Indexed OCR Text

Pages 281-300

ففي الحديث إشارة إلى أن في المال حقّاً سوى الزكاة، فلا يظنَّنَّ الأغنياء أنهم
قد برئت ذمتهم بإخراجهم زكاة أموالهم سنوياً، بل عليهم حقوق أخرى لظروف
وحالات طارئة، من الواجب عليهم القيام بها، وإلا دخلوا في وعيد قوله تعالى :
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعذابٍ أَليمٍ.
يَوْمَ يُحْمَى عَليها فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِها جِبَاهُهُمْ وجُنُوبُهُمْ وَظُهورُهُمْ هَذا مَا كَنَرْتُمْ
لِأَنْفُسِكُمْ فَذوقوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾(١).
١٥٠ - (إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِي أَنْ أُحَدَّثَ عَن دِيكٍ قَد مَرَقَتْ رِجلاهُ
الأرضَ، وعُنْقُهُ مُنْثَنِ تحتَ العرشِ ، وهُو يقولُ: سُبحانَكَ ما أَعظمَكَ
رَبَّنَا! فَيَرُدُّ عليهِ: مَا يَعْلَمُ ذلكَ مَن حَلَفَ بي كاذِباً) .
رواه الطبراني في ((الأوسط)) (١ / ١٥٦ / ١)، وأبو الشيخ في ((العظمة)) (٣ /
١٠٠٣ - ١٠٠٤)؛ قالا: حدثنا محمد بن العباس بن الأخرم: ثنا الفضل بن سهل
الأعرج: ثنا إسحاق بن منصور: ثنا إسرائيل عن معاوية بن إسحاق عن سعيد بن أبي
سعيد عن أبي هريرة مرفوعاً، وقال:
((لم يروه عن معاوية إلا إسرائيل، تفرَّد به إسحاق)).
قلت: وهو ثقة من رجال الشيخين، وكذا سائر الرواة ثقات أيضاً من رجال
البخاري؛ غير ابن الأخرم، وهو من الفقهاء الحفاظ المتقنين؛ كما في ((لسان
المیزان))؛ فالحديث صحيح الإسناد.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٤ / ١٨٠ - ١٨١):
((رواه الطبراني في ((الأوسط))، ورجاله رجال الصحيح)).
وفي هذا الإِطلاق نظر لا يخفى، لا سيما وقد قال في مكان آخر (٨ / ١٣٤):
(١) التوبة: ٣٤ - ٣٥.
٢٨١

1
((رواه الطبراني في ((الأوسط))، ورجاله رجال الصحيح؛ إلا أن شيخ الطبراني
محمد بن العباس عن الفضل بن سهيل الأعرج لم أعرفه)).
قلت: وقد عرفناه والحمد لله، وأنه ثقة متقن، فصح الحديث، والموفق الله
تعالى .
و((سهيل)) هكذا في ((المجمع))، وهو خطأ مطبعي، والصواب: ((سهل))؛ كما
تقدم في السند، وكما في كتب الرجال.
على أنه لم يتفرد به؛ فقد أخرجه أبو يعلى (٣٠٩ / ١) من طريق أخرى عن
معاوية بن إسحاق به نحوه بلفظ :
((والعرش على منكبيه، وهو يقول: سبحانك! أين كنت؟ وأين تكون؟)).
ثم إن في قول الطبراني: ((تفرد به إسحاق)) نظراً؛ فقد تابعه عبيدالله بن موسى :
أنبأ إسرائيل به .
أخرجه الحاكم (٤ / ٢٩٧) وقال :
((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي.
ووقع في ((المستدرك)): ((عبدالله)) مكبراً، وهو خطأ مطبعي .
والحديث؛ قال المنذري (٣ / ٤٧):
((رواه الطبراني بإسناد صحيح، والحاكم، وقال: صحيح الإِسناد)).
١٥١ - (أَذِنَ لي أَنْ أُحَدِّثَ عَن مَلَكٍ مِن ملائكةِ اللهِ تَعالى مِن
حَمَلَةِ العرشِ ؛ ما بينَ شَحْمَةِ أَذْنِهِ إِلى عاتِقِهِ مَسيرةُ سبعِمائةٍ سَنةٍ).
رواه أبو داود (٤٧٢٧)، والطبراني في ((الأوسط)) كما في ((المنتقى)) منه للذهبي
(٦ / ٢) وفي ((حديثه عن النسائي)) (٣١٧ / ٢)، وابن شاهين في ((الفوائد)) (١١٣ /
٢٨٢

٢)، وأبو الشيخ في ((العظمة)) (٣ / ٩٤٨ - ٩٤٩)، والبيهقي في ((الأسماء)) (٣٩٨)،
وابن عساكر في المجلس ١٣٩ من ((الأمالي)) (٥٠ /١)، وفي ((التاريخ)) (١٢ / ٢٣٢
/ ١) عن إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر
مرفوعاً .
وهو في ((مشيخة ابن طهمان)) (٢٣٨ / ٢).
وقال الطبراني :
((لم يروه عن موسى بن عقبة إلا إبراهيم بن طهمان)).
قلت: وهو ثقة كما في ((التقريب))، ولهذا قال الذهبي في ((العلو)) (ص ٥٨ -
طبعة الأنصار) :
(إسناده صحيح)) .
ثم ساق له شاهداً من حديث محمد بن إسحاق عن الفضل بن عيسى عن يزيد
الرقاشي عن أنس مرفوعاً، وقال :
((إسناده واهٍ)).
وقال الهيثمي في الطريق الأولى (١ / ٨٠):
((رواه الطبراني في ((الأوسط))، ورجاله رجال الصحيح)).
وقد تابعه صدقة بن عبدالله القرشي بلفظ :
((إن لله ملائكة - وهم الأكروبيون - من شحمة أذن أحدهم إلى ترقوته مسيرة
سبعمائة عام للطائر السريع في انحطاطه)) .
وقد سقت إسناده، وتكلمت عليه في ((الأحاديث الضعيفة)) (٩٢٧).
وله شاهد من حديث جابر وابن عباس مرفوعاً به نحوه .
أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣ / ١٥٨)، وفيه من لم أعرفه .
٢٨٣

