Indexed OCR Text

Pages 221-240

تَكَيُ سُنّةِ صَلاةِ الوَتْر
١٠٨ - (إِنَّ اللهَ زادَكُمْ صَلاةً، وهي الوَتْرُ؛ فَصَلُّوها بينَ صلاةٍ
العشاءِ إِلى صلاةِ الفجرِ).
رواه الإمام أحمد (٦ / ٧)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (١ / ١٠٠ /١)
من طريقين عن ابن المبارك: أنا سعيد بن يزيد: حدثني ابن هبيرة عن أبي تميم
الجيشاني أن عمرو بن العاص خطب الناس يوم الجمعة، فقال: إن أبا بصرة حدثني
أن النبي ◌َ ﴾ قال: (فذكره). قال أبو تميم: فأخذ بيدي أبوذر، فسار إلى المسجد إلى
أبي بصرة فقال له: أنت سمعت رسول الله وسلّ يقول ما قال عمرو؟ قال أبو بصرة: أنا
سمعته من رسول الله ێے .
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم .
وسعيد بن يزيد هو أبو شجاع الإِسكندراني .
وقد تابعه عبدالله بن لهيعة: أنا عبدالله بن هبيرة به .
أخرجه أحمد (٦ / ٣٧٩)، والطحاوي في ((شرح المعاني)) (١ / ٢٥٠)،
والحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) (١/٣١ - زوائده)، والطبراني في ((الكبير)) (١ /
١٠٤ / ٢)، والدولابي في ((الكنى)) (١٣/١) من طرق ثلاث عن ابن لهيعة به.
وإسناده عند الطحاوي صحيح؛ كما بينته في ((إرواء الغليل)) (رقم ٤١٦).
٤٢٣
وله طرق أخرى عن النبي ◌َ﴿ خرجت بعضها هناك، وهذه الطريق هي العمدة،
ولذلك اقتصرت عليها هنا، وذكر الشيخ الكتاني وصاحبه الأستاذ الزحيلي - في تخريج
((تحفة الفقهاء)) (١ / ١ / ٣٥٥) - جملة كبيرة منها عن عشرة من الصحابة؛ منها
طريق واحدة عن عمرو بن العاص، ولكنها واهية، وفاتهما هذه الطريق الصحيحة!
٢٢١

فقه الحديث :
يدل ظاهر الأمر في قوله وَله: ((فصلوها)) على وجوب صلاة الوتر، وبذلك قال
الحنفية؛ خلافاً للجماهير، ولولا أنه ثبت بالأدلة القاطعة(١) حصر الصلوات
المفروضات في كل يوم وليلة بخمس صلوات؛ لكان قول الحنفية أقرب إلى
الصواب، ولذلك فلا بد من القول بأن الأمر هنا ليس للوجوب، بل لتأكيد
الاستحباب، وكم من أوامر كريمة صُرفت من الوجوب بأدنى من تلك الأدلة القاطعة،
وقد انفك الأحناف عنها بقولهم: إنهم لا يقولون بأن الوتر واجب كوجوب الصلوات
الخمس، بل هو واسطة بينها وبين السنن، أضعف من هذه ثبوتاً، وأقوى من تلك
تأكيداً!
فليعلم أن قول الحنفية هذا قائم على اصطلاح لهم خاص حادث، لا تعرفه
الصحابة ولا السلف الصالح، وهو تفريقهم بين الفرض والواجب ثبوتاً وجزاء؛ كما هو
مفصّل في كتبهم .
وإن قولهم بهذا معناه التسليم بأن تارك الوتر معذب يوم القيامة عذاباً دون عذاب
تارك الفرض؛ كما هو مذهبهم في اجتهادهم، وحينئذ يقال لهم: وكيف يصح ذلك
مع قوله بَّلة لمن عزم على أن لا يصلي غير الصلوات الخمس: ((أفلح الرجل))؟!
وكيف يلتقي الفلاح مع العذاب؟! فلا شكَّ أن قوله وَلِّ هذا وحده كاف لبيان أن صلاة
الوتر ليست بواجبة، ولهذا اتفق جماهير العلماء على سنيّته وعدم وجوبه، وهو الحق.
نقول هذا مع التذكير والنصح بالاهتمام بالوتر، وعدم التهاون عنه؛ لهذا
الحدیث وغيره. والله أعلم.
(١) كقول الله تعالى في حديث المعراج: ((هن خمس في العمل خمسون في الأجر، لا
يبدَّل القول لديَّ)) متفق عليه، وكقوله سهر للأعرابي حين قال: لا أزيد عليهنَّ ولا أنقص: ((أفلح
الرجل إن صدق)) متفق عليه، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (٤١٤). وانظر ((الضعيفة)) (٤٩٩٢).
٢٢٢

