Indexed OCR Text
Pages 441-460
وقد تابعه أبو سعيد مولى بني هاشم - وهو ثقة من رجال البخاري - قال: ثنا عبدالله بن جعفر المخرمي به؛ دون الجملة الوسطى: ((والفطر يوم تفطرون)). أخرجه البيهقي في «سننه» (٤ / ٢٥٢). وللحديث طريق أخرى عن أبي هريرة، فقال ابن ماجه (١ / ٥٠٩): حدثنا محمد بن عمر المقرىء: ثنا إسحاق بن عيسى : ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد : ابن سيرين عن أبي هريرة به دون الجملة الأولى . وهذا سند رجاله كلهم ثقات؛ غير محمد بن عمر المقرىء، ولا يعرف؛ كما في ((التقريب))، وأرى أنه وهم في قوله: ((محمد بن سيرين))، وإنما هو: ((محمد بن المنكدر))؛ هكذا رواه العباس بن محمد بن هارون وعلي بن سهل قالا: نا إسحاق ابن عيسى الطباع عن حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة به . أخرجه الدارقطني في «سننه» (٣٥٧ - ٣٥٨). وهكذا رواه محمد بن عبيد - وهو ابن حِساب: ثقة من رجال مسلم - عن حماد ابنزید به . أخرجه أبو داود (١ / ٣٦٦): حدثنا محمد بن عبيد به . وهكذا رواه روح بن القاسم وعبدالوارث ومعمر عن محمد بن المنكدر به . أخرجه الدارقطني وأبو علي الهروي في الأول من الثاني من ((الفوائد)) (ق ٢٠ ١) عن روح. وأخرجه البيهقي عن عبدالوارث. وأخرجه الهروي عن معمر، قرنه مع روح، رواه عنهما يزيد بن زريع، وقد خالفه في روايته عن معمر يحيى بن اليمان، فقال: عن معمر عن محمد بن المنكدر عن عائشة قالت: قال رسول الله ◌َّلر: (فذكره دون الجملة الأولى أيضاً). أخرجه الترمذي (٢ / ٧١)، والدارقطني (٢٥٨)، وقال الترمذي: ٤٤١ ((سألت محمداً - يعني: البخاري - قلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟ قال: نعم؛ يقول في حديثه: سمعت عائشة. قال الترمذي: وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه)». قلت: كذا قال الترمذي، وهو عندي ضعيف من هذا الوجه؛ لأنَّ يحيى بن اليمان ضعيف من قبل حفظه، وفي ((التقريب)): ((صدوق، عابد، يخطىء كثيراً، وقد تغيَّر)). قلت: ومع ذلك؛ فقد خالفه يزيد بن زريع - وهو ثقة ثبت - فقال: عن معمر عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة، وهذا هو الصواب - بلا ريب - أنه من مسند أبي هريرة، وليس من مسند عائشة، وإذا كان كذلك؛ فهو منقطع؛ لأن ابن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة؛ كما قال البزار وغيره، وإذا كان كذلك؛ فلم يسمع من عائشة أيضاً؛ لأنها ماتت قبل أبي هريرة، وبذلك جزم الحافظ في ((التهذيب))؛ فهو منقطع علی کل حال. ومما سبق يتبيَّن أن رواية محمد بن عمر المقرىء عند ابن ماجه منكرة؛ لجهالته ولمخالفته الثقات؛ فقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على ((مختصر السنن)) (٣ / ٢١٣): ((وهذا إسناد صحيح جدّاً على شرط الشيخين))؛ مما لا يخفى فساده . وقد رُوِيَ حديث عائشة موقوفاً عليها، أخرجه البيهقي من طريق أبي حنيفة قال: حدثني علي بن الأقمر عن مسروق قال: «دخلتُ على عائشة يوم عرفة، فقالت: اسقوا مسروقاً سويقاً، وأكثروا حلواه. قال: فقلت: إنِّي لم يمنعني أن أصوم اليوم إلَّ أَنِّي خفتُ أن يكون يوم النحر. فقالت عائشة: النحر يوم ينحر الناس، والفطر يوم يفطر الناس)). قلت: وهذا سند جيّد بما قبله. ٤٤٢ فقه الحديث : قال الترمذي عقب الحدیث: ((وفسَّر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعِظَم الناس». وقال الصنعاني في ((سبل السلام)) (٢ / ٧٢): ((فيه دليل على أن يُعتَبر في ثبوت العيد الموافقة للناس، وأن المتفرِّد بمعرفة يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره، ويلزمه حكمهم في الصلاة والإِفطار والأضحية)). وذكر معنى هذا ابن القيم رحمه الله في (تهذيب السنن)) (٣ / ٢١٤)، وقال: ((وقيل: فيه الردُّ على مَن يقول: إنَّ من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل؛ جاز له أن يصوم ويفطر؛ دون مَن لم يعلم، وقيل: إنَّ الشاهد الواحد إذا رأى الهلال، ولم يحكم القاضي بشهادته: أنه لا يكون هذا له صوماً، كما لم يكن للناس)). وقال أبو الحسن السندي