متى يرثُ المَوْلُودُ؟
١٥٢ - (لَا يَرِثُ الصَّبِيُّ حَتَّى يَسْتَهِلَّ صارِخاً، واسْتِهِلالُهُ أَنْ يصيحَ
أَو يعطُسَ أَو يَبْكِيَ).
رواه ابن ماجه (٢٧٥١)، والطبراني في ((الأوسط)) (١ / ١٥٣ / ٢) عن العباس
ابن الوليد الخلال الدمشقي: ثنا مروان بن محمد الطاطري : ثنا سليمان بن بلال عن
يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبدالله والمسور بن مخرمة
مرفوعاً.
وقال الطبراني :
((لم يروه عن یحیی إلا سليمان، تفرد به مروان)).
قلت: وهو ثقة، وكذلك سائر الرواة؛ فالحديث صحيح .
وأما قول الهيثمي (٤ / ٢٢٥): ((رواه الطبراني في ((الأوسط)) و((الكبير))، وفيه
العباس بن الوليد الخلال؛ وثَّقه أبو مسهر ومروان بن محمد، وقال أبو داود: لا أحدث
عنه، وبقية رجاله رجال الصحيح))؛ ففيه نظر من وجهين:
الأول: أن مروان ليس من رجال الصحيح .
الثاني: أن قول أبي داود فيه لم يذكره عنه الحافظ في ((التهذيب))، وإنما نقل
عنه من رواية الآجري أنه قال: ((كتبت عنه، وكان عالماً بالرجال والأخبار))، ولذلك
قال فيه في ((تقريب التهذيب)): ((صدوق))؛ فلا أدري؛ أذلك وهم من الهيثمي أم
قصور من الحافظ حيث لم يذكره؟!
ثم إن إيراد الهيثمي لهذا الحديث في كتابه هو على خلاف شرطه؛ لإِخراج ابن
ماجه إياه، فلعله لم يستحضر ذلك عندما أورده .
وللحديث شاهد بلفظ :
٢٨٤

١٥٣ - (إِذا استهلّ المولودُ؛ وُرِّثَ).
رواه أبو داود (٢٩٢٠) عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبدالله بن قسيط عن
أبي هريرة مرفوعاً، وعن أبي داود رواه البيهقي (٦ / ٢٥٧)، وذكر أن ابن خزيمة
أخرجه من هذا الوجه .
قلت: ورجاله ثقات؛ إلا أن ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه.
ولكن له شاهد من حديث جابر مرفوعاً .
رواه ابن ماجه (٢٧٥٠) عن الربيع بن بدر: ثنا أبو الزبير عنه به، وزاد :
((صُلِّي عليه وورِّث)).
قلت: والربيع بن بدر متروك، لكن تابعه المغيرة بن مسلم وسفيان عن أبي
الزبير به، وفيه الزيادة.
أخرجه الحاكم (٤ / ٣٤٨ و٣٤٩)، وقال :
((صحيح على شرط الشيخين)). ووافقه الذهبي.
قلت: بل على شرط مسلم فقط، على أن أبا الزبير مدلس، وقد عنعن .
لكن تابعه سعيد بن المسيب عند ابن ماجه (٢٧٥١) دون الزيادة .
وله شاهد من حديث ابن عباس مرفوعاً .
أخرجه ابن عدي (٤ / ١٣٢٩) من طريق شريك عن أبي إسحاق عن عطاء
عنه به، وفيه الزيادة .
قلت: وهذا سند لا بأس به في الشواهد؛ فإن شريكاً هو ابن عبدالله القاضي،
ثقة؛ إلا أنه سيىء الحفظ، ومثله أبو إسحاق، وهو السبيعي ؛ فإنه كان اختلط .
(فائدة): في حديث جابر والمسور المتقدم تفسير استهلال الصبي بقوله: ((أن
يصيح أو يعطس أو يبكي))، وهو حديث صحيح كما تقدم؛ فلا يغتر بقول الصنعاني
٢٨٥