(تنبيه): جاء في بعض رواية حديث: ((أفلح الرجل)) زيادة: ((وأبيه))، وهي
شاذة، ومثلها في حديث آخر، وقد بينت ذلك بياناً شافياً في ((الضعيفة)) في المجلد
العاشر (رقم ٤٩٩٢).
مِنْ عَظْمَةِ العَرْشِ وَالْكُرْسِيّ
١٠٩ - (مَا السَّماواتُ السَّبْعُ في الكُرْسِيِّ إِلَّ كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بأَرْضِ
فَلاةٍ، وفَضْلُ العرشِ على الكُرْسيِّ كَفَضْلِ تلكَ الفلاةِ على تِلكَ
الحَلْقةِ).
رواه محمد بن أبي شيبة في ((كتاب العرش)) (١١٤ / ١): حدثنا الحسن بن
أبي ليلى : نا أحمد بن علي الأسدي عن المختار بن غسان العبدي عن إسماعيل بن
سلم عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري قال:
((دخلت المسجد الحرام، فرأيت رسول الله وم له وحده، فجلست إليه، فقلتُ:
يا رسول الله! أيما آيةٍ نزلت عليك أفضل؟ قال: آية الكرسي؛ ما السماوات
السبع ... )) الحديث.
قلت: وهذا سند ضعيف، إسماعيل بن سلم لم أعرفه، وغالب الظن أنه
إسماعيل بن مسلم؛ فقد ذكروه في شيوخ المختار بن عبيد، وهو المكي البصري،
وهو ضعيف .
والمختار روى عنه ثلاثة، ولم يوثقه أحد، وفي ((التقريب)) أنه مقبول.
قلت: ولم ينفرد به إسماعيل بن مسلم، بل تابعه يحيى بن يحيى الغساني،
رواه حفيده إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني قال: ثنا أبي عن جدي عن
أبي إدريس الخولاني به .
أخرجه ابن حبان في «صحيحه)) في حديث أبي ذر الطويل (رقم ٩٤ - موارد)،
٢٢٣

وأبو الشيخ في ((العظمة)) (٢ / ٦٤٨ / ٥٩ - طبعة الرياض)، والبيهقي في ((الأسماء
والصفات)) (ص ٢٩٠).
قلت: وهذا سند واه جدّاً؛ إبراهيم هذا متروك؛ كما قال الذهبي، وقد كذبه أبو
حاتم .
وتابعه القاسم بن محمد الثقفي، ولكنه مجهول؛ كما في ((التقريب)).
أخرجه ابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير (٢ / ١٣ - طبع المنار) - من طريق
محمد بن أبي السري (الأصل: اليسري) العسقلاني: أخبرنا محمد بن عبدالله
التميمي عن القاسم به .
والعسقلاني والتميمي كلاهما ضعيف.
وللحديث طريقان آخران عن أبي ذر:
الأول: عن يحيى بن سعيد السعدي البصري قال: ثنا عبدالملك بن جريج
عن عطاء عن عبيد بن عمير الليثي عنه به .
أخرجه أبو الشيخ أيضاً (٢ / ٥٦٩ / ٢٠٦) والبيهقي، وقال:
«تفرد به یحیی بن سعید السعدي، وله شاهد بإسناد أصح)).
قلت: ثم ساقه من طريق الغساني المتقدم، وما أراه بأصح من هذا، بل هو
أوهى؛ لأن إبراهيم متَّهم كما سبق، وأما هذا؛ فليس فيه من اتَّهم صراحة، ورجاله
ثقات غير السعدي هذا، قال العقيلي :
((لا يتابع على حديثه))؛ يعني: هذا.
وقال ابن حبان :
((يروي المقلوبات والملزقات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد)).
الثاني: عن ابن زيد قال: حدثني أبي قال: قال أبو ذر: (فذكره).
٢٢٤

أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (٥ / ٣٩٩): ((حدثني يونس قال: أخبرنا ابن
وهب قال: قال ابن زيد به)).
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات؛ لكني أظن أنه منقطع؛ فإن ابن زيد هو
عمر بن محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة من رجال الشيخين،
يروي عنه ابن وهب وغيره، وأبوه محمد بن زيد ثقة مثله، روى عن العبادلة الأربعة :
جده عبدالله، وابن عمرو، وابن عباس، وابن الزبير، وسعيد بن زيد بن عمرو؛ فإن
هؤلاء ماتوا بعد الخمسين، وأما أبو ذر؛ ففي سنة اثنتين وثلاثين؛ فما أظنه سمع منه.
ثم تبين لي أن ابن زيد ليس هو عمر بن محمد؛ فقد رواه أبو الشيخ في
(العظمة)) (٢ / ٥٨٧ / ٢٢٠) من طريق أصبغ بن الفرج قال: سمعت عبدالرحمن
ابن زيد بن أسلم عن أبيه ... فقال أبو ذر: (فذكره مرفوعاً نحوه).
وهو منقطع، مع ضعف عبدالرحمن، لكن قال الحافظ في ((الفتح)) (١٣ /
٤١١) عقب حديث أبي ذر :
((صححه ابن حبان، وله شاهد عن مجاهد، أخرجه سعيد بن منصور في
(التفسیر)) بسند صحيح)).
قلت: يعني مقطوعاً موقوفاً على مجاهد من قوله؛ فقد رواه كذلك البيهقي في
((الأسماء والصفات)) (ص ٤٠٥) من طريق سعيد بن منصور من طريق الأعمش عن
مجاهد، ورواه أبو الشيخ (رقم ٢١٨) من طريق أخرى عن ليث عن مجاهد، وليث
- وهو ابن أبي سليم - ضعيف، والأعمش موصوف بالتدليس، فإن كان سمعه من
مجاهد؛ فالسند صحيح كما قال الحافظ.
ثم وجدت له طريقاً أخرى أخرجها أبو الشيخ في ((العظمة)) (٢ / ٦٣٥ - ٦٣٧)
عن إسماعيل بن عياش عن أشعث بن عبدالله التميمي عن عبدالعزيز بن عمر أو
عمران - الشك من ابن العياش - أن أبا ذر قال: (فذكره مرفوعاً)، وهو منقطع أيضاً.
٢٢٥