في ((حاشيته على ابن ماجه)) بعد أن ذكر حديث أبي هريرة عند الترمذي : ((والظاهر أنَّ معناه أنَّ هذه الأمور ليس للآحاد فيها دخل، وليس لهم التفرُّد فيها، بل الأمر فيها إلى الإِمام والجماعة، ويجب على الآحاد اتباعهم للإِمام والجماعة، وعلى هذا؛ فإذا رأى أحد الهلال، وردّ الإِمام شهادته؛ ينبغي أن لا يثبت في حقه شيء من هذه الأمور، ويجب عليه أن يتّبع الجماعة في ذلك)). قلت: وهذا المعنى هو المتبادر من الحديث، ويؤيِّده احتجاج عائشة به على مسروق حين امتنع من صيام يوم عرفة؛ خشية أن يكون يوم النحر، فبينت له أنه لا عبرة برأيه، وأن عليه اتباع الجماعة، فقالت: ٤٤٣ ((النحر يوم ينحر الناس، والفطر يوم يفطر الناس)). قلت: وهذا هو اللائق بالشريعة السمحة التي من غاياتها تجميع الناس وتوحيد صفوفهم، وإبعادهم عن كل ما يفرِّق جمعهم من الآراء الفرديَّة، فلا تعتبر الشريعة رأي الفرد - ولو كان صواباً من وجهة نظره - في عبادة جماعية كالصوم والتعييد وصلاة الجماعة، ألا ترى أن الصحابة رضي الله عنهم كان يصلي بعضهم وراء بعض وفيهم مَن يرى أنَّ مسَّ المرأة والعضو وخروج الدم من نواقض الوضوء، ومنهم مَن لا یری ذلك، ومنهم مَن يتمُّ في السَّفر، ومنهم مَن يقصر؟! فلم يكن اختلافهم هذا وغيره ليمنعهم من الاجتماع في الصلاة وراء الإِمام الواحد، والاعتداد بها، وذلك لعلمهم بأن التفرُّق في الدين شرٌّ من الاختلاف في بعض الآراء، ولقد بلغ الأمر ببعضهم في عدم الاعتداد بالرأي المخالف لرأي الإِمام الأعظم في المجتمع الأكبر كـ (منى)، إلى حد ترك العمل برأيه إطلاقاً في ذلك المجتمع؛ فراراً ممَّا قد ينتج من الشر بسبب العمل برأيه، فروى أبو داود (١ / ٣٠٧) أنَّ عثمان رضي الله عنه صلَّى بمنى أربعاً، فقال عبدالله بن مسعود منكراً عليه: صلَّيتُ مع النبي ◌َّ ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدراً من إمارته ثم أتمها، ثم تفرَّقت بكم الطرق؛ فلوددتُ أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبَّلتين. ثم إن ابن مسعود صلَّى أربعاً! فقيل له: عبتَ على عثمان ثم صليتَ أربعاً؟! قال: الخلاف شرٌّ. وسنده صحيح . وروى أحمد (٥ / ١٥٥) نحو هذا عن أبي ذرِّ رضي الله عنهم أجمعين. فليتأمل في هذا الحديث وفي الأثر المذكور أولئك الذين لا يزالون يتفرَّقون في صلواتهم، ولا يقتدون ببعض أئمة المساجد، وخاصة في صلاة الوتر في رمضان؛ بحجّة كونهم على خلاف مذهبهم! وبعض أولئك الذين يدَّعون العلم بالفلك ممَّن يصوم وحده ويفطر وحده؛ متقدِّماً أو متأخِّراً على جماعة المسلمين؛ معتدّاً برأيه وعلمه؛ غير مبال بالخروج عنهم. ٤٤٤ فليتأمل هؤلاء جميعاً فيما ذكرناه من العلم؛ لعلَّهم يجدون شفاءً لما في نفوسهم من جهل وغرور، فيكونون صفّاً واحداً مع إخوانهم المسلمين؛ فإن يد الله على الجماعة . ٢٢٥ - (صِيامُ يَوْمِ السَّبْتِ لا لَكِ ولا عَلَيْكِ). أخرجه أحمد (٦ / ٣٦٨): ثنا يحيى بن إسحاق قال: أنا ابن لهيعة قال: أنا موسى بن وَرْدان عن عبيد الأعرج قال: حدثتني جدَّتي أنها دخلت على رسول الله وَّل وهو يتغذَّى، وذلك يوم السبت، فقال: ((تعالي فكلي)). فقالت: إني صائمة. فقال لها: ((صمتِ أمس؟)). فقالت: لا. فقال: ((فكُلي؛ فإن صيام يوم السبت ... )) الحدیث. وقال أحمد أيضاً: ثنا حسن بن موسى قال: ثنا ابن لهيعة قال: ثنا موسى بن وردان قال: أخبرني عمير بن جبير مولى خارجة أن المرأة التي سألت رسول الله وَليه عن صيام يوم السبت حدَّثته أنها سألت رسول الله وسلّ عن ذلك؟ فقال: («لا لك ولا علیك». كذا وقع في ((المسند)): (عمير بن جبير)، ويظهر أنه خطأ قديم وقع في بعض نسخ («المسند»؛ فإنه كذلك وقع في ((مجمع الزوائد)) (٣ / ١٩٨) برواية أحمد هذه، وقال الهيثمي : ((وعمير هذا لم أعرفه)). وكذلك أورده ابن العراقي في رجال ((المسند))، وقال: ((لا يُعْرَف)). وتعقّبهما الحافظ في ((التعجيل))، فقال: ((وهو خطأ نشأ عن تصحيف، ونص الحديث في ((المسند)): حدثنا حسن بن ٤٤٥ موسى ... وفيه: أخبرني عبيد بن حنين ... )). وقال : ((وعُبيد بن حنين بالمهملة ونونين مصغر مذكور في (التهذيب)). قلت: وهو ثقة من رجال الشیخین. وموسى بن وردان صدوق ربما أخطأ؛ كما في ((التقريب))؛ فالسند حسن، لولا أن ابن لهيعة سيىء الحفظ، وقد اضطرب في سياق الحديث، فحسن بن موسى - وهو الأشيب، ثقة من رجال الشيخين - ذكر أن المرأة سألت رسول الله وَطّر عن الصيام، ويحيى بن إسحاق - وهو السُّليحيني، صدوق من رجال مسلم - لم يذكر السؤال، وذكر مكانه أن النبي ◌ّ دعاها إلى الغداء ... إلخ، وذلك بلا شك من تخاليط ابن لهيعة وسوء حفظه . وقد وجدت ما يشهد لحديث الترجمة، وهو ما أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (باب النهي عن الصوم يوم السبت) من طريق معاوية بن يحيى أبو مطيع قال: حدثنا أرطاة قال: سمعت أبا عامر قال: سمعت ثوبان مولى النبي وَّل عن صيام يوم السبت؟ فقال: سلوا عبدالله بن بسر. فسئل؟ فقال: (فذكره موقوفاً). قلت: وإسناده جيِّد، ورجاله ثقات، وليس فيهم مَن ينظر فيه غير معاوية هذا، وهو صدوق له أوهام؛ كما في ((التقريب))؛ فمثله لا ينزل حديثه عن مرتبة الحسن، وهو وإن كان موقوفاً؛ فهو في حكم المرفوع؛ لأن الأصل في كل صوم أنه مشروع ما لم يُنْهَ عنه، فلا يُعْقَل لصحابي جليل كعبدالله بن بسر أن ينفي شرعية صيام يوم السبت إلّ بتوقيف من النبي ◌ََّ، وقد صحَّ عنه أنه قال: ((لا تصوموا يوم السبت إلاَّ فيما افتُرض عليكم ... )) الحديث. وهو مخرَّج في ((الإِرواء)) (٩٦٠) تخريجاً علمياً دقيقاً يتبيَّن منه كل باحث عن الحق أنه حديث صحيح، ولذلك صحَّحه الأئمة كما قال النووي؛ فلا تغترَّ بما قيل : ٤٤٦ .- إِنَّه كذب أو شاذٌّ أو مضطربٌ، إذ كل ذلك صدر من قائله دون أن يتَّع طرقه، وفيها ثلاثة طرق صحيحة؛ كما تراه مفصَّلا هناك. وهذه طريق جديدة من رواية أبي عامر - واسمه عبدالله بن غابر الألهاني - فهي تؤكد ثبوت ذلك يقيناً عن عبدالله بن بسر رضي الله عنه، وإن كانت موقوفة؛ فهي في حكم المرفوع كما تقدَّم . والحديث ظاهره النَّهي عن صوم السبت مطلقاً إلا في الفرض، وقد ذهب إليه قومٌ من أهل العلم كما حكاه الطحاوي، وهو صريحٌ في النهي عن صومه مفرداً، ولا أرى فرقاً بين صومه - ولو صادف يوم عرفة أو غيره من الأيام المفضلة - وبين صوم يوم من أيام العيد إذا صادف يوم الاثنين أو الخميس؛ لعموم النهي، وهذا قول الجمهور فيما يتعلَّق بالعيد؛ كما في (المحلّى)) (٧ / ٢٧)، وبسط القول في هذه المسألة لا مجال له الآن، فإلى مناسبة أخرى إن شاء الله تعالى . ٢٢٦ - (لأنْ يُطْعَنَ في رأس رجلٍ بِمِخْيَطٍ مِن حَدیدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امرأةً لا تَحِلُّ لهُ). رواه الروياني في ((مسنده)) (٢٢٧ / ٢): نا نصر بن علي: نا أبي: ناشداد بن سعيد عن أبي العلاء قال: حدثني معقل بن يسار مرفوعاً. قلت: وهذا سند جيد، رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين؛ غير شدَّاد بن سعيد؛ فمن رجال مسلم وحده، وفيه كلام يسير لا ينزل به حديثه عن رتبة الحسن، ولذلك فإن مسلماً إنما أخرج له في الشواهد، وقال الذهبي في ((الميزان)): ((صالح الحديث)). وقال الحافظ في ((التقريب)): :((صدوق يخطىء)). ٤٤٧ .. وأبو العلاء هو يزيد بن عبدالله بن الشخِّير. والحديث قال المنذري في ((الترغيب)) (٣ / ٦٦): : (رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٠ / ٢١٠) والبيهقي، ورجال الطبراني ثقات رجال الصحیح)). وقد روي مرسلاً من حديث عبدالله بن أبي زكريا الخزاعي قال: قال رسول الله (لأن يُقْرَعَ الرجل قرعاً يخلص إلى عظم رأسه خيرٌ له من أن تضع امرأة يدها على رأسه لا تحلُّ له، ولأن يبرص الرجل برصاً حتى يخلص البرص إلى عظم ساعده خير له من أن تضع امرأة يدها على ساعده لا تحل له)). أخرجه أبو نُعيم في ((الطب)) (٢ / ٣٣ - ٣٤) عن هشيم عن داود بن عمرو: أنبأ عبدالله بن أبي زكريا الخزاعي . قلت: وهذا مع إرساله أو إعضاله؛ فإن هشيماً كان مدلِّساً وقد عنعنه. ثم ذلَّني أحد الإِخوان علی تصریحه بالتَّحدیث في ((سنن سعيد بن منصور)» (٣ / ٢ / ٩٣ / ٢١٦٨)، لكن ليس عنده الشطر الأول منه، فبقيت