Indexed OCR Text

Pages 321-340

٥ - كتاب: السلام
١٣١ - باب: في فضل السلام والأمر بإفشائه
قال اللَّهُ تعالى (١): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا لا تَدْخُلوا بُيوتَاً غَيْرَ بُيوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسوا
وتُسَلِّموا عَلى أَهْلِها﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ
كتاب السلام
كتاب السلام: أي: التحية. قال بعضهم: تحية عرفة الوقوف بها، وتحية منى الرمي
بجمرة العقبة، وتحية المسجد ركعتان فأكثر، وتحية المسلم السلام عليه .
باب فضل السلام والأمر به
باب فضل السلام والأمر به أي: إظهاره وإشاعته ونشره (قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين
آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم﴾) التي تسكنوها (حتى تستأنسوا) أي: تستأذنوا (وتسلموا
على أهلها) بأن تقولوا: السلام عليكم أأدخل، ويقول ذلك ثلاثاً؛ فإن أذن له وإلا انصرف
وإن كان بيت أمه وبنيه (وقال تعالى: فإذا دخلتم بيوتاً) قيل: المراد بيوت أنفسكم (فسلموا
على أنفسكم) أي: على أهل بيتكم إن كان بها له أهل، وإلا سلم على نفسه. وقيل: المراد
بيوت من أذن لكم في الأكل من بيوتهم من الأقرباء والأصدقاء، والمعنى فإذا دخلتم تلك
البيوت المذكور أهلها في الآية فسلموا على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة. وقيل:
المعنى إذا دخلتم بيوتاً خالية فقولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وعلى الأول
(١) سورة النور، الآية: ٢٧.
(٢) سورة النور، الآية: ٦١.

٣٢٢
٥ - كتاب: السلام
تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾.
وَقَالَ تَعَالَى(١): ﴿وَإِذَا حُيِِّتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿هَلْ أَتَاكَ حَديثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا
سَلامَاً قَالَ سَلامٌ﴾.
٨٤٣ - وعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ
جرى المصنف في أذكاره فقال: يستحب لداخل منزل أن يسلم سواء كان في البيت آدمي أم
لا لقوله تعالى فذكره، قال وفي الترمذي عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً: ((يا بني إذا دخلت
على أهلك فسلم تكن بركة عليك وعلى أهل بيتك)) قال الترمذي حديث حسن صحيح،
وقيل غير ذلك مما بيناه فيما كتبناه على الأذكار المذكورة مجيبين بذلك فيكون حالاً (تحية)
نصب على المصدر؛ لأنها بمعنى التسليم، ويجوز أن يكون معناه قولوا سلام الله عليكم
ورحمته وبركاته فتكون حالاً (من عند الله) أي: ثابتة بأمره من عنده (مباركة) يرجى بها زيادة
الخير (طيبة) تطيب بها نفس المستمع (وقال تعالى: وإذا حييتم بتحية) أي وإذا سلم عليكم
(فحيوا بأحسن منها) أي: بزيادة عليها، فإذا قال لكم أحد: السلام عليكم ورحمة الله
تقولوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته (أوردوها) كما سلم عليكم من غير زيادة.
والزيادة سنة والرد واجب في أصل السلام، وقال قتادة: الزيادة للمسلمين والرد لأهل الذمة
(وقال تعالى وهل أتاك حديث ضيف إبراهيم) فيه تعظيم لشأن الحديث، وتنبيه على أنه إنما
عرفه بالوحي. والضيف كما تقدم في الأصل مصدر ولذا أطلق على الواحد والمتعدد، قيل:
كانوا اثنى عشر ملكاً، وقيل: ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل وسماهم ضيفاً؛ لأنهم في
صورة الإِنسان (المكرمكين) أي: عند الله تعالى، أو عند إبراهيم عليه السلام إذ خدمهم
بنفسه وزوجته (إذ دخلوا عليه) ظرف للحديث، أو الضيف، أو المكرمين (فقالوا: سلاماً قال
سلام) أي: علیکم. عدل به إلى الرفع بالابتداء لقصد الثبات حتى تكون تحيته أحسن من
تحيتهم، كما أوضحته في شرح الأذكار مرفوعين أو منصوبين والمآل إلى واحد.
٨٤٣ - (وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رجلاً) قال السيوطي : قيل هو
(١) سورة النساء، الآية: ٨٦.
(٢) سورة الذاريات، الآيتان: ٢٤، ٢٥.

٣٢٣
١٣١ - باب: في فضل السلام
رسُولَ اللهِ وَهِ: أَيُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ؟)) قَالَ: ((تُطْعِمُ الطَّعامَ، وتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ
عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٨٤٤ _ وعَنْ أَبِي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عنِ النَّبِيِّ وَهِ قَالَ: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى
آدَمَ قالَ: اذْهَبْ فَسَلُّمْ على أُولَئِكَ: نَفَرٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ جُلوسٍ، فَاسْتَمِعْ
مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّها تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَتِكَ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ. فَقالوا: السَّلامُ
عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. فَزَادُوهُ: ورَحْمَةُ اللَّهِ))
أبو ذر. (قال: أي: الإِسلام) أي: خصا له (خير) أي: أكثر ثواباً عند الله تعالى (قال تطعم)
على حذف أن، أي: أن تطعم (الطعام) وذلك لما فيه من تحمل كلفة الفقر ودفع الحاجة
عنه، ودخل فيه جليل الطعام وحقيره، وقليله وكثيره (وتقرأ السلام) بفتح التاء والراء قال أبو
حاتم: تقول أقرأ عليه السلام ولا تقول أقرأه السلام فإذا كان مكتوباً قلت: أقرأته السلام،
أي: اجعله يقرأه (على من) أي: الذين (عرفت ومن لم تعرف) والعائد فيهما محذوف
(متفق عليه).
٨٤٤ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَّر قال: لما خلق الله تعالى آدم) أي:
أخرجه من كتم(١) العدم إلى الوجود (قال اذهب فسلم على أولئك) فيه إشعار بأنهم كانوا
على بعد (نفر) بالخفض في الرواية، ويجوز الرفع والنصب، ووصف النفر بقوله: (من
الملائكة) قال في فتح الباري: ولم أقف على تعيينهم (فاستمع) في رواية الكشميهني :
فاسمع (ما يحيونك) كذا للأكثر من التحية، وعند أبي ذر من رواية البخاري بالجيم
والموحدة من الإِجابة، وكذا رواه البخاري في الأدب المفرد (فإنها) أي: كلماتهم التي
يحيونك أو يحيونك بها (تحيتك وتحية ذريتك من بعدك) أي: فهذه تحيتكم من الشرع، أو
المراد بالذرية بعضهم وهم المسلمون (فقال: السلام عليكم) يحتمل أنه علم ذلك
تنصيصاً، ويحتمل أن آدم فهم ذلك من قوله تعالى فسلم، ويحتمل أنه تعالى ألهمه أن يقول
ذلك كما ألهمه الحمد عند العطاس (فقالوا: السلام عليك ورحمة الله) كذا للأكثر رواه
البخاري في الاستئذان وبدء الخلق، ووقع للكشميهني فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: إطعام الطعام في الإِسلام وفي الاستئذان، باب: السلام
للمعرفة وغير المعرفة (١٨/١١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان تفاضل الإِسلام واي اموره أفضل ، (الحديث: ٦٣).
(٢) كذا في النسخ وفي بعضها كهتم. ع.