وجملة القول: إن الحديث بهذه الطرق صحيح، وخيرها الطريق الأخير عن
مجاهد، والله أعلم .
والحديث خرج مخرج التفسير لقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ
والأرْضَ﴾(١)، وهو صريح في كون الكرسي أعظم المخلوقات بعد العرش، وأنه جرم
قائم بنفسه وليس شيئاً معنوياً؛ ففيه ردٌّ على من يتأوله بمعنى الملك وسعة السلطان؛
كما جاء في بعض التفاسير، وما روي عن ابن عباس أنه العلم؛ فلا يصح إسناده إليه؛
لأنه من رواية جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه. رواه ابن جرير.
قال ابن منده :
((ابن أبي المغيرة ليس بالقوي في ابن جبير))(٢).
واعلم أنه لا يصح في صفة الكرسي غير هذا الحديث؛ كما في بعض الروايات
أنه موضع القدمين، وأن له أطيطاً كأطيط الرحل الجديد، وأنه يحمله أربعة أملاك،
لكل ملك أربعة وجوه، وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة ... إلخ،
فهذا كله لا يصح مرفوعاً عن النبي ◌ّظاهر، وبعضه أشد ضعفاً من بعض، وقد خرَّجت
بعضها فيما علقناه على كتاب ((ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة
البرهان» ملحقاً بآخره طبع المكتب الإِسلامي.
(تنبيه): نقلت آنفاً عن الحافظ تصحيحه لأثر مجاهد مميزاً له عن حديث أبي
ذر المرفوع، فجاء ذلك السقاف الخلاط الأفاك، فنقل كلام الحافظ محرفاً كاذباً
عليه، فقال في تعليقه الأسود على ((دفع شبه التشبيه)) (ص ١٨٨) عقب حديث أبي
ذر هذا:
((رواه ابن حبان وسعيد بن منصور بإسناد صحيح كما قال الحافظ في ((الفتح))
(١) البقرة: ٢٥٥.
(٢) وانظر ((الضعيفة)) (٢ / ٣٠٧).
٢٢٦.

(١٣ / ٤١١)) !!
وهذا إفك مبين، وكذب ظاهر على الحافظ، إذا تذكرت كلامه المتقدم .
فهل آن لبعض الشباب المغرورين بشقاشق ذلك السقاف أن ينتبهوا من غفلتهم
ويتبيّنوا حقيقة أمره؟!
مَا فِي الدُّنْيَ مِنْ أَنْهَارِ الجَّ
١١٠ - (سَيْحَانُ وجَيْحانُ والفُراتُ والنِّيلُ كُلِّ مِن أَنْهارِ الجَنَّةِ).
رواه مسلم (٨ / ١٤٩)، وأحمد (٢ / ٢٨٩ و٤٤٠)، وأبو بكر الأبهري في
((الفوائد المنتقاة)) (١٤٣ / ١)، والخطيب (١ / ٥٤ - ٥٥) من طريق حفص بن
عاصم عن أبي هريرة مرفوعاً.
وله طريق أخرى بلفظ :
١١١ - (فُجِّرَتْ أَربعةُ أَنهارٍ مِن الجَنَّةِ: الفُراتُ والنِّيلُ والسَّيحانُ
وجَیْحانٌ).
رواه أحمد (٢ / ٢٦١)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٤ / ١٤١٦ - مصورة المكتب
الإِسلامي)، والخطيب في ((تاريخه)) (١ / ٤٤ ,٨ / ١٨٥) عن محمد بن عمرو عن
أبي سلمة عنه مرفوعاً.
وهذا إسناد حسن.
وله طريق ثالث: أخرجه الخطيب (١ / ٥٤) من طريق إدريس الأودي عن أبيه
مرفوعاً مختصراً بلفظ:
((نهران من الجنة: النيل والفرات)).
٢٢٧

وإدريس هذا مجهول؛ كما في ((التقريب)).
وله شاهد من حديث أنس بن مالك مرفوعاً بلفظ :
١١٢ - (رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ المُنْتَهى في السَّماءِ السَّابعةِ؛ نَبِقُها (١)
مِثْلُ قِلالِ هَجَرٍ، وَوَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَةِ، يخرُجُ مِن ساقِها نَهْرانِ
ظَاهِرانِ، ونهرانِ باطِنانِ، فقلتُ: يا جبريلُ! ما هذان؟ قالَ: أَمَّا
الباطِنانِ؛ ففي الجنةِ، وأَمَّ الظَّاهرانِ فالنِّيلُ والفُراتُ).
رواه أحمد (٣ / ١٦٤): ثنا عبد الرزاق: ثنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك
مرفوعاً .
قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه البخاري (٣٣٤)
معلقاً، فقال: وقال إبراهيم بن طهمان عن شعبة عن قتادة به .
وقد وصله هو (٣ / ٣٠ - ٣٣)، ومسلم (١ / ١٠٣ - ١٠٥)، وأبو عوانة (١ /
١٢٠ - ١٢٤)، والنسائي (١ / ٧٦ - ٧٧)، وأحمد أيضاً (٤ / ٢٠٧ - ٢٠٨ و٢٠٨ -
٢١٠) من طرق عن قتادة عن أنس بن مالك بن صعصعة مرفوعاً بحديث الإِسراء
بطوله، وفيه هذا، فجعلوه من مسند مالك بن صعصعة، وهو الصواب.
ثم وجدت الحاكم أخرجه (١ / ٨١) من طريق أحمد، وقال:
((صحيح على شرط الشيخين)).
ووافقه الذهبي .
ثم رواه من طريق حفص بن عبدالله: حدثني إبراهيم بن طهمان به.
(١) بفتح النون وكسر الباء وقد تسكن: ثمر السدر، وأشبه شيء به العناب قبل أن تشتدَّ
حمرته. ((النهاية)).
٢٢٨