العلة الأولى. (المِخْيَط)؛ بكسر الميم وفتح الياء: هو ما يُخاط به؛ كالإِبرة والمسلة ونحوهما . وفي الحديث وعيد شديد لمَن مسَّ امرأة لا تحلُّ له؛ ففيه دليل على تحريم مصافحة النساء؛ لأنَّ ذلك مما يشمله المسُ دون شك، وقد بلي بها كثير من المسلمين في هذا العصر، وفيهم بعض أهل العلم، ولو أنهم استنكروا ذلك بقلوبهم؛ لهان الخطب بعض الشيء، ولكنهم يستحلُّون ذلك بشتى الطرق والتأويلات، وقد بلغنا أن شخصيّة كبيرة جدّاً في الأزهر قد رآه بعضهم يصافح النساء، فإلى الله المشتكى من غربة الإِسلام. ٤٤٨ ٤ بل إن بعض الأحزاب الإسلامية قد ذهبت إلى القول بجواز المصافحة المذكورة، وفرضت على كل حزبي تبنّيه، واحتجت لذلك بما لا يصلح، معرضة عن الاعتبار بهذا الحديث والأحاديث الأخرى الصريحة في عدم مشروعية المصافحة، وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى برقم (٥٢٦ و٥٢٧). لعله (٥٢٩ ,٥٣٠) مِنْ أَذْكَارِ الصَّباحِ والمَساءِ ٢٢٧ - (ما يُمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعي ما أُوصِيكِ [بِهِ]؟ [أنْ] تَقُولي إِذا أَصْبَحْتِ وإِذا أَمْسَيْتِ: يا حيُّ! يا قَيُّومُ! برحمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، وأَصْلِحْ لي شَأْنِي كُلَّهُ، ولا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ أبداً). رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (رقم ٤٦)، وكذا النسائي (٣٨١ / ٥٧٠)، والبزار في («مسنده)) (٤ / ٢٥ / ٣١٠٧)، والبيهقي في ((الأسماء)) من طريق زيد بن الحباب: حدثنا عثمان بن موهب مولى بني هاشم قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: قال رسول الله ويّير لفاطمة رضي الله عنها: (فذكره). قلت: وهذا سند حسن، رجاله كلُّهم ثقات؛ غير عثمان بن موهب، وهو غير عثمان بن عبدالله بن موهب؛ قال ابن أبي حاتم (٣ / ١٦٩) عن أبيه: ((صالح الحديث)). وقال الحافظ في ((التقريب)): «مقبول». والحديث؛ قال المنذري (١ / ١١٧): ((رواه النسائي أيضاً في ((الكبرى)) له والبزار بإسناد صحيح)). ورواه الحاكم أيضاً (١ / ٥٤٥)، وصحَّحه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي؛ لوهم وقع لهما بيَّنْتُه في ((التعليق الرغيب)). ٤٤٩ وقال الهيثمي (١٠ / ١١٧): ((رواه البزَّار، ورجاله رجال الصحيح؛ غير عثمان بن موهب، وهو ثقة)). ٢٢٨ - (لا يَقُومُ الرَّجُلُ الرَّجُلِ مِنْ مَجلِسِهِ، ولَكِنِ افْسَحُوا؛ يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ). أخرجه الإمام أحمد في («مسنده)) (٢ / ٤٨٣): ثنا سريج: ثنا فليح عن أيوب ابن عبدالرحمن بن صعصعة الأنصاري عن يعقوب بن أبي يعقوب عن أبي هريرة مرفوعاً. قلت: وهذا سند حسن، رجاله موثّقون . أما يعقوب بن أبي يعقوب؛ فقال في ((التهذيب)): ((قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في (الثقات)). قلت: وقد ترجمه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل))، لكن لم يذكر قول أبيه: ((صدوق)). وأما ابن صعصعة؛ فقد ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وروى عنه جماعة، وقال الخزرجي في ((الخلاصة)) والحافظ في ((التقريب)): ((صدوق)) . وأما بقية الرجال؛ فمِن رجال الشيخين. وللحديث شاهدان، ذكرهما الحافظ في ((الفتح)) (١١ / ٥٣)، وفاته هذا الحديث المشهود له! فقال تعليقاً على قول البخاري: ((وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه))؛ قال: ((أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) بلفظ: ((وكان ابن عمر إذا قام له رجل من ٤٥٠ مجلسه؛ لم يجلس فيه))، وكذا أخرجه مسلم، وقد ورد ذلك عن ابن عمر مرفوعاً، أخرجه أبو داود من طريق أبي الخَصِيب - واسمه زياد بن عبد الرحمن - عن ابن عمر: ((جاء رجل إلى رسول الله وَله، فقام له رجل من مجلسه، فذهب ليجلس، فنهاه رسول الله وَ ل#))، وله أيضاً من طريق سعيد بن أبي الحسن: ((جاءنا أبو بكرة، فقام له رجل من مجلسه، فأبى أن يجلس فيه، وقال: إن النبي وَّ نهى عن ذا))، وأخرجه الحاكم وصحّحه من هذا الوجه)). قلت: ما عزاه لـ ((الأدب المفرد)) هو عنده (رقم ١١٥٣) بسند صحيح على شرط الشيخين، وهو عقب حديثه المرفوع بلفظ : ((نهى النبي ◌َّ أن يقيمَ الرجل من المجلس ثم يجلس فيه)). وهو عند مسلم أيضاً. وما عزاه لأبي داود من حديث ابن عمر هو عنده (٤ / ٤٠٦) بإسناد رجاله كلهم ثقات غير أبي الخصيب؛ قال أبو داود عقبه كما قال الحافظ : ((اسمه زياد بن عبدالرحمن)). قلت: وقد أورده ابن أبي حاتم (١ / ٢ / ٥٣٨) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٤ / ٢٥٦)، وفي ((التقريب)): (مقبول)). ومن هذه الطريق أخرجه أحمد أيضاً، وكذا الطيالسي (٢ / ٥٠ - منحة) (رقم ٥٥٦٧) عن أبي الخصيب قال : ((كنت قاعداً، فجاء ابن عمر، فقام رجل من مجلسه له، فلم يجلس فيه، وقعد في مكان آخر، فقال الرجل: ما كان عليك لو قعدتَ؟ فقال: لم أكن أقعد في مقعدك ولا مقعد غيرك بعد شيء شهدتُه من رسول الله وَ طير، جاء رجل ... )) الحديث. والحديث سكت عليه المنذري في ((مختصر السنن)) (٧ / ١٨٤)؛ فهو في ٤٥١ الشواهد لا بأس به إن شاء الله تعالى، وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» . وأما حديث أبي بكرة؛ فرجاله ثقات أيضاً من رجال الشيخين غير أبي عبدالله مولی لآل أبي بُردة؛ فحاله كحال أبي الخصيب، أورده ابن أبي حاتم أيضاً (٤ / ٢ / ٤٠١)، ولم يذكر فيه جرحاً، وقال الحافظ : «مقبول)) . وفي ((الفتح)) (١١ / ٥٣): ((بصري لا يعرف)). ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم (٤ / ٢٧٢)، لكن لفظه مثل لفظ ابن عمر الذي في الصحيح : ((لا يقيم الرجل الرجلَ من مجلسه ثم يقعد فيه)). وقال: «صحيح الإسناد)). ووافقه الذهبي . قلت: ومداره على شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن أبي عبدالله مولى آل أبي بردة عن سعيد بن أبي الحسن. وقد اختلف عليه مسلم بن إبراهيم عند أبي داود، وعمرو بن مرزوق عند الحاكم، فقال الأول عنه بلفظ نحو لفظ ابن عمر عند أبي داود كما تقدم، وقال عمرو ابن مرزوق مثل لفظ ابن عمر في ((الصحيح))، وإذا اختلف هذا مع مسلم بن إبراهيم؛ فمسلم أرجح رواية من عمرو؛ لأن مسلماً ثقة مأمون، وأما عمرو؛ فثقة له أوهام؛ كما في ((التقريب))، فروايته مرجوحة، والله أعلم(١). (١) ثم رأيت أبا داود الطيالسي قد تابعهما (٢ / ٥٠) لكنه جمع بين اللفظين على التردد بینھما! ٤٥٢ وجملة القول أن حديث أبي هريرة صحیح بشاهديه المذكورين. وهو ظاهر الدِّلالة على أنه ليس من الآداب الإسلامية أن يقوم الرجل عن مجلسه ليجلس فيه غيره؛ يفعل ذلك احتراماً له، بل عليه أن يفسح له في المجلس، وأن يتزحزح له إذا كان الجلوس على الأرض؛ بخلاف ما إذا كان على الكرسي ؛ فذلك غير ممكن؛ فالقيام والحالة هذه مخالف لهذا التوجيه النبوي الكريم، ولذلك كان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه، ثم يجلس هو فيه كما تقدم عن البخاري، والكراهة هو أقل ما يدل عليه قوله ويقول: ((لا يقوم الرجل للرجل ... ))؛ فإنه نفي بمعنى النهي، والأصل فيه التحريم لا الكراهة. والله أعلم. ثم إنه لا منافاة بين هذا الحديث وبين حديث ابن عمر المتقدم في ((الصحيح))؛ لأن فيه زيادة حكم عليه، والأصل أنه يؤخذ بالزائد فالزائد من الأحكام، وحديث ابن عمر إنما فيه النهي عن الإقامة، وليس فيه نهي الرجل عن القيام؛ بخلاف هذا الحديث؛ ففيه هذا النهي، وليس فيه النهي الأول إلَّ ضمناً؛ فإنه إذا كان قد نُهي عن القيام؛ فلأن يُنهى عن الإِقامة من باب أولى، وهذا بيِّن لا يخفى إن شاء الله تعالى، وعليه يدلُّ حديث ابن عمر؛ فإنه مع أنه روى النهي عن الإقامة؛ كان يكره الجلوس في مجلس مَن قام عنه له، وإن كان هو لم يُقِمْهُ، ولعل ذلك سدّاً للذَّريعة؛ وخشية أن يوحى إلى الجالس بالقيام، ولو لم يقمه مباشرة. والله أعلم. ٢٢٩ - (إِذا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ والنَّاسُ رُكوعٌ؛ فَلْيَرْكَعْ حِينَ يَدْخُلُ، ثمَّ يَدُبُّ راكِعاً حتَّى يدخُلَ في الصَّفِّ؛ فإِنَّ ذلك السُّنَّةُ). رواه الطبراني في ((الأوسط)) (١ / ٣٣ / ١ من زوائد المعجمين الأوسط