٣٢٤
٥ - كتاب: السلام
مُتَّفَقُ عَلَيْهِ(١).
٨٤٥ _ وعَنْ أَبِي عُبادَةَ الْبَراءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: أَمَرَنا
رَسُولُ اللّهِ وَهِ بِسَبْعٍ: بِعيادَةِ الْمَريضِ، واتِّاعِ الْجَنائِ وَتَشْميتِ الْعاِسِ، ونَصْرِ
وعليها شرح الخطابي وأفادت رواية الأكثر إجزاء رد السلام فيه باللفظ المبتدأ به (فزادوه
ورحمة الله) ففيه مشروعية الزيادة في الرد على الابتداء وتقدم قوله تعالى: ﴿وإذا حييتم
بتحية فحيوا بأحسن منها﴾ (٢) وهل يزاد من قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته في
الجواب على ما قال أو لا . الجمهور على الثاني أخرج مالك في الموطأ عن ابن عباس انتهاء
السلام إلى البركة، والبيهقي في الشعب قال جاء رجل إلى ابن عمر فقال: السلام عليكم
ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: حسبك إلى وبركاته. انتهت. وعن عمر قال: أشهر
السلام إلي وبركاته. وقال آخرون بجواز الزيادة على ذلك، قال أبو الوليد بن رشد يؤخذ من
قوله تعالى: ﴿فحيوا بأحسن منها﴾(٢) جواز الزيادة على وبركاته إذا انتهى إليها المبتدى
(متفق عليه) رواه البخاري في مواضع من صحيحه، منها كتاب الأنبياء ومنها في الاستئذان،
ومسلم في صفة الجنة.
٨٤٥ - (وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما) والحديث تقدم بطوله وفيه ذكر السبع
المنهي عنها في باب تعظيم حرمات المسلمين، وسبق شرحه ثمة (قال: أمرنا
رسول الله ◌َ*) المراد منه هنا ما يشمل أمر الوجوب والاستحباب، ما من استعمال اللفظ في
حقيقته ومجازه كما هو مذهب جمع من الأئمة منهم إمامنا الشافعي، أو من عموم المجاز
جائز عند الجمع (بسبع) بتقديم المهملة على الموحدة أو إعادة الجار في البدل فقال:
(بعيادة المريض) أي: زيارته، فيسن زيارة كل مريض من المسلمين بأي مرض كان وهي
سنة، وقيل: فرض كفاية (واتباع) بتشديد الفوقية (الجنائز) أي: تشييعها (وتشميت) بالشين
المعجمة وبالمهملة كما سيأتي بسط معناهما (العاطس) أي: إذا حمد لله تعالى (ونصر
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة ... ﴾ وفي كتاب:
الاستئذان، باب: بدء السلام (٢/١١، ٦).
وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: يدخل الجنة أقوام افئدتهم مثل افئدة
الطير، (الحديث: ٢٨).
(٢) سورة النساء، الآية: ٨٦.

٣٢٥
١٣١ - باب: في فضل السلام
الضَّعِيفِ، وعَونِ الْمَظْلومِ، وإنْشاءِ السَّلامِ، وإِبْرارِ الْقَسَم. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. هَذَا لَفْظُ
إحدى رواياتِ الْبُخَارِيُّ(١).
٨٤٦ - وعنْ أَبي هُرِيْرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ: ((لا تَدْخُلوا
الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنُوا حَتَّى تَحابُوا، أَوَلا أَدُلَّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمِوهُ
تَحابَيْتُمْ؟ أَفْتُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢).
الضعيف) إعانته على من ظلمه بالحيلولة بينهما وإعلاء حجته (وعون المظلوم) بالقول
والفعل حتى يندفع عنه أذى الظالم (وإنشاء) أي: إشاعة (السلام وإبرار المقسم) أي:
الحالف على عمل شيء، كان يقول إنسان والله ليصلين مثلاً فيطلب منك إعانته على إبرار
قسمه بفعلك الصلاة لينجو من الحنث، وفي نسخة القسم بحذف الميم، أي: وإمرار
الحلف (متفق عليه) وهذا لفظ البخاري في الاستئذان لكن عنده المقسم بالميم وفيه ذكر
المنهيات السبع.
٨٤٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ لقول لا تدخلوا الجنة حتى
تؤمنوا) فالجنة محرمة على الكافر، قال تعالى: ﴿إن الله حرمهما على الكافرين﴾(١) (ولا
تؤمنوا) أي: إيماناً كاملاً، وحذفت النون من الفعل المرفوع ليشاكل ما قبله ويناسبه (حتى
تحابوا) أي: تتحابوا، فحذفت إحدى التائين تخفيفاً، أي: يحب بعضكم بعضاً، ولما كانت
المحبة أمراً قهرياً لا اختيار فيه على الأصح في ذلك، لكن الأسباب المؤدية إليها في
الاختيار أرشد إليها بقوله: (أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم) الواو عاطفة دخلت
أداة الاستفهام عليها مع معطوفها والمعطوف عليه متصيد من مفهوم الكلام، أي: أتسألون
سبب التحابب ولا أدلكم إلخ، والتنوين في شيء يحتمل كونه للتعظيم باعتبار ثمرته،
وللتعليل باعتبار لفظه (افشوا) بقطع الهمزة، أي: اظهروا (السلام بينكم) وذلك إن الله تعالى
جعل إشاعة السلام وإذاعته سبباً للتوادد، وقوله: ((افشوا)) جواب لمقدر كأنهم قالوا دلنا على
ذلك (رواه مسلم).
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الاستئذان، باب: افشاء السلام (٩٠/٣)، (١٥/١١).
وأخرجه مسلم في كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة ... (الحديث:
٣).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ... (الحديث: ٩٣).
(٣) سورة النساء، الآية: ٨٦.

