Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢٣٧)، فقال بعد أن نقل تحسين الترمذي وتصحيح الحاكم والذهبي
للحديث :
((وله شاهد من حديث ابن عمر عند المحاملي في ((الأمالي)) (٦٩ /
٢)، وسنده حسن في الشواهد)).
وهذا مما استفاده الشيخ من تخريجي الآتي للحديث كما يظهر ذلك
للقراء بأدنى تأمل، وهو أمر معروف عنه عند كل الذين يعملون تحت
إشرافه، ثم لا حمداً ولا شكوراً!
وليس هذا هو المقصود، وإنما هو أن ينظر القراء هل صدق الرجل
فيما ينسبه إلى الشيخ من الموافقة، أم أن هذا تراجع منه لسبب أو آخر؟!
وهذا عينه يقال في الحديث الآتي أيضاً كما سترى!
٢ - (١٦٠ -... لا ينحني لصديقه ... ).
أقول: ذكرت هناك أن إسناده حسن في المتابعات، وخرجته من
أربعة طرق عن أنس رضي الله عنه، طريقان منها، يصلحان للاستشهاد
بهما دون أي شك أو ريب، والثالث يحتمله، والرابع لا يستشهد به؛ كما
صرحت هناك، وللطريقين الأولين على الأقل حسنه الترمذي، وأقره
الحافظ، واحتج به ابن تيمية؛ كما سيأتي .
وأزيد هنا فأقول: وكذلك قواه الحافظ البغوي في ((شرح السنة)) (١٢
/ ٢٩٢)، وصرح بصحته العلامة علي القاري في ((شرح المشكاة)) (٤ /
٥٧٦)، وحسنه النووي في ((الرياض)) تبعاً للترمذي.
فجاء هذا الباغي على السنة، فأخرجه منه إلى ((ضعيفته)) (٥٢٩ /
٢١

٥٥)، وأخذ يضعف طرقه الأربعة، دون أن يفرق بين ضعف يستشهد به
وضعف لا يستشهد به! وقاس ذلك على طرق حديث الطير؛ يعني: ((أنا
مدينة العلم وعلي بابها))، وشتان ما بين الحديثين؛ فإن هذا ليس في
الأحاديث الصحيحة ما يشهد لمعناه، بل هو من أحاديث الشيعة
المرفوضة؛ كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية في ((المنهاج))؛ بخلاف
حديث الترجمة؛ فقد جرى عليه عمل السلف به، فيما يتعلق بالمصافحة،
وترك الانحناء والتقبيل عند اللقاء على ما هو مبين في محله.
ثم متى كان للقياس دخل في تضعيف الأحاديث أو تصحيحها؟!
وهذا وحده يكفي للدلالة على أن الرجل وضع لنفسه قواعد لنقد
الأحاديث لا أصل لها عند العلماء، وفي الوقت نفسه يخالف قواعدهم
وأحكامهم المتفرعة عنها.
ثم ختم كلامه بقوله کغالب عادته في «ضعیفته»:
((وافقني على تضعيفه الشيخ شعيب))!
كذا قال! والواقع أن كلام الشيخ المطبوع يخالفه كل المخالفة؛ فقد
قال في تعليقه على ((شرح السنة) (١٢ / ٢٩٠) بعد أن عزاه لبعض من يأتي
عزوه إليهم :
((وحسنه الترمذي، وهو كما قال؛ فإن حنظلة بن عبدالله وإن كان
ضعيفاً قد تابعه غير واحد. انظر: ((الأحاديث الصحيحة)) (١٥٩) (!)
للشيخ ناصر الألباني)»!
ومع ما في هذا العزو من الشيخ شعيب إلى كتاب الألباني من الجرأة
٢٢

الأدبية غير المعتادة منه؛ فهو نصِّ صريح في مخالفته لما عزاه إليه الرجل
في ((ضعيفته)) من الموافقة! هداه الله .
٣ - (٧٤ - ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله، ولم يصلوا على
نبيهم ... ).
قلت: خرجت الحديث هناك من طرق عن أبي هريرة، بعضها
صحيح، وصححه جمع من الحفاظ؛ كالترمذي وابن حبان والحاكم، ومع
ذلك تجرأ المعتدي على ((رياض الصالحين))، فنقله منه إلى ((ضعيفته))
(٥٢٧ / ٥٢)، فأعله بقوله :
((فيه صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف)) . .
وهذا التضعيف المطلق منه جحد للصواب الذي عليه الأئمة النقاد
قديماً وحديثاً أن الرجل ضعفه بسبب اختلاطه، فمن روى عنه قبل
الاختلاط؛ فهو حجة صحيح الحديث، ومنهم الإِمام أحمد وابن معين
والذهبي وابن القيم في ((جلاء الأفهام)) والعسقلاني، وقد رواه عنه قبل
الاختلاط ثلاثة من الثقات كما سيأتي .
ثم إنه قد تابعه أبو صالح السمان بسند صحيح عنه، وأزيد هنا
فأقول: إنه على شرط الشيخين؛ كما قال ابن القيم في ((الجلاء))، وقال
السخاوي في ((القول البديع)) (ص ١١٣):
((وهو حديث صحيح)).
وأعله المعتدي بما لم يسبق إليه، وذلك حين لم يجد في رواته من
٢٣
د

