Indexed OCR Text
Pages 201-220
كذا قال، ويأتي ما يعارضه . وهو إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، والشك المذكور لا يضرُّه؛ لأنه صحابي على كل حال، على أن الراجح عندي الرواية التي لا شك فيها؛ لما تقدم، ولأن زهيراً قد توبع من قيس بن الربيع عند البزار (٢ / ١٥٩ / ١٤١٨)، وقال: ((لا نعلم لأبي حميد غير هذه الطريق))! كذا قال! فخفيت عليه متابعة زهير المتقدمة، كما خفيت متابعة قيس على الطبراني، فسبحان مَن أحاط بكل شيء علماً. وكذلك خفيت متابعته زهير على ابن القطان (٧١ / ٢)، فأعل الحديث بقيس! وقد رواه الطبراني أيضاً في ((الكبير))؛ كما في ((المجمع)) (٤ / ٢٧٦)، وقال: ((ورجال أحمد رجال الصحيح)). وسكت عليه الحافظ في ((التلخيص)). وقد عمل بهذا الحديث بعض الصحابة، وهو محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال سهل بن أبي حثمة : رأيت محمد بن مسلمة يطارد بثينة بنت الضحاك - فوق إجار لها (١) - ببصره طرداً شديداً، فقلتُ: أتفعلُ هذا وأنت من أصحاب رسول الله ◌َّ﴾؟! فقال: إني سمعت رسول الله پ# يقول: ٩٨ - (إذا أُلْقِيَ في قَلْبِ امرىءٍ خِطْبَةُ امرأةٍ؛ فلا بأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِليها). رواه سعيد بن منصور في «سننه» (٥١٩)، وعبدالرزاق في ((المصنف)) (٦ / ١٥٨ / ١٠٣٣٨)، وكذا ابن ماجه (١٨٦٤)، والطحاوي (٢ / ٨)، والبيهقي (٧ / (١) بالكسر والتشديد: السطح الذي ليس حواليه ما يرد الساقط عنه. ٢٠١ ٨٥)، والطيالسي (١١٨٦)، وأحمد (٤ / ٢٢٥)، والطبراني في ((الكبير)) (١٩ / ٢٢٣ - ٢٢٥) عن حجاج بن أرطأة عن محمد بن سليمان بن أبي حثمة عن عمه سهل (- ووقع في الطحاوي : سليمان - بن أبي حثمة ] قلت: وهذا إسناد ضعيف من أجل الحجاج؛ فإنه مدلس، وقد عنعنه. وقال البيهقي : ((إسناده مختلف، ومداره على الحجاج بن أرطاة، وفيما مضى كفاية)). وتعقبه الحافظ البوصيري، فقال في ((الزوائد)) (١١٧ / ٢): ((قلت: لم ينفرد به الحجاج بن أرطاة؛ فقد رواه ابن حبان في ((صحيحه)) عن أبي يعلى عن أبي خيثمة عن أبي حازم عن سهل بن أبي حثمة عن عمه سليمان بن أبي حثمة قال: رأيت محمد بن مسلمة ... (فذكره)). قلت: كذا وجدته بخطي نقلاً عن ((الزوائد))، فلعله سقط مني أو من ناسخ الأصل شيء من سنده - وذاك ما أستبعده -؛ فإنه منقطع بين أبي خيثمة وأبي حازم؛ فإن أبا خيثمة - واسمه زهير بن حرب - توفي سنة (٢٧٤)، وأما أبو حازم؛ فهو إما سليمان الأشجعي، وإما سلمة بن دينار الأعرج، وهو الأرجح، وكلاهما تابعي، والثاني متأخر الوفاة، مات سنة (١٤٠ هـ). ثم رأيت الحديث في ((زوائد ابن حبان)) (١٢٣٥) مثلما نقلته عن البوصيري ؛ إلا أنه وقع فيه: ((أبو خازم - بالخاء المعجمة - عن سهل بن محمد بن أبي حثمة)) مكان («سهل بن أبي حثمة))، وسهل بن محمد بن أبي حثمة لم أجد له ترجمة، ولعله في ((ثقات ابن حبان))؛ فليراجع . (ثم رجعت إلى ((الثقات))، فوجدته فيه (٦ / ٤٠٦) هكذا: ((سهل بن محمد بن أبي حثمة، يروي عن عمه سليمان بن أبي حثمة عن محمد بن مسلمة، روى عنه أبو معاوية الضرير)). ٢٠٢ قلت: فانكشف لنا أن (أبا حازم) أو (أبا خازم) محرف، والصواب (ابن خازم)؛ فإن (أبا معاوية الضرير) هو محمد بن خازم؛ كما في كتب الرجال. والظاهر أنه سقط من ((الزوائد)) اسم محمد؛ فإنه في ((الإِحسان)) (٦ / ١٣٩ / ٤٠٣١): ((محمد بن خازم))، فاتصل السند. ورجاله ثقات؛ إلا محمد بن سليمان بن أبي حثمة؛ فلم نجد توثيقه عند غير ابن حبان . وتابعه يحيى بن سعيد عند الطبراني (١٩ / ٢٢٥ / ٥٠٢)، لكن الراوي عنه إبراهيم بن صرمة تكلموا في روايته عن يحيى .] لكنْ للحديث طريقان آخران : الأولى: عن إبراهيم بن صرمة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن سلیمان بن أبي حثمة به. أخرجه الحاكم (٣ / ٤٣٤)، وقال: ((حديث غريب، وإبراهيم بن صرمة ليس من شرط هذا الكتاب)). قال الذهبي في ((تلخيصه)): ((قلت: ضعفه الدارقطني، وقال