في ((سبل السلام)) (٣ / ١٣٣):
((والاستهلال: روي في تفسيره حديث مرفوع ضعيف: ((الاستهلال العطاس))،
أخرجه البزار)).
فإن الذي أخرجه البزار (١٣٩٠) إنما هو حديث ابن عمر باللفظ الذي ذكره
الصنعاني، وفيه محمد بن عبدالرحمن بن البيلماني، وهو ضعيف، ضعَّفه البزَّار
نفسه؛ كما في ((المجمع)) (٤ / ٢٢٥)؛ فهذا غير حديث جابر والمسور، فتنبه .
فَضْلُ الدُّعاءِ والبرُ
١٥٤ - (لَا يَرُدُّ القَضاءَ إِلَّ الدُّعاءُ، ولا يَزِيدُ في العُمُرِ إِلَّ الِبِرُ).
أخرجه الترمذي (٢ / ٢٠)، والطحاوي في ((المشكل)) (٤ / ١٦٩)، وابن
حيويه في ((حديثه)) (٣ / ٤ / ٢)، وعبدالغني المقدسي في ((الدعاء)) (١٤٢ - ١٤٣)؛
كلهم من طريق أبي مودود عن سليمان التميمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان
به . وقال الترمذي :
«حديث حسن غريب من حديث سلمان، وأبو مودود اثنان: أحدهما يقال له :
فضة - وهو الذي روى هذا الحديث -، بصري، والآخر عبد العزيز بن أبي سليمان،
بصري أيضاً، وكانا في مصر واحد)).
قلت: وهو ضعيف؛ كما قال ابن أبي حاتم عن أبيه (٣ / ٢ / ٩٣)، فلعل
تحسين الترمذي لحديثه باعتبار أن له شاهداً من حديث ثوبان مرفوعاً بزيادة:
((وإن الرجل لَيُحرم الرزق بالذنب يصيبه)).
رواه ابن ماجه (٤٠٢٢)، وأحمد (٥ / ٢٧٧ و٢٨٠ و٢٨٢)، وابن أبي شيبة في
((المصنف)) (١٢ / ١٥٧ / ٢)، ومحمد بن يوسف الفيريابي في ((ما أسند سفيان)) (١
/ ٤٣ / ٢)، والطحاوي في ((المشكل)) (٤ / ١٦٩)، والطبراني في ((المعجم الكبير))
٢٨٦

(١ / ١٤٧ / ٢)، وأبو محمد العدل المخلدي في ((الفوائد)) (٢ / ٢٢٣ / ٢، ٢٤٦
/ ٢، ٢٦٨ / ٢)، والروياني في ((مسنده)) (٢٥ / ١٣٣ / ١)، والحاكم (١ /
٤٩٣)، وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (٢ / ٦٠)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٤ /
٢/٨١)، والقضاعي (١/٧١)، وعبد الغني المقدسي في ((الدعاء)) (١٤٢-١٤٣) من
طرق عن سفيان الثوري عن عبدالله بن عيسى عن ابن أبي الجعد عن ثوبان مرفوعاً به .
كذا قال بعض المخرجين: ((ابن أبي الجعد))؛ لم يسمه، وسماه بعضهم:
(سالم بن أبي الجعد)، وبعضهم: (عبدالله بن أبي الجعد)، فإن كان الأول؛ فهو
منقطع؛ لأن سالماً لم يسمع من ثوبان، وإن كان الآخر؛ فهو مجهول؛ كما قال ابن
القطان، وإن وثقه ابن حبان، وقد أشار إلى ذلك الذهبي في ((الميزان)) فقال:
((وعبدالله هذا، وإن كان قد وثق؛ ففيه جهالة)).
ثم أخرجه الروياني (١٦٢ / ١) من طريق عمر بن شبيب: ثنا عبدالله بن
عیسی عن حفص وعبيدالله بن أخي سالم عن سالم عن ثوبان به، وزاد :
((إنْ في التوراة لمكتوب: يا ابن آدم! اتَّق ربك، وبر والديك، وصل رحمك؛
أمدد لك في عمرك، وأيسر لك يسرك، وأصرف عنك عسرك)).
قلت: فهذا قد يرجح أن الحديث من رواية سالم بن أبي الجعد، لكن عمر بن
شبيب ضعيف؛ كما قال الحافظ في ((التقريب)).
وأما حفص وعبيدالله بن أخي سالم؛ فلم أعرفهما.
فإن ثبت هذا الترجيح ؛ فهو منقطع، وإلا فمتّصل، لكن فيه جهالة كما سبق،
فقول الحاكم عقبه: ((صحيح الإِسناد)) مردود، وإن وافقه الذهبي؛ لجهالة المذكور،
وقد صرح بها الذهبي كما تقدم، وهذا من تناقضه الكثير!
ثم رأيت في مقدمة ((الجرح والتعديل)) (ص ٣٥٩) - بدلالة أحد طلاب العلم
جزاه الله خيراً - أن أبا حاتم جزم بأن ابن أبي الجعد هو عبدالله بن أبي الجعد في
٢٨٧

مناظرة جرت بينه وبين محمد بن مسلم بن وارة، وقد سبق بيان أن عبدالله هذا
مجهول .
وللحديث طريق أخرى عن ثوبان؛ يرويه أبو علي الدارسي: حدثنا طلحة بن
زيد عن ثور عن راشد بن سعد عن ثوبان .
أخرجه ابن عدي (ق ٣٤ / ١) وقال:
((أبو علي الدارسي بشربن عبيد منكر الحديث، بيِّن الضعف جدّاً)).
قلت: وكذبه الأزدي، وساق له في ((الميزان)) أحاديث، وقال:
((وهذه أحاديث غير صحيحة؛ فالله المستعان)). ثم ساق له آخر، وقال فيه:
((وهذا موضوع)).
والخلاصة؛ أن الحدیث حسن کما قال الترمذي بالشاهد من حديث ثوبان ؛
دون الزيادة فيه؛ فإني لم أجد لها شاهداً، بل روي ما يعارضها بلفظ:
((إن الرزق لا تنقصه المعصية، ولا تزيده الحسنة ... )).
قلت: ولكنه موضوع؛ كما حققته في ((الأحاديث الضعيفة)) (رقم ١٧٩)؛ فلا
يصلح لمعارضة الزيادة المشار إليها .
قوله: ((القضاء)): أراد به هنا الأمر المقدَّر لولا دعاؤه.
وقوله: ((ولا يزيد في العمر))؛ يعني: العمر الذي كان يقصر لولا بره.
عمرو بن العاص مؤمن
١٥٥ - (أسلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عمرُو بنُ العاصِ).
رواه الروياني في ((مسنده)) (٩ / ٥٠ / ١ -٢) من طريق ابن أبي مريم وعبد الله
ابن وهب: نا ابن لهيعة عن مشرح بن هاعان عن عقبة مرفوعاً.
٢٨٨