تكلم فيه ولو بأدنى كلمة! قال :
((الصواب أنه موقوف))!
وتشبث برواية واحدة موقوفة عند إسماعيل القاضي رحمه الله،
فخالف بذلك قاعدة زيادة الثقة مقبولة، وبخاصة أنها ثبتت من طريقين عن
أبي هريرة، وصححها من تقدم ذكرهم من الأئمة، ولم يعرجوا إلى هذا
الإِعلال الذي ابتدعه هذا المعتدي، والقاعدة الأخرى أن هذا الموقوف في
حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال مِن قِبَل الرأي؛ كما هو ظاهر.
وإن من تمام اعتدائه قوله :
((ويزيد ذلك تأكيداً أن جميع الروايات التي جاءت عن أبي هريرة
مرفوعةً غير ما ذكرنا لم يرد فيها ذكر الصلاة على النبي))!
كذا قال! لم يذكر الصلاة على النبي وَطله، ولو بالرمز (ص)! تأكيداً
عملياً منه لتضعيفه للحديث!
وجوابي عن التأكيد المزعوم هو ما تقدم من القاعدة الأولى .
وأيضاً؛ فإن الروايات التي يشير إليها هي الآتية برقم (٧٧ و٧٨
و٧٩)، وهي في الصحيحة دون الطريقين اللتين فيهما الزيادة، فمن جهله
أنه مع ذلك قدمها عليهما! ولو أنه عكس لأصاب، ولم ينحرف في تضعيفه
الحديث عن جماعة الحفاظ، ولكن الأمر كما قيل: ((حبك الشيء يعمي
ويصم))، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُوٍ﴾(١).
(١) النور: ٤٠.
٢٤

وفي ختام الرد عليه لا بدَّ لي من بيان أن الرجل يغلب عليه في
((ضعيفته)) أن يقلد غيره في تخريجه؛ فهو لا يتعدَّى الروايات التي هي
جاهزة بأسانيدها بين يديه، ثم يتوجه إلى نقدها واحدة بعد أخرى بطريقته
الخاصة به، والشاذة عن قواعد العلماء وأحكامهم الموافقة لها كما تقدم،
ولو أنه كان بحاثة مريداً للحق، وكان أهلاً للنقد؛ لنظر بنفسه في كتب
السنة، واستخرج منها من الطرق والأسانيد ومتونها ما يساعده في التحقيق
لو أراده! لكنه لا يفعل؛ لأنه يريد أن يظهر على أكتاف غيره، ولأنه يعلم أنه
لو فعل؛ لاختلفت النتيجة التي يرمي إليها، ألا وهي التفوق على الألباني،
وعلى شيخه شعيب، في تزيّده عليهما في تضعيف الأحاديث! كما يترشح
ذلك من كلامه نفسه في مقدمة ((ضعيفته)).
أقول: لو أنه فعل ذلك؛ لتبين له خطأ تصويبه وتضعيفه المتقدمين؛
لأنه سيجد لحديث أبي هريرة الصحيح من طريقيه شواهد تزيده قوة على
قوة من حديث جابر، وهو المذكور تحت الحديث الآتي برقم (٨٠)، وأنه
على شرط مسلم، ومن حديث أبي أمامة وواثلة، ولوجد تخريجها في
((جلاء الأفهام)) لابن القيم، و((القول البديع)) للسخاوي، وقال في حديث
جابر:
((رواه الطيالسي ... والضياء في ((المختارة)) ... ورجاله رجال
(الصحيح) على شرط مسلم)).
وذكر نحوه ابن القيم وأقره.
فلا غرابة حينئذ أن يشير الحافظ إلى تقوية الحديث في ((فتح
٢٥