هذا؛ ولعل المراد من كون هذه الأنهار من الجنة أن أصلها منها؛ كما أن أصل
الإِنسان من الجنة، ويدلُّ على ذلك لفظ الحديث المتقدم (١١١): ((فُجِّرَت ... ))؛
فلا ينافي الحديث ما هو معلوم مشاهد من أن هذه الأنهار تنبع من منابعها المعروفة
في الأرض، فإن لم يكن هذا هو المعنى أو ما يشبهه؛ فالحديث من أمور الغيب التي
يجب الإِيمان بها، والتسليم للمخبر عنها، ﴿فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّموكَ فِيما
شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾(١).
فضيلة التََّيلِ عِشْراً عَقِبِ الصَُّحِ وَالمُغْرِبِ
١١٣ - (مَن قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ، لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ،
ولهُ الحمدُ، وهُو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ؛ بعدَما يُصَلِّ الغَدَاةَ عَشْرَ
مَرَّاتٍ؛ كَتَبَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ لهُ عشرَ حَسناتٍ، ومَحَا عنهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ،
وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرجاتٍ، وَكُنَّ لهُ بعِدْلِ عِثْقِ رَقَبَتَيْنِ مِن وَلَدِ إِسماعيلَ،
فإِنْ قالَها حينَ يُمْسي؛ كَانَ لهُ مِثْلُ ذلكَ، وكُنَّ لهُ حِجاباً مِن الشَّيطانِ
حتى يُصبحَ).
رواه الحسن بن عرفة في ((جزئه)) (٥ / ١): ثنا قران بن تمام الأسدي عن سهيل
ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً .
ومن طريق ابن عرفة رواه الخطيب في ((تاريخه)) (١٢ / ٣٨٩ ٤٧٢).
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير قران هذا، وهو ثقة.
وله شاهد من حديث أبي أيوب الأنصاري؛ بلفظ:
((من قال: إذا صلى الصبح ... )) (فذكره بتمامه).
(١) النساء: ٦٥.
٢٢٩

إلا أنه قال :
((أربع رقاب))، وقال:
((وإذا قالها بعد المغرب مثل ذلك)).
رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٣ / ٢٣٦ / ٢٠٢٠ - الإحسان) من طريق
إبراهيم بن سعد، وأحمد (٥ / ٤١٥) من طريق سلمة بن الفضل؛ كلاهما عن محمد
ابن إسحاق: حدثني يزيد بن يزيد بن جابر عن القاسم بن مخيمرة عن عبدالله بن
یعیش عنه .
ثم أخرجه ابن حبان (٢٠٢١)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٤ / ٢٢٢ /
٤٠٩٢) من طريق إبراهيم بن سعد أيضاً عن ابن إسحاق: حدثني يزيد بن يزيد بن
جابر عن مكحول عن عبدالله بن يعيش بلفظ :
((مَن قال دبر صلاته ... ))؛ لم يذكر الصباح والمساء.
قلت: ورجاله ثقات؛ غير ابن يعيش هذا؛ فلا يعرف إلا في هذا الحديث،
ولم يذكره البخاري في كتابه، وكذا ابن أبي حاتم، وإنما ذكره ابن حبان في ((ثقاته))
(٥ / ٦٢) بهاتين الروايتين: القاسم بن مخيمرة ومكحول عنه، ولم يذكره الحافظ في
((التعجيل)) إلا برواية القاسم فقط، فلا أدري أذهل عن رواية مكحول عنه أو أنه
اعتبرها غير محفوظة لأنه تفرد بها الفضل بن الحباب، فقد تكلّم فيه بعضهم، وذكر له
الحافظ في ((اللسان)) حديثاً أنكره عليه؟ والله أعلم.
وقال الحافظ عن الحسيني في ترجمة ابن يعيش هذا:
«مجهول)) .
:
وقال في ((الفتح)) (١١ / ٢٠٤ - ٢٠٥) عقب رواية أحمد:
:
((وسنده حسن)).
فلعله يعني بطرقه .
٢٣٠