٣٢٦
٥ - كتاب: السلام
٨٤٧ - وعَنْ أبي يُوسُفَ عَبْدِ اللهِ بنِ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِهِ يقولُ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلامَ، وأَطْعِموا الطَّعامَ، وَصِلُوا
الْأَرْحَامَ، وصَلُّوا والنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ)) رواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حديثٌ
صَحيح(١).
٨٤٨ - وعَنْ الطَّفَيْلِ بنِ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ فَيَغْدو مَعَهُ
٨٤٧ - (وعن أبي يوسف) فيه ست لغات بتثليث السين مع الهمزة وإبدالها واواً وأفصحها
ضمها وهذه كنية (عبدالله بن سلام) بفتح المهملة وتخفيف اللام ابن الحارث الإِسرائيلي
الصحابي (رضي الله عنه) كان اسمه الحصين فسماه النبي ◌َّ عبد الله، مشهور له أحاديث،
مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين خرج عنه الجميع، كذا في تقريب الحافظ وفي تهذيب
المصنف كان حليفاً لبني الخزرج وهو من بني نسقاع بتثليث النون، وهو من ولد يوسف بن
يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، كني بولده يوسف أسلم حين قدوم
رسول الله * المدينة، ونزل في فضله قوله تعالى: ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل على
مثله فآمن واستكبرتم﴾(٢) وقوله تعالى: ﴿قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم
الكتاب﴾(٣) روي له عن رسول الله وَ ل خمسة وعشرون حديثاً، اتفقا على حديث وانفرد
البخاري بآخر اهـ. (قال سمعت رسول الله وَّ ر يقول) وذلك أول اجتماعه عليه (يا أيها
الناس افشوا) بقطع الهمزة، أي: أشيعوا وانشروا (السلام) بينكم. والابتداء به سنة والرد
واجب كفاية على الأصح (وأطعموا الطعام) ندباً في نحو الضيافة، وفرض كفاية لسد حاجة
المحتاج (وصلوا الأرحام) وتقدم وجوبها وتفاوت مراتبها في باب مستقل بها (وصلوا) من
الصلاة، ولا يخفى ما بينه وبين ما قبله من الجناس الخطي (بالليل) أي: تهجدوا (والناس
نيام) جملة حالية من فاعل صلوا وقوله: (تدخلوا الجنة بسلام) جواب لمقدر، أي: إن فعلتم
ما ذكر تدخلوها متلبسين بالسلام من الآفات التي تكون في غيرها، وبه سميت دار السلام
على أحد الأقوال. والمراد دخولها مع الناجين، وإلا فدخولها لأهل الإِيمان واجب بالوعد
الذي لا يخلف، ويحتمل أن المراد مطلق دخولها مع الناجين فيكون فيه تبشير فاعل هذه
الأمور بالموت على الإِسلام ليكون من أهلها (رواه الترمذي وقال: حديث صحيح).
٨٤٨ - (وعن الطفيل) بضم الطاء المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية (ابن أبي) بضم ففتح
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة، [باب: ٤٢]، (الحديث: ٢٤٨٥).
(٢) سورة الأحقاف، الآية: ١٠ .
(٣) سورة الرعد، الآية: ٤٣.

٣٢٧
١٣١ - باب: في فضل السلام
إِلَى السُّوقِ، قالَ: فَإِذا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ لَمْ يَمُرَّ عبدُ اللَّهِ عَلَى سَقَّاطٍ ولا صَاحِبٍ
بَيْعَةٍ ولا مِسْكينٍ ولا أَحَدٍ إِلَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ، قالَ الُّفَيْلُ: فَجِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بَنَ عُمَرَ يَوْماً
فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَى السُّوقِ فَقُلْتُ لَهُ: مَا تَصْنَعُ بِالسُّوقِ وأَنْتَ لا تَقِفُ عَلى الْبَيْعِ
ولا تَسْأَلُ عَنِ السِّلَعِ ولا تَسومُ بِها ولا تَجْلِسُ في مَجالِسِ السُّوقِ؟ وأَقْولُ: اجْلِسْ
بِنَا هَهُنَا نَتَحَدَّثْ، فَقالَ: يَا أَبَا بَطْنِ (وكانَ الطَّفَيْلُ ذَا بَطْنِ) إِنَّمَا نَغْدوا مِنْ أَجْلِ
فتشديد التحتية (ابن كعب الأنصاري) المقرىء والده وهو تابعي وليس صحابياً إنما
الصحابي والده فما في بعض النسخ من قوله رضي الله عنه الموهم كونه صحابياً من تحريف
الكتاب بلا ارتياب أنه كان يأتي عبدالله بن عمر يحكي (يقول) أي: قال: (إنه كان يأتي ابن
عمر) لغرض من الأغراض (فيغدو) من الغدو وهو الذهاب وهو ما بين صلاة الصبح وطلوع
الشمس قال في المصباح: هذا أصله ثم كثر ثم استعمل في الذهاب والانطلاق أي وقت
كان ومنه قوله # واغد يا أنيس أي: انطلق. قلت: وما نحن فيه الظاهر أنه من هذا الأخير
(إلى السوق) مؤنثة معنوية سميت بذلك لسوق البضائع إليها أو للوقوف فيها على الساق أو
لتزاحم السوق، وأكد قال المقدر قبل بقوله: (قال: فإذا عمدنا إلى السوق لم يمر عبدالله
على سقاط) بفتح المهملة الأولى، وتشديد القاف وهو بياع السقط بفتحتين، أي : رديء
المتاع (ولا صاحب بيعة) بفتح الموحدة الواحدة من البيع، والمراد بقرينة مقابلة صاحب
بيعة نفيسة (ولا مسكين) أي: ذي حاجة (ولا أحد) من عطف العام على الخاص (إلا سلم
عليه قال الطفيل: فجئت عبدالله بن عمر يوماً) أي: لغرض (فاستتبعني) أي: طلب مني أن
أتبعه (إلى السوق فقلت له ما تصنع بالسوق وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل عن السلع)
بكسر ففتح، أي: البضائع جمع سلعة كقربةٍ وقرب (ولا تسوم بها) أي: بالسوق (ولا تجلس
في مجالس السوق) أي: أنك لا تصنع شيئاً من الأغراض التي تصنع في الأسواق من شراء
المتاع وعبر عنه بقوله لا تقف على البيع، أو معرفة السلعة وعبر عنها بقوله: ((ولا تسأل عن
السلع)) أو مما كسبه الباعة وعبر عنها بقوله: ((ولا تسوم بها)) أو الجلوس لرؤية ما فيها، وإذا
لم يكن واحد من أسباب الوصول إليها حاصلاً فما فائدة الذهاب وعطف على قوله فقلت له
إلخ قوله (وأقول) وهو هنا كحكاية الحال الماضية. أي: وقلت له (اجلس بنا ههنا) أي: في
هذا المكان الذي نحن به. وقوله: (نتحدث) يجوز جزمه جواباً للشرط المقدر لكونه جواب
الأمر ورفعه استئنافاً (فقال: يا أبا بطن) فيه جواز ذكر بعض خلق الإِنسان على وجه
الملاطفة، وبين الراوي وجه تكنية الطفيلي بها بقوله: (وكان الطفيل ذا بطن) أي: نات ولم