الباري)) (١١ / ١٦٩)، وإنما الغرابة كل الغرابة أن يأتي ذاك الإِنسان
المسمى بحسَّان، فيتطاول على هؤلاء العلماء الأعلام ومن سار على
دربهم، فيخالفهم بتضعيف ما صححوا، وقد لاحظ هذا بعض الإِخوة
الأفاضل ممَّن شجب اعتداءه على ((الرياض))، ومنهم الأخ محمد عبد الله آل
شاكر في كلمة جيدة له في مجلة ((البيان)) العدد (٥٦) أحض القراء على
الاطلاع عليها، قال جزاه الله خيراً:
((لم هذا الازدراء للعلماء السابقين الذين كان لهم باع في التصحيح
والتضعيف، ولهم مكانتهم، ولكلامهم وحكمهم وزن، لِمَ يعرض عنهم
صاحبنا ويكتفي بموافقة شيخه له في تضعیفه أو حکمه علیه، حتى تكررت
هذه العبارة، وكثرت كثرة ملفتة للنظر، فأصبحت ممجوجة، وإذا كان
فضيلة المحقق أميناً دقيقاً في عبارته حتى يقول: ((وافقني الشيخ شعيب
ترجيحاً))! فلماذا لا يكون أميناً دقيقاً عند تحقيقه للكتاب، فيعبث به هذا
العبث، ويخون الأمانة، ويجانب الدقة.
والنكتة البارعة الأخيرة يطلقها صاحبها، فيقول في (ص ٥٠٧):
((وحرصاً مني على إتمام الفائدة للعامة والخاصة أذكر هنا في هذا الفصل
الأحاديث الضعيفة في كتاب ((رياض الصالحين))، وقد بلغت عندي أكثر
من مئة، وعقبت بعد كل حديث بدليل ضعفه، مع تخريجه بإيجاز)).
صحيح أن العامة أمثالي (حقيقة لا تواضعاً، وعلى الأقل في مجال
المحقق) يستفيدون من ذلك، ولكن ما حاجة الخاصة - طبعاً من علماء
الحديث والمحققين منهم -، ما حاجتهم لهذا الفصل؟ مساكين كم فاتهم
٢٦

من علم وفوائد قبل أن يمن الأخ عبدالمنان بإخراج هذا الكتاب ... ولا
حول ولا قوة إلا بالله؟)).
فأقول: مما لا شك فيه أن شيخه شعيباً هو من الخاصة عنده، وقد
صرح في نفس الصفحة التي أشار إليها الأخ الفاضل أن شعيباً استفاد منه،
فإنه أثنى عليه لتراجعه إلى صواب تلميذه! ألا تراه يقول: ((وهذا فضل منه
لرجوعه إلى الحق))؟! ثم رجا أن أتراجع كشيخه، فقال: ((ولعل الشيخ
الفاضل الألباني يرجع إلى نحو ذلك بعدما يرى الحجة في هذا الكتاب)»!
قلت: الرجوع إلى الصواب هو الواجب، وهو ديدني كما يعرف
قرائي، ولكن فاقد الشيء لا يعطيه، وما أحسن ما يقال في مثل هذه
المناسبة: ((ليس هذا عشك فادرجي))! وما أشبه غرور هذا بذاك الجاهل
الذي مبلغ علمه بربه أن جعله معدوماً! بقوله: إنه ليس داخل العالم ولا
خارجه، ومع ذلك؛ فقد قال في بعض مقدماته نحو صاحبه هذا: ((إنما
نريد خدمة أهل العلم وطلابه))! ﴿تَشَابَهَتْ قُلوبُهُمْ﴾(١). والله المستعان.
أسأل الله الكريم رب العرش العظيم، أن يطهر قلوبنا من الحسد
والحقد، وأن يرزقنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وأن يرد عنا شر الحاسدين
وكيد الماكرين، إنه سميع مجيب.
عمان
مساء الجمعة ٨ رجب ١٤١٣هـ
وکتب
محمد ناصر الدين الألباني
(١) البقرة: ١١٨.
٢٧

بسم الله الرحمن الرحيم
و به وحده أستعین
مقدمة الطبعة الأولى :
إنَّ الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور
أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضلّ له، ومن يُضلل؛ فلا
هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا اتَّقوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَموتُنَّ إِلَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾(١).
يا أيُّها النَّاسُ اتَّقوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْها
زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رجالاً كثيراً ونساءً واتَّقوا اللهَ الَّذي تَساءَلونَ بهِ والأرْحامَ إِنّ
اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾(٢).
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنوا اتَّقوا اللهَ وقولوا قَوْلاً سَدیداً. يُصْلِحْ لَكُمْ
أَعْمالَكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنوبِكُمْ ومَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾(٣).
(١) آل عمران: ١٠٢.
(٢) النساء: ١ .
(٣) الأحزاب: ٧٠ - ٧١. وهذه الخطبة تسمى عند العلماء بـ (خطبة الحاجة)، وهي
تشرع بين يدي كل خطبة، سواء كانت خطبة جمعة أو عيد أو نكاح أو درس أو محاضرة، ولي رسالة
خاصة جمعت فيها الأحاديث الواردة فيها وطرقها، وقد نشرت منذ سنوات في ((مجلة التمدن
الإسلامي)) الزاهرة، ثم أفردتها في رسالة خاصة، فنحث المحبين لسنته وي ليه والراغبين في إحيائها /=
٢٨