لكن الحديث عزاه المنذري في ((الترغيب)) (١ / ١٦٧) لأحمد والنسائي وابن
حبان في ((صحيحه))؛ فهذا يقتضي أنه عند النسائي من غير طريق ابن يعيش؛ لأنه
ليس من رجال النسائي .
ثم تأكدت من ذلك بعد أن طبع كتابه ((عمل اليوم والليلة))، وقد أورده فيه
(١١٢) من طريق ابن أبي ليلى عن أبي أيوب.
ومنه يتبين أن عزو المنذري الحديث إليه فيه تسامح كبير؛ لأنه ليس عنده:
((وإذا قالها بعد المغرب مثل ذلك))، وفي إسناده محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى،
وهو ضعيف، ومن طريقه رواه الترمذي (٣٥٤٨)، لكن ليس فيه ذكر صلاة الغداة؛
خلافاً لقول المعلق على النسائي، وهو في ((الصحيحين)) دون ذكرها أيضاً، وهو رواية
للنسائي، لكنه موقوف.
وقد تابعه أبورهم السمعي عن أبي أيوب بلفظ:
١١٤ - (مَنْ قالَ حِينَ يُصْبِحُ: لا إِلهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ، لا شريكَ لهُ،
لهُ الملكُ، وله الحمدُ، يُحيي ويُميتُ، وهُو على كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ؛ عشرَ
مرَّاتٍ؛ كَتَبَ اللهُ لهُ بِكُلٍ واحدةٍ قَالَها عَشْرَ حسناتٍ، وحَطَّ اللهُ عنهُ
عَشْرَ سَيِّئَاتٍ، وَرَفَعَهُ اللهُ بِهَا عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَكُنَّ لَهُ كَعَشْرٍ رِقابٍ، وُنَّ
لَهُ مَسْلَحَةً مِن أَوَّلِ النَّهارِ إِلى آخرِهِ، ولم يَعْمَلْ يومئذٍ عملًا يَقْهَرُهُنَّ،
فإِنْ قالَ حينَ يُمْسي؛ فمِثْلُ ذلكَ).
أخرجه أحمد (٥ / ٤٢٠): ثنا أبو اليمان: حدثنا إسماعيل بن عياش عن
صفوان بن عمرو عن خالد بن معدان عن أبي رهم به .
وأخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٤ / ١٥١ / ٣٨٨٣)، و((الدعاء)) (٢
/ ٩٥٠ / ٣٣٧).
٢٣١

قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات، وابن عياش إنما ضُعِّف في
روايته عن غير الشاميين، وأما في روايته عنهم؛ فهو صحيح الحديث؛ كما قال
البخاري وغيره، وهذه منها؛ فإن صفوانَ من ثقاتهم.
وفي هذه الرواية فائدة عزيزة، وهي زيادة: ((يحيي ويميت))؛ فإنها قلما تثبت
في حديث آخر، وقد رويت من حديث أبي ذر وعمارة بن شبيب، وحسنهما الترمذي،
وإسنادهما ضعيف؛ كما بينته في ((التعليق الرغيب على الترغيب والترهيب))، وفي
حديث الأول منهما: ((من قال في دبر صلاة الفجر، وهو ثان رجليه، قبل أن يتكلم:
لا إله إلا الله .. ))؛ فهذا القيد: ((وهو ثان ... ))؛ لا يصح في الحديث؛ لأنه تفرد به
شهر بن حوشب، وقد اضطرب في إسناد الحديث وفي متنه اضطراباً كثيراً؛ كما
أوضحته في المصدر المذكور.
ثم ثبت عندي القيد المذكور بمجيئه من حديث أبي أمامة وعبدالرحمن بن
غنم، ولذلك أوردتهما في ((صحيح الترغيب)) (٤٧٤ و٤٧٥).
تَخْيُرُ الأعْمالِ
١١٥ - (سَدِّدوا وقاربُوا، واعْمَلوا وخَيِّروا، واعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ
أَعمالِكُم الصلاةُ، ولا يحافِظُ على الوضوءِ إِلَّ مؤمنٌ).
رواه الإمام أحمد (٥ / ٢٨٢): ثنا الوليد بن مسلم: ثنا ابن ثوبان: حدثني
حسان بن عطية أن أبا كبشة السلولي حدثه أنه سمع ثوبان يقول: قال رسول الله والتر:
(وذكره).
وكذا رواه الدارمي (١ / ١٦٨)، وابن حبان (١٦٤)، والطبراني في ((المعجم
الكبير)) (١ / ٧٢ / ٢) عن الوليد به.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ غير ابن ثوبان،
٢٣٢