ورواه أحمد (٤ / ١٥٥): ثنا أبو عبد الرحمن: ثنا ابن لهيعة: حدثني مشرح
ابن هاعان قال: سمعت عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله مثل يقول: (فذكره).
رواه الترمذي (٢ / ٣١٦): حدثنا قتيبة: حدثنا ابن لهيعة به. وقال:
((حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عن مشرح بن هاعان، وليس
إسناده بالقوي)) .
قلت: مشرح بن هاعان وثقه ابن معين وغيره، وضعفه بعضهم، وهو حسن
الحديث عندي، وقد وثقه جمع .
وابن لهيعة، وإن كان ضعيفاً لسوء حفظه؛ فإن رواية العبادلة عنه تصحح حديثه
كما جاء في ترجمته، وهذا من رواية اثنين منهم، وهما: أبو عبد الرحمن، واسمه
عبدالله بن يزيد المقرىء، وعبدالله بن وهب، ونحوهما قتيبة، وهو ابن سعيد؛ فقد
ذكر الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (٨ / ١٥) عنه قال:
((قال لي أحمد بن حنبل: أحاديثك عن ابن لهيعة صحاح. فقلت: لأنا كنا
نكتب من كتاب ابن وهب ثم نسمعه من ابن لهيعة)).
وفي الحديث منقبة عظيمة لعمرو بن العاص رضي الله عنه، إذ شهد له النبي
وَّ بأنه مؤمن؛ فإن هذا يستلزم الشهادة له بالجنة؛ لقوله وَّ ة في الحديث الصحيح
المشهور: ((لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة))، متفق عليه. وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ
الْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأنْهارُ﴾(١).
وعلى هذا؛ فلا يجوز الطعن في عمرو رضي الله عنه - كما يفعل بعض الكتاب
المعاصرين وغيرهم من المخالفين - بسبب ما وقع له من الخلاف - بل القتال - مع
علي رضي الله عنه؛ لأن ذلك لا ينافي الإِيمان؛ فإنه لا يستلزم العصمة كما لا
يخفى، لا سيما إذا قيل: إن ذلك وقع منه بنوع من الاجتهاد، وليس اتباعاً للهوى.
(١) التوبة : ٧٢.
٢٨٩

وفي الحديث أيضاً إشارة إلى أن مسمى الإِسلام غير الإِيمان، وقد اختلف
العلماء في ذلك اختلافاً كثيراً، والحق ما ذهب إليه جمهور السلف من التفريق
بينهما؛ لدلالة الكتاب والسنة على ذلك، فقال تعالى: ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ
تُؤمِنُوا ولَكِنْ قُولوا أَسْلَمْنا ولمَّا يَدْخُلِ الإِيمانُ في قُلوبِكُمْ﴾(١)، وحديث جبريل في
التفريق بين الإِسلام والإِيمان معروف مشهور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب ((الإِيمان)) (ص ٣٠٥ -
طبع المكتب الإِسلامي):
((والرد إلى الله ورسوله في مسألة الإِسلام والإِيمان يوجب أن كلّ من الاسمين،
وإن كان مسماه واجباً، ولا يستحق أحد الجنة إلا بأن يكون مؤمناً مسلماً؛ فالحق في
ذلك ما بينه النبي و # في حديث جبريل، فجعل الدين وأهله ثلاث طبقات: أولها
الإِسلام، وأوسطها الإِيمان، وأعلاها الإِحسان، ومن وصل إلى العليا؛ فقد وصل إلى
التي تليها، فالمحسن مؤمن، والمؤمن مسلم، وأما المسلم؛ فلا يجب أن يكون
مؤمناً)) .
ومن شاء بسط الكلام على هذه المسألة مع التحقيق الدقيق؛ فليرجع إلى
الكتاب المذكور؛ فإنه خير ما ألف في هذا الموضوع.
ویشهد للحديث ما يأتي :
١٥٦ - (ابنا العاص مُؤمِنانِ: هشامٌ وعَمرُو).
أخرجه عفان بن مسلم في ((حديثه)) (ق ٢٣٨ / ٢): ثنا حماد بن سلمة: ثنا
محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه .
وأخرجه أحمد (٢ / ٣٥٤)، وابن سعد (٤ / ١٩١) من طريق عفان به .
(١) الحجرات: ١٤.
٢٩٠

وكذلك أخرجه الحاكم (٣ / ٤٥٢)، ثم أخرجه أحمد (٢ / ٣٠٤ و٣٢٧
و٣٥٣)، وابن سعد، وأبو علي الصواف في ((حديثه)) (٣ / ٢ / ٢)، وابن عساكر (١٣
/ ٥٢ / ١) من طرق أخرى عن حماد به .
قلت: وهذا سند حسن، وسكت عليه الحاكم والذهبي، ومن عادتهما أن
يصححا هذا الإِسناد على شرط مسلم .
وله شاهد خرجه ابن عساكر من طريق ابن سعد: ثنا عمر بن حكام بن أبي
الوضاح: ثنا شعبة عن عمرو بن دينار عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن
عمر مرفوعاً.
قلت: ورجاله ثقات؛ غير ابن حكام هذا، فلم أعرفه .
ثم استدركت فقلت: هو عمرو بالواو، سقط من قلمي أو من ناسخ ابن عساكر،
وعمرو بن حكام معروف بالرواية عن شعبة، وهو ضعيف؛ إلا أنه مع ضعفه يكتب.
حديثه؛ كما قال ابن عدي؛ فهو صالح للاستشهاد به .
عاقِبَةٌ مِنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِِّ
١٥٧ - (والَّذِي نَفْسي بيدِهِ؛ لا يَسْمَعُ بِي رَجُلٌ مِن هذه الأمَّةِ، ولا
يَهودِيٌّ، ولا نَصرانيٌّ، ثم لم يُؤْمِنْ بي؛ إِلّ كانَ مِن أَهلِ النّارِ).
رواه ابن منده في ((التوحيد)) (٤٤ / ١) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام
ابن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة ... (فذكره مرفوعاً).
ثم رواه من طريق أبي يونس عن أبي هريرة به .
قلت: وهذان إسنادان صحيحان، الأول على شرط الشيخين، والآخر على
شرط مسلم، وقد أخرجه في ((صحيحه)) (١ / ٩٣)، وكذا أبو عوانة (١ / ١٠٤)،
٢٩١

وأحمد (٢ / ٣٥٠) نحوه.
ثم أخرجه هذا (٢ / ٣١٧)، والسلمي في ((صحيفة همام)) (٤٢ / ٩٠)، وكذا
أبو عوانة من طريق عبد الرزاق بإسناده المذكور.
وله شاهد من حديث أبي موسى، وقع فيه لبعضهم اختصار فاحش، وغفلة
عجيبة لبعض المعلقين! وسيأتي في المجلد السابع إن شاء الله تعالى برقم
(٣٠٩٢).
والحديث صريح في أن من سمع بالنبي # وما أرسل به، بلغه ذلك على الوجه
الذي أنزله الله عليه، ثم لم يؤمن به وس#؛ أن مصيره إلى النار، لا فرق في ذلك بين
يهودي أو نصراني أو مجوسي أو لا ديني .
واعتقادي أن كثيراً من الكفار لو أتيح لهم الاطلاع على الأصول والعقائد
والعبادات التي جاء بها الإِسلام؛ لسارعوا إلى الدخول فيه أفواجاً؛ كما وقع ذلك في
أول الأمر؛ فليت أن بعض الدول الإسلامية ترسل إلى بلاد الغرب من يدعو إلى
الإِسلام ممَّن هو على علم به على حقيقته، وعلى معرفة بما ألصق به من الخرافات
والبدع والافتراءات؛ ليحسن عرضه على المدعوين إليه، وذلك يستدعي أن يكون
على علم بالكتاب والسنة الصحيحة، ومعرفة ببعض اللغات الأجنبية الرائجة، وهذا
شيء عزيز يكاد يكون مفقوداً؛ فالقضية تتطلب استعدادات هامة، فلعلهم يفعلون .
الجاهِلُون ليسوا مِنْ أَهْلِ الفَتْرَةِ
١٥٨ - (لَولا أَنْ لا تَدَافَنُوا؛ لدَعَوْتُ اللهَ عزَّ وجلَّ أَنْ يُسمِعَكُم
[مِن] عَذاب القبر [مَا أُسمَعَني]).
ءَ
قال الإِمام أحمد (٣ / ٢٠١): ثنا يزيد: أنا حميد عن أنس؛ أن النبي وَلِّ مرَّ
بنخل لبني النجار، فسمع صوتاً، فقال: ((ما هذا؟)). قالوا: قبر رجل دُفن في
الجاهلية. فقال رسول الله مضاد: (فذكره).
٢٩٢

قلت: وهذا سند ثلاثي صحيح على شرط الشيخين.
وقد أخرجه أحمد أيضاً (٣ / ١٠٣) عن ابن أبي عدي، و(٣ / ١١٤) عن
يحيى بن سعيد، وابن حبان (٧٨٦) عن إسماعيل؛ ثلاثتهم عن حميد به .
وهذان إسنادان صحيحان ثلاثيان أيضاً.
وزاد ابن أبي عدي بعد قوله: ((في الجاهلية)): ((فأعجبه ذلك))، وهي عند
النسائي (١ / ٢٩٠) من طريق عبدالله - وهو ابن المبارك - عن حميد بلفظ: ((فسر
بذلك)».
وصرح یحیی بن سعید بتحدیث حمید به عن أنس .
وقد تابعه ثابت عند أحمد أيضاً (٣ / ١٥٣ و١٧٥ و٢٨٤)، والآجري في
((الشريعة)) (٣٦٠ و٣٦١) من طريق حماد قال: أنا ثابت وحميد عن أنس به، وزاد:
((وهو على بغلة شهباء، فإذا هو بقبر يعذَّب (وفي رواية: فسمع أصوات قوم
يعذبون في قبورهم)، فحاصت البغلة، فقال النبي ◌َّار: لولا ... )) الحديث.
وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وتابعه قاسم بن مرثد الرحال، فقال أحمد (٣ / ١١١): ثنا سفيان قال: سمع
قاسم الرحال أنساً يقول:
((دخل النبي ◌َّ خرباً لبني النجار، وكان يقضي فيها حاجة، فخرج إلينا مذعوراً
أو فزعاً، وقال: لولا ... )) الحديث، وفيه الزيادتان.
وهذا سند ثلاثي أيضاً صحيح، فسفيان هو ابن عيينة، من رجال الستة، وقاسم
وثقه ابن معين وغيره .
وتابعه أيضاً قتادة عن أنس المرفوع منه فقط دون القصة. أخرجه مسلم (٨ /
١٦١)، وأحمد (٣ / ١٧٦ و٢٧٣).
٢٩٣

