Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ ٢٤٠ - باب: في فضل السماحة في البيع والشراء ٢٤٠ - باب: في فضل السماحة في البيع والشراء والأخذ والعطاء وحسن القضاء والتقاضي وإرجاح المكيال والميزان والنهي عن التطفيف وفضل إنظار الموسر المعسر والوضع عنه قال اللَّهُ تَعَالَى(١): ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرِ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى(٢): ﴿ويا قَوْمٍ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ * وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا باب فضل السماحة قال في المصباح: سمح بكذا يسمح بفتح العين في الماضي والمضارع، سموحاً وسماحة وسماحاً، جاد وأعطى أو وافق على ما أريد منه. اهـ. قال الحافظ في الفتح: والسمح الجواد، يقال سمح بكذا إذا جاد والمراد هنا المساهلة (في البيع والشراء) بأن يترك للمشتري في الأول وللبائع في الثاني بعض الشيء، أو يوافق فيهما صاحبه (والأخذ والعطاء) بغير عقد البيع والشراء (وحسن القضاء) أي: التأدية للحق الذي عليه بأدائه كاملاً مكملاً (والتقاضي) بالعفو عن بعض والتسامح في ذلك (وإرجاح المكيال والميزان) من المؤدى لصاحب الحق (والنهي عن التطفيف) أي: بحسن الكيل والوزن (وفضل إنظار الموسر والمعسر) أي: إمهاله بالدين الذي له عليه (والوضع) أي: الإِسقاط للدين (عنه) أي: عن المعسر (قال الله تعالى: وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم) أي: فيجازيكم عليه قليلاً كان أو كثيراً جليلاً كان أو حقيراً (وقال تعالى) حكاية لما قال شعيب لقومه: (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان) أي: الكيل والوزن (بالقسط) بالعدل والسوية (ولا تبخسوا) تنقصوا (الناس أشياءهم) تعميم بعد مخصوص، وقيل: كانوا مكاسين (وقال تعالى: ويل) أي: حزن وهلاك ومشقة من العذاب (للمطففين) التطفيف: البخس والنقص في الكيل والوزن (الذين إذا اكتالوا على الناس) أي: حقهم منهم (يستوفون) يأخذونها وافية، ولما كان اكتيالهم منهم أخذ حق عليهم عداه بعلى، قال الفراء: من وعلى يعتقبان في هذا (١) سورة البقرة، الآية: ٢١٥. (٢) سورة هود، الآية: ٨٥ (٣) سورة المطففين، الآيات: ١ - ٦. ١٦٢ ١٠ - كتاب: الجهاد كَالوُهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوتُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ١٣٦٥ - وعَنْ أبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيِّ وَهِ يَتَقَاضَاهُ، فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((دَعُوهُ فَإِنَّ لِصاحِبِ الْحَقِّ مَقالاً)» ثُم قَالَ: ((أَعْطوهُ سِنّاً مِثْلَ سِنِّهِ» قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لا نَجِدُ إِلّ أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ. قَالَ: الموضع (وإذا كالوهم) أي: كالوا لهم (أو وزنوهم) أي: لهم فهو من باب حذف الجار وإيصال الفعل. وقيل: فيه حذف المضاف أي: كالوا مكيلهم، أو موزونهم (يخسرون) أي: ينقصون، وهؤلاء عادتهم في أخذ حقهم من الناس الكيل والوزن، لتمكنهم باكتيال من الاستيفاء والسرقة، بتحريك المكيال ونحوه ليسعه، وأما إذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من النوعين جميعاً، ولذا ما ذكر الوزن في الأول (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون) فإن ظن البعث رادع عن مثل هذه القبائح (ليوم عظيم) لعظم ما فيه (يوم) منصوب بأعني أو مبعوثون أو بدل من الجار وفتح لإضافته للجملة على مذهب من يرى جواز ذلك (يقوم الناس لرب العالمين). ١٣٦٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً) لعله زيد بن شعبة الكناني وأسلم بعد وحديثه مذكور في الشفاء إلا أن ذاك في حب(١) وفي رواية لأحمد ((جاء أعرابي يتقاضى النبي ◌َ﴿ بعيراً له)) (أتى النبي (وَ لّ يتقاضاه) أي: يطلب منه قضاء ماله عنده (فأغلظ) أي: الدائن كعادة الأعراب (له) اللام فيه للتبليغ والضمير للنبي وضّ﴾ (فهم به أصحابه) أي: أرادوا أن يفعلوا به جزاء إغلاظه (فقال النبي والر دعوه) أي: اتركوه وعلل الأمر بقوله: (فإن لصاحب الحق مقالاً) أي: نوعاً خاصاً من المقال، وهو ما فيه علو على المدين (ثم قال: أعطوه سناً مثل سنه) طلباً للمماثلة في القضاء. قال الحافظ في الفتح: المخاطب بذلك أبو رافعٍ مولى النبي ◌َّرَ، كما أخرجه مسلم (فقالوا: يا رسول الله لا نجد إلا أمثل) أي: إلا سناً أعلى (من سنه قال: أعطوه) أي: الأعلى (فإن خيركم أحسنكم قضاء) منصوب على التمييز، وفي رواية ((فإن من خيركم أو خيركم)) على الشك، والمراد خيركم في المعاملة أو يكون من مقدرة، ويدل عليه الرواية المذكورة. وفي رواية ((فإن أفضلكم أحسنكم قضاء)). (١) في حب أي تقاضاه في ثمن حب. ١٦٣ ٢٤٠ - باب: في فضل السماحة في البيع والشراء ((أعْطُوهُ فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ١٣٦٦ - وعَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ ﴿ قَالَ: ((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحاً إذَا باعَ وإِذَا اشْتَرى وإذَا اقْتَضِى)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢). وفي رواية ((فإن خياركم)). فيحتمل أن يريد به المفرد، أي: المختار أو الجمع وقوله: أحسنكم، لما أضيف أفعل والمقصود به الزيادة جاز فيه الإفراد (متفق عليه) قال الحافظ في الفتح: هذا الحديث من غرائب الصحيح. قال البزار: لا يروى عن أبي هريرة إلّ بهذا الإِسناد، ومداره على سلمة بن كهيل، وقد صرّح في الباب بأنه سمعه من أبي سلمة ابن عبد الرحمن بمعنى ذلك لما حج اهـ. والحديث أخرجه البخاري في الوكالة، وفي الاستقراض. ومسلم في البيوع. ورواه الترمذي عنه مختصراً ولفظه ((استقرض النبي (وَل سناً)) الحديث، وقال: حسن صحيح. والنسائي فيه، وابن ماجه في الأحكام. ومداره عندهم على سلمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة. ١٣٦٦ - (وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله (سير قال: رحم الله) جملة خبرية لفظاً دعائية معنى، كما جزم به ابن حبيب المالكي، وابن بطال، ورجحه الداودي، وقيل: إنهاخبرية لفظاً ومعنى. قال الحافظ: ويؤيده أن حديث الترمذي من طريق ابن المنكدر بلفظ ((غفر الله لرجل كان قبلكم كان سهلاً إذا باع)) الحديث قال: وهذا يشعر بأنه قصد رجلاً بعينه في حديث الباب. وفي هذا الحديث قال الكرماني: ظاهره الإِخبار عن رجل كان سمحاً، لكن قرينة الاستقبال المستفاد من إذا تجعله دعاء وتقديره رحم الله عبداً يكون كذلك، وقد يستفاد العموم من تقييده بالشرط اهـ (رجلاً سمحاً) بسكون الميم وبالمهملتين، أي: سهلاً وهو صفة مشبهة تدل على الثبوت، فلذا ذكر أحوال البيع والشراء والتقاضي في قوله (إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى) أي: طلب قضاء حقه بسهولة والمراد بالمسامحة ترك المضاجرة ونحوها لا المماكسة في ذلك (رواه البخاري) في البيوع ورواه ابن ماجه. (١) أخرجه البخاري في كتاب: الوكالة، باب: الوكالة في قضاء الديون (٣٩٤/٤). وأخرجه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: من استلف شيئاً فقضى خيراً منه ((وخيركم أحسنكم قضاء))، (الحديث: ١٢٠). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: السهولة في الشراء والبيع (٢٦٠/٤) ١٦٤ ١٠ - كتاب: الجهاد ١٣٦٧ - وعَنْ أبي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقولُ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبٍ يَوْمِ الْقِيامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَحْ عَنْهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). ١٣٦٨ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَلِ قَالَ: ((كانَ رَجُلٌ يُدايِنُ النَّاسَ، وكانَ يَقولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعِْراً فَتَجَاوَزْ عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجاوَزَ عَنَّا، فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢). ١٣٦٧ - (وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَليل يقول: من سره) أي: أفرحه (أن ينجيه الله) أي: يجعله ذا نجاة (من كرب) بضم ففتح، جمع كربة، وهي غم يأخذ بالنفس لشدته وفي نسخة من كرب بفتح فسكون، وهو بمعنى الكربة قاله الجوهري (يوم القيامة فلينفس) بتشديد الفاء (عن معسر) أي: ليؤخر مطالبة الدين عن المدين المعسر. وقيل: معناه يفرج عنه (أو يضع عنه) أي: يحط عنه وهذا مقتبس من مشكاة قوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم﴾(٣) (رواه مسلم) قال في الجامع الكبير: ورواه الطبراني عن أنس، وعن أبي قتادة بلفظ ((من سره أن يأمن من غم يوم القيمة فلينظر معسراً أو ليضع عنه)). وفي فتح الباري بعد ذكر حديث الباب، ولأحمد عن ابن عباس نحوه، وقال: وقاه الله من فيح جهنم. ١٣٦٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وم ير قال: كان رجل) أي: ممن قبلكم (يداين الناس) صيغة المفاعلة؛ للمبالغة لا للمغالبة (وكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسراً) أي: لمطالبة ما عنده (فتجاوز عنه) يدخل في التجاوز الإنظار والوضيعة وحسن التقاضي (لعل الله أن يتجاوز عنا) فيكون الجزاء من جنس العمل (فلقي الله) كناية عن الموت أو لقيه بعده (فتجاوز) أي: عفا (عنه. متفق عليه). (١) أخرجه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: فضل إنظار المعسر، (الحديث: ٣٢). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: من أنظر معسراً (٢٦٢/٤) وأخرجه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: فضل إنظار المعسر، (الحديث: ٣١) (٣)) سورة: البقرة الآية: ٢٨٠. ١٦٥ ٢٤٠ - باب: في فضل السماحة في البيع والشراء ١٣٦٩ - وعَنْ أبي مَسْعودِ الْبَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه. ((حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ إلّ أَنَّهُ كانَ يُخالِطُ النَّاسَ، وكانَ مُوسِراً، وكانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ تَجَاوَزُوا عَنْهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ١٣٧٠ - وعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((أُتِيَ اللَّهُ تَعالَى بِعَبْدٍ مِنْ عِبادِهِ آتَاهُ اللَّهُ مَالاَ فَقالَ لَهُ: مَاذَا عَمِلْتَ فِي الدُّنْيا؟ - قَالَ ولا يَكْتُمونَ اللَّهَ حَديثاً - قَالَ: يا رَبِّ آَيْتَنِي مَالَكَ فَكُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ وَكَانَ مِنْ خُلُقِي الْجَوازُ؛ فَكُنْتُ أَتَسَّرُ عَلى ١٣٦٩ - (وعن أبي مسعود البدري) واسمه عقبة بن عامر، ونسب لبدر؛ لكونه نزلها وإلّ فلم يشهد وقعتها كما تقدم في ترجمته (رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَل: حوسب رجل ممن كان قبلكم) أي: من الأمم الكائنة قبلكم (فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس) أي: يعاملهم بالبيوع والمداينة (وكان موسراً) جملة حالية من فاعل يخالط (وكان يأمر غلمانه) بكسر الغين المعجمة، وفي رواية لمسلم: فتيانه (أن يتجاوزوا عن المعسر) بالإنظار وبالوضع (قال الله عز وجل: نحن أحق) أي: أولى (بذلك) أي: بالتجاوز (منه) وهذا تقريب للأذهان، وإلا فلا مشاركة بين الخالق والمخلوق في وصف بالحقيقة، حتى يفاضل بينهما فيه (تجاوزوا عنه) سهل عليه في معاملته معه، كما سهل هو في معاملته مع الخلق (رواه مسلم). ورواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. ١٣٧٠ - (وعن حذيفة رضي الله عنه قال: أتى الله بعبد من عباده آتاه) بالمد أي: أعطاه (مالاً فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ قال:) أي: حذيفة (ولا يكتمون الله حديثاً) وجملة القول، والمحكى به معترضة بين السؤال والجواب؛ لكونها كالدليل على تحقق ما يجيب به وأن لا شبهة فيه؛ لأن ذلك الموقف الحق ليس فيه إلّ الصدق (قال: يا رب آتيتني مالاً) أتى بهذه الجملة تلذذاً بالخطاب، وإلا فذكرها في السؤال مغن عن إعادتها (فكنت أبايع الناس وكان من خلقي) بضم الخاء المعجمة، وهو ملكة للنفس يصدر عنها الفعل بسهولة (الجواز) أي: الصبر على المعسر وقبول ما جاء به الموسر، وإن كان فيه بعض النقص، وقد فسر ذلك (١) أخرجه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: فضل إنظار المعسر، (الحديث: ١٦٦ ١٠ - كتاب: الجهاد الْمُوسِرِ وأُنْظِرُ الْمُعْسِرَ. فَقالَ اللَّهُ تَعالَى: أَنَا أَحَقُّ بِذَا مِنْكَ تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي)) فَقالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ الجُهَنِي وَأَبُو مَسْعودِ الأنْصَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ هَكَذَا سَمِعْناهُ مِنْ فِي رسُولِ اللّهِوَ﴿هَـ رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ١٣٧١ - وعَنْ أَبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَوْ وضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّ ظِلُّهُ)) رَوَاهُ الإِبهام بقوله: (فكنت أتيسر على الموسر) بقبول ما قد يتوقف في قبوله من نقص يسير أو عيب في المأتي به (وأنظر) أي: أمهل (المعسر) إلى سعة (فقال الله تعالى: أنا أحق بذا) أي: التخفيف والتجاوز، وفي نسخة بذلك، وأشير إليه بما يشار به للبعيد؛ تفخيماً نحو قوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب﴾(٢) (منك تجاوزوا عن عبدي) خطاب للآيتين به، وفي قوله عبدي غاية التشريف، وإيماء إلى حكمة التجاوز (فقال عقبة بن عامر) الجهني (وأبو مسعود الأنصاري رضي الله عنهما) وهو عقبة بن عمرو الأنصاري البدري، السابق حديثه بنحوه (هكذا سمعناه من في رسول الله (صَلاة) قال المصنف: هكذا وقع في جميع نسخ صحيح مسلم فقال عقبة بن عامر وأبو مسعود، وقال الحفاظ: هذا الحديث إنما هو محفوظ لأبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري وحده، وليس لعقبة بن عامر فيه رواية، قال الدارقطني: والوهم في هذا الإِسناد من أبي خالد الأحمر قال: وصوابه فقال عقبة بن عمرو أبو مسعود الأنصاري. كذا رواه أصحاب أبي مالك سعد بن طارق، وتابعهم نعيم بن أبي هند، وعبد الملك بن عمير ومنصور وغيرهم عن ربعي عن حذيفة فقالوا في آخر الحديث: فقال عقبة بن عمرو أبو مسعود. اهـ وفي الأطراف للمزي قال: خلف قوله عقبة بن عامر وهم لا أعلم أحداً قاله غيره يعني أبا سعيد الأشج، والحديث إنما يحفظ من حديث عقبة بن عمرو أبي مسعود اهـ (رواه مسلم) (٣) فالحديث عن حذيفة موقوف عليه، وله حكم المرفوع؛ لأن مثله لا یقال رأياً. ١٣٧١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّةٍ: من أنظر معسراً) أي: أخر مطالبته (أو وضع) أي: حط (له) أي لأجله أو عنه (أظله الله) من حر الشمس التي تدنو من العباد قدر ميل (يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله) ففيه غاية التشريف، وقد (١) أخرجه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: فضل إنظار المعسر، (الحديث: ٢٩). (٢) سورة البقرة، الآية: ٢. (٣) قال المنذر: رواه مسلم هكذا موقوفاً على حذيفة ومرفوعاً عن عقبة وأبي مسعود. ١٦٧ ٢٤٠ - باب: في فضل السماحة في البيع والشراء التِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). ١٣٧٢ - وعَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ اشْتَرِى مِنْهُ بَعِيرَاً فَوَزَنَ لَهُ فَأَرْجَحَ. مُتْفَقٌّ عَلَيْهِ(٢). ١٣٧٣ - وعَنْ أَبي صَفْوانَ سُوَيْدٍ بِنِ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تقدم عدة من يظلهم الله تحت ظله، وأنها تسعة وثمانون خصلة في باب فضل الحب في الله (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) وفي الجامع أن الحديث باللفظ المذكور أخرجه أحمد، ومسلم من حديث أبي اليسر، فكان ذكر كونه في الصحيح أولى. ١٣٧٢ - (وعن جابر رضي الله عنه أن النبي (وَّر اشترى منه بعيراً) وكان ذلك في رجوعه معه من غزوة. رجح الحافظ في الفتح في أبواب الشروط أنها غزوة ذات الرقاع. قال القاضي عياض: وجمع بين الروايات المختلفة في قدر ثمنه بأن سبب الاختلاف أنهما رووا بالمعنى، وهو جائز فالمراد أوقية من الذهب والأربع الأواق والخمس، أي: من الفضة وهي بقدر قيمة الأوقية من الذهب والأربعة دنانير مع العشرين ديناراً محمولة على اختلاف الوزن والعدد. وكذا رواية أربعين درهماً مع المائتين. قال: وكان الإِخبار بالفضة عما وقع عليه العقد، وبالذهب عما حصل به الوفاء، أو بالعكس. اهـ ملخّصاً قال الحافظ بعد نقل نحوه عن أبي جعفر الداودي: ولا يخفى ما فيه من التعسف. قال القرطبي: اختلفوا في ثمنه اختلافاً لا يقبل التلفيق، وتكلف ذلك بعيد عن التحقيق والذي تحصل من مجموع الروايات أنه باعه الجمل بثمن معلوم عندهما، وزاده عند الوفاء زيادة معلومة، ولا يضر عدم العلم بحقيقة ذلك (فوزن له) أي الثمن: أي: أمر بذلك بلالاً وأن يرجح له (فأرجح) جاء أنه زاده قيراطاً قال جابر: فقلت: لا تفارقني زيادة رسول الله ﴿ الحديث، وفيه ذكر أخذ أهل الشام له يوم الحرة: رواه مسلم (متفق عليه). ١٣٧٣ - (وعن أبي صفوان) بفتح المهملة وسكون الفاء (سويد) بضم المهملة وفتح الواو وسكون التحتية فدال مهملة (ابن قيس) قال ابن الأثير: ويكنى بأبي مرحب (رضي الله عنه) وقال الحافظ في التقريب: نزل الكوفة خرّج حديثه الأربعة، روي له عن رسول الله العقل (١) أخرجه الترمذي في كتاب: البيوع، باب: ما جاء في إنظار المعسر والرفق به، (الحديث: ١٣٠٦). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: شراء الدواب والحمير (٢٦٩/٤). وأخرجه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: بيع البعير واستشار ركوبه، (الحديث: ١١٥). ١٦٨ ١٠ - كتاب: الجهاد قَالَ: جَلَبْتُ أَنَا وَمَخْرَمَةُ الْعَبْدِيُّ بَزَّاً مِنْ هَجَرَ، فَجَاءَنَا النَّبِيُّ وَ فَسَاوَمَنا سَراويلَ وَعِنْدِي وَزَّانْ يَزِنُ بِالْأَجْرِ، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َ﴿ لِلْوَزَّانِ: ((زِنْ وأَرْجِحْ)) رواهُ أبو داودَ والتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). (قال: جلبت أنا ومخرمة) بفتح الميم والراء وسكون المعجمة بينهما (العبدي) نسبته لعبد القيس بن ربيعة بن نزار، ولم أقف لمخرمة هذا على ترجمة، ولا أدري أصحابي هو أم لا؟ ولا ذكر له في أسد الغابة، ولا في التقريب (بزاً) بفتح الموحدة وتشديد الزاي. قال المصنف في التهذيب في حديث ((وفي البز صدقته)) بعد أن ضبطه، كما ذكر: وهذا وإن كان ظاهراً لا يحتاج إلى تقييد، فإنما قيدته، لأنه بلغني أن بعض الكتاب صحفه بالبر بضم الموحدة وبالراء. قال أهل اللغة: البز الثياب التي هي أمتعة البزاز (من هجر) بفتحتين اسم بلد مذكر معروف في المثل كمبضع تمر إلى هجر. وقال الزجاجي في الجمل: يذكر ويؤنث، وهو قصبة البحرين. قال الحازمي: بين هجر والبحرين سبعة أيام (فجاءنا النبي ول﴿ فساومنا سراويل) اسم أعجمي مفرد حمل في منع الصرف على نظائره في الوزن من صيغ الجموع، وقيل: يقدر له مفرد وأنه سرواله، وهو منصوب على نزع الخافض (وعندي وزان يزن بالأجر) أي: بالأجرة (فقال النبي ◌َّ للوزان زن وارجح) بقطع الهمزة (رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح) ورواه ابن ماجه في في التجارات. قال الترمذي: وفي الباب عن جابر وأبي هريرة. قال الدميري: ليس في هذا الحديث أن النبي ◌َّ لبسه؛ لكن الظاهر أنه ما اشتراه إلّ ليلبسه، لكن في حديث أبي هريرة الذي أشار إليه الترمذي ((قلت: يا رسول الله أتلبس السراويل؟ قال: أجل في السفر والحضر، وبالليل والنهار، فإني أمرت بالستر فلم أجد شيئاً أستر منه)) الحديث رواه أبو يعلى الموصلي والطبراني في المعجم الأوسط، ووجود السراويل في تركته لم ينقل، كما في حديث عمرو بن الحارث أخي جويرية: ((ما ترك ماله إلا سلاحه وبغلته)) الحديث، وفي الإحياء: (١) أخرجه أبو داود في كتاب: البيوع والإِجارات، باب: في الرجحان في الوزن [والوزن بالاجر]، (الحديث: ٣٣٣٦). وأخرجه الترمذي في كتاب: البيوع، باب: ما جاء في الرجحان في الوزن، (الحديث: ١٣٠٥). ١٦٩ ٢٤٠ - باب: في فضل السماحة في البيع والشراء لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً أوحى إليه أن وار عورتك عن أهل الأرض، فكان لا يتخذ من كل شيء إلّ واحداً إلا السراويل، فإنه كان يتخذ سروالين، فإذا غسل أحدهما لبس الآخر لئلا يأتي عليه حال إلا وعورته مستورة. وروى أبو نعيم في تاريخ أصبهان من حديث مالك بن عتاهية مرفوعاً: أن الأرض لتستغفر للمصلي بالسراويل. وروى أحمد عن أبي أمامة قال: قلنا: يا رسول الله أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون؟ قال: تسرولوا واتزروا، وخالفوا أهل الكتاب. اهـ ملخصاً. ٩٥٠٠". ١١ - كتاب: العلم ٢٤١ - باب: في فضل العلم قال الله تعالى(١): ﴿وَقُلَّ رَّبِّ زِدْني عِلْماً﴾. وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾. وَقَالَ تَعَالَى (٤): ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَماءُ﴾. كتاب العلم أي: فضله، والمراد الشرعي، وهو الحديث والتفسير والفقه وآلاتها (قال الله تعالى: وقل رب زدني علماً) هذا من أعظم أدلة شرف العلم وعظمه، إذ لم يؤمر مطار أن يسأل ربه الزيادة إلّ منه. أخرج ابن ماجه عن أبي هريرة قال: كان رسول الله وَالر يقول: ((اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علماً. والحمد لله على كل حال)) وأخرجه الترمذي من غير طريق، وزاد في رواية له ((وأعوذ بالله من حال أهل النار)). (وقال تعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) أي: لا استواء بينهم، فهو استفهام إنكاري في معنى النفي (وقال تعالى: يرفع الله الذين آمنوا منكم) بطاعتهم للرسول (والذين أوتوا العلم درجات) أي: ويرفع الله العلماء منهم خاصة درجات، بما جمعوا من العلم والعمل، ونصب درجات بالبدل من الذين آمنوا والذين أتوا العلم، أو بالتمييز قاله في جامع البيان. (١) سورة طه، الآية: ١١٤. (٢) سورة الزمر، الآية: ٩. (٣) سورة المجادلة، الآية: ١١ . (٤) سورة فاطر، الآية: ٢٨. ٠٠,۔۔ ١٧١ ٢٤١ - باب: في فضل العلم ١٣٧٤ - وعَنْ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرَاً يُفَقُّهْهُ فِي الدِّينِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ١٣٧٥ - وعَنِ ابنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ: ((لا حَسَد إلَّ في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتاهُ اللَّهُ مَالا فَسَلْطَهُ عَلى هَلَكَتِهِ في الْحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضي بِها ويُعَلِّمُها)» ١٣٧٤ - (وعن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّر: من يرد الله به خيراً) تنكيره للتفخيم (يفقهه في الدين) أي: يجعله عالماً بالأحكام الشرعية ذا بصيرة فيها بحيث يستخرج المعاني الكثيرة من الألفاظ القليلة (متفق عليه) ورواه أحمد من حديث معاوية، ورواه أحمد وللترمذي عن ابن عباس، ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة كذا في الجامع الصغير وزاد في الجامع الكبير: ورواه ابن حبان من حديث معاوية. ورواه الدارمي من حديث ابن عباس، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، ورواه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر. ورواه في الأوسط عن أبي هريرة، ورواه تمام، وابن عساكر عن عبد الملك بن مروان، عن أبي خالد عن أبيه، ورواه الطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية كلاهما من حديث ابن مسعود وزاد في آخره «ويلهمه رشده))، ورواه أحمد من حديث أبي هريرة وزاد ((وإنما أنا قاسم والله يعطي)). ١٣٧٥ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له: لا حسد) أي: لا غبطة محمودة كما سيأتي (إلا في اثنتين) من الخصال؛ لشرفها ففيها يتنافس المتنافسون (رجل) بالجر بدل على تقدير مضاف، أي: خصلة رجل، وبالنصب باضمار أعني، وبالرفع بإضمار مبتدأ، أي: أحدهما رجل (آتاه) بالمد أي: أعطاه (الله مالاً) التنوين فيه يحتمل أن يكون للتعظيم، وأن يكون لغيره (فسلطه على هلكته) بفتح أوليه، أي: إهلاكه ففيه مبالغتان: التعبير بالتسليط المقتضي لفعله، وبالهلكة المشعرة بفناء الكل، أي: إنفاقه (في الحق) أي: ما يحق فيه إنفاق المال من القرب (ورجل آتاه الله الحكمة) العلم النافع (فهو يقضي بها) أي: يفصل بين المترافعين إليه، إن كان قاضياً أو المستفتين إن كان مفتياً (ويعلمها) (١) أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: من يرد الله به خيراً، (١٥٠/١، ١٥١). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: النهي عن المسألة، (الحديث: ٩٨). ١٧٢ ١١ - كتاب: العلم مُتَّفَقْ عَلَيْهِ. وَالْمُرادُ بِالْحَسَدِ: الْغِبْطَةُ وَهُوَ: أَنْ يَتَمَنَّى مِثْلَهُ(١). ١٣٧٦ - وعَنْ أَبي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَهَ: ((مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصابَ أَرْضَاً فَكَانَتْ مِنْها طَائِفَةٌ طَيَِّةُ: قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ والْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْها أَجَادِبُ: أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَتَفَعَ اللَّهُ بِها. أي: الناس، وحذفه ليعم كل متعلم والحديث سبق مشروحاً في باب الكرم والجود (متفق عليه والمراد بالحسد) المحرض عليه بالسياق (الغبطة وهو) بالتذكير نظراً لقوله (أن يتمنى مثله) أي: مثل حال المغبوط أي: لا يغبط أحوالاً على إحدى هاتين، كما تقدم عن المصنف. ويجوز التأنيث نظراً لمرجع الخبر، وما جرى عليه المصنف من اعتبار الخبر أولى؛ لأنه محط الفائدة، وليس المراد بالحسد معناه الحقيقي أي: تمني زوال نعمة المحسود، فذلك حرام من الكبائر. ١٣٧٦ - (وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلفر: مثل) بفتح أوليه (ما بعثني الله به من الهدى) هو كالرشد والرشاد ضد الضلال (والعلم) هو صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض، أي: صفة ذلك العجيبة التي لغرابتها صارت كالقصة (كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة) أنث العامل مع الفصل بينه وبين معموله، وفي مثله يجوز هو والتذكير، وجاء القرآن بكل، قال تعالى: ﴿قد جاءتكم موعظة﴾(٢) وقال تعالى: ﴿من بعد ما جاءهم البينات﴾(٣) (قبلت الماء) فشربته (فأنبتت الكلأ) بفتح أوليه والهمز، أي: المرعى (والعشب) بضم المهملة وسكون المعجمة وبالموحدة، قال في المصباح: هو الكلأ الرطب في أول الربيع (الكثير) وصفه به لتأكيد ما دل عليه من العموم، أو هو اسم جنس محلى بأل، وما كان كذلك فمن ألفاظ العموم (وكان منها أجادب) بالجيم والدال المهملة، أي: أرض لا تنبت كلا، وقيل: هي التي تمسك الماء فلا يسرع إليه النضوب (أمسكت الماء فنفع الله بها) (١) أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: الاغتباط في العلم والحكمة (١٥٢/١ و١٥٣). وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه ... ، (الحديث: ٢٦٨). (٢) سورة يونس، الآية: ٥٧. (٣) سورة آل عمران، الآية: ١٠٥. ١٧٣ ٢٤١ - باب: في فضل العلم النَّاسَ فَشَرِبُوا مِنْهَا وَسَقَوْا وَزَرْعُوا، وأَصَابَ طِائِفَةٌ مِنْهَا أُخْرى إنَّمَا هِيَ قِيعانٌ: لا تُمْسِكُ مَاءً ولا تُنْبِتُ كَلَّاً؛ فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعِ بِذْلِكَ رَأْساً وَلَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). أي: بسببها (الناس فشربوا منها وسقوا مواشيهم وزرعوا) كذا عند البخاري، والذي في جميع نسخ مسلم: ورعوا، بالراء من الرعي، قال المصنف: وكلاهما صحيح (وأصاب طائفة منها أخرى) وصفها بذلك دون ما قبلها كأنها لسلب الانتفاع منها رأساً جنس آخر (إنما هي قيعان) الأصل قوعان، فأبدلت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها (لا تمسك ماء)؛ لكونها رملًا (ولا تنبت كلأ) لذلك (فذلك مثل من فقه) بضم القاف، على المشهور وقيل: بكسرها، وقد روي بالوجهين، والمشهور الضم قاله المصنف (في دين الله) أي: صار عالماً بالشرعيات (ونفعه ما بعثني الله به) أي: من الشريعة الغراء (فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) قال المصنف معنى الحديث أن الأرض ثلاثة أنواع وكذا الناس، فالأول من الأرض ينتفع بالمطر فيحيى بعد أن كان ميتاً وينبت الكلأ فينتفع به الناس والدواب بالشرب والرعي والزرع وغيرها وكذا النوع الأول من الناس يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحبي به قلبه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع وينفع. والثاني من الأرض لا تقبل الانتفاع في نفسها لكن فيها فائدة وهي إمساك الماء لغيرها فينتفع به الناس والدواب، وكذا النوع الثاني من الناس لهم قلوب واعية لكن ليست لهم أفهام ولا رسوخ لهم في العلم يستنبطون به المعاني والأحكام، ولا اجتهاد عندهم في الطاعة فهم يحفظونه حتى يأتي طالب متعطش لما عندهم فينتفع به فهؤلاء نفعوا بما بلغهم. والثالث من الأرض السباخ التي لا تنبت ونحوها فهي لا تنتفع بالماء ولا تمسكه لينتفع به غيرها، وكذا الثالث من الناس لا قلب له حافظ ولا فهم واعي فإذا سمع العلم لا ينتفع بهِ ولا يحفظه لينفع غيره اهـ من شرح مسلم للمصنف ملخصاً (متفق عليه) وقد سبق مشروحاً في باب الأمر بالمحافظة على السنة. (١) أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: أفضل من علم وعلَّم، (١٦٠/١، ١٦١). وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: بيان مثل ما بعث النبي ◌َّر من الهدى والعلم، (الحديث: ١٥). ١٧٤ ١١ - كتاب: العلم ١٣٧٧ - وعَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ ﴿ قَالَ لِعَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ((فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً واحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ١٣٧٨ - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو بنِ الْعاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيِّ ◌َّ قَالَ: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ولا حَرَجَ، ومَنْ كَذَبَ عَلَيَّ ١٣٧٧ - (وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي ◌َ ◌ّ قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه) لما أعطاه الراية يوم خيبر وأرسله لقتالهم وأمره أن يدعوهم أولاً إلى الإِسلام (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً) أتى به لدفع توهم أن المراد برجل الجنس كما في تمرة خير من جرادة (خير لك من حمر) بضم فسكون (النعم) بفتحتين من إضافة الصفة لموصوفها أي من الأبل الحمر وهي أشرف أموال العرب فلذا خصت بالذكر، والتفضيل بحسب ما عند أهل الدنيا من شرفها في الجملة وإلا فلا مناسبة بين العرض الفاني والشيء الباقي، والحديث سيق في خطبة الكتاب (متفق عليه). ١٣٧٨ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي ◌َّ قال: بلغوا) أمر على الوجوب الكفائي (عني ولو آية) قال البيضاوي: لم يقل ولو حديثاً لأن الأمر بتبليغ الحديث يفهم من هذا بطريق الأولى، فإن الآيات مع انتشارها وكثرة حملتها وتكفل الله سبحانه بحفظها وصونها عن الضياع والتحريف إذا كانت واجبة التبليغ، فالأحاديث التي ليس فيها شيء مما ذكر أولى بذلك اهـ (وحدثوا عن بني إسرائيل) اسم سرياني ليعقوب معناه عبد الله (ولا حرج) قال العلماء معناه ولا ضيق عليكم في التحديث عنهم، لأنه كان تقدم منه وَلّ الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم ثم حصلت التوسعة فيه، وقيل: معنى لا حرج لا تضيقوا صدوركم بما تسمعونه عنهم من الأعاجيب فإن ذلك قد وقع لهم كثيراً، وقيل: لا حرج في أن لا تحدثوا عنهم لأن قوله أولاً حدثوا صيغة أمر تقتضي الوجوب فأشار إلى عدم الوجوب، وأن الأمر فيه للإِباحة أي لا حرج في ترك التحديث عنهم وقيل لا حرج على حاكي ألفاظهم المستبشعة نحو قولهم ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا﴾(٢) وقولهم ﴿اجعل لنا إلها﴾(٣) وقيل: المعنى حدثوا عنهم بأي صورة اتصلت بها القصة عنهم من انقطاع أو (١) أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر، (٥٨/٧). وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، (الحديث: ٣٤). (٢) سورة المائدة، الآية: ٢٤ . (٣) سورة الأعراف، الآية: ١٣٨. ١٧٥ ٢٤١ - باب: في فضل العلم مُتَعَمِّداً فَلْيَتَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). ١٣٧٩ - وعَنْ أبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَن رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((ومَنْ سَلَكَ طريقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ» بلاغ لتعذر الاتصال في التحديث عنهم، بخلاف الأحكام الإِسلامية، فإن الأصل في التحديث فيها الاتصال ولا يتعذر ذلك لقرب العهد، وعلى كل حال فلا يجوز التحديث بالكذب عليهم. قال الشافعي: من المعلوم أنه وسط # لا يجيز التحديث بالكذب فالمعنى حدثوا عنهم بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحديث به عنهم، وهو نظير حديث ((إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم)) (ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) فيه دليل على أن الكذب عليه وسلم من الكبائر، بل حكي عن والد إمام الحرمين: أن فاعل ذلك مخلد في النار البتة. وحمل على من استحل ذلك أو على أنه زلة قلم، والجملة الجوابية طلبية لفظاً خبرية معنى، أي: فقد هيأ مقعده من النار. (رواه البخاري) ورواه أحمد والترمذي . ١٣٧٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَّر قال: ومن سلك طريقاً) أتى بالعاطف أوله؛ تنبيهاً على أنه بعض حديث، وتقدم بجملته في باب قضاء حوائج المسلمين، وسكت عما ترك؛ لعدم تعلقه بالترجمة (يلتمس) أي: يطلب فاستعير له اللمس كذا في النهاية (فيه علما) أي: مقرباً إلى الله تعالى ويدل على التقييد به قوله: (سهل الله له طريقاً إلى الجنة) لورود الوعيد لمن تعلم بعض العلوم المحرمة، والباقي منها كذلك بجامع التحريم. فشمل الحديث أنواع علوم الدين واندرج تحته قليلها وكثيرها. وفي رواية ((سلك الله به)) قال الطيبي: الضمير في به عائد إلى من والباء للتعدية، أي: يوفقه أن يسلك طريق الجنة، ويجوز أن يرجع الضمير إلى العلم، والباء سببية، ويكون سلك بمعنى سهل والعائد إلى من محذوف، والمعنى سهل الله له بسبب العلم طريقاً من طرق الجنة، فعلى الأول سلك من السلوك معدى بالباء، وعلى الثاني من السلك، والمفعول محذوف كقوله تعالى: ﴿يسلكه عذاباً صعداً﴾(٢) قيل: عذاباً مفعول ثان، وعلى التقديرين نسبة سلك (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل (١٤/١، ١٤١) و(٢٧٥/٢) و (١٨١/٣ و٣٦٦، ٤١٦٦). (٢) سورة الجن، الآية: ١٧ . ١٧٦ ١١ - كتاب: العلم رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ١٣٨٠ - وعَنْهُ أَيْضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ ﴿ قَالَ: ((مَنْ دَعا إلَى هُدئ كانَ لَهُ مِنَ الْأُجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢). ١٣٨١ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﴿ه: ((إِذَا مَاتَ ابنُ آدَمَ إلى الله تعالى على طريق المشاكلة اهـ (رواه مسلم). ١٣٨٠ - (وعنه أيضاً) كلمة تقال بين شيئين متفقين معنى ولا يمكن الاستغناء بأحدهما عن الآخر. وهي بالنصب حال أي: أخبر عنه راجعاً إلى الإِخبار عنه أو مفعول مطلق، وهي كلمة عربية كما أوضحت ذلك في شرح الأذكار (رضي الله عنه أن رسول الله وَّه قال: من دعا إلى هدى) ولو بإبانته وإظهاره قليلاً كان أو كثيراً (كان له من الأجر مثل أجور من تبعه) مثل بالرفع اسم كان، وخبرها أحد الظرفين المذكورين قبل، والآخر حال وقوله: (لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً) جملة