٣٢٨
٥ - كتاب: السلام
السَّلامِ نُسَلِّمُ عَلى مَنْ لَقِينَاهُ، رواهُ مالِكُ في الْمَوَطَّأَ بِإِسْنادٍ صحيحٍ (١).
١٣٢ - باب: في كيفية السلام
يُسْتَحَبُّ أَنْ يقولَ الْمُبْتَدِىُ بِالسَّلامِ: ((السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ))، فَيَأْتِي
بِضَمِيرِ الْجَمْعِ، وإِنْ كانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ واحِداً، ويَقولُ الْمُجيبُ: ((وعَلَيْكُمْ السَّلامُ
يكن بطنه مساوياً لصدره. والجملة معترضة بين القول والمقول الذي أتى به لبيان أن يكون
ما ذكرت المطلوب من السوق مطلوب عرضي؛ فإن المطلوب الأعلى لقاصد المقام الأعلى
ذكر الله تعالى فيها لكونها محل الغفلة والالتهاء بأمور الدنيا عنه، وقد جاء في الحديث:
((ذاكر الله في الغافلين بمنزلة الصابر في الفارين)) رواه الطبراني من حديث ابن مسعود. ومنه
السلام لأنه من أسماء الله تعالى، كما بيناه في شرح الأذكار فلما كان كذلك وهو المطلوب
الأسمى (قال: إنما نغدو من أجل السلام) أي: إفشائه ونشره (نسلم على من لقيناه) أي: من
عرفناه وغيره (رواه مالك في الموطأ بإسناد صحيح) فهو موقوف صحصح وفعل هذا
الصحابي الجليل المتعبد بالاتباع لذلك؛ كأنه نقل لذلك عن المصطفى وَّ، بل قد جاء في
وصفه بَّر في حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما: ((وكان يبدر من لقيه بالسلام)).
باب كيفية السلام
(يستحب أن يقول المبتدىء بالسلام) واحداً كان أو أكثر، على واحد أو أكثر، والقول
اللفظ الموضوع ولا بد من حصول السنة من رفع الصوت به ثم إن كان المسلم عليه واحداً
فحتى يسمعه، أو أكثر فحتى يسمع بعضهم (السلام عليكم) متعلق الخبر محذوف، أي:
رقيب أو مطلع، ويجوز أن يكون السلام إما مصدر أو اسم مصدر ويؤيده عطف قوله
(ورحمة الله) أي: نعمته (وبركاته) أي: خيراته الدائمة الثابتة وعلى الأخير فحذف المضاف
إليه من الأول لدلالة ما بعده عليه (فيأتي) أي: المبتدىء (بضمير الجمع) ندباً (وإن كان
المسلم عليه واحداً) ذكراً كان أو أنثى، جليلاً أو حقيراً وينوي المسلم عليه ومن يحضره من
الملائكة فإن أفرد الضمير جاز في أداء السنة وكمالها جمعه للجمع (ويقول المجيب)
للمبتدىء واحداً كان أو أكثر (وعليكم السلام) الواو عاطفة للدعاء منه على الدعاء من
المبتدىء، ولو قدم المبتدىء فقال السلام عليكم ناوياً الرد اجزأه كما تقدم في حديث أول
(١) الموطأ: (٩٦١/٢، ٩٦٢).

لفـ
٣٢٩
١٣٢ - باب: في كيفية السلام
ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكَاتُهُ)). فَيَأْتِي بِواوِ الْعَطْفِ فِي قَوْلِهِ: وَعَلَيْكُمْ.
٨٤٩ - وعَنْ عِمْرانَ بنِ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِهُ
فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ النَّبِيُّ مَ: ((عَشْرٌ)) ثُمَّ جَاءَ آخَرُ
فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللّهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ فَقَالَ: ((عِشْرُونَ))، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ:
السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ فَقالَ: (ثَلاثُونَ)) رَواهُ أبو داوُدَ
والتِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(١).
الباب (ورحمة الله وبركاته) ولا يزيد على ذلك لما تقدم لأن البادي ما ترك للمجيب ما يزيد
حتى يأتي به (ويأتي) أي: المجيب ندباً (بواو العطف) أي: لا واو الاستئناف (في قوله
وعليكم) أي: فيقصد أن جوابه مشارك لسلام المبتدىء في التعاون على إفشاء السلام.
٨٤٩ - (وعن عمران بن الحصين) كذا في الأصول بزيادة أل في اسم أبيه، وتقدم ضبطه
وأنه بضم المهملة الأولى، وفتح الثانية، وسكون التحتية (رضي الله عنهما قال: جاء رجل
إلى النبي ◌َّ فقال) أي: الرجل (السلام عليكم فرد) أي: النبي ◌ّ (عليه) أي: بأن قال له
وعليكم السلام (ثم جلس فقال النبي ◌َّر: عشر) أي: ما أتى به من الدعاء بالسلام حسنة
وهي بعشر (ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه) ظاهر اللفظ أنه قال:
وعليكم السلام ورحمة الله، ويحتمل أنه زاد في الرد فيها وفيما قبلها (فجلس) أي: الرجل
(فقال: عشرون) أي: الدعاء بالسلام والدعاء بالرحمة عشرون حسنة لما مر (ثم جاء آخر
فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فرد عليه فجلس فقال: ثلاثون) أي: حسنة؛ لأن
الحسنة يجزى صاحبها بعشر أمثالها وذلك بناء على أن كلاً من السلام ورحمة الله وبركاته
حسنة مستقلة، فإذا أتى بواحدة منها حصل له عشر حسنات، وإن أتى بها كلها حصل له
ثلاثون حسنة. وجعل العاقولي في شرح المصابيح الحسنات للراد فقال: فإذا أتى الراد
بواحدة منها حصل له عشر حسنات. والأحسن ما قاله المظهري: من أن ذلك لكل من
البادىء والراد. وبالجملة فأفضل صيغ الابتداء السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأفضل
صيغ الرد وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأقل واجب الرد عليكم السلام لا مجرد قوله
عليكم أو عليكم من غير ذكر السلام (رواه أبو داود) في الأدب (والترمذي وقال: حديث
حسن).
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: كيف السلام؟؟، (الحديث: ٥١٩٥).
وأخرجه الترمذي في كتاب: الاستئذان، باب: ما ذكر في فضل السلام، (الحديث: ٢٦٨٩).