وله شاهد من حديث جابر قال:
((دخل النبي وير يوماً نخلاً لبني النجار، فسمع أصوات رجال من بني النجار
ماتوا في الجاهلية يعذّبون في قبورهم، فخرج رسول الله ◌َ لّ فزعاً، فأمر أصحابه أن
تعوذوا من عذاب القبر)».
أخرجه أحمد (٣ / ٢٩٥ - ٢٩٦) بسند صحيح متصل على شرط مسلم .
وله شاهد آخر من حديث زيد بن ثابت مرفوعاً، وهو:
١٥٩ - (إِنَّ هُذهِ الأمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِها، فلولا أَنْ لا تَدافَنُوا؛
لدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِن عذابِ القبرِ الذي أَسْمَعُ منهُ. قالَ زيدٌ:
ثمَّ أَقبلَ علينا بوجْهِهِ، فقالَ: تعوَّذُوا باللهِ مِن عذابِ النارِ. قالوا: نعوذُ
باللهِ مِن عذاب النارِ. فقالَ: تعوَّذوا باللهِ مِن عذاب القبر. قالوا: نعوذُ
باللهِ مِن عَذاب القبر. قالَ: تعوَّذوا باللهِ مِن الفِتَن ما ظَهَرَ مِنها وما
بَطَنَ. قالوا: نعوذُ باللهِ مِنَ الفِتَنِ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ. قالَ: تعوَّذوا
باللهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. قالوا: نعوذُ باللهِ مِن فِتنةِ الدَّجَّالِ ).
أخرجه مسلم (٨ / ١٦٠ - ١٦١) من طريق ابن عُلَيَّة قال: وأخبرنا سعيد
الجُرَيْري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن زيد بن ثابت قال أبو سعيد: ولم
أشهده من النبي ◌ّ#، ولكن حدثنيه زيد بن ثابت قال:
((بينما النبي ) في حائط لبني النجار على بغلة له - ونحن معه -؛ إذ حادت
به، فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة - شك الجريري -، فقال: من
يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا. قال: فمتى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في
الإِشراك، فقال :... (فذكره))) .
٢٩٤

قلت: وابن عُلية سمع من الجُريري قبل الاختلاط كما قال العجلي في ((ثقاته))
(١٨١ / ٥٣١ - ترتيب الهيثمي).
وأخرجه أحمد (٥ / ١٩٠): ثنا يزيد بن هارون: أنا أبو مسعود الجريري به؛
إلا أنه قال: ((تعوذوا من فتنة المحيا والممات))؛ بدل: ((تعوذوا من الفتن ما ظهر منها
وما بطن)) ..
وأخرجه ابن حبان (٧٨٥) بنحو رواية مسلم، لكن لم يذكر فيه زيد بن ثابت.
غريب الحديث :
(تدافنوا): أصله تتدافنوا، فحذف إحدى التاءين؛ أي: لولا خشية أن يفضي
سماعكم إلى ترك أن يدفن بعضكم بعضاً.
(شهباء) : بيضاء .
(حاصت)؛ أي: حامت؛ كما في رواية لأحمد؛ أي : اضطربت .
(خرباً)؛ بكسر الخاء وفتح الراء، جمع خِرْبة؛ كنقمة ونقم.
(تبتلى)؛ أي: تُمتَحَن، والمراد امتحان المَلَكين للميت بقولهما: من ربك؟
من نبيك؟
من فوائد الحديث :
وفي هذه الأحاديث فوائد كثيرة أذكر بعضها أو أهمها :
١ - إثبات عذاب القبر، والأحاديث في ذلك متواترة؛ فلا مجال للشك فيه بزعم
أنها آحاد! ولو سلمنا أنها آحاد؛ فيجب الأخذ بها؛ لأن القرآن يشهد لها؛ قال تعالى : .
﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَليها غُدُوّاً وعَشِيّاً ويَوْمَ تَقومُ السَّاعَةُ
أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذابِ﴾(١).
(١) غافر: ٤٥ - ٤٦.
٢٩٥