والصغير): حدثنا محمد بن نصر: ثنا حرملة بن يحيى: ثنا ابن وهب: أخبرني ابن جريج عن عطاء أنه سمع ابن الزبير على المنبر يقول: (فذكره موقوفاً). قال عطاء: وقد رأيته يصنع ذلك. قال ابن جريج: وقد رأيت عطاء يصنع ذلك. وقال الطبراني: ٤٥٣ ((لا يُروى عن ابن الزّبير إلَّ بهذا الإِسناد، تفرَّد به حرملة)». قلت: وهو ثقة من رجال مسلم، ومَن فوقه ثقات من رجال الشيخين، ومحمد ابن نصر هو ابن حميد الوازع البزَّار، وسمّاه غير الطبراني أحمد کما ذکر الخطیب (ج٣ / ترجمته ١٤١١، وج٥ / ترجمته ٢٦٢٥)، وقال: ((وكان ثقة)». والحديث قال الهيثمي (٢ / ٩٦): ((رواه الطبراني في ((الأوسط))، ورجاله رجال الصحيح)). قلت: فالسند صحيح إن كان ابن جريج سمعه من عطاء؛ فقد كان مدلِّساً، وقد عنعنه، ولكن قوله في آخر الحديث: ((وقد رأيت عطاء يصنع ذلك))؛ مما يشعر أنه تلقَّى ذلك عنه مباشرةً؛ لأنه يبعد جدّاً أن يكون سمعه عنه بالواسطة، ثم يراه يعمل بما حدث به عنه، ثم لا يسأله عن الحديث ولا يعلو به، هذا بعيد جدّاً؛ فالصواب أن الإسناد صحيح. ثم رأيت في ((مصنّف عبد الرزاق)) (٢ / ٢٨٤ / ٣٣٨٦) ما يؤيد ما ذکرتُه من التلقِّي عن عطاء مباشرة. والحديث أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (رقم ١٥٧١)، والحاكم (١ / ٢١٤)، وعنه البيهقي (٣ / ١٠٦) من طريق سعيد بن الحكم بن أبي مريم: أخبرني عبدالله بن وهب به. وقال الحاكم: ((صحيح على شرط الشيخين)). ووافقه الذهبي، وهو كما قالا . : ومما يشهد لصحّته عمل الصحابة به من بعد النبي ◌َّز، منهم أبو بكر الصدِّيق، وزيد بن ثابت، وعبدالله بن مسعود، وعبدالله بن الزبير. ١ - روى البيهقي (٢ / ٩٠) عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ٤٥٤ : أن أبا بكر الصدِّيق وزيد بن ثابت دخلا المسجد والإِمام راكع، فركعا، ثم دبًّا وهما راكعان حتى لحقا بالصفِّ. قلت: ورجاله ثقات، ولولا أنَّ مكحولاً قد عنعنه عن أبي بكر بن الحارث؛ لحسَّنته، ولكنه عن زيد بن ثابت صحيح كما يأتي . ٢ - عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف أنه رأى زيد بن ثابت دخل المسجد والإِمام راکع، فمشی حتی أمكنه أن يصل الصف وهو راکع، کبر فرکع، ثم دب وهو راكع حتى وصل الصف. رواه البيهقي (٢ / ٩٠ ٣ / ١٠٦)، وسنده صحيح . ٣ - عن زيد بن وهب قال: ((خرجتُ مع عبدالله - يعني: ابن مسعود - من داره إلى المسجد، فلمَّا توسَّطنا المسجد؛ رکع الإِمام، فكِّر عبدالله ورکع وركعت معه، ثم مشینا راکعین حتى انتهينا إلى الصف حين رفع القوم رؤوسهم، فلما قضى الإِمام الصلاة؛ قمتُ وأنا أرى أنِّي لم أدرك، فأخذ عبدالله بيدي وأجلسني، ثم قال: إنَّك قد أدركت)). أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١ / ٩٩ / ١ -٢)، وكذا عبدالرزاق (٢ / ٢٨٣ / ٣٣٨١)، والطحاوي في ((شرح المعاني)) (١ / ٢٣١ - ٢٣٢)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣ / ٣٢ / ١)، والبيهقي في ((سننه)) (٢ / ٩٠ - ٩١) بسند صحيح، وله عند الطبراني طرق أخرى. ٤ - عن عثمان بن الأسود قال: ((دخلتُ أنا وعبدالله بن تميم المسجد، فركع الإِمام، فركعتُ أنا وهو ومشينا راكعين حتى دخلنا الصفَّ، فلما قضينا الصلاة؛ قال لي عمرو: الذي صنعتَ آنفاً مَمِّن سمعتَه؟ قلتُ: من مجاهد. قال: قد رأيتُ ابنَ الزُّبير فعله. أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً، وسنده صحيح . ٤٥٥ وهذه متابعة قويّة من مجاهد لعطاء فيما رواه من فعل ابن الزُّبير. وتابعه أيضاً كثير بن عبدالمطّلب عند عبد الرزاق (٢ / ٢٨٤). والآثار في ذلك كثيرة، فمن شاء الزيادة؛ فليراجع ((المصنَّفَيْن)). وهذه الآثار تدلُّ على شيء آخر غير ما دلَّ الحديث عليه، وهو أن مَن أدرك الركوع من الإِمام؛ فقد أدرك الركعة، وقد ثبت ذلك من قول ابن مسعود وابن عمر بإسنادين صحيحين عنهما، وقد خرجتهما في ((إرواء الغليل)) (رقم ١٢)، وفيه حديث حسن مرفوع عن أبي هريرة خرجته أيضاً هناك؛ فلا تغتر بنشرة تخالفه. وأما ما رواه البخاري في ((جزء القراءة)) (ص ٢٤) عن معقل بن مالك قال: ثنا