Indexed OCR Text
Pages 341-360
الشفاء، فقال اعرضي علي، فعرضتها عليه، فقال: (فذكر الحديث)، وقال: ((صحيح على شرط الشيخين)). ووافقه الذهبي . قلت: وقد تابع إبراهيم بن سعد عبد العزيز بن عمر بن عبدالعزيز، ولكنه خالفه في السند والمتن. أما السند؛ فقال: عن صالح بن كيسان عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن سليمان ابن أبي حثمة عن الشفاء بنت عبدالله. فأسقط منه إسماعيل بن محمد بن سعد . وأما المتن؛ فرواه بلفظ : ((دخل علينا النبي وب له وأنا عند حفصة، فقال لي: ألا تعلِّمين هذه رقية النملة كما علَّمْتِها الكتابة؟)). فلم يذكر فيه عرضها الرقية عليه وَ له، وأمره إياها بالرقية، وستعلم أهمية ذلك في فهم الحديث على الوجه الصحيح قريباً إن شاء الله تعالى؟ أخرجه أحمد (٦ / ٣٧٢)، وأبو داود (٢ / ١٥٤)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢ / ٣٨٨)، والنسائي أيضاً كما في ((الفتاوى الحديثية))(١) للسخاوي (٨١ / ٢) و((نيل الأوطار)) للشوكاني (٨ / ١٧٦). والرواية الأولى أصح لوجهين: الأول: أن إبراهيم بن سعد أحفظ من مخالفه عبدالعزيز بن عمر؛ فإنهما وإن (١) مخطوط محفوظ في مكتبة شيخ الإسلام في المدينة المنورة. هذا وإطلاق العزو للنسائي يوهم أنه في «سننه الصغرى))، وليس فيه، فلعله في ((الكبرى)) له، أو في ((عمل اليوم والليلة))، ثم صدق ظني الأول، فعزاه المزي في ((تحفته)) لـ ((الكبرى)). ٣٤١ كان الشيخان قد احتجا بهما كليهما؛ فإن الأول قال فيه الحافظ في ((التقريب)): «ثقة حجة، تُكُلِّم فيه بلا قادح)). وأما الآخر؛ فقال فيه : ((صدوق يخطىء)). ولهذا أورده الذهبي في ((الميزان)) وفي ((الضعفاء))، ولم يورد الأول. الثاني: أن إبراهيم معه زيادة في السند والمتن، وزيادة الثقة مقبولة كما هو معروف . وقد تابعه في الجملة محمد بن المنكدر عن أبي بكر بن سليمان به مختصراً، لكنه خالفه في إسناده، فقال: ((عن حفصة أن النبي لو دخل عليها، وعندها امرأة يقال لها: شفاء، ترقي من النملة، فقال النبي (وَل: علميها حفصة)). فجعل الحديث من مسند حفصة لا الشفاء. أخرجه أحمد (٦ / ٢٨٦)، والطحاوي، والحاكم (٤ / ٤١٤)، وأبو نعيم في ((الطب)) (٢ / ٢٨ / ٢) عن سفيان عن ابن المنكدر. وقال الحاكم : ((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي . قلت: وهو كما قالا أيضاً، والخلاف المذكور لا يضرُّ إن شاء الله تعالى؛ لأن من الممكن أن تكون حفصة حدثت به كما حدثت به الشفاء؛ فإن القصة وقعت بحضورهما، ثم رواه أبو بكر بن سليمان تارة عن هذه، وتارة عن هذه. لكن ذكر السخاوي أنه اختلف على سفيان في وصله وإرساله . ٣٤٢ ٠ قلت: وهذا لا يضر أيضاً؛ فقد رواه عنه موصولاً كما أوردناه جماعة من الثقات عند الحاكم، وغيرهم عند غيره؛ فلا عبرة بمخالفة من خالفهم. وتابعه أيضاً كريب بن سليمان الكندي؛ قال : ((أخذ بيدي علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم حتى انطلق بي إلى رجل من قريش أحد بني زهرة يقال له: ابن أبي حثمة، وهو يصلي قريباً منه، حتى فرغ ابن أبي حثمة من صلاته، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال له علي بن الحسين: الحديث الذي ذكرتَ عن أمك في شأن الرقية؟ فقال: نعم؛ حدثتني أمي (١) أنها كانت ترقي برقية في الجاهلية، فلما أن جاء الإِسلام قالت: لا أرقي حتى أستأمر رسول الله وَالخير، فقال النبي : ((ارقي؛ ما لم يكن شرك بالله عز وجل)). أخرجه ابن حبان (١٤١٤)، والحاكم (٤ / ٥٧) من طريق الجراح بن الضحاك الكندي عن کریب به، وعلقه ابن منده من هذا الوجه . وكريب هذا أورده ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٣ / ٢ / ١٦٩)، لكنه سمى أباه سليماً، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وكذلك أورده ابن حبان في ((الثقات)) (٥ / ٣٣٩). ثم رواه الحاكم وابن منده في ((المعرفة)) (٢ / ٣٣٢ / ١) من طريق عثمان بن