Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ ٤ - كتاب: آداب النوم والتِّرْمِذِيُّ(١). ٨٢٢ - وعَنِ الشَّريدِ بْنِ سُوَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ لْ وَأَنَا جَالِسٌ هَكَذا: وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِي الْيُسْرِى خَلْفَ ظَهْرِي واتَّكَأْتُ عَلى إِلْيَةِ يَدِي فَقالَ: ((أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ الْمَغْضِوبِ عَلَيْهِمْ!)) رواهُ أَبُو داوُدَ بِإِسْنادٍ صَحيحٍ (٢). لا نعرفه إلا من حديث عبدالله بن حسان، وفي باب اللباس من شمائله، ورواه البزار في مسنده . ٨٢٢ - (وعن الشريد) بفتح المعجمة وكسر الراء وسكون التحتية بعدها دال مهملة، قاله في المغني (ابن سويد) بضم المهملة وفتح الواء وسكون التحتية آخره مهملة الثقفي الحجازي، وقيل الحضرمي (رضي الله عنه) قال العامري: عداده في ثقيف لأنهم أخواله. وقيل: قتل قتيلاً في قومه فلحق بمكة فخالف ثقيفاً، ثم لحق بالنبي صَلّ فبايعه بيعة الرضوان وسماه الشريد بذلك. روى عنه مسلم حديثين في صحيحه، وخرج له أبو داود والنسائي . (قال مرّ بي النبي ◌َّ وأنا جالس هكذا) جملة اسمية حالية من فاعل مر، ثم بين تلك الحالة المشار إليها بقوله: (وقد وضعت يدي الیسری خلف ظهري واتکأت على إليه يدي) بكسر الهمزة وسكون اللام، أي: أصلها الذي ينتهي طرفه إلى أصل الإِبهام المسمى باليته وطرفه الآخر إلى أصل الخنصر المسمى بالصرة كما في النهاية، ثم رأيت الحافظ السيوطي في حاشيته المسماة بمرقاة الصعود إلى سنن أبي داود قال: هي أصل الإِبهام وما تحته، أي: دون ما يصل إلى الصرة ويقاربها (فقال أتقعد قعدة) بكسر القاف لبيان الهيئة (المغضوب عليهم) وهم اليهود كم قاله جمهور المفسرين في تفسير المذكور آخر سورة الفاتحة. ففيه المنع من التشبه بالمغضوب عليهم في الهيئة، أو غيرها من الأفعال والأحوال (رواه أبو داود) في الأدب من سننه (بإسناد صحيح) فرواه عن علي بن بري، عن عيسى بن يونس، عن ابن جريج، عن إبراهيم بن ميسرة الطائفي، عن عمرو بن شريد، عن أبيه. (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في جلوس الرجل، (الحديث: ٤٨٤٧). وأخرجه الترمذي في كتاب: الأدب، باب: ما جاء في الثوب الأصفر، (الحديث: ٢٨١٤). (٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في الجلسة المكروهة، (الحديث: ٤٨٤٨). ٣٠٢ ١٢٩ - باب: في آداب المجلس والجليس ١٢٩ - باب: في آداب المجلس والجليس ٨٢٣ - عَنِ ابنِ عُمَرَ رضيَ اللَّهُ عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهَ: ((لا يُقيمَنَّ أَحَدُكُمْ رَجُلاً مِنْ مَجْلَسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ ولَكِنْ تَوَسَّعُوا وَتَفَسَّحُوا)) وكان ابنُ عُمَرَ إِذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِه لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). باب آداب المجلس والجليس فعیل بمعنی فاعل. ٨٢٣ - (عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَّر: لا يقيمن أحدكم) هو فيه للتعميم لكونه في سياق النهي الشبيه بالنفي، والنهي للتحريم (رجلاً) أي: جالساً فيه ولو امرأة، وذكر الرجل لكونه أشرف لما تقدم، وعمومه متناول لما إذا كان الوارد أفضل من الجالس لعلم أو صلاح أو نحو ذلك؛ فليس له إقامة من سبقه للجلوس في المحل المباح ليجلس هو فيه، نعم استثنى الفقهاء من عرف بمجلس من المسجد يدرس فيه فجلس فيه غيره فيقام للمدرس، ومثله البائع إذا ألف مكاناً من السوق فله إقامة من يجلس فيه ومسائل أخر (من مجلسه) بفتح أوله وكسر ثالثه مكان الجلوس ثم (يجلس فيه) يجوز فيه الجزم عطفاً على مدخول لا الناهية، والرفع على الاستئناف وتقدير مبتدأ قبل الفعل، والنصب على إضمار أن لكونه في جواب الطلب وأقيمت ثم مقام الواو والفاء فذكر الأوجه الثلاثة غير واحد في حديث لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل فيه. ثم استدرك ما قد يتوهم من الحديث من جلوس الداخل في مكان الجليس بقوله (ولكن توسعوا) أي: تكلفوا التوسع للقادم (وتفسحوا) هو بمعنى ما قبله فالعطف تفسيري (وكان ابن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه) وذلك من مزيد ورعه وخشية دخوله في النهي؛ بأن ذلك إقامة للجالس بالإِشارة سيما إذا عرف محبة القادم لذلك فتركه ورعاً وتنزهاً عن أن ينسب إليه فعل مما نهى عنه الشارع (متفق عليه) ثم قوله وكان ابن عمر إلخ لفظ مسلم. والذي في البخاري: ((وكان ابن عمر يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه)) وهي نحو رواية مسلم . (١) أخرجه البخاري في كتاب: الاستئذان، باب: لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه، باب: إذا قيل لكم تفسحوا والجمعة، باب: لا يقيم الرجل أخاه من مقعده (٥٢/١١ ٥٣). وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: تحريم إقامة الإِنسان من موضعه المباح ... (الحديث: ٢٨). ٣٠٣ ٤ - كتاب: آداب النوم ٨٢٤ - وعنْ أَبي هُرِيْرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسٍ ثُمَّ رَجَعَ إِليْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١) . ٨٢٥ - وعنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا النَّبِيَّ وَ جَلَّسَ أَحَدُنا حَيْثُ يَنْتَهِي. رواهُ أَبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(٢). ٨٢٦ - وعنْ أَبي عَبْدِ اللَّهِ سَلْمَانَ الْفارسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ ٨٢٤ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ ل ر قال: إذا قام أحدكم من مجلس) أي: كان فيه منتظراً للصلاة ثم قام منه لعذر (ثم رجع) أي: عاد (إليه فهو أحق به) سواء ترك فيه متاعاً أو لا، وكذا إذا قام العالم عن المحل المعهود للدرس، أو البياع من محله المعهود للبيع لعذر ولم يحصل منه إعراض عن محله فسبقه إليه غيره، فله إذا عاد إليه إقامة ذلك من ذلك المحل (رواه مسلم). ٨٢٥ - (وعن جابر بن سمرة رضي الله عنهما قال: كنا إذا أتينا النبي وَلّ جلس أحدنا حيث ينتهي) أي: سواء كان في صدر المحل أو أسفله، وقد جاء أنه ◌َ ◌ّ كان يجلس حيث ينتهي به المجلس، وذلك لأن طلب القادم محلاً مخصوصاً قد سبقه إليه غيره فیقیمه منه ليجلس هو فيه أو يضغطه به بغي وعدوان، وليس ذلك شأن أهل الإِيمان (رواه أبو داود) في الأدب من سننه (والترمذي) في الاستئذان من جامعه (وقال: حديث حسن) غريب، ورواه النسائي في العلم من سننه . ٨٢٦ - (وعن أبي عبدالله سلمان الفارسي) سلمان الخير مولى رسول الله وَّر (رضي الله عنه) سئل عن نسبه فقال: أنا ابن الإِسلام، أصله من فارس من حي قرية من قرى أصبهان، وقيل من رام هرمز أسلم قديماً ولإِسلامه قصة طويلة مذكورة في كتب السير، وأول مشاهده مع رسول اللّه رَّ الخندق ولم يتخلف عن مشهد بعدها، وآخى النبي وَلّ بينه وبين أبي الدرداء وثبت ذلك في صحيح البخاري وتقدم في باب الاقتصاد، وكان من فضلاء الصحابة وزهادهم وعلمائهم وذوي القرب من رسول الله بوص لة، وهو الذي أشار على النبي ◌َّ بحفر الخندق عند مجيء الأحزاب، سكن العراق، وكان يعمل الخوص بيده فيأكل منه، نقلوا (١) أخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: إذا قام من مجلسه ثم عاد فهو أحق به، (الحديث: ٣١). (٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في التحلق، (الحديث: ٤٨٢٥). وأخرجه الترمذي في كتاب: الاستئذان [باب: ٢٩]، (الحديث: ٢٧٢٥). ٣٠٤ ١٢٩ - باب: في آداب المجلس والجليس رسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ويَتَطَهِّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرِ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِه أَوْ يَمْسُ مِنْ طِيبٍ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإِمامُ إلَّا غُفِرَ لهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرى)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١) . ٨٢٧ - وعنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّه . اتفاق العلماء على أنه عاش مائتين وخمسين سنة. وقيل: ثلاثمائة وخمسين. وقيل أنه أدرك وصى عيسى بن مريم عليه السلام. روي له عن رسول الله وَ ليل ستون حديثاً، اتفقا على ثلاثة منها، وانفرد مسلم بثلاثة أيضاً، ومن فضله ما روى الترمذي عن أنس مرفوعاً))، أن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة علي وعمار وسلمان)) قال الترمذي: حديث حسن (قال: قال رسول الله وَ﴾ لا يغتسل رجل يوم الجمعة) ويدخل وقت هذا الغسل بطلوع الفجر، وتقريبه من الزوال أولى (ويتطيب ما استطاع) ما مصدرية وثمة مضاف مقدر، أي: قدر استطاعته من جيد الطيب ودنيه كما بينه بقوله (من طيب ويدهن) بإدغام الدال في التاء إذ الأصل يدتهن، فأبدل تاء الافتعال دالاً دفعاً للثقل (من دهنه) بضم الدال (أو) شك من الراوي، أي: قال النبي وَّ ويتطيب ما استطاع من