أما بعد؛ فقد عزمنا بإذن الله وتوفيقه على نشر مقالات تتضمن
أحاديث صحيحة في مختلف الأبواب والفصول والمسائل والفوائد، وذلك
تحقيقاً لرغبة الكثيرين من إخواننا وأصدقائنا الأفاضل، وتزويداً للقراء
الكرام بها، تعاوناً معهم على التثقيف بالثقافة الإِسلامية الصحيحة، التي
لا مصدر لها بعد القرآن الكريم إلا أحاديث رسول الله وَل؛ فهي بحق كما
قال بعض العلماء الصالحين (١):
((أبرك العلوم وأفضلها وأكثرها نفعاً في الدين والدنيا بعد كتاب الله
عزَّ وجلَّ أحاديث رسول الله بَّه؛ لما فيها من كثرة الصلوات عليه، وإنها
كالرياض والبساتين، تجد فيها كل خير وبر وفضل وذكر)).
ولكن من المؤسف جدّاً أن يكون قد تسرب إلى هذه الرياض
والبساتين بعض الطفيليات من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، حتى نمت
وترعرعت فيها، وصارت بحكم مرور الأيام عليها وجهل أكثر الناس
بحقيقتها كأنها جزء متمم لها، وهذا مما حدا بي على محاولة تنقيتها منها،
وتحذير المسلمين الغافلين عنها، وذلك في مقالات: ((الأحاديث الضعيفة
والموضوعة وأثرها السيىء في الأمة))، والتي تنشر تباعاً في ((مجلة التمدن
الإِسلامي)) الزاهرة، والتي تلقاها أهل العلم والفضل من مختلف البلاد
بالرضى والقبول، وحرصوا أشد الحرص على اقتنائها والاحتفاظ بها، وأقبل
الكثيرون على تقديم طلبات الاشتراك في المجلة من أجلها .
= أن يلتزموا هذه الخطبة التي كادت تصبح في خبر كان. هذا ما كنت قلته من نحو أربعين سنة، أما
اليوم؛ فقد اختلف الوضع بفضل الله، وانتشرت هذه السنة في كثير من الأقطار الإِسلامية، وبخاصة
هنا في الأردن والسعودية وغيرها، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
(١) هو الثبت أبو أحمد عبدالله بن بكر بن محمد الزاهد، ترجمه الحافظ أبو القاسم ابن
عساكر في ((تاريخ دمشق))، وروى له هذه الكلمة (ج١ / ٩ / ٢).
٢٩

ولكنه تبین فيما بعد أن هذا التحذير، وإن كان واجباً لا مناص منه؛
فإنه لا تتم الفائدة به وحده، بل لا بد أيضاً من تقديم الأحاديث الصحيحة
إلى جانبها؛ لأنه لا يلزم من معرفة الضعيف من الحديث التعرف على
الصحيح منه؛ إلا لو أمكن حصر الضعيف، وهيهات هيهات! [فقد جاوز
عددها حتى الآن (٦٥٠٠) والحبل جرار] ولذلك جزمنا بضرورة بيان هذه
الأحاديث الصحيحة إلى جانب بيان الأحاديث الضعيفة، وبذلك نكون قد
جمعنا في المعالجة بين بيان الداء، وتقديم الدواء، بإذن الله تعالى.
ولم أتقيد في هذه المقالات بتبويب أو ترتيب خاص، بل حسبما
تيسر، كما جرينا عليه في المقالات الأخرى المشار إليها آنفاً ..
وغرضنا الأول من هذه المقالات بعد الذي أشرنا إليه من التثقيف
تحقيق القول في صحة هذه الأحاديث والكلام على أسانيدها وطرقها
ورواتها على طريقة أهل الحديث، وفي حدود مصطلحهم، مع قصد
الاختصار وعدم الإِطالة ما أمكن؛ إلا فيما لا بد منه، وقد نتكلم أحياناً على
ما في بعضها من المسائل الفقهية والفوائد اللغوية وغيرها، وقد نربط بين
بعض مفرداتها أحياناً برباط من الكلام، بحيث يتألف منه موضوع خاص
قائم بذاته، يمكن أن يجعل أصلاً لخطبة أو محاضرة، ولكني لم ألتزم
ذلك، تيسيراً على نفسي ، ومراعاة لضيق وقتي .
وإني لأسأل الله تبارك وتعالى أن ينفع بها أكثر مما نفع بالمقالات
المشار إليها، وأن يلهمني الصواب فيها جميعاً، وأن يجعلها خالصة
لوجهه، ويدخر لي أجرها عنده؛ إنه خير مسؤول .
دمشق ١٣٧٨/١٢/١٤ هـ
محمد ناصر الدين الألباني
٣٠