أبو حاتم: شيخ)). الثانية: عن رجل من أهل البصرة عن محمد بن سلمة مرفوعاً به. أخرجه أحمد (٤ / ٢٢٦): ثنا وکیع عن ثور عنه. قلت: ورجاله ثقات؛ غير الرجل الذي لم يسم، وهو تابعي، فيستشهد به. وبالجملة؛ فالحديث قوي بهذه الطرق، ولم يقف عليها ابن القطان في ((النظر)) (ق ٧١ / ١)، فذكر أنه لا يعرف إلا من طريق ابن أرطاة، وهو ضعيف، ومحمد بن سلیمان لا یعرف، ثم قال : ٢٠٣ ((وفي الحديثين الصحيحين المتقدِّمين غنية عنه وعن غيره)). يعني حديث المغيرة (٩٦) وحديث أبي هريرة قبله. والله أعلم.] وقد ورد عن جابر مثل ما ذكرنا عن ابن مسلمة؛ كما يأتي . وما ترجمنا به للحديث قال به أكثر العلماء؛ ففي ((فتح الباري)) (٩ / ١٥٧): ((وقال الجمهور: يجوز أن ينظر إليها إذا أراد ذلك بغير إذنها، وعن مالك رواية : يشترط إذنها، ونقل الطحاوي عن قوم أنه لا يجوز النظر إلى المخطوبة قبل العقد بحال؛ لأنها حينئذ أجنبية، ورد عليهم بالأحاديث المذكورة)). فائدة : روى عبد الرزاق في ((الأمالي)) (٢ / ٤٦ / ١) بسند صحيح عن ابن طاوس قال: أردت أن أتزوج امرأة، فقال لي أبي: اذهب فانظر إليها. فذهبت، فغسلت رأسي وترجلت، ولبست من صالح ثيابي، فلما رآني في تلك الهيئة؛ قال: لا تذهب! قلت: ويجوز له أن ينظر منها إلى أكثر من الوجه والكفين؛ لإطلاق الأحاديث المتقدمة، ولقوله وَلات : ٩٩ - (إِذا خَطَبَ أَحَدُكُم المرأةَ، فإِنِ اسْتطاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلى مَا يَدْعوهُ إِلى نِكاحِها؛ فَلْيَفْعَلْ). أخرجه أبو داود (٢٠٨٢)، والطحاوي، والحاكم، والبيهقي، وأحمد (٣ / ٣٣٤ و٣٦٠) عن محمد بن إسحاق عن داود بن حصين عن واقد بن عبدالرحمن بن سعد بن معاذ عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله وَ الر: (فذكره). قال: ((فخطبت جارية، فكنت أتخبأ لها، حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجها)). والسیاق لأبي داود. ٢٠٤ وقال الحاكم : ((هذا حديث صحيح على شرط مسلم)). ووافقه الذهبي . قلت: ابن إسحاق إنما أخرج له مسلم متابعة، ثم هو مدلس وقد عنعنه، لكن قد صرح بالتحديث في إحدى روايتي أحمد؛ فإسناده حسن، وكذا قال الحافظ في ((الفتح)) (٩ / ١٥٦)، وقال في ((التلخيص)): ((وأعله ابن القطان بواقد بن عبدالرحمن، وقال: المعروف واقد بن عمرو. قلت: رواية الحاكم فيها عن واقد بن عمرو، وكذا هو عند الشافعي وعبدالرزاق)). أقول: وكذلك هو عند جمیع مَن ذكرنا غير أبي داود وأحمد في روايته الأخرى، فقالا: ((واقد بن عبد الرحمن))، وقد تفرَّد به عبد الواحد بن زياد؛ خلافاً لمن قال: ((واقد ابن عمرو)»، وهم أكثر، وروايتهم أولى، وواقد بن عمرو ثقة من رجال مسلم، أما واقد ابن عبدالرحمن؛ فمجهول، فإعلال ابن القطان الحديث به في ((أحكام النظر)) (ق ٧٠ / ٢ - ٧١) مرجوح. والله أعلم. فقه الحديث : والحديث ظاهر الدلالة لما ترجمنا له، وأيَّده عمل راويه به، وهو الصحابي الجليل جابر بن عبدالله رضي الله عنه، وقد صنع مثله محمد بن مسلمة؛ كما ذكرناه في الحديث الذي قبله، وكفى بهما حجة. ولا يضرنا بعد ذلك مذهب من قيَّد الحديث بالنظر إلى الوجه والكفين فقط؛ لأنه تقييد للحديث بدون نص مقيِّد، وتعطيل لفهم الصحابة بدون حجة، لا سيما وقد تأيَّد بفعل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص ٢٩١ - ٢٩٢): ((فائدة: روى عبدالرزاق (١٠٣٥٢)، وسعيد بن منصور في ((سننه)) (٥٢٠ - ٢٠٥ ٥٢١)، وابن أبي عمر عن سفيان عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي بن الحنفية: أن عمر خطب إلى علي ابنته أم كلثوم، فذكر له صغرها، [فقيل له: إن ردَّك فعاوده]، فقال [له علي]: أبعث بها إليك، فإن رضيت؛ فهي امرأتك. فأرسل بها إليه، فكشف عن ساقيها، فقالت: لولا أنك أمير المؤمنين؛ لصككت عينك(١). وهذا يشكل على من قال: إنه لا ينظر غير الوجه والكفين)). قلت: ثم وقفت على إسناده عند عبد الرزاق في ((مصنفه))، فتبين أنَّ في