٣٣٠
٥ - كتاب: السلام
٨٥٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾: ((هَذَا جِبْرِيلُ
يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلاَمَ))، قَالَتْ: قُلْتُ: ((وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ.
وَهَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الصَّحِيحَيْنِ ((وَبَرَكَاتُهُ))، وَفِي بَعْضِهَا بِحَذْفِهَا، وَزِيَادَةُ
الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ(١).
٨٥٠ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله ( هذا) يقتضي أنه كان
حاضراً حينئذ كما هو أصل وضع اسم الإشارة (جبريل) وجملة (يقرأ عليك السلام) بفتح
التحتية والراء في محل الحال من جبريل. قيل: والعامل فيها ما في هذا من معنى الفعل وهو
أنبه، أو أشير، أو خبر بعد خبر، أو خبر وجبريل عطف بيان لهذا (قالت: قلت) امتثالاً لقوله
تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردها﴾(٢) (وعليه السلام ورحمة الله
وبركاته) فأتت بأحسن صيغ الرد وما ذكرته من أنها زادت بناء على ما يومىء إليه ظاهر قوله
يقرأ عليك السلام، ويحتمل أن مراده # أن جبريل يقرأ عليك السلام التام وأتى به بأفضل
صيغ الابتداء فيكون ما صنعته عائشة من الرد بالمثل؛ لأنه لم يبق بعد وبركاته ما يزاد كما
تقدم (متفق عليه) أخرجه البخاري في بدء الخلق وفي غيره رواه مسلم في الأدب (وهكذا)
أي: ومثل ما ذكر إلى قوله وبركاته (وقع في بعض روايات الصحيحين وبركاته) وهكذا هو
عند البخاري في بدء الخلق وفي رواية له أيضاً في الاستئذان (وفي بعضها) وهي رواية
للبخاري في باب الاستئذان أيضاً (بحذفها) وأشار المصنف إلى ترجيح رواية إثباتها بقوله
(وزيادة الثقة مقبولة) عند الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث كما حكاه عنهم الخطيب
سواء تعلق بها حكم شرعي أم لا، وسواء أوجبت نقصاً من أحكام ثبت بخبر ليست فيه تلك
الزيادة أم لا، وسواء كان ذلك من شخص واحد، بأن رواه مرة ناقصاً وأخرى بتلك الزيادة
من غير من رواه أم كانت الزيادة من غير من رواه ناقصاً. وقد ادعى ابن طاهر الاتفقا على
هذا القول عند أهل الحديث وفي المسألة أقوال مذكورة في علم الأثر. وفي الحديث جواز
سلام الرجل الأجنبي على المرأة عند أمن الريبة، قال العيني في شرح البخاري: ((إن قلت))
هل لا واجه جبريل عائشة كما واجه مريم ((قلت)) وجه ذلك أنه لما قدر وجود عيسى عليه
السلام من غير أب بعث جبريل ليعلمها تكونه قبل كونه لتعلم أنه يكون بالقدرة فتسكن في
(١) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق (٨٣/٧) (٤٧٩/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها، (الحديث: ٩٠).
(٢) سورة النساء، الآية: ٨٦.

٣٣١
١٣٢ - باب: في كيفية السلام
٨٥١ - وعنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ﴿ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعادَها ثَلاثَاً
حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وإِذَا أَتَى عَلى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلّمْ عَلَيْهِمْ ثَلاثَاً. رَواهُ البخارِيُّ.
وهَذَا مَحْمولٌ عَلى مَا إِذَا كانَ الْجَمْعُ كَثِيراً(١).
زمن الحمل ثم بعث إليها عند الولادة لكونها في وجد فقال: لا تحزني قد جعل ربك تحتك
سرياً، فكان خطاب الملك لها في الحالتين لتسكن ولا تنزعج، وجواب آخر أن مريم كانت
خالية من زوج فواجهها بالخطاب. وأم المؤمنين احترمت لمكان سيد الأمة كما احترم
الشارع قصر عمر رضي الله عنه الذي رآه في المنام خوفاً من الغيرة، وهذا أبلغ في فضل
عائشة؛ لأنه إذا احترمها جبريل الذي لا شهوة له حفظاً لقلب زوجها سيد الأمة كان ما قيل
فيها من الإِفك أبعد، وجواب آخر أنه خاطب مريم لكونها نبية على قول، وعائشة لم يذكر
عنها ذلك اهـ. والجواب الآخر ساقط الاعتبار، وقد زاد البخاري في روايته عن عائشة أنها
قالت: ترى ما لا نرى يا رسول الله، أي: إنه يرى الملك حينئذ وهي لا تراه، وفيه إمكان
رؤية الملك.
٨٥١ - (وعن أنس رضي الله عنه أن النبي ◌َّلتر كان إذا تكلم بكلمة) المراد منها المعنى
اللغوي الصادق بالجملة والجمل، أي: إذا نطق بما يعسر فهمه من الجمل (أعادها) أي:
ذكرها (ثلاثاً) وليس معمول أعاد؛ لأنه يقتضي حينئذ أنه تكلم بها أربعاً وهو خلاف المراد
وقد علل ذكرها ثلاثاً بقوله: (حتى تفهم) بالبناء للمجهول، أي: تؤخذ (عنه) تلك الكلمة.
وهذا من كمال حسن خلقه ومزيد شفقته ورحمته بالعباد، والاقتصار على الثلاث إشعار بأن
مراتب الفهم كذلك أعلى وأوسط وأدنى، ومن لم يفهم في ثلاث لا يفهم ولو زيد عليه مرات
(وإذا أتى قوماً فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثاً رواه البخاري) هكذا في كتاب العلم، ورواه
فيه مسلم. أيضاً فقال: ((وإذا سلم سلم ثلاثاً)) وزيادة الثقة مقبولة، ولذا قال المصنف (وهذا)
أي: تكرار السلام ثلاثاً (محمول على ما إذا كان الجمع) المومىء إليه قوله قوم (كثيراً) بأن
لا يعمهم قوله السلام عليكم مرة أو مرتين، وإنما يعمهم الثلاث. ويؤخذ منه أنه لو كثر
الجمع جداً لا يعمهم التسليم ثلاثاً زيد عليه بقدر ما يعمهم، وهذا منه جبر الخواطر الجمع،
وإلا فأصل سنة السلام تحصل بسماع بعض الجمع والمسلم عليهم كما مر. والحديث رواه
أحمد والترمذي كما في الجامع الصغير.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: من أعاد الحديث ثلاثاً وفي الاستئذان، باب: التسليم
والاستئذان ثلاثاً، (٢٢/١١).