الْمُسْتَلُ لِلإِسْلامِ
قال الله عز وجل :
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسولَهُ بالهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلُّهِ ولَوْ كَرِهَ
المُشْرِكونَ﴾(١).
تبشرنا هذه الآية الكريمة بأن المستقبل للإِسلام بسيطرته وظهوره وحكمه على
الأديان كلها، وقد يظن بعض الناس أن ذلك قد تحقَّق في عهده وَّ وعهد الخلفاء
الراشدين والملوك الصالحين، وليس كذلك، فالذي تحقق إنما هو جزءٌ من هذا الوعد
الصادق؛ كما أشار إلى ذلك النبي ◌َلّ بقوله :
١ - (لا يذهَبُ الليلُ والنَّهارُ حتى تُعْبَدَ اللَّتُ والعُزَّى. فقالتْ
عائشةُ: يا رسولَ اللهِ! إِنْ كنتُ لأَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ
رَسُولَهُ بالهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ
المُشْركونَ﴾ (٢) أنَّ ذلك تامّاً. قالَ: إِنَّهُ سَيكونُ مِن ذلك مَا شَاءَ اللهُ)
الحدیث.
رواه مسلم وغيره، وقد خرجتُه في ((تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد))
(ص ١٢٢)، وأخرجه الحافظ الداني في ((الفتن)) (ق ٥٨ - ٥٩).
وقد وردت أحاديث أخرى توضّح مبلغ ظهور الإِسلام ومدى انتشاره؛ بحيث لا
تدع مجالاً للشكّ في أن المستقبل للإِسلام بإذن الله وتوفيقه.
وها أنا أسوق ما تيسّر من هذه الأحاديث؛ عسى أن تكون سبباً لشحذ همم
(١و٢) التوبة: ٣٣.
٣١

· العاملين للإِسلام، وحجة على اليائسين المتواكلين:
٢ - (إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأرْضَ، فرأَيْتُ مشارِقَها ومغارِبَها، وإِنَّ
أُمَّتِي سيبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لي مِنها) الحديث.
رواه مسلم (٨ / ١٧١)، وأبو داود (٤٢٥٢)، والترمذي (٢ / ٢٧) وصححه، وابن
ماجه (رقم ٢٩٥٢)، وأحمد (٥ / ٢٧٨ و٢٨٤) من حديث ثوبان، وأحمد أيضاً (٤
/ ١٢٣) من حديث شداد بن أوس إن كان محفوظاً.
(زَوَى)؛ أي : جمعَ وضمَّ .
وأوضح منه وأعمُّ الحديث التالي :
٣ - (لَيَبْلُغَنَّ هذا الأمرُ ما بَلَغَ الليلُ والنَّهارُ، ولا يَتْرُكُ اللهُ بِيتَ
مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إِلَّ أَدْخَلَهُ اللهُ هذا الدِّينَ؛ بعزِّ عزيزٍ، أَو بِذُلِّ ذليلٍ ؛ عزّاً
يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسلامَ، وذُلَّ يُذِلُّ بِهِ الكُفْرَ).
رواه جماعةٌ ذكرتُهم في ((تحذير الساجد)) (ص ١٢١)، ورواه ابن حبان في
(صحيحه)) (١٦٣١ و١٦٣٢)، وأبو عروبة في ((المنتقى من الطبقات)) (٢ / ١٠ /
٠
١).
وله شاهد من حديث أبي ثعلبة الخُشَني مرفوعاً نحوه.
أخرجه الحاكم (٣ / ١٥٥) وصححه، ورده الذهبي .
ومما لا شك فيه: أن تحقيق هذا الانتشار يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء في
معنوياتهم ومادياتهم وسلاحهم؛ حتى يستطيعوا أن يتغلَّبوا على قوى الكفر والطغيان،
وهذا ما يبشِّرنا به الحديث:
٣٢

٤ - (عن أبي قَبِيلٍ ؛ قالَ: كُنَّا عندَ عبدِاللهِ بن عمرو بن العاصي،
وسُئِلَ: أَُّّ المَدينتينِ تُفْتَحُ أُوَّلاً: القُسْطَنطينيَّةُ أَوْ رُومِيَةُ؟ فَدَعا عبدُ اللهِ
بِصُنْدوقٍ لهُ حِلَقٌ؛ قالَ: فَأَخْرَجَ منهُ كِتاباً(١)؛ قالَ: فقالَ عبدُاللهِ: بينما
نحنُ حولَ رسولِ اللهِ وَِّ نكْتُبُ؛ إِذْ سُئِلَ رسولُ اللهِ وَّهِ: أَيّ
المدينتين تُفْتَحُ أولاً: أَقسطنطينيَّةُ أو رُومِيَةُ؟ فقالَ رسولُ اللهِ وَلّ :
مَدينَةُ مِرَقْلَ تُفْتَح أوّلاً. يعني: قُسْطَنطِيَّةَ).
رواه أحمد (٢ / ١٧٦)، والدارمي (١ / ١٢٦)، وابن أبي شيبة في ((المصنف))
(٤٧ / ١٥٣ / ٢)، وأبو عمرو الداني في ((السنن الواردة في الفتن)) (١١٦ / ٢)،
والحاكم (٤ / ٤٢٢ و٥٠٨ و٥٥٥)، وعبدالغني المقدسي في ((كتاب العلم)) (٢ /
٣٠ / ١)، وقال:
((حديث حسن الإِسناد)).
وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا .
و (رومية): هي روما؛ كما في ((معجم البلدان))، وهي عاصمة إيطاليا اليوم.
وقد تحقّق الفتح الأول على يد محمد الفاتح العثماني؛ كما هو معروف،
وذلك بعد أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي ◌َّر بالفتح، وسيتحقق الفتح الثاني
بإذن الله تعالى ولا بد، ولتعلمنَّ نبأه بعد حين.
٠
ولا شكّ أيضاً أن تحقيق الفتح الثاني يستدعي أن تعود الخلافة الراشدة إلى
الأمة المسلمة، وهذا مما يبشرنا به وَل بقوله في الحديث:
(١) قول عبدالله هذا رواه أبو زرعة أيضاً في ((تاريخ دمشق)) (٩٦ / ١)، وفيه دليل على أن
الحديث كتب في عهده وَلّة؛ خلافاً لما يظنه بعض الخراصين!
٣٣