القصة انقطاعاً، وأنَّ محمد بن علي ليس هو ابن الحنفية، وإنما هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر؛ في بحث أودعته في ((الضعيفة)) (١٢٧٣)؛ فراجعه؛ فإنه مهم . وهذا القول الذي أشار الحافظ إلى استشكاله هو مذهب الحنفية والشافعية؛ قال ابن القيم في ((تهذيب السنن)) (٣ / ٢٥ - ٢٦): ((وقال داود: ينظر إلى سائر جسدها. وعن أحمد ثلاث روايات : إحداهن: ينظر إلى وجهها ويديها . والثانية: ينظر ما يظهر غالباً كالرقبة والساقين ونحوهما (٢). (١) قلت: ثم تزوجها عمر رضي الله عنهما، ورزقت منه ولدين: زيد ورقية؛ كما في ((الإِصابة))، ومنه استدركت الزيادة. (٢) (تنبيه): وقد ذكر ابن الجوزي في ((صيد الخاطر)) (١ / ٨٢) نحو هذه الرواية الثانية، فقال : ((وقد نص أحمد على جواز أن يبصر الرجل من المرأة التي يريد نكاحها ما هو عورة؛ يشير إلى ما يزيد على الوجه)). فعلق عليه الأستاذ علي الطنطاوي بقوله : ((ليس في المعروف من مذهب أحمد جواز ذلك)). والظاهر أن الأستاذ يعني المعروف عنده! وإلا فهو معروف في كتب الحنابلة وغيرهم، ولو رجع إليها لكان عنده معروفاً، وحسبك منها كتاب ((المغني)) لابن قدامة؛ فقد قال (٧ / ٤٥٤) بعد = ٢٠٦ والثالثة: ينظر إليها كلها عورة وغيرها؛ فإنه نص على أنه يجوز أن ينظر إليها متجردة!)). قلت: والرواية الثانية هي الأقرب إلى ظاهر الحديث، وتطبيق الصحابة له، والله أعلم . وقال ابن قدامة في ((المغني)) (٧ / ٤٥٤): ((ووجه جواز النظر [إلى] ما يظهر غالباً أن النبي ◌َّ لما أذن في النظر إليها من غير علمها؛ علم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر عادة، إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور، ولأنه يظهر غالباً، فأبيح النظر إليه كالوجه، ولأنها امرأة أبيح له النظر إليها بأمر الشارع، فأبيح النظر منها إلى ذلك كذوات المحارم)) . ثم وقفت على كتاب ((ردود على أباطيل)) لفضيلة الشيخ محمد الحامد، فإذا به يقول (ص ٤٣): ((فالقول بجواز النظر إلى غير الوجه والكفين من المخطوبة باطل لا يُقبل)). وهذه جرأة بالغة من مثله ما كنت أترقب صدورها منه، إذ إن المسألة خلافية كما سبق بيانه، ولا يجوز الجزم ببطلان القول المخالف لمذهبه إلا بالإجابة عن حجته ودليله كهذه الأحاديث، وهو لم يصنع شيئاً من ذلك، بل إنه لم يشر إلى الأحاديث أدنى إشارة، فأوهم القراء أن لا دليل لهذا القول أصلاً، والواقع خلافه كما ترى؛ فإن هذه الأحاديث بإطلاقها تدل على خلاف ما قال فضيلته، كيف لا وهو مخالف لخصوص قوله # في الحديث (٩٩): ((ما يدعوه إلى نكاحها))؟! فإن كل ذي فقه = أن ذكر الرواية الأولى ومعنى الثانية : ((قال أحمد في رواية حنبل: لا بأس أن ينظر إليها وإلى ما يدعوه إلى نكاحها من يد أو جسم ونحو ذلك. وقال أبو بكر (المروزي): لا بأس أن ينظر إليها عند الخطبة حاسرة)). ٢٠٧ يعلم أنه ليس المراد منه الوجه والكفان فقط، ومثله في الدلالة قوله ور في الحديث (٩٧): ((وإن كانت لا تعلم))! وتأيد ذلك بعمل الصحابة رضي الله عنهم، وهم أعلم بسنته مة، ومنهم محمد بن مسلمة وجابر بن عبدالله؛ فإن كلّ منهما تخبّا لخطيبته ليرى منها ما يدعوه إلى نكاحها، أفيظن بهما عاقل أنهما تخبّاً للنظر إلى الوجه والكفين فقط؟! ومثل عمر بن الخطاب الذي كشف عن ساقي أم كلثوم بنت علي - إن صح عنه -؛ فهؤلاء ثلاثة من كبار الصحابة - أحدهم الخليفة الراشد - أجازوا النظر إلى أكثر من الوجه والكفين، ولا مخالف لهم من الصحابة فيما أعلم؛ فلا أدري كيف استجاز مخالفتهم مع هذه الأحاديث الصحيحة؟! وعهدي بأمثال الشيخ أن يقيموا القيامة على من خالف أحداً من الصحابة اتِّباعاً للسنة الصحيحة، ولو كانت الرواية عنه لا تثبت؛ كما فعلوا في عدد ركعات التراويح! ومن عجيب أمر الشيخ - عفا الله عنا وعنه - أنه قال في آخر البحث: ((قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ والرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذُلكَ خَيْرُ وأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾(١)! فندعو أنفسنا وإياه إلى تحقيق هذه الآية، ورد هذه المسألة إلى السنة بعدما تبيَّنت، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذا؛ ومع صحة الأحاديث في هذه المسألة، وقول جماهير العلماء بها - على الخلاف السابق -؛ فقد أعرض كثير من المسلمين في العصور المتأخرة عن العمل بها؛ فإنهم لا يسمحون للخاطب بالنظر إلى فتاتهم - ولو في حدود القول الضيق ! - تورُّعاً منهم - زعموا -، ومن عجائب الورع البارد أن بعضهم يأذن لابنته بالخروج إلى الشارع سافرة بغير حجاب شرعي! ثم يأبى أن يراها الخاطب في دارها وبين أهلها بثياب الشارع! وفي مقابل هؤلاء بعض الآباء المستهتِرين الذين لا يغارون على بناتهم - تقليداً منهم لأسيادهم الأوروبيين - فيسمحون للمصور أن يصوِّرهن وهن سافرات سفوراً غير (١) النساء: ٥٩. ٢٠٨ مشروع، والمصور رجل أجنبيٍّ عنهم، وقد يكون كافراً، ثم يقدمن صورهن إلى بعض الشبان بزعم أنهم يريدون خطبتهن، ثم ينتهي الأمر على غير خطبة، وتظل صور بناتهم معهم ليتغزلوا بها، وليطفئوا حرارة الشباب بالنظر إليها! ألا فتعساً للآباء الذين لا يغارون. وإنا لله وإنا إليه راجعون. مِنَ الأَذْكَارِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ ١٠٠ - (يا أَبا ذَرٍّ! أَلا أُعَلِّمُكَ كَلماتٍ تُدْرِكُ بهنَّ مَنْ سَبَقَكَ، ولا يلحَقُكَ مَن خَلْفَكَ إِلَّ مَنْ أَخَذَ بِمِثْلِ عَمَلِكَ؟ تُكَبِّرُ اللهَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثلاثاً وثلاثينَ، وتَحْمَدُهُ ثَلاثاً وثلاثينَ، وتُسَبِّحُهُ ثلاثاً وثلاثينَ، وتَخْتِمُها بـ: لا إِلهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ، لا شريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ، وهُو على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ). رواه أبو داود (١٥٠٤): حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم: ثنا الوليد بن مسلم: ثنا الأوزاعي : حدثني حسان بن عطية قال: حدثني محمد بن أبي عائشة قال: حدثني أبو هريرة قال : ((قال أبو ذر: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال يتصدَّقون بها، وليس لنا مال نتصدَّق به، فقال رسول الله پر: (فذكره)))، وزاد في آخره: «غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر)). قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، ولكني في شكّ من صحة هذه الزيادة في الحديث بهذا الإِسناد؛ فقد أخرجه أحمد (٢ / ٢٣٨) بهذا الإِسناد: ثنا الوليد به دونها، وكذلك أخرجه الدارمي من طريق أخرى، فقال (١ / ٣١٢) : ٢٠٩ ((أخبرنا الحكم بن موسى: ثنا هقل عن الأوزاعي به؛ دونها)). ومن الظاهر أنها غير منسجمة مع سياق الحديث، وقد جاءت هذه الزيادة في حديث آخر لأبي هريرة، فأخشى أن يكون اختلط على بعض الرواة أحد الحديثين بالآخر، فدمجهما في سياق واحد! ولفظ الحديث المشار إليه يأتي بعده إن شاء الله. ١٠١ - (مَنْ سَبِّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثاً وثلاثينَ، وحَمِدَ اللهَ ثلاثاً وثلاثينَ، وكَبَّرَ اللهَ ثلاثاً وثلاثينَ؛ فتِلْكَ تِسْعُ وتِسْعونَ، ثمَّ قالَ تمامَ المائةِ: لا إِلَّهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ، لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ، وهو على كُلِّ شيءٍ قديرٌ؛ غُفِرَتْ لهُ خَطاياهُ وإِنْ كانتْ مثلَ زَبَدِ البحر). أخرجه مسلم (٢ / ٩٨)، وأبو عوانة (٢ / ٢٤٧)، والبيهقي (٢ / ١٨٧)، وأحمد (٢ / ٣٧٣ و٤٨٣) من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبي عبيد المَذْحِجي عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي هريرة مرفوعاً. وقد جاء هذا العدد في حديث آخر، لكنه جعل بدل التهليلة تكبيرة أخرى مع الثلاث والثلاثين، ويأتي عقب هذا إن شاء الله تعالى. فائدة: أخرج النسائي (١ / ١٩٨)، والحاكم (١ / ٢٥٣) عن زيد بن ثابت؛ قال : ((أمروا أن يسبِّحوا دُبُر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ويحمدوا ثلاثاً وثلاثين، ويكبِروا أربعاً وثلاثين، فأتي رجل من الأنصار في منامه، فقيل له: أمركم رسول الله والتر أن تسبحوا دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمدوا ثلاثاً وثلاثين، وتكبروا أربعاً وثلاثين؟ قال: نعم. قال: فاجعلوها خمساً وعشرين، واجعلوا فيها التهليل (يعني: خمساً وعشرين)، فلما أصبح؛ أتى النبيَّ ◌ََّ، فذكر ذلك له؛ قال: اجعلوها كذلك)). ٢١٠ وقال الحاكم : ((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي، وهو كما قالا . وله شاهد من حديث ابن عمر نحوه، أخرجه النسائي بسند صحيح . ١٠٢ - (مُعَقِّباتٌ لا يَخِيبُ قائِلُهُنَّ أَو فاعِلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ: ثلاثٌ وثلاثونَ تَسبيحَةً، وثلاثٌ وثلاثونَ تَحْميدةً، وأُربِعٌ وثلاثونَ تَكبيرةً). رواه مسلم (٢ / ٩٨)، وأبو عوانة (٢ / ٢٤٧ و٢٤٨)، والنسائي (١ / ١٩٨)، والترمذي (٢ / ٢٤٩)، والبيهقي (٢ / ١٨٧)، والطيالسي (١٠٦٠) من طرق عن الحكم بن عتيبة عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة مرفوعاً. (معقبات)؛ أي: كلمات تقال عقب الصلاة، والمعقب ما جاء عقب قبله . قلت: والحديث نصٌّ على أن هذا الذكر إنما يُقال عقب الفريضة مباشرة، ومثله ما قبله من الأوراد وغيرها، سواء كانت الفريضة لها سنة بعدية أو لا، ومن قال من المذاهب بجعل ذلك عقب السنة - فهو مع كونه لا نصَّ لديه بذلك - فإنه مخالف لهذا الحديث وأمثاله مما هو نص في المسألة. والله ولي التوفيق. خَيْرُ الأصْحاب والجِيرانِ ٠٥٠ ٢٠ ٥ ١٠٣ - (خَيْرُ الأصحابِ عندَ اللهِ خَيْرُهُم لِصاحِبِهِ، وخيرُ الجیرانِ عندَ اللهِ خيرُهُم لجارِهِ). ٩ ٤٤٣٨ رواه الترمذي (١ / ٣٥٣)، والدارمي (٢ / ٢١٥)، والحاكم (٤ / ١٦٤).،» ١٠١٢ وأحمد (٢ / ١٦٨)، وابن بشران في ((الأمالي)) (١٤٣ / ١) عن حيوة وابن لهيعة قالا: ٢١١ ثنا شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبدالرحمن الحبلي يحدث عن عبدالله بن عمرو به مرفوعاً. هكذا أخرجوه جميعاً عنهما؛ إلا أن الترمذي لم يذكر ابن لهيعة، وكذا الحاكم؛ إلا أنه خالف في إسناده، فقال: بل رواه الحاكم ٤٣/١» ... حيوة بن شريح: حدثني شرحبيل بن مسلم عن عبدالله بن عمرو)). ذا ثبت انه شرجيل فجعل (شرحبيل بن مسلم) بدل (شرحبيل بن شريك)، وأسقط من السند (أبا إلى شريف (وانظر عبدالرحمن الحبلي)، وذلك من أوهامه رحمه الله ثم وهم وهماً آخر، فقال: ١٠١/٢ أيضا ((حديث صحيح على شرط الشيخين)). ووافقه الذهبي! قلت: وابن مسلم لم يخرج له الشيخان، وأما ابن شريك؛ فاحتج به مسلم وحده، وكلاهما ثقة، وقال ابن بشران عقب الحديث: (٢) لا: لعله من النساخ واتمع الموضع الماراية اثباته ((حديث صحيح، وإسناده كلهم ثقات)). ال أبن شريك وهو كما قال. وقال الترمذي : «حديث حسن غريب)). فَضِيَةُ الاستِغْفَار والذّكْر ١٠٤ - (إِنَّ الشَّيطانَ قالَ: وعِزَّتِكَ يا رَبِّ! لا أَبْرَحُ أَغْوِي عِبادََ ما دامَتْ أَرْواحُهُمْ في أَجْسادِهِم. فقالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وتَعالى: وعِزَّتِي وجَلالي؛ لا أَزالُ أَغْفِرُ لهُم ما استَغْفَروني). رواه الحاكم (٤ / ٢٦١)، والبيهقي في ((الأسماء)) (ص ١٣٤) من طريق عمرو ابن الحارث عن درَّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه: أن رسول الله وَ ل ٢١٢ قال: (فذكره)، وقال: ((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي، وذلك من أوهامه؛ فإن درَّاجاً عنده واوٍ كما يأتي . ورواه حسن عن ابن لهيعة عن درَّاج به، وزاد: ((وارتفاع مكاني)». أخرجه البغوي في ((شرح السنة))(١) (١ / ١٤٦)، وأحمد (٣ / ٢٩) بدونها، وأوردها الذهبي في ((العلو)) (ص ١١٦) من هذا الوجه، ولم يعزه