واسمه عبدالرحمن بن ثابت، وهو مختلف فيه، والمتقرر أنه حسن الحديث إذا لم
يخالف .
وللحديث طرق أخرى وشواهد خرجتها في ((إرواء الغليل)) (٤٠٥).
جَوَابُ (مَنْ خَلَقَ اللهَ؟!)
١١٦ - (إِنَّ أَحدَكُمْ يَأْتِيهِ الشَّيطانُ فيقولُ: مَنْ خَلَقَكَ؟ فيقولُ:
اللهُ. فيقولُ: فَمَنْ خَلَقَ اللهَ؟! فإِذا وَجَدَ ذلك أَحدُكُم؛ فلْيَقْرَأْ: آمَنْتُ
باللهِ وَرُسُلِهِ (١)؛ فإِنَّ ذلك يَذْهَبُ عنهُ).
رواه أحمد (٦ / ٢٥٨): ثنا محمد بن إسماعيل قال: ثنا الضحاك عن هشام
ابن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله وَّ قال: (فذكره).
قلت: وهذا سند حسن، وهو على شرط مسلم، رجاله كلهم من رجاله الذين
احتج بهم في ((صحيحه))، لكن الضحاك - وهو ابن عثمان الأسدي الحزاميّ - قد
تكلم فيه بعض الأئمة من قِبل حفظه، لكن ذلك لا ينزل حديثه من رتبة الحسن إن
شاء الله تعالى .
وقد تابعه سفيان الثوري وليث بن سالم عند ابن السني (٢٠١)، ومروان بن
معاوية عند ابن حبان (رقم ٤١ - موارد)؛ فالحديث صحيح .
قال المنذري في ((الترغيب)) (٢ / ٢٦٦):
((رواه أحمد بإسناد جيد، وأبو يعلى، والبزار، ورواه الطبراني في ((الكبير))
و ((الأوسط)) من حديث عبدالله بن عمرو، ورواه أحمد أيضاً من حديث خزيمة بن
(١) كذا في ((المسند))، وفي ((الترغيب)) و((المجمع)) برواية ((المسند)): ((رسوله))، وفي
حديث ابن عمرو الآتي: ((ورسله)) على ما في ((المجمع))، وكذلك وقع عنده في حديث خزيمة؛
مع أنه في ((المسند)) بالإِفراد وزيادة: ((صلى الله عليه وسلم)). فالله أعلم بالصواب.
٢٣٣

ثابت رضي الله عنه)).
وهذه شواهد يرقى بها الحديث إلى درجة الصحيح جدّاً.
وحديث خزيمة عند أحمد (٥ / ٢١٤)، ورجاله ثقات؛ إلا أن فيهم ابن لهيعة،
وهو سيىء الحفظ .
وحديث ابن عمرو؛ قال الهيثمي (١ / ٣٤):
((ورجاله رجال الصحيح، خلا أحمد بن محمد بن نافع الطحان شيخ
الطبراني)).
كذا قال، ولم يذكر من حاله شيئاً، كأنه لم يقف له على ترجمة .
وقال في ((المجمع)) (٧ / ٢١٥) في حديث آخر:
((ولم أعرفه)).
وكذلك أنا، فلم أعرفه، وهو مصري؛ كما في ((معجم الطبراني الصغير)) (ص
١٠)، وروى له في ((المعجم الأوسط)) نحو خمسين حديثاً.
ثم إن الحديث رواه هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة أيضاً مرفوعاً مثله.
أخرجه مسلم (١ / ٨٤)، وأحمد (٢ / ٣٣١) من طرق عن هشام به؛ دون
قوله: «فإن ذلك یذهب عنه)).
وأخرجه أبو داود (٤١٢١) إلى قوله: ((آمنت بالله))، وهو رواية لمسلم.
١١٧ - (يَأْتِي شَيْطانُ أَحَدِكُمْ فيقولُ: مَنْ خَلَقَ كذا؟ مَنْ خَلَقَ
كذا؟ مَن خَلَقَ كذا؟ حتى يَقولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟! فإِذا بلَغَهُ؛ فلْيَسْتَعِذْ
٠٥٥
باللهِ ولینْتَهِ).
أخرجه البخاري (٢ / ٣٢١)، ومسلم، وابن السني .
وللحديث طريق أخرى عن أبي هريرة بلفظ:
٢٣٤
--

١١٨ - (يُوشِكُ الناسُ يَتساءَلُونَ بِينَهُم، حَتَّى يَقولُ قاتِلُهُم: هذا
اللهُ خَلَقَ الخَلْقَ؛ فَمَنْ خَلَقَ اللهَ عزَّ وجلَّ؟ فإذا قالوا ذلك؛ فقولوا:
﴿اللهُ أَحَدٌ. اللهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ. ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً
أَحَدٌ﴾(١)، ثم لْيَتْقُلْ أَحدُكُم عن يَسارِهِ ثَلاثً، ولْيُسْتَعِذْ مِن الشَّيطانِ).
أخرجه أبو داود (٤٧٣٢)، وابن السني (٦٢١) عن محمد بن إسحاق قال:
حدثني عتبة بن مسلم مولى بني تميم عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عنه قال: سمعت
رسول الله ◌َ يقول: (فذكره).
قلت: وهذا سند حسن، رجاله ثقات، وابن إسحاق قد صرح بالتحديث، فأمِنَّا
بذلك تدليسه.
ورواه عمر بن أبي سلمة عن أبيه به إلى قوله: ((فَمَنْ خَلَق الله عز وجل؟))؛
قال: فقال أبو هريرة: فوالله؛ إني لجالس يوماً، إذ قال لي رجل من أهل العراق: هذا
الله خالقنا فمن خلق الله عز وجل؟ قال أبو هريرة: فجعلت إصبعي في أذني، ثم
صحتُ فقلت: صدق الله ورسوله، الله الواحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن
له كفواً أحد.
أخرجه أحمد (٢ / ٣٨٧)، ورجاله ثقات؛ غير عمر هذا؛ فإنه ضعيف.
وله عنده (٢ / ٥٣٩) طريق أخرى عن جعفر: ثنا يزيد بن الأصم عن أبي هريرة
به مرفوعاً مثل الذي قبله. قال يزيد: فحدثني نجمة بن صبيغ السلمي أنه رأى ركباً أتوا
أبا هريرة، فسألوه عن ذلك؟ فقال: الله أكبر! ما حدثني خليلي بشيء إلا وقد رأيته وأنا
أنتظره. قال جعفر: بلغني أن النبي ◌َّ قال:
((إذا سألكم الناس عن هذا؛ فقولوا: الله قبل كل شيء، والله خلق كل شيء،
(١) الإِخلاص: ١ - ٤.
٢٣٥