٥ - (تكونُ النُّبُوَّةُ فِيكُم ما شاءَ اللهُ أَنْ تَكونَ، ثمَّ يرفعُها اللهُ إِذا
شاءَ أَنْ يُرفَعَها، ثمَّ تكونُ خلافةٌ على مِنهاجِ النُُّوَّةِ، فتكونُ ما شاءَ اللهُ
أَنْ تكونَ، ثمَّ يرفَعُها إِذا شاءَ أَنْ يرفَعَها، ثمَّ تكونُ مُلْكاً عاضّاً، فيكونُ
ما شاءَ اللهُ أَنْ تَكونَ، ثمَّ يرفَعُها إِذا شاءَ اللهُ أَنْ يرفَعَها، ثمَّ تكونُ مُلكاً
جَبْرياً، فتكونُ ما شاءَ اللهُ أَنْ تكونَ، ثمَّ يرفَعُها إِذا شاءَ أَنْ يرفَعَها، ثمَّ
تكونُ خلافةٌ على مِنهاجِ النُّبُوَّةِ، ثم سَكَتَ).
رواه أحمد (٤ / ٢٧٣): ثنا سليمان بن داود الطيالسي: ثنا داود بن إبراهيم
الواسطي : ثنا حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال: كنا قعوداً في المسجد - وكان
بشير رجلاً يكف حديثه - فجاء أبو ثعلبة الخشني، فقال: يا بشير بن سعد! أتحفظ
حديث رسول الله وَل في الأمراء؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته. فجلس أبو ثعلبة،
فقال حذيفة: (فذكره مرفوعاً).
قال حبيب :
((فلما قام عمر بن عبدالعزيز - وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته -
فكتبتُ إليه بهذا الحديث أذكِّره إياه، فقلتُ له: إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين
- يعني : عمر - بعد الملك العاض والجبرية. فأدخل كتابي على عمر بن عبدالعزيز،
فسُرَّ به وأعجبە)) ..
ومن طريق أحمد رواه الحافظ العراقي في ((محجة القرب إلى محبة العرب))
(١٧/ ٢)، وقال:
((هذا حديث صحيح، وإبراهيم بن داود(١) الواسطي؛ وثقه أبو داود الطيالسي
(١) هذا مقلوب، والصواب: ((داود بن إبراهيم))، ولست أدري هل هو مني أم من العراقي؟
فإن كتابه ليس في متناول يدي الآن .
٣٤
٠

وابن حبان، وباقي رجاله محتجَّ بهم في (الصحيح))؛ يعني: ((صحيح مسلم)).
لكنَّ حبيباً هذا؛ قال فيه البخاري :
«قیه نظر)). وقال ابن عدي :
((ليس في متون أحاديثه حديث منكر، بل قد اضطرب في أسانيد ما يُروى
عنه)) .
إلا أن أبا حاتم وأبا داود وابن حبان وثَّقوه .
فحديثه حسن على أقل الأحوال إن شاء الله تعالى، وقد قال فيه الحافظ :
«لا بأس به)).
والحديث في ((مسند الطيالسي)) (رقم ٤٣٨): حدثنا داود الواسطي - وكان ثقة -
قال: سمعتُ حبیب بن سالم به.
لكن وقع في متنه سقط، فيستدرك من ((مسند أحمد)).
وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٥ / ١٨٩):
((رواه أحمد، والبزار [١٥٨٨] أتم منه، والطبراني ببعضه في الأوسط، ورجاله
ثقات)) .
ومن البعيد عندي حمل الحديث على عمر بن عبدالعزيز؛ لأن خلافته كانت
قريبة العهد بالخلافة الراشدة، ولم يكن بعد ملكان: ملك عاض وملك جبرية. والله
أعلم(١). وللحديث شاهد بنحوه من حديث ابن عباس سيأتي (٣٢٧٠).
(١) وأما الحديث الذي رواه الطبراني في ((الأوسط)) عن معاذ بن جبل مرفوعاً: ((ثلاثون نبوة
وملك، وثلاثون ملك وجبروت، وما وراء ذلك لا خير فيه))؛ فإسناده ضعيف؛ كما هو مبيَّن في
((الضعيفة)) (١٣٩٩)، وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمية في ((الفتاوى)) (٣٥ / ١٩) لمسلم نحوه، وهو
وهم .
٣٥