عمر بن عثمان بن سليمان بن أبي حثمة القرشي العدوي: حدثني أبي عن جدي عثمان بن سليمان عن أبيه عن أمه الشفاء بنت عبدالله أنها كانت ترقي برقى الجاهلية، وأنها لما هاجرت إلى النبي ◌َّر؛ قدمت عليه، فقالت: يا رسول الله! إني كنت أرقي برقى في الجاهلية؛ فقد رأيت أن أعرضها عليك. فقال: ((اعرضيها))، فعرضتها عليه، وكانت منها رقية النملة، فقال: ((ارقي بها وعلميها حفصة)): بسم الله، صلوب، حين (١) يعني : جدته، وهي الشفاء ذاتها . ٣٤٣ يعود من أفواهها، ولا تضر أحداً، اللهم! اكشف البأس، رب الناس! قال: ترقي بها على عود كُرُكُم سبع مرات، وتضعه مكاناً نظيفاً، ثم تدلكه على حجر، وتطليه على النملة . سكت عليه الحاكم، وقال الذهبي : «سئل ابن معین عن عثمان؟ فلم یعرفه)». يعني : عثمان بن عمر. وقال ابن عدي : «مجهول)» . قلت: وهذه الطريق مع ضعفها، وكذا التي قبلها؛ فلا بأس بهما في المتابعات . غريب الحديث: (نملة): هي هنا قروح تخرج في الجنب. (رقية النملة)؛ قال الشوكاني في تفسيرها : ((هي كلام كانت نساء العرب تستعمله، يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع، ورقية النملة التي كانت تُعرف بينهن أن يقال للعروس تحتفل، وتختضب، وتكتحل، وكل شيء يفتعل، غير أن لا تعصي الرجل)). كذا قال، ولا أدري ما مستنده في ذلك، ولا سيما وقد بنى قوله الآتي تعليقاً على قوله وَالر: ((ألا تعلمين هذه ... )): ((فأراد و ليه بهذا المقال تأنيب حفصة والتأديب لها تعريضاً؛ لأنه ألقى إليها سرّاً فأفشته على ما شهد به التنزيل في قوله تعالى: ﴿وإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حديثاً﴾ الآية(١)). (١) التحريم: ٣. ٣٤٤ وليت شعري! ما علاقة الحديث بالتأنيب لإِفشاء السر، وهو يقول: ((كما علمتِها الكتاب))؟! فهل يصحُّ تشبيه تعليم رقية لا فائدة منها بتعليم الكتابة؟! وأيضاً فالحديث صريح في أمره وَله للشفاء بترقية الرجل الأنصاري من النملة، وأمره إياها بأن تعلمها لحفصة؛ فهل يُعقل بأن يأمر وَ له بهذه الترقية لو كانت باللفظ الذي ذكره الشوكاني بدون أي سند، وهو بلا شك كما قال: كلام لا يضر ولا ينفع؛ فالنبي ◌َّ أسمى من أن يأمر بمثل هذه الترقية، ولئن كان لفظ رواية أبي داود يحتمل تأويل الحديث على التأنيب المزعوم؛ فإن لفظ الحاكم هذا الذي صدَّرنا به هذا البحث لا يحتمله إطلاقاً، بل هو دليل صريح على بطلان ذلك التأويل بطلاناً بيناً كما هو ظاهر لا يخفى، وكأنه لذلك صدّر ابن الأثير في ((النهاية)) تفسير الشوكاني المذكور لـ (رقية النملة)، وعنه نقله الشوكاني، صدَّره بقوله: ((قيل))؛ مشيراً بذلك إلى ضعف ذلك التفسير، وما بناه عليه من تأويل قوله: ((ألا تعلمين ... ))! (كركم): هو الزعفران، وقيل: العصفر، وقيل: شجر كالورس، وهو فارسي معرب . (صلوب): كذا، ولم أعرف له معنى، ولعله - إن سلم من التحريف - لفظ عبري. والله أعلم. من فوائد الحديث : وفي الحديث فوائد كثيرة، أهمها اثنتان: الأولى: مشروعية ترقية المرء لغيره بما لا شرك فيه من الرقى؛ بخلاف طلب الرقية من غيره؛ فهو مكروه لحديث: ((سبقك بها عكاشة))، وهو معروف مشهور. والأخرى: مشروعية تعليم المرأة الكتابة. ومن أبواب البخاري في ((الأدب المفرد)) (رقم ١١١٨): ((باب الكتابة إلى النساء وجوابهن))، ثم روى بسنده الصحيح عن موسى بن عبدالله قال: ٣٤٥ ((حدثتنا عائشة بنت طلحة قالت: قلت لعائشة - وأنا في حجرها، وكان الناس يأتونها من كل مصر، فكان الشيوخ ينتابوني لمكاني منها، وكان الشباب يتأخوني فيهدون إلي، ويكتبون إلي من الأمصار، فأقول لعائشة - يا خالة! هذا كتاب فلان وهديته. فتقول لي عائشة: أي بنيّة! فأجيبيه وأثيبيه، فإن لم يكن عندك ثواب؛ أعطيتك. فقالت: فتعطيني)). قلت: وموسى هذا هو ابن عبدالله بن إسحاق بن طلحة القرشي، روى عن جماعة من التابعين، وعنه ثقتان، ذكره ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٤ / ١ / ١٥٠) ومن قبله البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٤ / ٢٨٧) ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً، وقد ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الحافظ في ((التقريب)): ((مقبول))؛ يعني عند المتابعة، وإلا فهو لين الحديث. وقال المجد ابن تيمية في ((منتقى الأخبار)) عقب الحديث: ((وهو دليل على جواز تعلم النساء الكتابة)). وتبعه على ذلك الشيخ عبدالرحمن بن محمود البَعْلَبكِّي الحنبلي في ((المطلع)) (ق ١٠٧ / ١)، ثم الشوكاني في ((شرحه)) (٨ / ١٧٧) وقال: ((وأما حديث: ((لا تعلموهن الكتابة، ولا تسكنوهن الغرف، وعلموهن سورة النور))؛ فالنهي عن تعليم الكتابة في هذا الحديث محمولٌ على من يُخشى من تعليمها الفساد)). قلت: وهذا الكلام مردود من وجھین : الأول: أن الجمع الذي ذكره يُشعِر أن حديث النهي صحيح، وإلا لما تكلّف التوفيق بينه وبين هذا الحديث الصحيح، وليس كذلك؛ فإن حديث النهي موضوع كما قال الذهبي، وطرقه كلها واهية جدّاً، وبيان ذلك في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) (رقم ٢٠١٧)، فإذا كان كذلك؛ فلا حاجة للجمع المذكور، ونحو صنيع الشوكاني ٣٤٦ هذا قول السخاوي في هذا الحديث الصحيح: ((إنه أصح من حديث النهي))؛ فإنه يوهم أن حديث النهي صحيح أيضاً، أو على الأقل: هو قريب من الصحة! والآخر: لو كان المراد من حديث النهي من يخشى عليها الفساد من التعليم؛ لم يكن هناك فائدة من تخصيص النساء بالنهي؛ لأن الخشية لا تختصُّ بهن، فكم من رجل كانت الكتابة عليه ضرراً في دينه وخلقه، أفينهى أيضاً الرجال أن يتعلموا الكتابة؟! بل وعن تعلم القراءة أيضاً؛ لأنها مثل الكتابة من حيث الخشية! والحق أن الكتابة والقراءة نعمة من نعم الله تبارك وتعالى على البشر؛ كما يشير إلى ذلك قوله عز وجل: ﴿اقْرَأُ بِاسمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقِ . اقْرَأْ وَرَبِّكَ الأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾(١)، وهي كسائر النعم التي امتن الله بها عليهم، وأراد منهم استعمالها في طاعته، فإذا وجد فيهم من يستعملها في غير مرضاته؛ فليس ذلك بالذي يخرجها عن كونها نعمة من نعمه؛ كنعمة البصر والسمع والكلام وغيرها؛ فكذلك الكتابة والقراءة؛ فلا ينبغي للآباء أن يحرموا بناتهم من تعلمها؛ شريطة العناية بتربيتهن على الأخلاق الإِسلامية؛ كما هو الواجب عليهم بالنسبة لأولادهم الذكور أيضاً؛ فلا فرق في هذا بين الذكور والإناث. والأصل في ذلك أن كل ما يجب للذكور وجب للإناث، وما يجوز لهم جاز لهن، ولا فرق؛ كما يشير إلى ذلك قوله وَله: ((إنما النساء شقائق الرجال))، رواه الدارمي وغيره (٢)؛ فلا يجوز التفریق إلا بنص يدل عليه، وهو مفقود فیما نحن فيه، بل النص على خلافه، وعلى وفق الأصل، وهو هذا الحديث الصحيح، فتشبث به، ولا ترض به بديلاً، ولا تصغ إلى من قال: بةِ والعمالَةِ والخَطابَهْ ما للنساءِ وللكتا هذا لنا ولَهُنَّ مِنـ ـا أَنْ يَبِتْنَ عَلى جَنابَهْ (١) العلق: ١ - ٤. (٢) وهو مخرَّج في ((صحيح أبي داود)) (٢٣٤). ٣٤٧ فإن فيه هضماً لحق النساء وتحقيراً لهن، وهن كما عرفت شقائق الرجال، نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإِنصاف والاعتدال في الأمور كلها (١). ١٧٩ - (لا طَاعَةَ لأحدٍ في معصيةِ اللهِ تَبَارَكَ وتَعالى). رواه أحمد (٥ / ٦٦) عن عبدالله بن الصامت قال: أراد زياد أن يبعث عمران بن حصين على خراسان، فأبى عليهم، فقال له أصحابه: أتركت خراسان أن تكون عليها؟ قال: فقال: إني والله ما يسرني أن أصلى بحرِها وتصلون بیردها، وإني أخاف إذا کنت في نحور العدو أن یأتیني کتاب من زیاد، فإن أنا مضيت هلكت، وإن رجعت ضربت عنقي. قال: فأراد الحكم بن عمرو الغفاري عليها. قال: فانقاد لأمره. قال: فقال عمران: ألا أحد يدعو لي الحكم؟ قال: فانطلق الرسول. قال: فأقبل الحكم إليه. قال: فدخل عليه. قال: فقال عمران للحكم: أسمعت رسول الله ◌َل# يقول: (فذكره)؟ قال: نعم. قال عمران: لله الحمد، أو: الله أكبر. قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم، وقوّاه الحافظ في ((الفتح)) (١٣ / ١٠٩)، وروى الطبراني في ((الكبير)) (١ / ١٥٤ / ٢) المرفوع منه فقط بهذا اللفظ. وله طريق أخرى عند الطيالسي (٨٥٦)، وأحمد (٤ / ٤٣٢ و٥ / ٦٦)، والطبراني (١٥٥ / ١) من طرق عن محمد قال: ((جاء رجل إلى عمران بن حصين ونحن عنده، فقال: استعمل الحكم بن عمرو الغفاري على خراسان، فتمناه عمران حتى قال له رجل من القوم: ألا ندعولك؟ فقال له: لا. ثم قام عمران، فلقيه بين الناس، فقال عمران: إنك قد وليت أمراً من أمر (١) انظر رسالة ((عقود الجمان في جواز تعليم الكتابة للنسوان)) العظيم آبادي، طبع المكتب الإسلامي . ٣٤٨ i المسلمين عظيماً، ثم أمره ونهاه ووعظه، ثم قال: هل تذكر يوم قال رسول الله وتطهير: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الله تبارك وتعالى))؟ قال الحكم: نعم. قال عمران: الله أكبر)). وفي رواية لأحمد عن محمد : ((أنبئت أن عمران بن حصين قال للحكم الغفاري - وكلاهما من أصحاب رسول الله -: هل تعلم يوم قال رسول الله وفضله: ((لا طاعة في معصية الله تبارك وتعالى))؟ قال: نعم. قال: الله أكبر، الله أكبر)). ورجاله ثقات رجال الشيخين، لكنه منقطع بين محمد - وهو ابن سيرين - وبین عمران؛ كما هو صريح الرواية الثانية . ثم أخرجه أحمد، والطبراني (١٨ / ١٥٠ و١٦٥ و١٧٠ و١٧١ و١٧٧)، والحاكم (٣ / ٤٤٣) من طرقٍ عن الحسن: ((أن زياداً استعمل الحكم الغفاري على جيش، فأتاه عمران بن حصين، فلقيه بين الناس، فقال: أتدري لم جئتك؟ فقال له: لم؟ قال: هل تذكر قول رسول الله وَيّ للرجل الذي قال أميره: قع في النار! [فقام الرجل ليقع فيها] فأدرك فاحتبس، فأخبر بذلك النبي # فقال: ((لو وقع فيها؛ لدخلا النار جميعاً، لا طاعة في معصية الله تبارك وتعالى))؟ قال: نعم. قال: إنما أردت أن أذكرك هذا الحديث)). وقال الحاكم : ((صحيح الإسناد)). ووافقه الذهبي . قلت: وهو كما قالا إن كان الحسن - وهو البصري - سمعه من عمران؛ فقد كان مدلساً. وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٥ / ٢٢٦) بعد أن ساقه من طريق عبدالله بن ٣٤٩ الصامت وطريق الحسن هذه: ((رواه أحمد بألفاظ، والطبراني باختصار، وفي بعض طرقه: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))، ورجال أحمد رجال الصحيح)). وللمرفوع منه طريق أخرى مختصراً بلفظ: ١٨٠ - (لا طاعَةَ في معصيةِ اللهِ تبارَكَ وتَعالى). أخرجه أحمد (٤ / ٤٢٦ و٤٢٧ و٤٣٦)، وكذا الطيالسي (٨٥٠)، والطبراني (١٨ / ٢٢٩) عن قتادة قال: سمعت أبا مراية العِجْلي قال: سمعت عمران بن حصين يحدث عن النبي وسلم أنه قال: (فذكره). قلت: ورجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي مراية هذا، واسمه عبدالله بن عمرو، ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٥ / ٣١)، وسماه عبدالله بن عمرو، وروى عنه أسلم العجلي أيضاً. وأورده الهيثمي (٥ / ٢٢٦) بهذا اللفظ من حديث عمران والحكم بن عمرو معاً، وقال: (رواه البزار والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، ورجال البزار رجال الصحيح)). وأورده السيوطي في ((الجامع الكبير)) (٣ / ١٣ / ١) بلفظ الطبراني من رواية أحمد وابن جرير وابن خزيمة والطبراني في ((الكبير)) وابن قانع عن عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري معاً وأبي نعيم في «معجمه))، والخطيب عن أنس، والشيرازي في ((الألقاب)) عن جابر، والطبراني في ((الكبير)) عن النواس بن سمعان. قلت: وفي هذا التخريج ما لا يخفى من التساهل؛ فقد علمت أن اللفظ ليس عند أحمد والحاكم، وإنما هو عند الطبراني فقط؛ كما أفاده الهيثمي، ولا أدري هل هو عند سائر مَن عزاه إليهم بهذا اللفظ أم بنحوه. ٣٥٠ ٠ وأكثر من ذلك تسامحاً ما فعله في ((الجامع الصغير))؛ فقد أورده فيه باللفظ المذكور من رواية أحمد والحاكم فقط! وهذا خطأ واضح، وكأن منشأه أنه لما وجد الحديث في ((الجامع الكبير)) بهذا اللفظ معزوّاً للجماعة الذين سبق ذكرهم؛ نسي أنه كان تسامح في عزوه إليهم جميعاً، وأن اللفظ إنما هو لأحدهم، وهو الطبراني، فلما اختصر التخريج في ((الجامع الصغير))؛ اقتصر فيه على أحمد والحاكم في العزو، فنتج من ذلك هذا الخطأ، والمعصوم مَن عصمه الله تعالى. وللحديث شاهد من حديث علي، وفيه تفصيل قصة الأمير الذي أمر جنده بدخول النار، وهو: ١٨١ - (لا طاعَةَ [لَبَشَرِ] في معصيةِ اللهِ؛ إِنَّما الطّاعةُ فى المعروفِ). أخرجه البخاري (١٣ / ٢٠٣ - فتح)، ومسلم (٦ / ١٥)، وأبو داود (٢٦٢٥)، والنسائي (٢ / ١٨٧)، والطيالسي (١٠٩)، وأحمد (١ / ٩٤) عن علي: ((أن رسول الله وَّلل بعث جيشاً، وأمَّر عليهم رجلاً، فأوقد ناراً، وقال: ادخلوها. فأراد ناس أن يدخلوها، وقال الآخرون: إنا قد فررنا منها. فذُكِر ذلك لرسول الله وَالتى ، فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: لو دخلتموها؛ لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة، وقال للآخرين قولاً حسناً، وقال: (فذكره)). والزيادة الطيالسي، والسياق لمسلم، وفي رواية عنه قال: ((بعث رسول الله وسلم سرية، واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه إلى شيء، فقال: اجمعوا لي حطباً. فجعموا له، ثم قال: أوقدوا ناراً. فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله وعليه أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى. قال: فادخلوها! قال: فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا (وفي رواية: فقال ٣٥١ لهم شابٌّ): إنما فررنا إلى رسول الله وَ ﴿ من النار، [فلا تعجلوا حتى تلقوا النبي ◌ََّ، فإن أمركم أن تدخلوها؛ فادخلوها]، فكانوا كذلك، وسكن غضبه، وطفئت النار، فلما رجعوا؛ ذكروا ذلك للنبي وَلهر، فقال: لو دخلوها؛ ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف)). أخرجه البخاري (٨ / ٤٧، ١٣ / ١٠٩)، ومسلم (٦ / ١٦)، وأحمد (١ / ٨٢ و١٣٤)، والرواية الأخرى مع الزيادة هي له في رواية. وفي الحديث فوائد كثيرة، أهمها أنه لا يجوز إطاعة أحد في معصية الله تبارك وتعالى، سواء في ذلك الأمراء والعلماء والمشايخ . ومنه يُعلم ضلال طوائف من الناس : الأولى: بعض المتصوفة الذين يطيعون شيوخهم، ولو أمروهم بمعصية ظاهرة؛ بحجة أنها في الحقيقة ليست بمعصية، وأن الشيخ يرى ما لا يرى المريد، وأعرف شيخاً من هؤلاء نصب نفسه مرشداً قص على أتباعه في بعض دروسه في المسجد قصة خلاصتها أن أحد مشايخ الصوفية أمر ليلة أحد مريديه بأن يذهب إلى أبيه فيقتله على فراشه بجانب زوجته، فلما قتله؛ عاد إلى شيخه مسروراً لتنفيذ أمر الشيخ! فنظر إليه الشيخ، وقال: أتظن أنك قتلت أباك حقيقة؟ إنما هو صاحب أمك! وأما أبوك فهو غائب! ثم بنى على هذه القصة حكماً شرعياً بزعمه، فقال لهم: إن الشيخ إذا أمر مريده بحكم مخالف للشرع في الظاهر أن على المريد أن يطيعه في ذلك. قال: ألا ترون إلى هذا الشيخ أنه في الظاهر أمر الولد بقتل والده، ولكنه في الحقيقة إنما أمره بقتل الزاني بوالدة الولد، وهو يستحق القتل شرعاً! ولا يخفى بطلان هذه القصة شرعاً على وجوه كثيرة : أولاً: أن تنفيذ الحد ليس من حق الشيخ مهما كان شأنه، وإنما هو من حق الأمير أو الوالي . ٣٥٢ ثانياً: أنه لو كان له ذلك؛ فلماذا نفذ الحد بالرجل دون المرأة، وهما في ذلك سواء؟ ثالثاً: أن الزاني المحصن حكمه شرعاً القتل رجماً، وليس القتل بغير الرجم. ومن ذلك يتبين أن ذلك الشيخ قد خالف الشرع من وجوه، وكذلك شأن ذلك المرشد الذي بنى على القصة ما بنى من وجوب إطاعة الشيخ ولو خالف الشرع ظاهراً، حتى لقد قال لهم: إذا رأيتم الشيخ على عنقه الصليب؛ فلا يجوز لكم أن تنكروا عليه! ومع وضوح بطلان مثل هذا الكلام، ومخالفته للشرع والعقل معاً نجد في الناس من ينطلي عليه كلامه، وفيهم بعض الشباب المثقف. ولقد جرت بيني وبين أحدهم مناقشة حول تلك القصة، وكان قد سمعها من ذلك المرشد، وما بني عليها من حكم، ولكن لم تُجْدِ المناقشة معه شيئاً، وظل مؤمناً بالقصة؛ لأنها من باب الكرامات في زعمه، قال: وأنتم تنكرون الكرامة. ولما قلت له: لو أمرك شيخك بقتل والدك فهل تفعل؟ فقال: إنني لم أصل بعد إلى هذه المنزلة !! فتباً لإِرشاد يؤدي إلى تعطيل العقول والاستسلام للمضلين إلى هذه المنزلة؛ فهل من عتب بعد ذلك على من يصف دين هؤلاء بأنه أفيون الشعب؟ الطائفة الثانية: وهم المقلدة الذين يؤثرون اتباع كلام المذهب على كلام النبي وَلي، مع وضوح ما يؤخذ منه، فإذا قيل لأحدهم مثلاً: لا تصل سنة الفجر بعد أن أقيمت الصلاة لنهي النبي وَّر عن ذلك صراحة؛ لم يطع، وقال المذهب: يجيز ذلك، وإذا قيل له: إن نكاح التحليل باطل؛ لأن النبي وَطير لعن فاعله؛ أجابك بقوله: لا ؛ بل هو جائز في المذهب الفلاني! وهكذا إلى مئات المسائل. ولهذا ذهب كثير من المحققين إلى أن أمثال هؤلاء المقلدين ينطبق عليهم قول ٣٥٣ الله تبارك وتعالى في النصارى: ﴿اَتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾(١)؛ كما بيَّن ذلك الفخر الرازي في «تفسيره)). الطائفة الثالثة: وهم الذين يطيعون ولاة الأمور فيما يشرعونه للناس من نظم وقرارات مخالفة للشرع؛ كالشيوعية وما شابهها، وشرُّهم من يحاول أن يظهر أن ذلك موافق للشرع غير مخالف له، وهذه مصيبة شملت كثيراً ممَّن يدَّعي العلم والإِصلاح في هذا الزمان، حتى اغتر بذلك كثير من العوام، فصح فيهم وفي متبوعيهم الآية السابقة: ﴿أَتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾(١)، نسأل الله الحماية والسلامة . مِنْ آداب زيارَةِ الإِخْوانِ ١٨٢ - (إِذا زَارَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فجَلَسَ عندَهُ؛ فلا يقومَنَّ حتَّى يَسْتَأْذِنَهُ). : رواه أبو الشيخ في ((تاريخ أصبهان)) (١١٣): ثنا إسحاق بن محمد بن حكيم قال: ثنا يحيى بن واقد قال: ثنا ابن أبي غنية قال: ثنا أبي قال: ثنا جبلة بن سحيم عن ابن عمر قال: قال النبيِ نَّه: (فذكره). قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات معروفون . أما جبلة بن سحيم؛ فهو ثقة، أخرج له البخاري في ((الأدب المفرد)). وابن أبي غنية؛ فهو يحيى بن عبدالملك بن حميد بن أبي غنية؛ فهو ثقة من رجال الشيخين، وكذا أبوه عبدالملك. وأما يحيى بن واقد؛ فترجمه أبو الشيخ، فقال: (١) التوبة: ٣١. ٣٥٤ ((كان رأساً في النحو والعربية، كثير الحديث. وقال إبراهيم بن أورمة: يحيى من الثقات، وذكر أن مولده سنة خمس وستين، خلافة المهدي. ومن حسان حديثه ... )) . قلت: ثم ساق له ثلاثة أحاديث، هذا أولها . وأما إسحاق بن محمد بن حكيم؛ فهو إسحاق بن محمد بن إبراهيم بن حكيم؛ قال أبو الشيخ (٢٦٧): ((شيخ صدوق من أهل الأدب والمعرفة بالحديث، عنده كتب أبي عبيدة وعبدالرزاق ... كثير الحديث، وكان صدوقاً ثقة، لا يحدث إلا من كتابه، توفي سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة)). قلت: ومن العجائب أن هذا الحديث مما فات السيوطي في ((الجامع الكبير))، فلم يورده فيه، بينما هو ذكره في ((الجامع الصغير)) من رواية الديلمي عن ابن عمر، فكأنه استدركه فيه، ولكنه فاته هذا المصدر العالي، وهو ((تاريخ أصبهان)) كما فات ذلك شارحه المناوي أيضاً، وقال معللاً سند الديلمي : ((وفيه من لا يعرف)). قلت: فإما أن يكون إسناد الديلمي غير إسناد أبي الشيخ، وإما أن يكون هو هذا، ولكن خفي عليه بعض رواته؛ لأنهم لم يترجموا في غير هذا ((التاريخ))، وهو الذي أرجحه. والله أعلم. ثم رأيت الحديث في الديلمي (١ / ٣٢ / ٢ - الغرائب الملتقطة) من طريق أخرى عن يحيى بن واقد به، لكن لم يتبيَّن لي اسم الراوي عن