لأنه لا ينقطع بها)).
٦٥٦

وفي ((فتح الباري)) (١ / ٤٧٧):
((قال المحب الطبري : كره قوم الصفَّ بين السواري للنهي الوارد في ذلك،
ومحلُّ الكراهة عند عدم الضيق، والحكمة فيه إما لانقطاع الصف، أو لأنه موضع
النعال. انتهى. وقال القرطبي: روي في سبب كراهة ذلك أنه مصلى الجن
المؤمنین)).
قلت: وفي حُكم السارية المنبرُ الطويلُ ذو الدرجات الكثيرة؛ فإنه يقطع الصف
الأول، وتارة الثاني أيضاً؛ قال الغزالي في ((الإِحياء)) (٢ / ١٣٩):
((إن المنبر يقطع بعض الصفوف، وإنما الصف الأول الواحد المتصل الذي في
فناء المنبر، وما على طرفيه مقطوع، وكان الثوري يقول: الصف الأول، هو الخارج
بين يدي المنبر، وهو متَّجه؛ لأنه متصل، ولأن الجالس فيه يقابل الخطيب ويسمع
منه)) .
قلت: وإنما يقطع المنبر الصفَّ إذا كان مخالفاً لمنبر النبي وَلّر؛ فإنه كان له
ثلاث درجات؛ فلا ينقطع الصف بمثله؛ لأن الإِمام يقف بجانب الدرجة الدنيا منها،
فكان من شؤم مخالفة السنة في المنبر الوقوع في النهي الذي في هذا الحديث.
ومثل ذلك في قطع الصف المدافىء التي توضع في بعض المساجد وضعاً
يترتَّب منه قطع الصف؛ دون أن ينتبه لهذا المحذور إمام المسجد أو أحد من المصلين
فيه؛ لبعد الناس أولاً عن التفقُّه في الدين، وثانياً لعدم مبالاتهم بالابتعاد عمَّا نهى عنه
الشارع وكرهه .
وينبغي أن يعلم أن كل من يسعى إلى وضع منبر طويل قاطع للصفوف، أو يضع
المدفئة التي تقطع الصف؛ فإنه يخشى أن يلحقه نصيب وافر من قوله الخالد: (( ...
ومن قطع صفّاً قطعه الله))، أخرجه أبو داود بسند صحيح؛ كما بينته في ((صحيح أبي
داود)) (رقم ٦٧٢). ( انظر الاستدراك رقم : ١٤).
٦٥٧

٣٣٦ - (لأن يمتَلِىءَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحاً حَتَّى يَرِيَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ
يَمْتَلِىء شِعْراً).
ورد هذا الحديث عن جماعة من أصحاب النبي وَّر؛ منهم أبو هريرة، وعبدالله
ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأبو سعيد الخدري، وعمر، وغيرهم.
١ - أما حديث أبي هريرة؛ فأخرجه البخاري (٤ / ١٤٦)، وفي ((الأدب المفرد))
(٨٦٠)، ومسلم (٧ / ٥٠)، وأبو داود (٥٠٠٩)، والترمذي (٢ / ١٣٩)، وابن ماجه
(٣٧٥٩)، والطحاوي في ((شرح المعاني)) (٢ / ٣٧٠)، وأحمد (٢ / ٢٨٨ و٣٥٥
و٣٩١ و٤٧٨ و٤٨٠) من طرق عن الأعمش عن أبي صالح عنه، وقد صرَّح الأعمش
بالتحديث في رواية البخاري .
وتابعه عاصم عن أبي صالح به عند الطحاوي .
أخرجه أحمد (٢ / ٣٣١).
وتابعه أبو معمر عن أبي صالح به.
لكني لم أعرف أبا معمر هذا، وقال الترمذي :
«حديث حسن صحيح)).
٢ - وأما حديث ابن عمر؛ فأخرجه البخاري في ((الصحيح))، وفي ((الأدب
المفرد)» (٨٧٠)، والدارمي (٢ / ٢٩٧)، وأحمد (٢ / ٣٩ و٩٦ و٢٢٣) عن حنظلة
عن سالم عنه.
٣ - وأما حديث سعد بن أبي وقاص؛ فأخرجه مسلم، والترمذي، وابن ماجه
(٣٧٦٠)، وأحمد (١ / ١٧٥ و١٧٧ و١٨١)، وأبو يعلى (ق ١/٥٣ و١/٥٤)، وأبو
عبيد القاسم بن سلام في ((غريب الحديث)) (ق ٧ / ١) من طرق عن شعبة عن قتادة
عن يونس بن جبير عن محمد بن سعد عن سعد به. وقال الترمذي :
((حديث حسن صحيح)).
٦٥٨