الطيب، أو قال: (يمس) بفتح الميم (من طيب بيته) أي: من أي أنواع الطيب الذي حصل له (ثم يخرج) أي: من بيته مريداً الصلاة (فلا يفرق بين اثنين) أي: إلا عند تقصيرهما بأن تركا فرجة بين أيديهما ففرق بينهما بسدها، فلا يضر ذلك في حصول ما يأتي من الثواب له (ثم يصلي ما كتب له) أي: من النافلة قبل مجيء الإِمام (ثم ينصت) بكسر الصاد المهملة، عند شروع الإِمام في الخطبة كما قال: (إذا تكلم الإِمام) أي: بالخطبة (إلا غفر) بالبناء للمجهول ونائب فاعله قوله: (له) وقوله: (ما بينه وبين الجمعة الأخرى) في محل المفعول به وثواب الجمعة الأخرى يحتمل السابقة على جملة الصلاة والمتأخرة عنها ومؤداهما واحد، أي: أن ثواب ذلك يكفر خطأ أسبوع والمراد من الذنوب المكفرة الصغائر المتعلقة بحق الله سبحانه وتعالى (رواه البخاري) في باب الجمعة من صحيحه، ورواه البزار من حديث سلمان، ورواه أيضاً من حديث أبي هريرة كما نقله المزي في أطرافه . ٨٢٧ - (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده) أي: جد أبيه وهو عبدالله بن عمر كما (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجمعة باب الدهن للجمعة وباب: لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة (٣٠٨/٢ و ٣٠٩). ٣٠٥ ٤ - كتاب: آداب النوم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِ لَ قَالَ: ((لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إلّ بإِذْنِهما)) رواهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَديثٌ حَسَنٌ، وفي رِوايةٍ لِإِبِي دَاوُدَ: ((لا يَجْلِسُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إلا بِإِذْنِهما))(١). ٨٢٨ - وَعَنْ خُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَعَنَ مَنْ جَلَسَ وسْطَ الْخَلْقَةِ. رواهُ أَبُو داوُدَ بِإِسْنادٍ حَسنٍ. وروى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبي مِجْلَزِ أَنَّ رَجُلًا تقدم (رضي الله عنه أن رسول الله وسلم قال: لا يحل) بكسر المهملة، أي: لا يباح (لرجل آن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما) قال العلقمي إذا تناجى اثنان ابتداء وثمة ثالث بحيث لا يسمع كلامهما لو جهرا فأتى ليستمع تناجيهما فلا يجوز، كما لو لم يكن حاضراً معهما أصلاً. قال ابن عبدالبر: لا يجوز لأحد الدخول على المتناجيين حال تناجيهما. قال العلقمي: لا ينبغي للداخل القعود عندهما ولو تباعد عنهما إلا بإذنهما؛ لأنهما لما افتتحا حديثهما ليس عندهما أحد دل على كراهتهما اطلاع أحد عليه، ويتأكد ذلك إذا كان أحد المتكلمين جهورياً لا يتأتى له إخفاء كلامه من الحاضر، أو كان الحاضر له قوة فهم بحيث يتسلط بما يسمع على باقي الكلام به فالمحافظة على ترك ما يؤذي المؤمن مطلوبة وإن تفاوتت المراتب. اهـ. (رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن) ورواه أحمد في مسنده كما في الجامع الصغير (وفي رواية لأبي داود لا يجلس بين رجلين) أي: متناجيين كما علم ما تقرر (إلا بإذنهما). ٨٢٨ - (وعن حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله (مليار لعن من جلس وسط الحلقة) بفتح الحاء وسكون اللام. قال الخطابي: وهذا يتأول فيمن يأتي حلقة قوم فيتخطى رقابهم ويقعد وسطها ولا يقعد حيث ينتهي به المجلس فلعن للأذى، وقد يكون في ذلك إيذاء إذا قعد وسط الحلقة، وحال بين الوجوه وحجب بعضهم عن بعض، فيتضررون بمكانه وبمقعده هناك (رواه أبو داود) في الأدب من سننه (بإسناد حسن) عن موسى بن إسماعيل، عن أبان، عن قتادة هو أبو مجلز عن حذيفة (وروى الترمذي عن أبي مجلز) واسمه لاحق بن حميد (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في الرجل يجلس بين الرجلين بغير إذنهما، (الحديث: ٤٨٤٥). وأخرجه الترمذي في كتاب: الأدب، باب: ما جاء في كراهية الجلوس بين الرجلين بغير إذنهما، (الحديث: ٢٧٥٢). ٣٠٦ ١٢٩ - باب: في آداب المجلس والجليس قَعَدَ وَسْطَ حَلْقَةٍ فَقالَ حُذَيْفَةُ: مَلْعونٌ عَلى لِسانٍ مُحَمَّدٍ وَ، أَوْ لَعَنَ اللَّهُ عَلى لِسانٍ مُحَمَّدٍ وَ مَنْ جَلَسَ وَسْطَ الْخَلْقَةِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(١). ٨٢٩ - وعَنْ أَبي سَعيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّل يَقولُ: ((خَيْرُ الْمَجالِسِ أَوْسَعُها)) رواهُ أَبُو داوُدَ بِإِسْنادٍ صحيحٍ عَلى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ(٢). ٨٣٠ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ جَلَسَ في مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقومَ مِنْ مَجْلِسِه ذَلِكَ: السدوسي البصري (أن رجلاً) لم أقف على اسمه (قعد وسط) بفتح المهملة الأولى ويجوز تسكينها (حلقة فقال حذيفة ملعون) خبر مقدم مبتدؤه الموصول الآتي بعد (على لسان محمد ( أو) شك من الراوي (لعن الله على لسان محمد رَ لل من) أي: الذي (جلس وسط الحلقة) والموصول على الرواية الأولى مبتدأ خبره اسم المفعول المذكور قبله، وعلى الثانية مفعول به للفعل (قال الترمذي) أي : بعد إيراده حديث حسن صحيح . ٨٢٩ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله مَ ◌ّ يقول: خير المجالس أوسعها) وذلك لما فيه من راحة الجليس ودفع ما يفضي إليه ضيق المجلس من حقد أو بغض (رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري) في صحيحه، أي: بالرجال الذين روى عنهم في صحيحه مراعي وجه روايته عنهم من كونها في الأصول دون التوابع والشواهد، أي: فالحديث صحيح على شرط البخاري، ولذا صححه الحاكم في المستدرك. وقد رواه أحمد في المسند، والبخاري في الأدب المفرد، والبيهقي كلهم عن أبي سعيد. ورواه البزار والحاكم في المستدرك، والبيهقي أيضاً عن أنس. ٨٣٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وسلم: من جلس في مجلس) أي: في مكان الجلوس (فكثر) بضم المثلثة (لغطه) بفتح اللام والغين المعجمة وبالطاء المهملة. قال في المصباح: هو كلام فيه جلبة واختلاط ولا يتبين اهـ. والمراد في الحديث: كثر فيه كلامه بما لا ينفعه آخرة (فقال قبل أن يقوم من مجلسه) يصدق بقول الذكر (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في الجلوس وسط الحلقة، (الحديث: ٤٨٢٦). (٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في سَعَةِ المجلس، (الحديث: ٤٨٢٠). ٣٠٧ ٤ - كتاب: آداب النوم سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيكَ. إلّ غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ)) رواهُ التِّرْمِذِيُّ. وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). مع القيام كما يصدق بالأولى بقوله قبل القيام وحديث أبي برزة لا يخصص بالثاني؛ لأن ذكر بعض أفراد العام لا يخصص ذلك، أي: الذي كثر فيه لغطه (سبحانك) بالنصب على المصدرية، وهو علم على التسبيح ثم قصد تنكيره فأضيف، ومعنى سبحان الله تنزيهاً لله عما لا يليق به (اللهم) أي: يا الله، وعدل عنها إلى الميم دفعاً لتوهم موضوع يا من البعد كما أوضحت ذلك في أوائل شرح الأذكار، ويجعل الميم عوضاً عن حرف النداء امتنع جمعه معه، وقول الشاعر: أقول يا اللهم يا اللهما. ضرورة. وقد جاء في رواية بزيادة ربنا بعد اللهم، أوردها في الجامع الكبير (وبحمدك) يحتمل كون الواو عاطفة للظرف ومتعلقة على العامل في المصدر قبله، أي: أسبحك وأثني عليك بحمدك فيكون الكلام جملتان، ويحتمل كونها زائدة والظرف بعدها متعلق بسبحان لما فيه من معنى الفعل، أي: سبحتك ملتبساً بحمدك (أشهد) أي: أعلم وأبين (أن لا إله) أي: لا معبود بحق في الوجود ولا في المكان (إلا أنت) الضمير بدل من محل لا مع اسمها؛ فإنه رفع عند سیبویه أو من محل اسم لا قبل دخولها (أستغفرك) أي: أسألك غفر الذنوب ومنها ما اكتسب في ذلك وحذف المعمول للتعميم (وأتوب إليك) وينبغي أن يكون المتكلم بذلك قاصداً بقلبه ما دلت عليه الجملتان من سؤال غفران الذنوب والتوبة إلى الله تعالى من ذلك، وإلا كان كاذباً فكان حقيقياً بالمقت في الوقت (إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك) عمومه مخصوص بما عدا الكبائر؛ فإنها لا تكفر إلا بالتوبة أو بالفضل الإِلهي، وبما عدا تبعات العباد؛ لأن إسقاطها عند المتلوث بها موقوف على رضا ذي الحق وهذا التخصيص مأخوذ من أحاديث أخر، والإِتيان باسم الإشارة وتكريره لبيان أن لكثرة اللغط فيه صارت له حالة بها يشار إليه فإذا كان يغفر لما فيه وهو كذلك فما لم يصل لذلك بالأولى وإنما ترتب على هذا الذكر غفر ما كسب في ذلك المجلس لما فيه من تنزيه المولى سبحانه والثناء عليه بإحسانه والشهادة بتوحيده ثم سؤال المغفرة من جنابه وهو الذي لا يخيب قاصد بابه (رواه الترمذي) في جامعه (وقال: حديث حسن صحيح) غريب، قال السيوطي في الجامع الكبير، ورواه ابن حبان والحاكم في المستدرك، وابن السني في عمل اليوم والليلة كلهم من حديث أبي هريرة. (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ما يقول إذا قام من المجلس، (الحديث: ٣٤٣٣). ٣٠٨ ١٢٩ - باب: في آداب المجلس والجليس ٨٣١ - وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ بِآخِرَةٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنَ الْمَجْلِسِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ))، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتَقُولُ قَوْلاً مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيمَا مَضَى؟ قَالَ: ((ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لِمَا يَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ الحالِمُ أبو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ (١). ٨٣٢ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَلَّ مَا كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يَقُومُ مِنْ ٨٣١ - (وعن أبي برزة) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب الخوف (قال: كان رسول الله وَّل يقول بآخره) بفتح الهمزة والخاء المعجمة، أي: في آخر جلوسه ويجوز، أن يكون في آخر عمره قاله في النهاية (إذا أراد أن يقوم من المجلس) أي: من مكان جلوسه (سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك فقال رجل) لم أقف على من سماه (يا رسول الله إنك لتقول قولاً ما كنت تقوله فيما مضى) أي: من ذلك الزمان (قال ذلك) أي: القول المذكور، وأشير إليه مع قربه بما يشار به إلى البعيد تفخيماً لشأنه (كفارة) أي: مكفر، وحمله على المبتدأ مبالغة كقولك رجل رضا (لما يكون) أي: يوجد (في المجلس رواه أبو داود) في الأدب من سننه قال الحافظ المزي: ورواه النسائي في اليوم والليلة (ورواه الحاكم أبو عبدالله) محمد بن عبدالله بن محمد بن حمدوية بن نعيم الطنبي الطهماني النيسابوري، المعروف بابن البيع بفتح الموحدة وتشديد التحتية وبعدها مهملة صاحب التصانيف التي قاربت ألف تصنيف له ترجمة عظيمة في طبقات الحافظ الذهبي (في المستدرك) بفتح الراء؛ لأنه استدرك فيه أحاديث على الصحيحين ولا استدراك عليهما بذلك؛ لأنهما لم يلتزما إخراج جميع الصحيح إنما أراد به إخراج بعضه (من رواية عائشة رضي الله عنها) أي: عن النبي ◌ََّ (وقال) أي: الحاكم (صحيح الإِسناد) أي: والمتن لانتفاء منافي الصحة عنه من الشذوذ والعلة القادحة. ٨٣٢ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قلما) ما فيه كافة الفعل عن طلبه للمرفوع ومهيئته للدخول على الجمل الفعلية كما أدخلته هنا عليها (كان رسول الله وَّه لا يقوم من (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في كفارة المجلس، (الحديث: ٤٨٥٩). والحاكم: ٥٣٧/١. ٣٠٩ ٤ - كتاب: آداب النوم مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤلاءِ الدَّعَواتِ: ((اللَّهُمَّ أَقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعْصِيَتِكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبلِّغْنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتَنَا مَا أَحْيَبْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، مجلس حتى) الظاهر أنها هنا بمعنى إلا، كهي في قول الشاعر: ليس العطاء من الفضول سماحة حتى تجود وما لديك قليل (يدعو بهؤلاء الدعوات) وبينها على سبيل العطف البياني أو البدل بقوله: (اللهم أقسم لنا من خشيتك) هو الخوف مع معرفة جلال المخشي منه، ولذا اختصت بالعلماء به تعالى: ﴿إنما يخشى﴾(١) أي: خشية إجلال لا خشية إذلال ﴿الله من عباده العلماء﴾ (٢) وقال سيدهم : ((أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية)) وقال تعالى في حق الملائكة: ﴿وهم من خشيته مشفقون﴾ (٣) (ما) موصولة أو نكرة موصوفة، أي: الذي أو شيئاً (يحول) بالتذكير نظراً للفظ ما ويجوز التأنيث نظراً لكون المطلوب الخشية (بيننا وبين معصيتك) فيه إسناد إلى السبب، فإن الذي يحول بين العبد والمعصية هو الله تعالى، وذلك بأن يجعل عنده من خشيته ما يصده عنها (ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك) معطوف على ما قبله من عطف معمولين على معمولي عامل واحد وهو جائز اتفاقاً، أي: وأقسم لنا من طاعتك الذي، أو شيئاً تبلغنا به والتاء فيه يحتمل أن تكون تاء الغيبة فيناسب ما قبله، ويكون فيه مجاز عقلي، وأن تكون تاء الخطاب فيناسب قوله آخر الحديث جنتك، والباء يحتمل أنها باء المصاحبة وأنها باء السببية؛ بمعنى أنه تعالى جعل مدخولها سبباً لمسببه؛ لأن ذلك