يحيى من المصورة. وبالجملة؛ فهذا الحديث من الفوائد العزيزة التي لا تراها في كتاب بهذا الإِسناد والتحقيق . فلله الحمد، وهو ولي التوفيق . ٣٥٥ وفي الحديث تنبيه على أدب رفيع، وهو أن الزائر لا ينبغي أن يقوم إلا بعد أن يستأذن المزور، وقد أخل بهذا التوجيه النبوي الكريم كثير من الناس في بعض البلاد العربية، فتجدهم يخرجون من المجلس دون استئذان، وليس هذا فقط، بل وبدون سلام أيضاً! وهذه مخالفة أخرى لأدب إسلامي آخر، أفاده الحديث الآتي : ١٨٣ - (إذا انْتَهى أَحدُكُم إِلى المجلِسِ؛ فَلْيُسَلِّمْ، فإِذا أَرادَ أَنْ يقومَ؛ فيُسَلّمُ؛ فليستِ الأولى بأُحقَّ مِن الآخرةِ). رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١٠٠٧ و١٠٠٨)، وأبو داود (٥٢٠٨)، والترمذي (٢ / ١١٨)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٣٦٩ - ٣٧١)، وكذا ابن السني في ((عمله)) (٤٤٤)، والطحاوي في ((المشكل)) (٢ / ١٣٩)، وابن حبان (١٩٣٢ و١٩٣٣)، وأحمد (٢ / ٢٣٠ و٢٨٧ و٤٣٩)، والحميدي (١١٦٢)، وأبو يعلى في («مسنده)) (ق ٣٠٦ / ١)، والفاكهي في ((حديثه عن أبي يحيى بن أبي ميسرة)) (١ / ٥ / ٢) عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً به. وقال الترمذي : (حدیث حسن)). قلت: وإسناده جید، رجاله كلهم ثقات، وفي ابن عجلان - واسمه محمد - كلام يسير لا يضر في الاحتجاج بحديثه، لا سيما وقد تابعه يعقوب بن زيد التيمي عن المقبري به . أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٩٨٦)، والنسائي (٣٦٨)، وابن حبان (١٩٣١). والتيمي هذا ثقة، فصحَّ الحديث، والحمد لله، وله شواهد تقوِّيه كما يأتي . والحديث عزاه السيوطي في ((الجامع الصغير)) و((الكبير)) (١ / ٤٥ / ١) لابن ٣٥٦ حبان والحاكم في ((المستدرك)) أيضاً، ثم عزاه في مكان آخر من ((الكبير)) (١ / ٢١ / ١) لابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) والطبراني في ((الكبير))، ولم أره في ((المستدرك)) بعد أن راجعته فيه في (البر) و(الصلة) و (الأدب). والله أعلم. ومن شواهد الحديث ما أخرجه أحمد (٣ / ٤٣٨) من طريق ابن لهيعة: ثنا زبان عن سهل بن معاذ عن أبيه عن رسول الله وَالقول قال: ((حق على من قام على مجلس أن يسلم عليهم، وحق على من قام من مجلس أن يسلم. فقام رجل ورسول الله وق ير يتكلم، ولم يسلم، فقال رسول الله صل: ما أسرع ما نسي!)). قلت: وهذا سند ضعيف، ولكن لا بأس به في الشواهد، ويقويه أن البخاري أخرجه في ((الأدب المفرد)) (١٠٠٩) من طريق أخرى عن بسطام قال: سمعت معاوية ابن قرة قال: قال لي أبي : ((يا بني! إن كنت في مجلس ترجو خيره، فعجلت بك حاجة؛ فقل: سلام عليكم؛ فإنك تشركهم فيما أصابوا في ذلك المجلس، وما من قوم يجلسون مجلساً، فيتفرَّقون عنه، لم يذكروا الله؛ إلا كأنما تفرَّقوا عن جيفة حمار)). وإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات، وهو وإن كان موقوفاً؛ فهو في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي، لا سيما وغالبه قد صح مرفوعاً: فطرفه الأول ورد في حديث أبي هريرة هذا، والآخر ورد من حديثه أيضاً، وقد سبق برقم (٧٧)، وانظر ما قبله وما بعده. والسلام عند القيام من المجلس أدب متروك في بعض البلاد، وأحق من يقوم بإحيائه هم أهل العلم وطلابه، فينبغي لهم إذا دخلوا على الطلاب في غرفة الدرس مثلاً أن يسلِّموا، وكذلك إذا خرجوا؛ فليست الأولى بأحق من الأخرى، وذلك من إفشاء السلام المأمور به في الحديث الآتي : ٣٥٧ ١٨٤ - (إنَّ السَّلامَ اسمٌ مِنْ أَسماءِ اللهِ تَعالى، وَضَعَهُ في الأرضِ ، فَأَقْشُوا السَّلامَ بينَكُمْ). رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٩٨٩): حدثنا شهاب قال: حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن أنس قال: قال رسول الله : (فذكره). قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير حماد بن سلمة؛ فمن