لأحد، وقال: «دراج واهٍ)). قلت: وعلة هذه الزيادة عندي من ابن لهيعة - وهي من تخاليطه - لا من درَّاج؛ فقد رواه عنه عمرو بن الحارث بدونها كما رأيت. وقد توبع على الحديث، فأخرجه الإِمام أحمد (٣ / ٢٩ و ٤١) من طريق ليث عن يزيد بن الهاد عن عمرو عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً بلفظ: ((إن إبليس قال لربه: بعزتك وجلالك؛ لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال الله: فبعزتي وجلالي؛ لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني)). قلت: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، لكنه منقطع بين عمرو - وهو ابن أبي عمر مولى المطلب - وبين أبي سعيد الخدري؛ فإنهم لم يذكروا لعمرو رواية عن أحد من الصحابة غير أنس بن مالك، وهو متأخر الوفاة جدّاً عن أبي سعيد؛ فإن هذا كانت وفاته سنة (٧٤هـ) على أكثر ما قيل، وهو توفي سنة (١٤٤ هـ) كماقال (١) طبع في المكتب الإِسلامي في (١٦ مجلدة)، وفي تخريج المُعَلِّقَيْن عليه - إن صحَّ التعبير - أوهام كثيرة في التصحيح والتضعيف وغيرهما، وعدم الاعتناء بالتوفيق بين النصوص التي يتعرَّضون لذكرها؛ كحديث ابن الزبير المصرِّح بترك تحريك الإصبع، وحديث وائل المثبت للتحريك؛ على أن الأول شاذٍّ أو منكر، وقد زعما (٣ / ١٧٨) أن إسناده قويٌّ! وقوفاً منهما مع ظاهره، دون أن يتبّعا طرقه كما يقتضيه التحقيق العلمي. ٢١٣ ابن قانع، ولذلك ذكره الحافظ في الطبقة الخامسة. والحديث أورده الهيثمي في ((المجمع)) (١٠ / ٢٠٧) بلفظ أحمد، وقال: ((رواه أحمد وأبو يعلى بسنده، وقال: لا أبرح أغوي عبادك، والطبراني في ((الأوسط))، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي أبي یعلی)). وكأنه قد خفي عليه الانقطاع الذي ذكرت، أقول هذا مع العلم أن قول المحدث في حديث ما: ((رجاله رجال الصحيح))، أو: ((رجاله ثقات))، ونحو ذلك؛ لا يفيد تصحيح إسناده؛ خلافاً لما يظن البعض، وقد نصَّ على ما ذكرنا الحافظ ابن حجر، فقال في ((التلخيص)) (ص ٢٣٩) بعد أن ساق حديثاً آخر: ((ولا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحاً؛ لأن الأعمش مدلس، ولم یذکر سماعه». ١٠٥ - (لَقيتُ إِبراهيمَ لَيلةَ أُسْريَ بي، فقالَ: يا مُحمَّدُ! أَقْرِىءُ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الجَنَّةَ طَِّةُ التّربةِ، عَذْبَةُ الماءِ، وأَنَّها قيعانٌ؛ غِراسُها: سُبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إِلهَ إِلَّ اللهُ، واللهُ اُكْبَرُ، [ ولا حول ولا قوة إلا بالله]). أخرجه الترمذي (٢ / ٢٥٨ - بولاق)، والطبراني في معاجمه الثلاثة ((الكبير)) (١٠ / ٢١٤ / ١٠٣٦٣)، و ((الأوسط)) (١ / ٢٥١ /٤٣٢٨/١)، و((الصغير)) (ص ١١١)، والزيادة له، ومن طريقه الخطيب في ((التاريخ)) (٢ / ٢٩٢)، والحافظ في (نتائج الأفكار)) (١ / ٩٨ - ٩٩) عن عبدالرحمن بن إسحاق عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبيه عن ابن مسعود مرفوعاً، وقال: ٢١٤ «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود)). قلت: وعبدالرحمن بن إسحاق هذا ضعيف اتفاقاً، وأعله أبو حاتم وأبو زرعة بالانقطاع، كما حكاه عنهما ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢ / ١٧١)، وذكر أن جماعة رووه من الوجه المذكور، لم يذكروا فيه: ((عن أبيه)). لكن يقوِّيه أن له شاهدين من حديث أبي أيوب الأنصاري، ومن حديث عبدالله ابن عمر. أما حديث أبي أيوب؛ فهو من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن عبدالله بن عمر عن سالم بن عبدالله: أخبرني أبو أيوب الأنصاري : ((أن رسول الله وَ ل ليلة أُسْري به مر على إبراهيم، فقال: من معك يا جبريل؟ قال: هذا محمد. فقال له إبراهيم: مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة؛ فإن تربتها طهور، وأرضها واسعة. قال: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله)). أخرجه أحمد (٥ / ٤١٨)، وأبو بكر الشافعي في ((الفوائد)) (٦ / ٦٥ /١)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣٨٩٨)، وفي ((الدعاء)) (٣ / ١٥٥٠ / ١٦٥٧)، والبيهقي في ((شعب الإِيمان)) (١ / ٤٤٣ / ١٥٧)، والحافظ في ((النتائج)) (١ / ١٠٠). وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٠ / ٩٧): ((ورجال أحمد رجال الصحيح ؛ غير عبدالله بن عبدالرحمن بن عبدالله بن عمر ابن الخطاب، وهو ثقة لم يتكلم فيه أحد، ووثقه ابن حبان)). قلت: وبناء على توثيق ابن حبان إياه أخرج حديثه هذا في ((صحيحه)) (٢٣٣٨ - زوائد)، وعزاه في ((الترغيب)) (٢ / ٢٦٥) لابن أبي الدنيا أيضاً مع أحمد، وقال: «إسناده حسن)). قلت: وفي ذلك نظر عندي؛ لما قررناه مراراً أن توثيق ابن حبان فيه لين، لكن ٢١٥ الحديث لا بأس به بما قبله، وقد أشار الحافظ إلى هذا بقوله عقب الحديث : ((هذا حديث حسن). وأما حديث ابن عمر؛ فأخرجه ابن أبي الدنيا في الذكر، والطبراني في ((الكبير)) (١٣٣٥٤)، وفي ((الدعاء)) (١٦٥٨)؛ بلفظ: ((أكثروا من غراس الجنة؛ فإنه عذب ماؤها، طيب ترابها، فأكثروا من غراسها . قالوا: يا رسول الله! وما غراسها؟ قال: ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله)). هكذا أورده في ((الترغيب)) وسكت عليه، وأورده الهيثمي من رواية الطبراني وحده دون قوله: ((ما شاء الله))، وقال (١٠ / ٩٨): ((وفيه عقبة بن علي، وهو ضعيف)). ولجملة الغراس شواهد تقدم ذكر بعضها برقم (٦٤)، وأتمها حديث ابن عباس، لكن ليس فيه جملة الحوقلة، وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله في المجلد السادس برقم (٢٨٧٩)، وتحته شاهد آخر من حديث أبي هريرة مثله. (قيعان): جمع قاع، وهو المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض، يعلوه ماء السماء فيمسكه، ويستوي نباته. ((نهاية)). المعاصي هِي سَبُ القَحْطِ والجَوْرِ وَغْرِها مِنَ المَصائِبِ ١٠٦ - (يا معشَرَ المُهاجِرِينَ! خمسٌ إِذا ابتُليتُم بِهِنَّ، وأَعوذُ باللهِ أَنْ تُدرِكوهُنَّ: لم تَظْهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ حتى يُعْلِنوا بها؛ إِلَّ فَشا فيهِم الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تَكُنْ مضتْ في أَسلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا، ولم يُنْقِصُوا المِكْيالَ والميزانَ؛ إِلَّ أُخِذُوا بالسِّنِينَ وشدَّةِ المَؤْنَةِ وجَوْرِ السّلطانِ عليهِم، ولم يمْنَعُوا زكاةَ أَموالِهِم؛ إِلَّ مُنِعوا القَطْرَ مِن ٢١٦ السَّماءِ، ولولا البهائمُ لم يُمْطَروا، ولم يَنْقَضوا عهدَ اللهِ وعهْدَ رسولِهِ؛ إِلَّا سَلَّطَ اللهُ عليهِمْ عَدُوّاً مِن غَيرِهم، فأخذوا بعضَ ما في أيديهم، وما لم تَحْكُمْ أَثْمَّتُهُم بكتابِ اللهِ، ويتخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ؛ إِلَّ جَعَلَ . اللهُ بِأُسَهُم بِينَهُم). رواه ابن ماجه (٤٠١٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣ / ٣٢٠ و٨ / ٣٣٣ -٣٣٤) عن ابن أبي مالك عن أبيه عن عطاء بن أبي رباح عن عبدالله بن عمر قال: أقبل رسول 1 الله * فقال: (فذكره). قلت: وهذا سند ضعيف من أجل ابن أبي مالك - واسمه خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك -، وهو ضعيف مع كونه فقيهاً، وقد اتهمه ابن معين؛ كما في ((التقريب)). وقال البوصيري في ((الزوائد)): ((هذا حديث صالح للعمل به، وقد اختلفوا في ابن أبي مالك وأبيه)). قلت: الأب لا بأس به، وإنما العلة من ابنه، ولذلك أشار الحافظ ابن حجر في ((بذل الماعون)) لضعف الحديث بقوله (ق ٥٥ / ٢): ((إن ثبت الخبر)). قلت: قد ثبت حتماً؛ فإنه جاء من طرق أخرى عن عطاء وغيره، فرواه ابن أبي الدنيا في ((العقوبات)) (ق ٦٢ / ٢) من طريق نافع بن عبدالله عن فروة بن قيس المکي عن عطاء بن أبي رباح به . قلت: وهذا سند ضعيف، نافع وفروة لا يعرفان؛ كما في ((الميزان)). ورواه الطبراني في ((الأوسط)) (١ / ٢٨٧ / ١)، وفي ((مسند الشاميين)) (ص ٣١٠ - ٣١١)، والحاكم (٤ / ٥٤٠) من طريق أبي معبد حفص بن غيلان عن عطاء ٢١٧ ابن أبي رباح قال: كنت مع عبدالله بن عمر، فأتاه فتى يسأله ... (فذكر قصة ... ثم ذكر الحديث). وفيه إثبات سماع عطاء من ابن عمر؛ خلافاً لمن نفاه. وقال الحاكم : (صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي . قلت: بل هو حسن الإِسناد؛ فإن ابن غيلان هذا قد ضعفه بعضهم، لكن وثقه الجمهور، وقال الحافظ في ((التقريب)): ((صدوق، فقيه، رمي بالقدر)). ورواه الروياني في «مسنده)» (ق ٢٤٧ / ١) عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن عبدالله بن عمر مرفوعاً. وهذا سند ضعيف، عطاء هذا هو ابن أبي مسلم الخراساني، وهو صدوق، لکنه مدلس، وقد عنعنه. وابنه عثمان ضعيف؛ كما في ((التقريب)). فهذه الطرق كلها ضعيفة؛ إلا طريق الحاكم؛ فهو العمدة، وهي إن لم تزده قوة؛ فلا توهنه . (السنين): جمع سَنَة؛ أي: جدب وقحط. (يتخيروا)؛ أي: يطلبوا الخير؛ أي: وما لم يطلبوا الخير والسعادة مما أنزل الله . ولبعض الحديث شاهد من حديث بريدة بن الحصيب مرفوعاً بلفظ: ٢١٨ ١٠٧ - (مَا نَقَضَ قَومُ العهدَ قَطُّ؛ إِلَّ كانَ القَتْلُ بِينَهُم، وما ظَهَرَتْ فاحِشةٌ في قومٍ قَطُ؛ إِلَّ سَلَّطَ اللهُ عزَّ وجلَّ عليهِم الموتَ، ولا مَنَعَ قومٌ الزَّكَاةَ؛ إِلَّ حَبَسَ اللهُ عنهُمُ القَطْرَ). رواه الحاكم (٢ / ١٢٦)، والبيهقي (٣ / ٣٤٦)، والبزار (٣٢٩٩) من طريق بشير بن مهاجر عن عبدالله بن بريدة عن أبيه . وقال الحاكم : ((صحيح على شرط مسلم)). ووافقه الذهبي . قلت: وهو كما قالا؛ غير أن بشيراً هذا قد تكلم فيه من قبل حفظه، وفي ((التقريب)) أنه صدوق لين الحديث، وقد خولف في إسناده، فقال البيهقي عقبه : (کذا رواه بشير بن المهاجر)). ثم ساق بإسناده من طريق الحسين بن واقد عن عبدالله بن بريدة عن ابن عباس قال : ((ما نقض قومٌ العهد؛ إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا فشت الفاحشة في قوم؛ إلا أخذهم الله بالموت، وما طفَّف قوم الميزان؛ إلا أخذهم الله بالسنين، وما منع قوم الزكاة؛ إلا منعهم الله القطر من السماء، وما جار قوم في حكم؛ إلا كان البأس بينهم - أظنه قال : - والقتل)). قلت: وإسناده صحيح، وهو موقوف في حكم المرفوع؛ لأنه لا يُقال من قبل الرأي، وانظر الجواب عما أعل به من الانقطاع تحت الحديث (٩٤). وقد أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٠٩٩٢) مرفوعاً من طريق أخرى: عن إسحاق بن عبدالله بن كيسان المروزي: ثنا أبي عن الضحاك بن مزاحم عن ٢١٩ مجاهد وطاوس عن ابن عباس . قلت: وهذا إسناد ضعيف يستشهد به، وقال المنذري في ((الترغيب)) (١ / ٢٧١) : ((وسنده قريب من الحسن، وله شواهد)). قلت: ويبدو لي أن للحديث أصلاً عن بريدة؛ فقد وجدت لبعضه طريقاً أخرى رواه الطبراني في ((الأوسط)) (١ / ٨٥ / ١ من الجمع بينه وبين الصغير)، وتمام في ((الفوائد)) (ق ١٤٨ - ١٤٩) عن مروان بن محمد الطاطري: ثنا سليمان بن موسى أبو داود الكوفي عن فضيل بن مرزوق (وفي ((الفوائد)): فضيل بن غزوان) عن عبدالله بن بريدة عن أبيه مرفوعاً بلفظ : ((ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين)). وقال الطبراني : ((لم يروه إلا سليمان، تفرد به مروان)). قلت: مروان ثقة، وسليمان بن موسى أبو داود الكوفي صويلح كما قال الذهبي، وفضيل إن كان ابن مرزوق ففيه ضعف، وإن كان ابن غزوان فهو ثقة احتج به الشيخان، فإن كان هو راوي الحديث؛ فهو حسن إن شاء الله تعالى. ثم تبين أنه ابن مرزوق؛ فقد ذكره المزي في الرواة عنه في ترجمة ابن مرزوق من ((تهذيبه))، ولا يمنع ذلك من الاستشهاد به . وقد قال المنذري (١ / ٢٧٠) بعدما عزاه للطبراني : ((ورواته ثقات)). وبالجملة؛ فالحديث بهذه الطرق والشواهد صحيح بلا ريب، وتوقُّف الحافظ ابن حجر في ثبوته، إنما هو باعتبار الطريق الأولى. والله أعلم. ٢٢٠