والله کائن بعد كل شيء)).
وإسناد المرفوع صحيح، وأما بلاغ جعفر - وهو ابن برقان -؛ فمعضل، وما
بينهما موقوف .
لكن نجمة هذا لم أعرفه، وهكذا وقع في ((المسند)): ((نجمة))؛ بالميم، وفي
((الجرح والتعديل)) (٤ / ١ / ٥٠٩): ((نجبة))؛ بالباء الموحدة، وهو الصواب، وقيَّده
بالحروف الدارقطني في ((المؤتلف)) (١ / ٣٠٥)، وقال ابن أبي حاتم:
((روى عن أبي هريرة، روى عنه يزيد بن الأصم، سمعت أبي يقول ذلك)).
ولم يزد! ولم يورده الحافظ في ((التعجيل))، وهو على شرطه! ووثّقه ابن حبان
(٥ / ٤٨٦)، وهو من تساهله!
فقه الحديث :
دلت هذه الأحاديث الصحيحة على أنه يجب على مَن وسوس إليه الشيطان
بقوله: مَن خلق الله؟ أن ينصرف عن مجادلته إلى إجابته بما جاء في الأحاديث
المذكورة، وخلاصتها أن يقول :
آمنت بالله ورسله، الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً
أحد. ثم يتفل عن يساره ثلاثاً، ويستعيذ بالله من الشيطان، ثم ينتهي عن الانسياق
مع الوسوسة .
وأعتقد أن من فعل ذلك؛ طاعة لله ورسوله، مخلصاً في ذلك؛ أنه لا بد أن
تذهب الوسوسة عنه، ويندحر شيطانه؛ لقوله { ل#: ((فإن ذلك یذهب عنه)).
وهذا التعليم النبوي الكريم أنفع وأقطع للوسوسة من المجادلة العقلية في هذه
القضية؛ فإن المجادلة قلما تنفع في مثلها، ومن المؤسف أن أكثر الناس في غفلة عن
هذا التعليم النبوي الكريم! فتنَّهوا أيها المسلمون! وتعرَّفوا إلى سنة نبيكم، واعملوا
بها؛ فإن فيها شفاءكم وعزكم .
٢٣٦

مِنْ أداب الرؤيا
١١٩ - (لا تَقُصُّوا الرُّؤيا إِلَّ عَلى عالمٍ أَو ناصحٍ).
أخرجه الترمذي (٢ / ٤٥)، والدارمي (٢ / ١٢٦) عن يزيد بن زريع: حدثنا
سعيد بن قتادة عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي # أنه كان يقول: (فذكره).
وقال الترمذي :
(حديث حسن صحيح)).
قلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وتابعه هشام بن حسان عن ابن سیرین به .
أخرجه الطبراني في ((الصغير)) (ص ١٨٧)، وأبو الشيخ في ((الطبقات)) (٢٨١)
عن إسماعيل بن عمرو البجلي: ثنا مبارك بن فضالة عن هشام بن حسان .
قلت: وهذا سند لا بأس به في المتابعات؛ فإن هشاماً ثقة محتج به في
الصحيحين، ومَن دونه فيهما ضعف .
وقد جاء الحديث من طريق أخرى عن النبي وس# وفيه زيادة توضح سبب هذا
النهي وهو:
١٢٠ - (إِنَّ الرُّؤْيا تَقَعُ على مَا تُعَبِّرُ، ومَثَلُ ذلك مَثَلُ رَجُلٍ رَفَعَ
رِجْلَه فهو ينتظِرُ متى يضعُها، فإِذا رأَى أَحدُكُم رُؤيا؛ فلا يُحَدِّثْ بها
إِلا ناصِحاً أو عالماً).
أخرجه الحاكم (٤ / ٣٩١) من طريق عبدالرزاق: أنبأ معمر عن أيوب عن أبي
قلابة عن أنس قال: قال رسول الله وَ له: (فذكره)، وقال:
((صحيح الإِسناد)).
٢٣٧