٣٣٢
٥ - كتاب: السلام
٨٥٢ _ وعَنِ الْمِقْدادِ بنِ الْأَسْوَدِ الْكَنْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في حَديثِهِ الطّويلِ قالَ:
كُتَّا نَرْفَعُ لِلنَّبِيِّ ◌َ نَصِيبَهُ مِنَ اللََّنِ فَيَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُسَلِّمُ تَسْلِيمَاً لا يُوقِظُ نَائِماً
ويُسْمِعُ الْيَقْظَانَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ فَسَلَّمَ كما كانَ يُسَلِّمُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٨٥٣ _ وعَنْ أَسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ
يَوْمَاً وَعُصْبَةٌ مِنَ النِّساءِ قُعودٌ فَأَلْوَى بِيَدِهِ بِالتَّسْليمِ . رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حديثٌ
٨٥٢ - (وعن المقداد بن الأسود الكندي) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب إجراء
أحكام الناس على ظواهرهم (في حديثه الطويل قال: كنا) هو وصاحبه اللذان أعطاهما
النبي ◌َّ الشاتين يشربوا من درهما وليشرب معهما النبي # كما في الحديث (نرفع
لِلنبي ◌َّ نصيبه من اللبن) المحلوب (فيجيء من الليل) أي: أثناءه، فمن للتبعيض (فيسلم
تسليماً) بصوت متوسط بين أقل الجهر وما فوقه كما يؤخذ من قوله: (لا يوقظ نائماً) وذلك
لنزوله عن أعلا الجهر الموقظ للنائم (ويسمع اليقظان) لوجود أصل الجهر؛ فيؤخذ منه
استحباب ذلك لمن دخل على قوم فيهم نيام (فجاء النبي ◌َّ#) أي: على عادته، وذلك بعد
أن يصلي ما كتبت له (فسلم كما كان يسلم) والكاف فيه مفعول مطلق صفة مصدر مقدر،
وسكت المصنف عن تتمة الحديث المشتمل على معجزة له # من إيجاد اللبن أكثر من
عادته من شاة قد حلبت قبل ذلك بزمن يسير لعدم تعلق غرض الباب بها، وذلك بجملته في
الأذكار، وذكرنا في الشرح ما يتعلق به (رواه مسلم) في الأطعمة، ورواه الترمذي في
الاستئذان، والنسائي في اليوم والليلة.
٨٥٣ - (وعن أسماء) بالمد (بنت يزيد) بفتح التحتية الأولى وسكون الثانية وكسر الزاء
بينهما. ويزيد بن السكن بفتح المهملة والكاف ابن رافع بن امرىء القيس بن يزيد بن
عبد الأشهل بن جشم وكنيتها أم سلمة، ويقال أم عامر الأنصارية تقدمت ترجمتها (رضي الله
عنها) في كتاب اللباس (أن رسول الله وَل ◌ّل مر في المسجد) الظاهر أن أل فيه للعهد الذهني،
أي: المسجد النبوي، ويحتمل غيره (يوماً وعصبة) بضم المهملة الأولى وسكون الثانية
بعدها موحدة. قال في المصباح: العصبة من الرجال، قال ابن فارس: نحو العشرة، وقال
أبو يزيد من العشرة إلى الأربعين. والجمع عصب كغرفة وغرف اهـ. وظاهر أن الخلاف في
عصبتهم جار فيهن والله أعلم. (من النساء) صفة للنكرة قبلها، وبه ساغ الابتداء بها (قعود)
جمع قاعد والتذكير باعتبار الشخص، وإلا فجمع قاعدة وصف المؤنث قواعد (فألوى) أي :
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: إكرام الضيف وفضل إيثاره، (الحديث: ١٧٤).
200