ولو سلمنا أنه لا يوجد في القرآن ما يشهد لها؛ فهي وحدها كافية لإِثبات هذه
العقيدة، والزعم بأن العقيدة لا تثبت بما صحَّ من أحاديث الآحاد زعمٌ باطل دخيل في
الإِسلام، لم يقل به أحد من الأئمة الأعلام - كالأربعة وغيرهم -، بل هو مما جاء به
بعض علماء الكلام بدون برهان من الله ولا سلطان، وقد كتبنا فصلاً خاصّاً في هذا
الموضوع الخطير في كتاب لنا، أرجو أن أوفق لتبييضه ونشره على الناس.
٢ - أن النبي ◌َّل يسمع ما لا يسمع الناس، وهذا من خصوصيَّاته عليه الصلاة
والسلام؛ كما أنه كان يرى جبريل ويكلمه والناس لا يرونه ولا يسمعون كلامه؛ فقد
ثبت في البخاري وغيره أنه روب ير قال يوماً لعائشة رضي الله عنها: ((هذا جبريل يقرئك
السلام))، فقالت: وعليه السلام يا رسول الله! ترى ما لا نرى.
ولكن خصوصياته عليه السلام إنما تثبت بالنصِّ الصحيح، فلا تثبت بالنص
الضعيف ولا بالقياس والأهواء، والناس في هذه المسألة على طرفي نقيض، فمنهم
من ينكر كثيراً من خصوصياته الثابتة بالأسانيد الصحيحة؛ إما لأنها غير متواترة بزعمه،
وإما لأنها غير معقولة لديه! ومنهم من يثبت له عليه السلام ما لم يثبت؛ مثل قولهم:
إنه أول المخلوقات، وإنه كان لا ظل له في الأرض، وإنه إذا سار في الرمل؛ لا تؤثر
قدمه فيه، بينما إذا داس على الصخر؛ علم عليه، وغير ذلك من الأباطيل .
والقول الوسط في ذلك أن يُقال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشر بنصِّ
القرآن والسنة وإجماع الأمة، فلا يجوز أن يُعطى له من الصفات والخصوصيات إلا ما
صحَّ به النص في الكتاب والسنة، فإذا ثبت ذلك؛ وجب التسليم له، ولم يجز ردُّه
بفلسفة خاصة علمية أو عقلية - زعموا -.
ومن المؤسف أنه قد انتشر في العصر الحاضر انتشاراً مخيفاً رد الأحاديث
الصحيحة لأدنى شبهة ترد من بعض الناس؛ حتى ليكاد يقوم في النفس أنهم يعاملون
أحاديثه عليه السلام معاملة أحاديث غيره من البشر الذين ليسوا معصومين؛ فهم
٢٩٦

يأخذون منها ما شاؤوا، ويدعون ما شاؤوا، ومن أولئك طائفة ينتمون إلى العلم،
وبعضهم يتولى مناصب شرعية كبيرة! فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأله تعالى أن
يحفظنا من شر الفريقين المبطلين والغالين.
٣ - إن سؤال الملكين في القبر حقٌّ ثابت، فيجب اعتقاده أيضاً، والأحاديث
فيه أيضاً متواترة.
٤ - إن فتنة الدجال فتنة عظيمة، ولذلك أمر بالاستعاذة من شرها في هذا
الحديث وفي أحاديث أخرى، حتى أمر بذلك في الصلاة قبل السلام؛ كما ثبت في
البخاري وغيره، وأحاديث الدجال كثيرة جدّاً، بل هي متواترة عند أهل العلم بالسنة .
ولذلك جاء في كتب العقائد وجوب الإِيمان بخروجه في آخر الزمان؛ كما جاء
فيها وجوب الإِيمان بعذاب القبر وسؤال الملكين.
٥ - إن أهل الجاهلية الذين ماتوا قبل بعثته عليه الصلاة والسلام معذَّبون
بشركهم وكفرهم، وذلك يدل على أنهم ليسوا من أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة
نبي؛ خلافاً لما يظنه بعض المتأخرين، إذ لو كانوا كذلك؛ لم يستحقوا العذاب؛
لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسولاً﴾(١).
وقد قال النووي في شرح حديث مسلم: ((إن رجلاً قال: يا رسول الله! أين
أبي؟ قال: في النار ... )) الحديث؛ قال النووي (١ / ١١٤ - طبع الهند):
((فيه أن من مات على الكفر؛ فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه أن
من مات على الفترة - على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان -؛ فهو من أهل
النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة؛ فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم
وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم)).
(١) الإسراء: ١٥.
٢٩٧

النّهيُ عنِ النَّقِيلِ عِنْدَ اللَّاءِ
١٦٠ - (لا؛ ولكِنْ تَصافَحوا؛ يعني: لا يَنْحَني لِصديقِهِ ... ولا
يُقَبِّلُهُ حِينَ يَلْقَاهُ).
رواه الترمذي (١٢١/٢)، وابن ماجه (٣٧٠٢)، والبيهقي (١٠٠/٧)، وأحمد
(١٩٨/٣) من طرق عن حنظلة بن عبدالله السدوسي قال: ثنا أنس بن مالك قال:
((قال رجل: يا رسول الله! أحدنا يلقى صديقه؛ أينحني له؟ قال: فقال رسول
الله وَله: لا. قال: فيلتزمه ويقبله؟ قال: لا. قال: فيصافحه؟ قال: نعم؛ إن شاء)).
والسياق لأحمد، وكذا الترمذي؛ لكن ليس عنده: ((إن شاء))، ولفظ ابن ماجه
نحوه وفيه: ((لا؛ ولكن تصافحوا)).
والحديث رواه أيضاً محمد بن يوسف الفريابي في ((ما أسند الثوري)) (١ / ٤٦
/ ٢)، وأبو بكر الشافعي في ((الفوائد)) (٩٧ / ١)، وفي ((الرباعيات)) (١ / ٩٣ /
٢)، والباغندي في ((حديث شيبان وغيره)) (١٩١ / ١)، وأبو محمد المخلدي في
((الفوائد)) (٢٣٦ / ٢)، وابن عدي في ((الكامل)) (٢ / ٨٢٨)، والضياء المقدسي في
((المصافحة)) (٣٢ / ٢)، وفي ((المنتقى من مسموعاته بمرو)) (٢٨ / ٢)؛ كلهم عن
حنظلة به. وقال الترمذي :
(حديث حسن)) .
قلت: وهو كما قال أو أعلى؛ فإن رجاله كلهم ثقات؛ غير حنظلة هذا؛ فإنهم
ضعفوه، ولكنهم لم يتهموه، بل ذكر يحيى القطان وغيره أنه اختلط؛ فمثله يستشهد
به، ويقوى حديثه عند المتابعة، وقد وجدت له متابعين، بل ثلاثة:
الأول: شعيب بن الحبحاب .
أخرجه الضياء في ((المنتقى)) (٨٧ / ٢) من طريق أبي بلال الأشعري: ثنا قيس
١
٢٩٨