ووافقه الذهبي، وحقهما أن يضيفا إلى ذلك: ((على شرط البخاري))؛ فإن
رجاله کلهم من رجال الشیخین؛ سوی الراوي له عن عبدالرزاق - وهو يحيى بن جعفر
البخاري -؛ فمن شيوخ البخاري وحده.
على أن في النفس وقفة في تصحيحه؛ لأن أبا قلابة قد وصف بالتدليس، وقد
عنعنه، فإن كان سمعه من أنس؛ فهو صحيح الإِسناد، وإلا فلا.
نعم؛ الحديث صحيح؛ فقد تقدَّم له آنفاً شاهد لشطره الأخير، وأما شطره
الأول؛ فله شاهد بلفظ :
((والرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت؛ وقعت (قال الراوي: وأحسبه
قال:) ولا يقصها إلا على وادٍّ أو ذي رأي)).
أخرجه البخاري في ((التاريخ)) (٤ / ٢ / ١٧٨)، وأبو داود (٥٠٢٠)،
والترمذي (٢ / ٤٥)، والدارمي (٢ / ١٢٦)، وابن ماجه (٣٩١٤)، والحاكم (٤ /
٣٩٠)، والطيالسي (١٠٨٨)، وأحمد (٤ / ١٠ - ١٣)، وابن أبي شيبة (١٢ / ١٨٩
/ ١)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١ / ٢٩٥)، وابن عساكر (١١ / ٢١٩ / ٢)
عن يعلى بن عطاء سمعت وكيع بن عُدُس يحدث عن عمه أبي رزين العقيلي قال:
قال رسول الله عَ ل: (فذكره).
وقال الترمذي :
(حديث حسن صحيح)).
وقال الحاكم :
((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي .
ونقل المناوي في ((الفيض)) عن صاحب ((الاقتراح)) أنه قال:
((إسناده على شرط مسلم))!
وكل ذلك وهم، لا سيما القول الأخير منها؛ فإن وكيع بن عدس لم يخرج له
٢٣٨

مسلم شيئاً، ثم هو لم يوثقه أحد غير ابن حبان، ولم يرو عنه غير يعلى بن عطاء،
ولذلك قال ابن القطان :
((مجهول الحال)).
وقال الذهبي :
((لا يعرف)).
ومع ذلك؛ فحديثه كشاهد لا بأس به، وقد حسَّن سنده الحافظ (١٢ / ٣٧٧).
وروى ابن أبي شيبة (١٢ / ١٩٣ / ١)، وابن ماجه (٣٩١٥)، والواحدي في
((الوسيط)) (٢ / ٩٦ / ٢) عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعاً بلفظ:
((الرؤيا لأول عابر)).
قلت: ويزيد ضعيف. وضعفه البوصيري في ((الزوائد)) (٢ / ٢٨٠).
(على رجل طائر)؛ أي أنها لا تستقر ما لم تعبر؛ كما قال الطحاوي والخطابي
وغيرهما.
والحديث صريح بأن الرؤيا تقع على مثل ما تعبر، ولذلك أرشدنا رسول الله
وَيّ إلى أن لا نقصها إلا على ناصح أو عالم؛ لأن المفروض فيهما أن يختارا أحسن
المعاني في تأويلها، فتقع على وفق ذلك، لكن مما لا ريب فيه أن ذلك مقيّد بما إذا
كان التعبير مما تحتمله الرؤيا، ولو على وجه، وليس خطأ محضاً، وإلا؛ فلا تأثير له
حينئذ. والله أعلم.
وقد أشار إلى هذا المعنى الإِمام البخاري في كتاب التعبير من ((صحيحه)) بقوله
(٤ / ٣٦٢) :
((باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب)).
ثم ساق حديث الرجل الذي رأى في المنام ظلة، وعبرها أبو بكر الصديق، ثم
٢٣٩

قال: فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت! أصبت أم أخطأت؟ قال النبي ◌َّ:
١٢١ - (أَصَبْتَ بَعضاً، وأُخْطَأْتَ بَعضاً).
وهو من حديث ابن عباس، ولفظه :
((أن رجلاً أتى رسول الله وَ له، فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف
بالسمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها، فالمستكثر والمستقل، وإذا سببٌ
واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوتَ، ثم أخذ به رجل آخر فعلا
به، ثم أخذه رجل آخر فعلا به، ثم أخذه رجل فانقطع، ثم وصل. فقال أبو بكر: يا
رسول الله! بأبي أنت، والله لتدعني فأعبرها. فقال النبي وَلّ له: أعبرها. قال: أما
الظلة؛ فالإِسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن؛ فالقرآن حلاوته تنطف،
فالمستكثر من القرآن والمستقل. وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض؛ فالحق
الذي أنت عليه تأخذ به فیعلیك الله، ثم يأخذ به رجل فیعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر
فیعلو به، ثم يأخذ به رجل فینقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله
بأبي أنت! أصبت أم أخطأت؟ قال النبي وَلّ: أصبت بعضاً، وأخطأت بعضاً. قال:
فوالله لتحدثني بالذي أخطأت. قال: لا تقسم)).
وأخرجه مسلم أيضاً (٧ / ٥٥ - ٥٦)، وأبو داود (٣٢٦٨ و ٤٦٣٢)، والترمذي
(٢ / ٤٧)، والدارمي (٢ / ١٢٨)، وابن ماجه (٣٩١٨)، وابن أبي شيبة في
((المصنف)) (١٢ / ١٩٠ / ٢)، وأحمد (١ / ٢٣٦)؛ كلهم عن ابن عباس؛ إلا أن
بعضهم جعله من روايته عن أبي هريرة، ورجّح الإِمام البخاري الأول، وهو أنه عن
ابن عباس، ليس لأبي هريرة فيه ذكر، وتبعه على ذلك الحافظ ابن حجر في ((الفتح))،
والله أعلم.
غريب الحديث:
(ظلَّة)؛ أي: سحابة لها ظل، وكل ما أظل من سقيفة ونحوها يسمى ظلة.
٢٤٠