هذا؛ وإن من المبشرات بعودة القوة إلى المسلمين، واستثمارهم الأرض
استثماراً يساعدهم على تحقيق الغرض، وتنبىء عن أن لهم مستقبلاً باهراً، حتى من
الناحية الاقتصادية والزراعية: قوله فياليوم :
٦ - (لا تَقومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعودَ أَرضُ العَرَبِ مُرُوجاً وأَنَّهاراً).
رواه مسلم (٣ / ٨٤)، وأحمد (٢ / ٣٧٠ و ٤١٧)، والحاكم (٤ / ٤٧٧) من
حديث أبي هريرة.
وقد بدأت تباشير هذا الحديث تتحقق في بعض الجهات من جزيرة العرب؛
بما أفاض الله عليها من خيرات وبركات وآلات ناضحات تستنبط الماء الغزير من بطن
أرض الصحراء، وهناك فكرة بجر نهر الفرات إلى الجزيرة كنا قرأناها في بعض الجرائد
المحلِّيَّةِ، فلعلها تخرج إلى حيز الوجود، وإنَّ غداً لناظره قريب.
هذا؛ ومما يجب أن يُعلم بهذه المناسبة أن قوله وَله: ((لا يأتي عليكم زمان إلا
والذي بعده شرِّ منه حتى تلقَوْا ربكم))، رواه البخاري في ((الفتن)) من حديث أنس
مرفوعاً .
فهذا الحديث ينبغي أن يُفْهَم على ضوء الأحاديث المتقدمة وغيرها؛ مثل
أحاديث المهدي، ونزول عيسى عليه السلام؛ فإنها تدلُّ على أن هذا الحديث ليس
على عمومه؛ بل هو من العامُّ المخصوص؛ فلا يجوز إفهام الناس أنه على عمومه،
فيقعوا في اليأس الذي لا يصحُّ أن يتَّصف به المؤمن؛ ﴿إِنَّهُ لَا يَبْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّ
القَوْمُ الكَافِرِونَ﴾(١).
أسأل الله أن يجعلنا مؤمنين به حقّاً .
(١) يوسف : ٨٧.
٣٦

خَضُّ الإِسلام على اسْتِمَارِالأرْضِ وذْعِها
فيه أحاديث كثيرة؛ أذكر ما تيسَّر منها:
٧ - عن أنسٍ: قالَ النبيُّ وَل :
(مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعاً، فيأْكُلُ منهُ طَيْرٌ، أَو
إِنسانٌ، أَو بَهيمةٌ؛ إِلَّ كانَ لهُ بِهِ صَدَقةٌ).
رواه البخاري (٢ / ٦٧ - طبع أوروبا)، ومسلم (٥ / ٢٨)، وأحمد (٣ /
١٤٧) .
٨ - عن جابر مرفوعاً:
(مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً؛ إِلَّا كَانَ ما أُكِلَ منهُ لَهُ صَدَقةٌ، وما
سُرْقَ منهُ لهُ صَدَقَةٌ، وما أَكَلَ السَّبُعُ منهُ؛ فَهُو لَهُ صَدَقَةٌ، وما أَكَلَتِ
الطَّيْرُ؛ فهُو لهُ صدَقَةٌ، ولا يَرْزَؤُهُ أَحدٌ؛ إِلَّ كَانَ لهُ صَدَقَةٌ [إِلى يومٍ
القِيامَةِ]).
رواه مسلم عنه .
ثم رواه هو وأحمد (٣ / ٣٩١) من طرق أخرى عنه بشيء من الاختصار.
وله شاهدٌ من حديث أم مبشر عند مسلم وأحمد (٦ / ٢٤٠ و٣٦٢).
وله شواهد أخرى ذكرها المنذري في ((الترغيب)) (٣ / ٢٤٥).
و (یرْزؤه)؛ أي: ينقصه ويأخذ منه.
٣٧