أبو عوانة عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال: ((إذا أدركت القوم ركوعاً؛ لم تعتد بتلك الركعة)). فإنه مع مخالفته لتلك الآثار ضعيف الإِسناد؛ من أجل معقل هذا؛ فإنه لم يوثقه غير ابن حبان، وقال الأزدي : (متروك)). ثم إن فيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلِّس؛ فسكوت الحافظ عليه في (التلخيص» (١٢٧) غير جيد. نعم؛ رواه البخاري من طريق أخرى عن ابن إسحاق قال: حدثني الأعرج به، لكنه بلفظ : ((لا يجزئك إلا أن تدرك الإِمام قائماً)). وهذا إسناد حسن، وهذا لا يخالف الآثار المتقدِّمة، بل يوافقها في الظَّاهر؛ إلَّ أنه يَشتَرط إدراك الإِمام قائماً، وهذا من عند أبي هريرة، ولا نرى له وجهاً، والذين خالفوه أفقه منه وأكثر، ورضي الله عنهم جميعاً. فإن قيل: هناك حديث آخر صحيح يخالف بظاهره هذا الحديث هو: ٤٥٦ ٢٣٠ - (زادَكَ اللهُ حِرْصاً ولا تَعُدْ). رواه أبو داود، والطحاوي، وأحمد، والبيهقي، وابن حزم من حديث أبي بكرة : أنه جاء ورسول الله و ير راكع، فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، فلما قضى النبي ◌َّ صلاته؛ قال: أيُّكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟ فقال: أبو بكرة: أنا. فقال النبي رَّل: (فذكره). قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم، وأصله في ((صحيح البخاري))، وقد خرجته في ((صحيح أبي داود)) (رقم ٦٨٤ و٦٨٥). والقصد من ذكره هنا أن ظاهره يدلُّ على أنه لا يجوز الركوع دون الصفِّ ثم المشي إليه؛ على خلاف ما دلَّ عليه الحديث السابق؛ فكيف التوفيق بينهما؟ فأقول: إن هذا الحديث لا يدلُّ على ما ذُكِرَ إلا بطريق الاستنباط لا النصِّ؛ فإن قوله وَله: ((لا تعد))؛ يحتمل أنه نهاه عن كل ما ثبت أنه فعله في هذه الحادثة، وقد تبيّن لنا بعد التُّع أنها تتضمَّن ثلاثة أمور: الأول: اعتداده بالركعة التي إنما أدرك منها ركوعها فقط. الثاني: إسراعه في المشي؛ كما في رواية لأحمد (٥ / ٤٢) من طريق أخرى عن أبي بكرة أنه جاء والنبي ◌َّ راكع، فسمع النبي بَّر صوت نعل أبي بكرة وهو يحضر (أي: يعدو) يريد أن يدرك الركعة، فلما انصرف النبي وسلّ؛ قال: من الساعي؟ قال أبو بكرة: أنا. قال: (فذكره). وإسناده حسن في المتابعات، وقد رواه ابن السكن في ((صحيحه)) نحوه، وفيه قوله: ((انطلقتُ أسعى ... ))، وأن النبي ◌ّر قال: ((مَن الساعي ... ))، ويشهد لهذه الرواية رواية الطحاوي من الطريق الأولى بلفظ : (جئت ورسول الله ومدير راكع، وقد حفزني النفس، فركعت دون الصف ... )) الحدیث. ٤٥٧ وإسناده صحيح؛ فإن قوله: ((حفزني النفس))؛ معناه: اشتدَّ؛ من الحفز: وهو الحث والإِعجال، وذلك كناية عن العَدْو. الثالث: رکوعہ دون الصفِّ، ثم مشیه إلیه. وإذا تبيَّن لنا ما سبق؛ فهل قوله وَ لَ: ((لا تَعُد))؛ نهي عن هذه الأمور الثلاثة جميعها أم عن بعضها؟ ذلك ما أُريد البحث فيه وتحقيق الكلام عليه، فأقول: أما الأمر الأوَّل؛ فالظاهر أنه لا يدخل في النهي؛ لأنه لو كان نهاه عنه؛ لأمره بإعادة الصلاة؛ لكونها خداجاً ناقصة الركعة، فإذا لم يأمره بذلك؛ دلَّ على صحتها، وعلى عدم شمول النهى الاعتداد بالركعة بإدراك ركوعها . ممـ وقول الصنعاني في ((سبل السلام)) (٢ / ٢٣): ((لعله ◌َ ﴿ لم يأمره لأنه كان جاهلاً للحكم والجهل عذر))؛ فبعيد جدّاً، إذ قد ثبت في (الصحيحين)) من حديث أبي هريرة أمره وَ ل# للمسيء صلاته بإعادتها ثلاث مرات، مع أنه كان جاهلاً أيضاً! فكيف يأمره بالإِعادة وهو لم يفوّت ركعة من صلاته، وإنما الاطمئنان فيها، ولا يأمر أبا بكرة بإعادة الصلاة، وقد فوَّت على نفسه ركعة، لو كانت لا تدرك بالركوع؟! ثم كيف يعقل أن يكون ذلك منهيّاً، وقد فعله كبار الصحابة؛ كما تقدَّم في الحديث الذي قبله؟! فلذلك؛ فإننا نقطع أن هذا الأمر الأول لا يدخل في قوله وَّه: ((لا تعُدْ)). وأما الأمر الثاني؛ فلا نشكُّ في دخوله في النهي؛ لما سبق ذكره من الروايات، ولأنه لا معارض له، بل هناك ما يشهد له، وهو حديث أبي هريرة مرفوعاً. ((إذا أتيتُم الصلاة؛ فلا تأتوها وأنتم