ابن الربيع عن هشام بن حسان عن شعيب به؛ إلا أنه ذكر السجود بدل الالتزام .
وهذا إسناد حسن في المتابعات؛ فإن قيس بن الربيع صدوق؛ ولكنه كان تغیر
لما كبر، وأبو بلال الأشعري - اسمه مرداس - ضعفه الدارقطني، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، ومن فوقهما ثقات من رجال الشيخين.
وهذه المتابعة أخرجها أيضاً أبو الحسن المزكي؛ كما أفاده ابن المحب في
تعليقه على ((كتاب المصافحة))، ومن خطه نقلت.
الثاني: كثير بن عبدالله قال: سمعت أنس بن مالك به دون ذكر الانحناء
والالتزام .
أخرجه ابن شاهين في ((رباعياته)) (١٧٢ / ٢)، وابن عدي في ((الكامل)) (٦ /
٦٥) من طريقين عن كثير بن عبدالله.
وكثير هذا ضعيف كما قال الدارقطني، وقال الذهبي :
((وما أرى رواياته بالمنكرة جدّاً، وقد روى له ابن عدي عشرة أحاديث، ثم قال:
وفي بعض رواياته ما ليس بمحفوظ)) .
قلت: فمثله يستشهد به أيضاً إن شاء الله تعالى، وقد سقطت ترجمته من
((التقريب))، وهي في أصله ((التهذيب)) عقب ترجمة (كثير بن سليم الضبي).
الثالث: المهلب بن أبي صفرة عن أنس مرفوعاً بلفظ :
((لا ينحني الرجل للرجل، ولا يقبِّل الرجل الرجل. قالوا: يصافح الرجل
الرجل؟ قال: نعم)).
رواه الضياء في ((المنتقى)) (٢٣ / ١) من طريق عبد العزيز بن أبان: ثنا إبراهيم
ابن طهمان عن المهلب به .
قلت: المهلب من ثقات الأمراء كما في ((التقريب))، لكن السند إليه واه؛ فإن
عبد العزيز بن أبان هذا متروك، وكذبه ابن معين وغيره كما قال الحافظ ؛ فلا يستشهد
٢٩٩

بهذه المتابعة، ولكن ما قبلها من المتابعات يكفي في تقوية الحديث.
وكأنه لذلك أقر الحافظ في ((التلخيص)) (٣٦٧) تحسين الترمذي إياه، واحتج
به شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من كتبه على أنه لا يجوز الانحناء للمشايخ
والملوك؛ فانظر: ((مجموع الفتاوى)) (١ / ٣٧٢ و٣٧٧).
ومنه تعلم أن قول البيهقي: ((تفرد به حنظلة))؛ فليس بصواب. والله أعلم.
نعم؛ لقد تبين من إعادة النظر في الشواهد التي سقناها له تقویةً لحديثه أنه ليس
فيها قوله: ((ولا يلتزمه))، ولذلك بدا لي حذفه من متن الحديث في هذه الطبعة،
وأشرت إلى ذلك بالنقط ( ... ).
إذا عرفت ذلك؛ ففيه ردٌّ على بعض المعاصرين من المشتغلين بالحديث من
ذوي الأهواء والطرق، وهو الشيخ عبدالله بن محمد الصديق الغماري؛ فقد ألف
جزءاً صغيراً أسماه ((إعلام النبيل بجواز التقبيل))؛ حشد فيه كل ما وقف عليه من
أحاديث التقبيل - ما صح منها وما لم يصح -، ثم أورد هذا الحديث وضعفه بحنظلة،
ولعله لم يقف على هذه المتابعات التي تشهد له، ثم تأوله بحمله على ما إذا كان
الباعث على التقبيل مصلحة دنيوية؛ کغنى أو جاه أو رياسة مثلاً! وهذا تأويل باطل؛
لأن الصحابة الذين سألوا النبي وَلّ عن التقبيل؛ لا يعنون به قطعاً التقبيل المزعوم،
بل تقبيل تحية، كما سألوه عن الانحناء والمصافحة، فكل ذلك إنما عنوا به التحية،
فلم يسمح لهم من ذلك بشيء إلا المصافحة، ؛ فهل هي المصافحة لمصلحة
دنيوية؟! اللهم! لا .
فالحق أن الحديث نصٌّ صريح على عدم مشروعية التقبيل عند اللقاء، ولا
يدخل في ذلك تقبيل الأولاد والزوجات؛ كما هو ظاهر، وأما الأحاديث التي فيها أن
النبي ◌َ قبَّل بعض الصحابة في وقائع مختلفة؛ مثل تقبيله واعتناقه لزيد بن حارثة
عند قدومه المدينة، واعتناقه لأبي الهيثم بن التيهان، وغيرهما؛ فالجواب عنها من
وجوه :
٣٠٠
٠