مستأنفة؛ لبيان عظم فضل الله وكمال كرمه، وإنما لم ينقص ذلك ثواب العامل؛ لاختلاف وجهتي الإِثابة فهي للداعي من حيث الدعوة، وللعامل من حيث العمل. كما تقدم بيانه في خطبة الكتاب عند ذكر المصنف الحديث. وفي باب الدلالة على خير (رواه مسلم) وتتمته ((ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)). وفي الجامع الكبير بعد ذكر الحديث بجملته، رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة، ورواه الطبراني في الكبير عن ابن عمر اهـ ثم لا مخالفة بين الجملة الأخيرة التي هي في معنى قوله تعالى: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾(٣). وقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾(٤)؛ لأن الدال على الضلالة إنما أثم بعمل العامل لها؛ لكونه الدال عليها. فإثمه لدلالته، وهي من عمله فما أخذ بعمل غيره ووزره، بل بعمله ووزره والله أعلم. ١٣٨١ - (وعنه قال: قال رسول الله وَ ل﴿ إذا مات ابن آدم انقطع عمله) أي: من إثابته على (١) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (الحديث: ٣٨)، مطولاً . (٢) أخرجه مسلم في كتاب: العلم، باب: من سنَّ سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، (الحديث: ١٦). (٣) سورة النحل، الآية: ٢٥. (٤) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤ . ١٧٧ ٢٤١ - باب: في فضل العلم انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّ مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُولَهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). العمل المتجددة، بتجدد العمل المترتبة عليه، ترتب المسبب على السبب بالحكمة الإلهية وذلك؛ لأنه بالموت يقف العمل فيقف الثواب المرتب عليه (إلا من ثلاثة) فإن ثوابها يدوم للعامل بعد موته، وذلك لدوام أثره فدام ثوابه، وأثبت التاء إما لأن المعدود مذكر، أي : ثلاثة أعمال، أو لحذفه، أي: ثلاث خصال، والأول أقرب (صدقة جارية) هي الوقف (أو علم ينتفع به) هو التعليم والتصنيف، والثاني أقوى؛ لطول بقائه على ممر الزمان قاله القاضي تاج الدين السبكي (أو ولد صالح) أي: مسلم (يدعو له) أي: بالمغفرة كما يأتي في حديث أنس أو بأعم منها (رواه مسلم) ورواه البخاري في الأدب المفرد، والنسائي. قال العلقمي: قال شيخ الحديث: يعني شيخه السيوطي: روى الطبراني من حديث أبي أمامة مرفوعاً ((أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت: مرابطٍ في سبيل الله، ومن علّم علماً، ورجل تصدق بصدقة فأجرها له ما جرت، ورجل ترك ولداً صالحاً يدعو له)) وللبزار من حديث أنس مرفوعاً ((سبع يجري للعبد أجرها بعد موته وهو في قبره: من علّم علماً، أو أجرى نهراً، أو حفر بئراً، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجداً، أو ورث مصحفاً، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته)). ولابن ماجه وابن خزيمة من حديث أبي هريرة. ((أن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً نشره أو ولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته)). ولابن عساكر في تاريخه من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً ((من علم آية من كتاب الله أو باباً من علم أنمى الله أجره إلى يوم القيامة))، ثم قال: وقد تحصل من ذلك أحد عشر أمراً وقد نظمتها في أبيات. اهـ وقد تقدم في باب الصدقة عن الميت ذكرها، ونظمتها أيضاً فقلت: يثاب فلازمها إذا كنت ذا ذكر خصال عليها المرء من بعد موته ونشر لعلم غرس نخل بلا نكر رباط بثغر ثم توريث مصحف وبيت غريب في التصدق إذ يجري وحفر لبئر ثم إجراء نهر لذكر ونجل مسلم طيب الذكر وتعليم قرآن وتشييد منزل أو الدين عنه قد قضى كامل الفخر وفي خبر من ذا إذا حج فرضه ولم يذكر الراوي لذلك ما يدري روى ابن عماد ذا بحسن ذريعة (١) أخرجه مسلم في كتاب: الوصية، باب: ما يلحق الإِنسان من الثواب بعد وفاته، (الحديث: ١٤). ١٧٨ ١١ - كتاب: العلم ١٣٨٢ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ لهِ يَقولُ: ((الدُّنْيا مَلْعُونَةٌ مَلْعونٌ مَا فِيها، إِلّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعالَى وَما والاهُ وَعَالِماً أَوْ مُتَعَلِّماً) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيْثٌ حَسَنٌ. قَوْلُهُ ((وَمَا وَالاهُ»: أَي طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى(١). ١٣٨٣ - وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ﴾: ((مَنْ خَرَجَ في طَبِ الْعِلْمِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ)) رواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (٢). ١٣٨٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عن رَسولِ اللَّهِ وَهِ، قَالَ: ((لَنْ يَشْبَعَ مُؤْمِنٌ من خَيْرٍ . ١٣٨٢ - (وعنه قال: سمعت رسول الله وَ لل يقول الدنيا) تقدم أن الصحيح أنها ما عدا الآخرة، من جميع الأعراض والجواهر العاجلة (ملعونة) أي بعيدة عن الله (ملعون) أي: بعيد (ما فيها)؛ لأنها رأس كل خطيئة (إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً) وليس من الدنيا الطاعات، ولا الأصفياء من الأنبياء والأولياء. وتقدم الجمع بين الوارد في ذم الدنيا، والوارد في مدحها، بحمل الأول على ما يبعد عن الله تعالى، والثاني على ما يقرب إليه كما يومىء إليه الإِستثناء المذكور في الحديث، وهو متصل، نظراً لكون المستثنى منها باعتبار الظاهر، وإن كان في الحقيقة فيها لا منها. وتقدم الحديث مشروحاً في باب فضل الزهد في الدنيا (رواه الترمذي وقال: حديث حسن. قوله) وَ ﴾ (وما والاه أي طاعة الله) أي: فكأنه قال إلّ ذكر الله وطاعته، والذكر حينئذ القول الذي يثنى به عليه سبحانه وتعالى وينزه به. ١٣٨٣ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّر: من خرج في طلب العلم) أي لطلب العلم الشرعي ومثله آلاته (فهو في سبيل الله) أي: طاعته (حتى يرجع) إلى منزله، قال المظهري: وجه مشابهة طلب العلم بالجهاد في سبيل الله أنه إحياء الدين، وإذلال الشيطان، وإتعاب النفس، وكسر الهوى واللذة (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) ورواه الضياء . ١٣٨٤ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله وسلّم قال: لن يشبع مؤمن من خير) أي: من كل مقرب إلى الله تعالى من سائر الطاعات وأشرفها، كما جاء في رواية (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد [باب: ١٤]، (الحديث: ٢٣٢٢). (٢) أخرجه الترمذي في كتاب: العلم، باب: فضل طلب العلم، (الحديث: ٢٦٤٧). ١٧٩ ٢٤١ - باب: في فضل العلم حَتَّى يكونَ مُنْتَهَاهُ الجَنَّةَ)). رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ (١). ١٣٨٥ - وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ قَالَ: ((فَضْلُ الْعالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلي عَلى أَدْنَاكُمْ)) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َ: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّماواتِ والأرْضِ حَتَّى الَّمْلَةَ في جُحْرِهَا وحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ زيادة: يسمعه (حتى يكون منتهاه الجنة) حتى فيه محتملة؛ لكونها غاية للشبع، أي: لا ينتهي عن الخير حتى يموت فيدخل الجنة بما اكتسب في حياته من العمل الصالح، ولكونها تعليلية، أي: عدم قناعته بيسير من الطاعة ليكون مآله الجنة، فإنها تتفاوت منازلها بتفاوته (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) ورواه ابن حبان في صحيحه. ١٣٨٥ - (وعن أبي إمامة رضي الله عنه أن رسول الله وَ ير قال: فضل العالم) أي: المقتصر على فرائض العبادات، ويصرف باقي أوقاته في العلم (على العابد) أي: العارف بما يجب عليه تعلمه من الديانات فقط ويصرف ما زاد عليه في التعبد (كفضلي على أدناكم) فيه عظم شرف العلماء. قال: الزملكاني، في كتابه المسمى تحقيق الألى (٢) من أهل الرفيق الأعلى بعد كلام طويل ساقه في وجوه التفضيل وأسبابه ما لفظه: والذي استقر من ذلك أن العالم المستحق للتفضيل بالعلم، هو الذي تعلم العلم النافع في الدنيا والآخرة، وقام بحق علمه من عمل أو نفع أو هداية أو غير ذلك، من حقوق العلم النافع فذلك هو العالم المفضل بعلمه اهـ (ثم قال رسول الله وَالر: إن الله وملائكته وأهل السموات) عطف عام على خاص، إن أريد بهم جميع الملائكة، وإن أريد بالملائكة المقربون كما يوميء إليه إضافتهم للاسم الكريم، وبأهل السموات باقي الملائكة كان من عطف المغاير (والأرض حتى النملة) بالنصب عطفاً على أهل، وهي غاية لما قبلها في القلة والصغر مستوعبة لثواب البر. وجوّز ابن حجر في فتح الإله كونها جارة. (في جحرها) بضم الجيم (وحتى الحوت) أتى بالواو(٣) كأنه والله أعلم لئلا يتوهم أن هذه بدل من تلك وهي غاية مستوعبة لدواب البحر (ليصلون) هو من استعمال اللفظ في معانيه دفعه واحدة، وهل هو مشترك بينهما أو حقيقة في أحدها مجاز في غيره؟ خلاف يأتي تحقيقه أول كتاب الصلاة على رسول الله وَّه إن شاء الله (١) أخرجه الترمذي في كتاب: العلم، باب: ما جاء في فضل الفقه على العبادة، (الحديث: ٢٦٨٦). (٢) الألى من غير واو بمعنى الذين. ع (٣) لعل المراد أنه أتى بالواو مع حتى ولم يأت بأو بدلهما لئلا يتوهم أنها للشك فليتأمل. ع ١٨٠ ١١ - كتاب: العلم عَلَى مُعَلِّمي النَّاسِ الْخَيْرَ) رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (١). ١٣٨٦ - وعَنْ أَبي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِوَ لِ يَقولُ: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْماً سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقاً إِلَى الْجَنَّةِ، وإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطالِبِ الْعِلْمِ رِضَأْ بِمَا صَنَعَ، وإِنَّ الْعالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ في تعالى، وهي من الله رحمة مقرونة بتعظيم، ومن الملائكة استغفار، ومن المؤمنين تضرع ودعاء. والظاهر أنها من الحيوانات تضرع ودعاء أيضاً (على معلمي الناس الخير) عدل إليه عن العالم الذي اقتضاه السياق؛ لبيان سبب شرف العالم وامتيازه على العابد، وهو عموم نفعه وتعديه (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) قال في المشكاة: ورواه الدارمي عن مکحول مرسلاً. ١٣٨٦ - (وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَ ل يقول: من سلك طريقاً يبتغي فيه) وفي رواية يطلب فيه (علماً) أي: شرعياً أو آلته، ولو وسيلة كما تقدم (سهل الله له طريقاً إلى الجنة) وذلك الأعمال الصالحة لتوصله بها إلى الجنة. ومنها أن يسهل عليه ما يزداد به علمه؛ لأنه من جملة الأسباب الموصلة إلى الجنة، بل إلى أعلاها لتوقف صحة الأعمال وقبولها عليه (وإن الملائكة) يحتمل أن يراد بهم ملائكة الرحمة ونحوهم من الساعين في مصالح بني آدم، ويحتمل أن يراد الكل، وهذا أنسب بالمعنى المجازي الآتي. والأول أنسب بالمعنى الحقيقي (لتضع أجنحتها) حقيقة وإن لم نشاهده للقاعدة: أن كل ما ورد وأمكن حمله على ظاهره حمل عليه ما لم يصرفه عنه صارف. وحينئذ فهي تكف أجنحتها عن الطيران وتنزل لسماع العلم، إذ هو أشرف الذكر. وقيل: هو مجاز إما عن التواضع نظير ﴿واخفض جناحك﴾(٢) أو عن المعونة وتيسير السعي في طلب العلم (الطالب العلم رضاً) مفعول له مستوفى للشروط أي: لأجل الرضا الحاصل منها، أو لأجل إرضائها (بما يصنع) من حيازة الوراثة العظمى، وسلوك السنن الأسمى (وإن العالم) ترق إلى ذكر ما هو أبلغ في فضله بإثبات وصف العلم له بعد إثبات فضل طلبه، فيما قبله. وبإثبات استغفار من يأتي إلا رفع من مجرد وضع الأجنحة، كذا قيل: واستوجه في فتح الإِلٍه أن وضع الأجنحة للطالب قبل أن يسمى عالماً، والاستغفار للعالم فلا ترقى (ليستغفر له من في (١) أخرجه الترمذي في كتاب: العلم، باب: ما جاء في فضل الفقه على العبادة، (الحديث: ٢٦٨٥). (٢) سورة الشعراء، الآية: ٢١٥.