٣٣٣
١٣٢ - باب: في كيفية السلام
حَسَنٌّ. وهَذَا مَحْمولٌ عَلى أَنَّهُ وَّهِ جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظِ والإِشَارَةِ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ في روایةِ
أبي داوُدَ: فَسَلَّمَ عَلَيْنَا(١).
٨٥٤ - وَعَنْ أَني جُرَيِّ الْهُجَيْمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلـ
فَقُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلامُ يا رَسُولَ اللَّه. قَالَ: ((لا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلامُ فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلامُ
تَحِيَّةُ الْمَوْنَی»
أشار (بيده بالتسليم رواه الترمذي) في الاستئذان (وقال حديث حسن) قال: قال ابن حنبل:
لا بأس بعبدالحميد يعني ابن بهرام عن شهر بن حوشب، أي: الراوي للخبر عن ما ذكر
عنها، ورواه ابن ماجه أيضاً في الأدب. (وهذا محمول على أنه وَّ جمع بين اللفظ) فقال
لهن السلام عليكن (والإِشارة) باليد اليمين لتنبههن لسلامه، وكان ذلك لعدم مبالغته في
الجهر بالسلام مع بعدهن في الجملة، ويؤيده أن في رواية أبي داود عن أسماء في كتاب
الأدب ((من سننه مر علينا رسول الله وسلّر فسلم علينا)) وهو ظاهر في السلام اللفظي، والجمع
بين الروايات خير من إلغاء بعضها. وقد جاء أيضاً عند الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعاً:
((ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى فإن تسليم اليهود الإِشارة بالأصابع،
وتسليم النصارى الإِشارة بالكف)) قال الترمذي: إسناده ضعيف فوجب حمل ما ورد من أنه
أشار بالسلام على أنه جمع معه اللفظ به لئلا يخالف القول على أنه لو لم يجمع بذلك وأبقى
على أنه أشار من غير لفظ لبينا أن النهي تنزيهي لا تحريمي لم يكن في محذور لكن الأول
أولى فلذا سلكه المصنف هنا، وفي الأذكار قال الحليمي: «وكان النبي ◌َ ◌ّ للعصمة مأموناً
من الفتنة فمن وثق بنفسه في السلام فليسلم وإلا فالصمت أسلم)).
٨٥٤ - (وعن أبي جرى) بصيغة التصغير فيه وفي قوله: (الهجيمي) كما تقدم بيان ذلك مع
ترجمته (رضي الله عنه) في كتاب اللباس (قال: أتيت النبي ◌َّ فقلت السلام عليك يا
رسول الله) أي: مبتدأ بذلك (قال) حذف العاطف؛ لأن القصد بيان ما صدر من النبي وَل
عند ذلك القول من غير قصد لربط هذه القصة بقصة الإِتيان (فقال: لا تقل) أي: ندباً
(عليك السلام) في الابتداء: (فإن عليك السلام تحية الموتى) هو إخبار عن عوائد الجاهلية
الجاري على ألسنتهم فيها وجرى عليه الشعراء كثيراً حتى قال من رأى عمر بن الخطاب:
عليك السلام من أمير وباركت، والإِخبار عن الواقع لا يدل على الجواز فضلاً عن
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الاستئذان، باب: ما جاء في التسليم على النساء، (الحديث: ٢٦٩٧).
وأخرجه أبوداود في كتاب : الأدب، باب: في السلام على النساء (الحديث: ٥٢٠٤).
40

٣٣٤
٥ - كتاب: السلام
رَوَاهُ أبو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ (١)، وَقَال حَديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وقَدْسَبَقَ بِطُولِهِ(٢).
١٣٣ - باب: في آداب السلام
٨٥٥ - عن أبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ﴿ قَالَ: ((يُسَلَّمُ الرَّاكِبُ
عَلَى المَاشي، والْماشي عَلى الْقاعِدِ والْقَليلُ عَلى الْكَثِيرِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وفي روايةٍ
الاستحباب، أي: أن هذا اللفظ يستحب في تحية الموتى فرقاً بينها وبين تحية الأحياء، وإن
جرى عليه في المفاتيح فتعين المصير إلى ما ورد عنه ولا من تقديم لفظ السلام حين السلام
على الموتى، فإن تخيل متخيل في الفرق أن السلام على الأحياء يتوقع جوابه فقام الدعاء
على المدعو له بخلاف الميت، قلنا والسلام على الميت يتوقع جوابه أيضاً كما ورد به
الحديث، وقد بسطت الكلام فيه في شرح الأذكار، وأصله من ابن القيم في بدائع الفوائد
(رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح وقد سبق بطوله) مشروحاً في كتاب
اللباس.
باب آداب السلام
باب آداب السلام أي: بالنظر إلى مؤديه والمبادرة به .
٨٥٥ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وسلّر قال: يسلم الراكب على الماشي)
قال السيوطي: هذا خبر بمعنى الأمر، وفي رواية أحمد ((ليسلم)) (والماشي) وعند أبي داود
((المار)) (على القاعد والقليل على الكثير) قال ابن بطال عن المهلب: تسليم الماشي لتشبيهه
بالداخل على أهل المنزل، وتسليم الراكب لئل يتكبر بركوبه فيرجع إلى التواضع، وتسليم
القليل لأجل حق الكثير لأن حقهم أعظم، وقال ابن العربي: حاصل ما في هذا الحديث أن
المفضول بنوع ما يبدأ الفاضل (متفق عليه) أخرجه البخاري في الأدب من صحيحه من
طريقين، ومسلم في الاستئذان (وفي رواية للبخاري) هي في الأدب أيضاً (والصغير على
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: كراهية أن يقول: عليك السلام، (الحديث: ٤٠٨٤).
وأخرجه الترمذي في كتاب: الاستئذان، باب: ما جاء في كراهية أن يقول عليك السلام مبتدئاً،
(الحديث: ٢٧٢١).
(٢) انظر الحديث رقم (٧٩٦).

٣٣٥
١٣٣ - باب: في آداب السلام
لِلْبُخارِيِّ: ((والصَّغيرُ عَلى الْكَبِيرِ))(١).
٨٥٦ - وعنْ أبي أُمَامَةَ صُدَيٍّ بنِ عَجْلانَ الْبَاهِلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ
رسُولُ اللَّهِ بَهَ: ((إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأْهُمْ بِالسَّلامِ)) رَوَاهُ أَبو داوُدَ بِإِسْنادٍ
جَيِّدٍ. ورواهُ التِّرْمِذِيُّ عنْ أَبي أُمَامَةَ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلانِ يَلْتَقِيانِ أَيُّهُما يَبْدَأُ
بِالسَّلامِ؟ قَالَ: ((أوْلاهُما باللَّهِ تَعالَى)) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌّ (٢).
الكبير) لكن بلفظ يسلم الصغير على الكبير. قال ابن بطال: وذلك لأن الصغير مأمور بتوقير
الكبير والتواضع له.
٨٥٦ - (وعن أبي إمامة) بضم الهمزة وتخفيف الميمين (صدى) بضم المهملة الأولى وفتح
الثانية وتشديد الياء (ابن عجلان الباهلي) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه قال: قال
رسول الله ( سر: إن أولى الناس بالله) أي: أحقهم بالقرب منه بالطاعة (من بدأ بالسلام) وذلك
لما صنع من المبادرة إلى الطاعة والمسارعة إليها مع ما فيه من حمل المجيب على الرد
بالتسبب فيها (رواه أبو داود بإسناد جيد ورواه الترمذي) في الاستئذان في جامعه (عن أبي
إمامة) أيضاً (قيل) أي: سئل رسول الله وَ لهل وقيل: (يا رسول الله الرجلان يلتقيان) أي: سواء
كان يقصد منهما اللقاء أو من أحدهما أو لا قصد لأحد (أيهما يبدأ السلام قال: أولاهما بالله)
قال ابن رسلان: ومعنى الروايتين أقرب الناس من الله بالطاعة من بدأ أخاه بالسلام عند
ملاقاته، لأنه السابق إلى ذكر الله ومذكره. ورواه البيهقي في الشعب عن ابن مسعود يرفعه:
((إذا مر الرجل بالقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان عليهم فضل لأنه ذكرهم السلام وإن لم
يردوا عليه رد عليه ملأ خير منهم وأطيب)) قال القرطبي: الأولى بمبادرة والسلام ذو المراتب
الدينية كأهل العلم والفضل احتراماً لهم وتوقيراً، بخلاف أهل المراتب الدنيوية. (وقال
الترمذي حديث حسن) وقدمنا أن الجيد عندهم نحو الحسن فوقه .
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الاستئذان، باب: يسلم الراكب على الماشي، (الحديث: ٥٨٧٨).
وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: يسلم الراكب على الماشي والقليل على الكثير، (الحديث: ١).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في فضل من بدأ بالسلام، (الحديث: ٥١٩٧).
وأخرجه الترمذي في كتاب: الاستئذان، باب: ماجاء في فضل الذي يبدأ بالسلام (الحديث: ٢٦٩٤) وهو عن
ابن أمامة بلفظ آخر.