تسعَوْن، وأَتُّوها وعليكُم السَّكينة والوقار)) الحديث، متَّفق عليه، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (٥٨٠). وأما الأمر الثالث؛ فهو موضع نظر وتأمُّل، وذلك لأن ظاهر رواية أبي داود هذه: (أيُّكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف))، مع قوله له: ((لا تَعُد))؛ يدلُّ بإطلاقه على أنه قد يشمل هذا الأمر، وإن كان ليس نصّاً في ذلك؛ لاحتمال أنه يعني ٤٥٨ شيئاً آخر غير هذا مما فعل، وليس يعني نهيه عن كل ما فعل؛ بدليل أنه لم يعن الأمر الأول كما سبق تقريره؛ فكذلك يحتمل أنه لم يعن هذا الأمر الثالث أيضاً. وهذا وإن كان خلاف الظاهر؛ فإن العلماء كثيراً ما يضطرُّون لترك ما دلَّ عليه ظاهر النص لمخالفته لنصِّ آخر هو في دلالته نصِّ قاطع؛ مثل ترك مفهوم النص لمنطوق نص آخر، وترك العام للخاص، ونحو ذلك. وأنا أرى أن ما نحن فيه الآن من هذا القبيل؛ فإن ظاهر هذا الحديث من حيث شموله للركوع دون الصف مخالف لخصوص ما دلَّ عليه حديث عبدالله بن الزبير دلالة صريحة قاطعة، وإذا كان الأمر كذلك؛ فلا بدَّ حينئذ من ترجيح أحد الدَّليلين على الآخر، ولا يشك عالم أن النصَّ الصَّريح أرجح عند التعارُض من دلالة ظاهر نصِّ ما؛ لأنَّ هذا دلالته على وجه الاحتمال؛ بخلاف الذي قبله، وقد ذكروا في وجوه التَّرجيح بين الأحاديث أن يكون الحكم الذي تضمَّنه أحد الحديثين منطوقاً به، وما تضمَّنه الحديث الآخر يكون محتملاً (١)، ومما لا شكَّ فيه أيضاً أنَّ دلالة هذا الحديث في هذه المسألة ليست قاطعة، بل محتملة؛ بخلاف دلالة حديث ابن الزُّبير المتقدِّم؛ فإنَّ دلالته عليها قاطعة، فكان ذلك من أسباب ترجيحه على هذا الحديث. وثمة أسباب أخرى تؤكد الترجيح المذكور: أولاً: خطبة ابن الزُّبير بحديثه على المنبر في أكبر جمع يخطب عليهم في المسجد الحرام، وإعلانه عليه أن ذلك من السنّة دون أن يعارضه أحد. ثانياً: عمل كبار الصحابة به؛ كأبي بكر وابن مسعود وزيد بن ثابت - كما تقدم - وغيرهم؛ فذلك من المرجّحات المعروفة في علم الأصول؛ بخلاف هذا الحديث؛ فإننا لا نعلم أن أحداً من الصحابة قال بما دلَّ عليه ظاهره في هذه المسألة، فكان ذلك كله دليلاً قوياً على أن دلالته فيها مرجوحة، وأن حديث ابن الزُّبير هو الراجح في (١) الحازمي في ((الاعتبار)) (ص ١٢). ٤٥٩ الدلالة عليها. والله أعلم . وقد قال الصنعاني بعد قول ابن جريج في عقب هذا الحديث: ((وقد رأيت عطاء يصنع ذلك)). قال الصنعاني (٢ / ٢٤): ((قلت: وكأنه مبنيٌّ على أن لفظ: ((ولا تُعد))؛ بضم المثنّاة الفوقيّة من الإِعادة؛ أي: زادك الله حرصاً على طلب الخير، ولا تُعِدْ صلاتك؛ فإنها صحيحة، ورُوي بسكون العين المهملة من العَدْو، وتؤيِّده رواية ابن السكن من حديث أبي بكرة (ثم ساقها، وقد سبق نحوها من رواية أحمد، مع الإشارة إلى رواية ابن السكن هذه، ثم قال:) والأقرب أن رواية: ((لا تعد))؛ من العَوْد؛ أي: لا تَعُدْ ساعياً إلى الدُّخول قبل وصولك الصف؛ فإنه ليس في الكلام ما يشير بفساد صلاته حتى يفتيه وصله بأن لا يعيدها، بل قوله: ((زادك الله حرصاً))؛ يشعِرُ بإجزائها، أو: ((لا تَعْدُ))؛ من (العَدْو)). قلت: لو صحَّ هذا اللفظ؛ لكانت دلالة الحديث حينئذ خاصَّة في النَّهي عن الإِسراع، ولما دخل فيه الركوع خارج الصفِّ، ولم يوجد بالتالي أي تعارض بينَه وبينَ حديث ابن الزُّبير، ولكن الظاهر أن هذا اللفظ لم يثبت؛ فقد وقع في ((صحيح البخاري)) وغيره باللفظ المشهور: ((لا تَعُد)). قال الحافظ في ((الفتح)) (٢ / ٢١٤): ((ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوله وضم العين من العَوْد)). ثم ذكر هذا اللفظ، ولكَّنه رجَّح ما في البخاري؛ فراجعه إن شئت. ويتلخّص ممَّا تقدَّم أن هذا النهي لا يشمل الاعتداد بالركعة ولا الركوع دون الصف، وإنما هو خاصٌّ بالإِسراع؛ لمنافاته للسّكينة والوقار؛ كما تقدَّم التَّصريح بذلك من حديث أبي هريرة، وبهذا فسَّره الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى: ((قوله: (لا تعد) يشبه قوله: (لا تأتوا الصلاة تسعون)). ٤٦٠