سبب ذاتي للمطلوب (ومن اليقين) أي: القلبي (ما يهون) بالتذكير من التهوين (علينا مصايب) بالياء التحتية بعد الهمزة كهي في معايش، ولا يجوز قلبها همزة؛ لأنها ليست مزيدة وهي ما يسوء الإِنسان، وفي الحديث المرفوع: ((كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة)). وإضافته إلى (الدنيا) إما على معنى في على القول بإثباته وعليه ابن مالك في آخرين نحو قوله تعالى: ﴿بل مكر الليل﴾(٤) وعلى أن الإِضافة قسمان ليس إلا إما على معنى اللام أو معنى من فالإِضافة هنا لامية لأدنى ملابسة وذلك لأن المراد كشف عن عين بصيرته ما يعلم به ذوقا أن ما أصلبها صدر إليه من حضرة أرحم الراحمين هان عليها كائناً ما كان (اللهم متعنا) بتشديد المثناة الفوقية (بأسماعنا) أي: بالقوة المودعة في الصماخ (وأبصارنا) أي: بالقوة المودعة (١) و(٢) سورة فاطر، الآية: ٢٨. (٣) سورة الأنبياء، الآية: ٢٨. (٤) سورة سبأ، الآية: ٣٣. ٠,٠٠ ٣١٠ ١٢٩ - باب: في آداب المجلس والجليس وَأَجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمْنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتْنَا فِي دِينِنًا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا)) رَوَاهُ التِّْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثُ. في الحدقة، وجمعها باعتبار تعدد الداعين، أو من إطلاق الجمع على ما فوق الواحد وعليه فأتى بالضمير لذلك والمقام يقتضي خلافه، أي: إلى أنه خلع عليه خلعة تشريف التأهيل لسؤاله تعالى فأتى بلازم العظمة من ضميرنا (وقوتنا ما) مصدرية ظرفية وصلتها (أحييتنا) أي: متعنا بما ذكر مدة إحيائنا؛ وذلك ليغتني المرء عن غيره بفضل ربه سبحانه فلا يحتاج لقائد ولا لمعين (واجعله) أي: ما ذكر (الوارث) أي: الباقي (منا) شبه دوام استمراره إلى آخر الحياة بالوارث الذي يبقى كذلك ويخلف الميت، ففيه تشبيه بليغ (واجعل ثأرنا) هو بالهمز في الأصل وسهل بقلبها ألفاً، وهو طلب الدم كما في النهاية. وأريد منه هنا التبعة والطلبة (على من ظلمنا) أي: بأن تأخذ لنا حقنا منه وتجازيه على ظلمه إيانا (وانصرنا) أي: اجعلنا منصورين غالبين (على من عادانا) يحتمل أن تكون المفاعلة على بابها، ويحتمل أن صيغة المغالبة للمبالغة، أي: على من انتصب لعداوتنا. وظاهر أن المراد المعادي لما لا تجوز المعاداة له من الأعراض الفانية المخدجة، أما المعاداة لله كأن وقعت منه عداوتك لفعلك ما لا يحل شرعاً فذلك لا يدعى عليه والدعاء عليه غير مقبول، لأنه أتى بما عليه (ولا تجعل مصيبتنا) أي: ما نكرهه (في ديننا) بأن نخل بأدنى شيء مما أمرنا بأدائه، أو نقع في شيء مما نهينا عن مداخلته؛ وذلك لأن مصيبة الدين هي المصيبة العظمى لما قد يترتيب عليها من الشقاوة الكبرى أعاذنا الله من ذلك، ولا كذلك مصايب الدنيا، فإن ما فيها آئل إلى الذهاب فما أصيب به المرء فذلك من عناية الله به أن ألهمه الصبر؛ فإنه جعل له في ذلك الثواب ولو ذهب من غير مصيبة لما أثيب عليه (ولا تجعل الدنيا أكبر همنا) فنهتم بها عن الأمور التي علينا من أداء عبوديتك والقيام بخدمتك (ولا مبلغ علمنا) بأن نقف عندما يصلحها ولا نجاوزه لما يصلحنا في آخرتنا؛ فإن الكافر لما لم يؤمن بدار القرار، وكان مبلغ علمه هذه الدار، استغرق بلذاتها وسبح في بحار شهواتها وقال إن هي إلا حياتنا الدنيا، فمن استغرق من أرباب الإِيمان أوقاته في عمارة دنياه، وغفل عن عمارة أخراه، صار شبيهاً بأولئك الخاسرين (ولا تسلط علينا من لا يرحمنا) فيه أن جور الولاة والعمال على من تحت أيديهم من الرعايا، إنما هو بتسليط من الله سبحانه، وإذا كان كذلك فإذا أصيب العبد بمصيبة من أيديهم فلا يسبهم، بل يلجأ إلى الله تعالى ويصلح ما بينه وبينه فيكفهم عنه بقدرته ويصير نار عداوتهم رماداً (رواه الترمذي) في الدعوات من جامعه (وقال حديث ٣١١ ٤ - كتاب: آداب النوم حَسَنٌ(١). ٨٣٣ - وعَنْ أبي هُريْرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالَى فِيهِ إِلّ قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمارٍ وكانَ لَهُمْ حَسْرَةً)) رواهُ أبو داوُدَ بِإِسنادٍ صَحِيحٍ (٢). حسن) وقد عقد له المصنف في الأذكار ترجمة مستقلة فقال بعد باب ما يقوله عند القيام من المجلس ((باب دعاء الجالس في جمع لنفسه ومن معه)) وما فعله ثمة أولى؛ لأن عموم الحديث يشمل ذكره ذلك في أول المجلس، وفي أثنائه، وفي آخره، وعند القيام، فالمطلوب الإِتيان به في المجلس لا بخصوص عند