ورواه حمّاد بن سلمة فقال: عن قتادة عن عمر بن سعد بن مالك عن سعد به .
أخرجه أحمد (١ / ١٧٥).
٤ - وأما حديث أبي سعيد؛ فأخرجه مسلم، وأحمد (٣ / ٨ و٤١) من طريق
ليث عن ابن الهاد عن يُحَنَّس مولى مصعب بن الزبير عنه قال:
((بينا نحن نسير مع رسول الله و 18 بالعرج إذ عرض شاعر ينشد، فقال رسول
الله *: خذو الشيطان، أو: أمسكوا الشيطان؛ لأن يمتلىء ... )).
٥ - وأما حديث عمر؛ فأخرجه الطحاوي من طريق خلاد بن يحيى قال: ثنا
سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن عمرو بن حريث عن عمر بن الخطاب به.
قلت: وهذا سند صحيح على شرط البخاري .
وفي الباب عن جماعة آخرين من الصحابة، خرَّج أحاديثهم الحافظ الهيثمي
في «مجمع الزوائد))، فمَن شاء الاطلاع عليها؛ فليرجع إليه (٨ / ١٢٠).
قلت: وكل هذه الأحاديث عن هؤلاء الصحابة موافقة لحديث أبي هريرة رضي
الله عنه، وذلك ممَّا يدلُّ على صدقه وحفظه .
وقد كتبت هذا التحقيق ردّاً على بعض الشيعة والمتشيِّعين من المعاصرين
الذين يطعنون في أبي هريرة رضي الله عنه أشدَّ الطعن، وينسبونه إلى الكذب على
النبي وسر والافتراء عليه - حاشاه من ذلك-؛ فقد زعم أبوريا(١) من أذنابهم - عاملهم
الله بما يستحقُّون - أن أبا هريرة رضي الله عنه لم يحفظ الحديث عنه ويل كما نطق
به، وزعم أن في آخره زيادة لم يذكرها أبو هريرة، وهي: ((هجيتُ به))، وأن عائشة
حفظت ذلك عنه وَّة، وردّت به على أبي هريرة، وكل ذلك مما لا يصح إسناده؛ كما
بينته في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) (رقم ١١١١).
ونحن، وإن كنا لا ننكر جواز وقوع النسيان من أبي هريرة - على حفظه - لأنه
(١) انظر كتابه (( ... أبو هريرة)) (ص ٧٠ و١٢٠ - ١٢١).
٦٥٩

ليس معصوماً، ولكننا ننكر أشد الإِنكار نسبته إلى النسيان - بل الكذب - لمجرّد
الدعوى وسوء الظن به، وهذا هو المثال بين أيدينا، فإذا كان جائزاً كما ذكرنا أن يكون
أبو هريرة لم يحفظ تلك الزيادة المزعومة؛ فهل يجوز أن لا يحفظها أيضاً أولئك
الجماعة من أصحاب النبي ◌َّلة؟!
على أن هذا الحديث في سياقه ما يدلُّ على بطلان تلك الزيادة من حيث
المعنى؛ فإنه لم يذم الشعر مطلقاً، وإنما الإكثار منه، وإذا كان كذلك؛ فقوله:
((هجيت به))؛ يعطي أن القليل من الشعر الذي فيه هجاؤه مير جائز، وهذا باطل، وما
لزم منه باطل؛ فهو باطل!
جاء في ((فيض القدير)):
((وقال النووي: هذا الحدیث محمول على التجرُّد للشعر؛ بحیث یغلب عليه،
فيشغله عن القرآن والذكر. وقال القرطبي: من غلب عليه الشعر؛ لزمه بحكم العادة
الأدبيّة الأوصاف المذمومة، وعليه يحمل الحديث، وقول بعضهم: عنى به الشعر
الذي هُجي به هو أو غيره؛ رُدَّ بأن هجوه كفرٌ كثُر أو قلَّ، وهجو غيره حرام وإن قلَّ ؛
فلا يكون لتخصيص الذم بالكثير معنی)).
وما ذكره من النهي هو الذي ترجم به البخاري في ((صحيحه)) للحديث، فقال:
((باب ما يكره أن يكون الغالب على الإِنسان الشعر حتى يصدّه عن ذكر الله)).
وتقدَّمه إلى ذلك الإِمام أبو عبيد القاسم بن سلام، فقال بعد أن ذكر قول البعض
المشار إليه :
((والذي عندي في هذا الحديث غير هذا القول؛ لأن الذي هُجِيَ به النبي ◌َّ؛
لو كان شطر بيت؛ لكان كفراً، فكأنه إذا حمل وجه الحديث على امتلاء القلب منه
أنه قد رخّص في القليل منه، ولكن وجهه عندي أن يمتلىء قلبه من الشعر حتى يغلب
عليه فيشغله عن القرآن وعن ذكر الله، فيكون الغالب عليه، فأما إذا كان القرآن والعلم
الغالبين عليه؛ فليس جوفه ممتلئاً)).
٦٦٠