رجال مسلم وحده. وله شاهد من حديث عبدالله بن مسعود مرفوعاً به. أخرجه أبو الشيخ في ((الطبقات)) (١٤٧ و٢٩٥) من طريق عبدالله بن عمر قال: ثنا يحيى بن سعيد عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبدالله به. وقال: «تفرد به عبدالله بن عمر)). قلت: وهو عبدالله بن عمر بن يزيد الزهري؛ قال أبو الشيخ : ((يكنى أبا محمد، ولي القضاء بالكرخ، وخرج إليها، مات سنة اثنتين وخمسين ومائتین، وکان راویة عن یحیی، وعبدالرحمن وروح وحماد بن سعدة ومحمد بن بكر وأبو قتيبة وغيرهم، وله مصنفات كثيرة، وقد حدث بغیر حدیث یتفرد به)). ثم ساق له أحاديث هذا أولها . وقد أورده ابن أبي حاتم (٢ / ٢ / ١١١) ولم يذكر فيه جرحاً. قلت: فالرجل یستشهد به إن لم يحتج به؛ فإنه ليس فيما ساق له أبو الشيخ من الأحادیث ما ینکر علیه، والله أعلم. والحديث أورده المنذري في ((الترغيب)) (٣ / ٢٦٧ - ٢٦٨) من حديث ابن مسعود مرفوعاً بزيادة: ((فإن الرجل المسلم إذا مر بقوم، فسلم عليهم، فردوا عليه؛ كان له عليهم ٣٥٨ : فضل درجة بتذكيره إياهم السلام، فإن لم يردوا عليه؛ ردَّ عليه من هو خير منهم)). وقال : (رواه البزار (١٩٩٩) والطبراني، وأحد إسنادي البزار جيد قوي)). وسيأتي تخريجه والكلام على إسناده برقم (١٦٠٧). ورواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١٠٣٩) موقوفاً، وسنده صحيح، وهو في حكم المرفوع . وفي الباب عن أبي هريرة مثل حديث أنس. أخرجه العقيلي (١ / ١٤١). وبالجملة؛ فالحديث صحيح لا شك فيه، والأحاديث في الأمر بإفشاء السلام كثيرة صحيحة، وبعضها في الصحيح، وقد اخترت منها هذا الحديث للكلام عليه؛ لأنه ليس في ((الصحيح))، مع أن إسناده صحيح، وله تلك الشواهد، فأحببت أن أبين ذلك. إذا عرفت هذا؛ فينبغي أن تعلم أن إفشاء السلام المأمور به دائرته واسعة جداً، ضيقها بعض الناس جهلاً بالسنة، أو تهاملاً في العمل بها. فمن ذلك السلام على المصلي ؛ فإن كثيراً من الناس يظنون أنه غير مشروع، بل صرح النووي في ((الأذكار)) بكراهته، مع أنه صرح في ((شرح مسلم)): ((أنه يستحب رد السلام بالإِشارة))، وهو السنة؛ فقد جاءت أحاديث كثيرة في سلام الصحابة على النبي : ﴿ وهو يصلي، فأقرهم على ذلك، ورد عليهم السلام، فأنا أذكر هنا حديثاً واحداً منها، وهو حديث ابن عمر قال: ١٨٥ - (خَرَجَ رَسولُ اللهِ وَّهِ إِلى قُباءَ يُصَلِّي فِيهِ، فجاءَتْهُ الأنْصَارُ، فسَلَّموا عليهِ وهُو يُصَلِّي؛ قالَ: فقلتُ لبِلالٍ : كيفَ رأَيْتَ ٣٥٩ رسولَ اللهِ وَ﴿ يَرُدُّ عليهمْ حِينَ كانُوا يُسَلِّمُونَ عليهِ وهُو يُصَلِّي؟ قالَ: يقولُ هكذا. ويَسَطَ كَفَّهُ، ويَسَطَ جعفَرُ بنُ عونٍ كَفَّهُ، وجَعَلَ بطنَهُ أَسْفَلَ، وجعَلَ ظهرَهُ إِلى فوقَ). أخرجه أبو داود (٩٢٧) بسند جيد، وبقية أصحاب السنن، وقال الترمذي (٢ / ٢٠٤) : «حديث حسن صحيح)) . وله طريق أخرى في ((المسند)) (٢ / ٣٠) وغيره عن ابن عمر. وسنده صحيح على شرط الشيخين. وقد ذهب إلى الحديث الإِمامان أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، فقال المروزي في ((المسائل)) (ص ٢٢): ((قلت: (يعني: لأحمد): يسلم على القوم وهم في الصلاة؟ قال: نعم، فذكر قصة بلال حين سأله ابن عمر: كيف كان يرد؟ قال: كان يشير. قال إسحاق: كما قال)) . واختار هذا بعض محقُّقي المالكية، فقال القاضي أبو بكر بن العربي في ((العارضة)) (٢ / ١٦٢): ((قد تكون الإِشارة في الصلاة لرد السلام لأمر ينزل بالصلاة، وقد تكون في الحاجة تعرض للمصلي، فإن كانت لرد السلام؛ ففيها الآثار الصحيحة؛ كفعل النبي وَي* في قباء وغيره. وقد كنت في مجلس الطرطوشي، وتذاكرنا المسألة، وقلنا الحديث، واحتججنا به، وعامي في آخر الحلقة، فقام وقال: ولعله كان يردُّ عليهم نهياً لئلا يشغلوه! فعجبنا من فقهه! ثم رأيت بعد ذلك أن فهم الراوي أنه كان لرد السلام قطعي في الباب، على حسب ما بيِّنَّاه في أصول الفقه)). ٣٦٠