القيام، ولما فعله هنا وجه حسن هو أنه ينبغي ختم المجلس بالذكر والدعاء، وهذا من أحسن الدعاء لما فيه من جمع خيري الآخرة والدنيا . ٨٣٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلّ ما من) صلة أتى بها لتأكيد عموم النفي في قوله: (قوم) والمراد به هنا ما يشمل النساء، وإن كان لغةً مختصاً بما يقابلهن كما تقدم (يقومون) فيه مع قوله قوم جناس الاشتقاق، وهو خبر ما الحجازية المجرور اسمها بمن المزيدة (من مجلس) متعلق بيقومون، والتنوين فيه للشيوع فيشمل شريف المجلس كالمساجد، ودنيئة كمجلس اللغو (لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان) أي: ذلك المجلس (لهم) متعلق بقوله (حسرة) وجملة النفي في محل الحال من فاعل يقومون. وذكر جيفة الحمار زيادة في التنفير، وإيماءً إلى أن تارك الذكر في المجلس بمثابة الحمار المضروب به المثل في البلادة، إذ غفل بما هو فيه من الترهات ولذائد المحاورات عن ذكر من أغدق له العطيات، وتحسره عليه لما فاته من أنفس نفيس وهو الزمان الذي إذا ذهب لا يعود أبداً فليس له عند العارف عوض فأذهبه ذلك الجالس في غير نفع أخروي بترك ذكر الله فيه، فعظمت بذلك الحسرة واشتعلت بالتفريط في ذكر الله تعالى في ذلك المجلس للعارف بما ضاع عليه من نفيس الوقت الجمرة (٣)، هذا إذا كانت الحسرة في الدنيا، ويحتمل أنها في الآخرة ويأتي ما يدل له، والحسرة لفوات ثواب الذكر بمعاينة ما ناله غيره ممن لم يقصر في ذلك (رواه أبو داود بإسناد صحيح) ورواه الطبراني والبيهقي عن (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، [باب: ٨٠]، (الحديث: ٣٥٠٢). (٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: كراهية أن يقوم الرجل من مجلسه ولا يذكر الله، (الحديث: ٤٨٥٥). (٣) (الجمرة) فاعل قوله: (اشتعلت). ع. ٣١٢ ١٢٩ - باب: في آداب المجلس والجليس ٨٣٤ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسَاً لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِّهِمْ فِيهِ إِلَّ كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةٌ، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(١). ٨٣٥ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن رَسُولِ اللّهِ وَ قَالَ: ((مَن قَعَدَ مَقْعَدَاً لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعالَى فِيهِ كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةً، ومَنِ اضْطَّجَعَ مَضْجَعاً لا يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ عبدالله بن مغفل مرفوعاً بلفظ ((ما من قوم اجتمعوا في مجلس وتفرقوا ولم يذكروا الله إلا كان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة)) ورواه أحمد في مسنده عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ: ((ما من قوم جلسوا مجلساً لا يذكرون الله فيه إلا رأوه حسرة يوم القيامة أورده السيوطي في الجامع الكبير. ٨٣٤ - (وعنه عن النبي ◌ّ# قال ما جلس قوم مجلساً) منصوب على الظرف، وتنكيره لما تقدم. وجملة (لم يذكروا الله تعالى فيه ولم يصلوا على نبيهم) أي: مع السلام عليه (فيه) في محل الصفة للظرف (إلا كان) يحتمل أن تكون ناقصة واسمها مستكن يرجع إلى المجلس و(عليهم) ظرف إما لغو متعلق بخبر كان أعني (ترة) لما أنه بمعنى نقص وذلك كالفعل في التعلق به أو بالفعل نفسه أو مستقر في محل الحال من اسم كان. ويحتمل أنها تامة وترة فاعلها وعليهم فيه إلا وجه المذكورة ويؤيد هذا رواية أبي هريرة الآتية آخر الباب؛ فإنها ظاهرة في ذلك ظهوراً تاماً (فإن شاء عذبهم) جزاء ما قصروا في ذلك بتركها (وإن شاء غفر لهم) ذلك النقص. وهذا يقتضي وجوب وجود الذكر، والصلاة على النبي بَّر في المجلس، لأنه رتب العذاب على ترك ذلك وهو آية الوجوب. ولم أر من ذكر عنه القول بوجوب ذلك في كل مجلس، والحديث يقتضيه والله أعلم (رواه الترمذي وقال حديث حسن) ورواه ابن ماجه أيضاً من حديث أبي هريرة، ورواه أيضاً من حديث أبي سعيد كما في الجامع الصغير. ٨٣٥ - (وعنه عن رسول الله وَلّل قال: من قعد مقعداً) بفتح العين المهملة يحتمل أن يكون منصوباً على الظرفية الزمانية ويؤيده الروايات قبله بالصيغة المتعينة للمكان، ويحتمل أنه على المفعولية المطلقة وهو مصدر ميمي، أي: قعوداً (لم يذكر الله تعالى فيه) يحتمل أن يراد الذكر اللساني وهو المتبادر، ويؤيده قرن الصلاة على النبي ◌َّر معه في الرواية