٣٣٦
٥ - كتاب: السلام
١٣٤ - باب: في استحباب إعادة السلام على من تكرّر لقاؤه على قرب بأن دخل
ثم خرج ثم دخل في الحال أو حال بينهما شجرة ونحوها
٨٥٧ - عَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَديثِ الْمُسيءٍ صَلاَتَهُ أَنَّهُ جاءً
فَصَلّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِّ ◌َةِ فَسَلَّمَ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَلامَ فَقالَ: ((ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ
لَم تُصَلِّ)) فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جاءَ فَسَلّم عَلى النَّبِيِّ ◌َ ﴿ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ
مَرَّاتٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
باب استحباب إعادة السلام
باب استحباب إعادة السلام أي: ذكره عند اللقاء (على من تكرر لقاؤه على قرب بأن
دخل) أي: مكان حصل به إدباره عن القوم الذين كان معهم على قرب. وقوله: (ثم خرج)
أي: فوراً كما يدل عليه قوله على قرب، وقوله: (ثم دخل في الحال) أي: وخرج منه فثم
فيه مستعارة بمعنى الفاء (أو حال بينهما شجرة) تمنع من رؤية أحدهما الآخر لغلط أصلها،
فإن لم تحل لرقتها ويرى كل منهما صاحبه مع وجودها بينهما فلا لانتفاء الحيلولة العرفية
(ونحوها) کجدار وجبل.
٨٥٧ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث المسيء صلاته) بالنصب على المفعولية،
ويجوز الرفع على الإِسناد المجازي كجرى النهر، وترك تأنيث الفاعل لأن التأنيث مجازي،
وهو رافع بن خلاد الزرقي الأنصاري رضي الله عنه (أنه جاء) إلى المسجد (فصلى) أي :
تحيته والنبي ◌َّ ينظر إلى صلاته (ثم جاء إلى النبي ◌َّ فسلم عليه) قال الزركشي في أحكام
المساجد: فيه أن السنة لداخل المسجد، وفيه جماعة أنه يقدم تحيته على السلام عليهم
وذلك لأن حق الله تعالى مقدم على حق عباده (فرد عليه السلام فقال) أي: بعد رده عليه
حالاً (ارجع فصل فإنك لم تصل) فيه نفي الشي بانتفاء صحته (فرجع فصلى) أي: كما
صلى أولاً (ثم جاء) أي: من مصلاه إلى النبي ◌َّرَ، وقد فصل بينه وبينه فاصل كسارية
ونحوها بدليل قله: (فسلم على النبي 98َّ) أي: فرد عليه (حتى فعل ذلك ثلاث مرات)
وإنما تركه يصلي ثانياً مع إخلاله بها أولاً ثم ثالثاً مع إخلاله بها ثانياً، قيل: لتجويزه وَّ علم
ذلك الصحابي بمصححاتها وإنما تساهل في استيفاء ذلك فلذا لما أخبره آخراً بأنه لا يعلم
سوى ما يعمل أرشده إلى بيان ذلك، وليس ذلك من تأخير البيان عن الحاجة (متفق عليه).
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الاستئذان، باب: من ردّ فقال: عليك السلام ومن صفة الصلاة، باب : =

٣٣٧
١٣٤ - باب: في استحباب إعادة السلام
٨٥٨ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ
عَلَيْهِ، فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ أَوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَّهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ) رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ(١).
٨٥٨ - (وعنه عن رسول الله وَيقر قال: إذا لقي) بكسر القاف (أحدكم) الظاهر أن المراد به
معنى العموم لكونه في سياق الشرط وهو الأقرب (أخاه) عبر به بعثاً على أداء ما بعده
(فليسلم عليه) أي: يبدأه به ندباً (فإن حال بينهما شجر أو جدار أو حجر) يمنع الرؤية
بحيث يعد فاصلاً عرفياً بدليل قوله: (ثم لقيه) وثم فيه؛ المراد بها ما يشمل حصول التلاقي
عن قرب (فليسلم عليه) أي: يأتي به حينئذ؛ لأن هذا لقاء جديد وهو مقتضى لطلب البدء
بالسلام ولا يمنع قرب ما قبله له (رواه أبو داود) ورواه ابن ماجه، والبيهقي في شعب
الإيمان .
بعون الله تعالى
تم الجزء الخامس ويليه الجزء السادس
وأوله باب: استحباب السلام إذا دخل بيته
= وجوب القراءة للإِمام والمأموم في الصلوات كلها وباب استواء الظهر في الركوع (٢٢٩/٢ و٢٣٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ... (الحديث: ٤٥).
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في الرجل يفارق الرجل ثم يلقاه أيسلم عليه، (الحديث:
٥٢٠٠).

دَائِ القَاهِينَ
لِطُرُقِ رَيَاضِ الصَالحين
تَأليف
الْعَالِ الْعَلَّامَة المُفْسِرِ، محمّد بنعِلّان الصِّدِّيقِ الشَافِيِّ
الأشعري المكي، المتوفى سنة ١٠٥٧ هـ
طبعَة جَديدة مصحّصَة
مرقمة ومخرّجة الآيات والأحاديث
اعتنى بهًا
الشَيخِ خَلِيْل مَأْ مُون شِيَحَا
الجُزءُ السَّادِس