٩ - عن أنسٍ رضي الله عنه عن النبي وَّه قال:
(إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فإِنِ اسْتطاعَ أَنْ لَا تَقومَ
حَتَّى يَغْرِسَها؛ فَلْيَغْرِسْها).
رواه الإمام أحمد (٣ / ١٨٣، ١٨٤، ١٩١)، وكذا الطيالسي (رقم ٢٠٦٨)،
والبخاري في ((الأدب المفرد)) (رقم ٤٧٩)، وابن الأعرابي في ((معجمه)) (ق ٢١ / ١)
عن هشام بن زید عنه .
وهذا سند صحيح على شرط مسلم، وتابعه يحيى بن سعيد عن أنس.
أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٣١٦ /١).
وأورده الهيثمي في ((المجمع)) (٦٣ / ٤) مختصراً، وقال:
(رواه البزار [١٢٥١]، ورجاله أثبات ثقات)).
وفاته أنه في «مسند أحمد)» بأتم منه؛ كما ذكرناه.
(الفَسِيلَةُ): هي النخلة الصغيرة، وهي (الوديَّة).
ولا أدل على الحض على الاستثمار في هذه الأحاديث الكريمة، لا سيما
الحديث الأخير منها؛ فإنَّ فيه ترغيباً عظيماً على اغتنام آخر فرصة من الحياة في سبيل
زرع ما ينتفع به الناس بعد موته، فيجرى له أجره، وتكتب له صدقته إلى يوم القيامة .
وقد ترجم الإِمام البخاري في المصدر السابق لهذا الحديث بقوله:
((باب اصطناع المال)).
ثم روى عن الحارث بن لقيط قال :
((كان الرجل منا تنتج فرسه، فينحرها، فيقول: أنا أعيش حتى أركب هذه؟
فجاءنا كتاب عمر: أن أصلحوا ما رزقكم الله؛ فإن في الأمر تنفساً)).
٣٨

وسنده صحيح .
وروی أیضاً بسند صحيح عن داود قال: قال لي عبدالله بن سلام:
((إن سمعتَ بالدَّجال قد خرج وأنت على وديّة تغرسها؛ فلا تعجلْ أن تصْلِحَهُ؛
فإنَّ للناس بعد ذلك عيشاً)).
وداود هذا هو ابن أبي داود الأنصاري؛ قال الحافظ فيه :
«مقبول)) .
وروى ابن جرير عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال :
(«سمعتُ عمر بن الخطاب يقول لأبي: ما يمنعك أن تغرس أرضك؟ فقال له
أبي: أنا شيخ كبير أموت غداً. فقال له عمر: أعزم عليك؛ لتغرسَنَّها. فلقد رأيت عمر
ابن الخطاب يغرسها بيده مع أبي)).
كذا في ((الجامع الكبير)) للسيوطي (٣ / ٣٣٧ / ٢).
ولذلك عدَّ بعض الصحابة الرجل يعمل في إصلاح أرضه عاملاً من عمَّال الله
عز وجل.
فروى البخاري في ((الأدب المفرد)) (رقم ٤٤٨) عن نافع بن عاصم أنه سمع
عبدالله بن عمرو قال لابن أخ له خرج من الوهط: ((أيعمل عمالك؟)). قال: لا أدري.
قال: ((أما لو كنت ثقفيّاً؛ لعلمت ما يعمل عمَّالك)). ثم التفت إلينا فقال:
((إن الرجل إذا عمل مع عمَّاله في داره (وقال الراوي مرة: في ماله)؛ كان عاملاً
من عمال الله عز وجل)).
وسنده حسن إن شاء الله تعالى .
و (الوهط) في اللغة: هو البستان، وهي أرض عظيمة كانت لعمرو بن العاص
بالطائف على ثلاثة أميال من (وَجّ)؛ يبدو أنه خلَّفها لأولاده.
٣٩

وقد روى ابن عساكر في ((تاريخه)) (١٣ / ٢٦٤ / ٢) بسند صحيح عن عمرو
ابن دينار قال :
((دخل عمرو بن العاص في حائط له بالطائف يقال له: (الوهط)، [فيه] ألف
ألف خشبة، اشترى كل خشبة بدرهم)).
يعني : يقيم بها الأعناب.
هذا بعض ما أثمرته تلك الأحاديث في جملتها من السلف الصالح رضي الله
عنهم .
وقد ترجم البخاري في ((صحيحه)) للحديثين الأولين بقوله :
((باب فضل الزرع إذا أكل منه)).
قال ابن المنير:
((أشار البخاري إلى إباحة الزرع، وأن مَن نهى عنه - كما ورد عن عمر - فمحلُّه
ما إذا شغل الحرث عن الحرب ونحوه من الأمور المطلوبة، وعلى ذلك يُحمل حديث
أبي أمامة المذكور في الباب الذي بعده)).
قلت: سيأتي الكلام على الحديث المشار إليه قريباً إن شاء الله تعالى .
الَّكالْبُ على الدُنيا يوركُ الّ
ذكرتُ آنفاً بعض الأحاديث الواردة في الحض على استثمار الأرض، مما لا
يدع مجالاً للشكّ في أن الإِسلام شرع ذلك للمسلمين، ورغّبهم فيه أيما ترغيب.
والآن نورد بعض الأحاديث التي قد يتبادر لبعض الأذهان الضعيفة أو القلوب
المريضة أنها معارضة للأحاديث المتقدمة، وهي في الحقيقة غير منافية لها، إذا ما
أُحْسِنَ فهمها، وخلت النفس من اتباع هواها!
٤٠