قبله، (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعاء، باب: في القوم يجلسون ولا يذكرون الله، (الحديث: ٣٣٨٠). ٣١٣ ٤ - كتاب: آداب النوم كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةً)) رواه أبو داودَ(١). وَقَدْ سَبَقَ قَرِيباً وشَرَحْنا ((التِّرَةَ)) فيه(٢). ١٣٠ - باب: في الرؤيا وما يتعلق بها قال اللَّهُ تعالى (٣): ﴿ومِنْ آيَاتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ﴾. ٨٣٦ - وعنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ لَه يقولُ: ((لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلّ الْمُبَشِّرَاتُ)) فإنها لا تكون إلا باللسان مع رفع الصوت إلى أن يسمعها المتكلم بها المعتدل السمع الخالي عن نحو لغط، ويحتمل أن يكون المراد ما يعمه والذكر القلبي فيدخل فيه من حصل له فيه خوف أو رجاء في الله سبحانه أو غير ذلك من الأحوال وإن لم يذكر بالمقال (كانت) أنث لتأنيث فاعله وإن فصل بينهما قوله: (عليه من الله ترة) والظرفان متعلقان به، ويجوز كونها ناقصة وأحد الظرفين خبر مقدم وترة اسمها مؤخر والتأنيث لما تقدم. وهذا كله على روايته بالرفع كما في الأصول المصححة، ويحتمل كون اسمها مستكناً يرجع إلى القعدة الدال عليها مقعداً (ومن اضطجع مضجعاً لا يذكر الله تعالى فيه كانت عليه من الله ترة رواه أبو داود وغيره وقد سبق قريباً) منصوب على الظرفية أو المصدرية وذلك في أول كتاب آداب النوم (وشرحنا فيه الترة) وأصلها، والخلاف في معناها. باب الرؤيا بالقصر مصدر، أي: الحلمية في المشهور. قال في المصباح: ورؤيا على فعلى غير منصرف لألف التأنيث المقصورة، وسيأتي فيها مزيد بيان (وما يتعلق بها) أي: من الآداب (قال الله تعالى ومن آياته) أي: دلائل ألوهيته ووحدانيته (منامكم بالليل والنهار) وذلك لما فيه من إذهاب الشعور حتى يصير النائم كالميت، ثم يستيقظ منه فيعود له ما كان من الشعور والإِدراك كأنه لم يزل ألبتة، وذلك دليل كمال القدرة. ٨٣٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: لم يبق) قال الدماميني في المصابيح: قالوا يريد لا يبقى بعده (من النبوة إلا المبشرات) أي: أن الوحي (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: كراهية أن يقوم الرجل من مجلسه ... (الحديث: ٤٨٥٦). .(٣) سورة الروم، الآية: ٢٣. (٢) مربرقم (٨١٧). ٣١٤ ١٣٠ - باب: في الرؤيا قَالوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قالَ: ((الرُّؤيا الصَّالِحَةُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). ٨٣٧ - وعنهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قَالَ: ((إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤيا الْمُؤمِنِ تَكْذِبُ، ينقطع بموته فلا يبقى بعده ما يعلم به ما سيكون إلا المبشرات، فالمقام للنفي بلن دون لم، وقد جاء في رواية: ((لن يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات)) اهـ. وأصل الكلام لابن التين وزاد عليه قوله فالمقام للنفي بلن. وقال المهلب: التعبير بالمبشرات خرج للأغلب؛ فإن من الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله المؤمن رفقاً به ليستعد لما يقع قبل وقوعه (قالوا) أي: الصحابة الحاضرون كلامه (وما المبشرات قال الرؤيا الصالحة) يحتمل أن المراد صلاحها باعتبارها في ذاتها، ويحتمل أنه باعتبار تأويلها (رواه البخاري) في كتاب التعبير من صحيحه . ٨٣٧ - (وعنه أن النبي ◌َّ# قال: إذا اقترب الزمان) أي: استوى الليل والنهار واعتدلا وذلك في زمن الربيع أو اقترب انتهاء أمد الدنيا، أو اقترب بحيث تكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة أقوال ثلاثة حكاها الطيبي، وظاهر صنيعه اعتماد الثاني، وظاهر صنيع الحافظ ابن حجر اعتماد الأول، وأيد الطيبي ما قاله بحديث: ((في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب)) وكذا أيده السيوطي بل صوبه، وقال لأن أكثر العلم ينقص حينئذ، وتندرس معالم الديانة فتكون الناس على مثل الفترة محتاجين إلى مذكر ومجدد لما درس من الدين كما كانت الأمم تذكر بالأنبياء، لكن لما كان نبينا ◌َّ خاتم الأنبياء عوضوا بالرؤيا الصادقة، وقال العارف بن أبي جمرة: أن المؤمن حينئذ يكون غريباً فيقل أنيسه فيكرم بالرؤيا الصادقة، وقال الفارسي في مجمع الغرائب: يحتمل أن معناه إذا اقترب أجل الرائي، أي: بأن طعن في السن وبلغ أوان الكهولة والمشيب، فإن رؤياه أصدق وذلك لاستكماله غاية الحلم والأناة والقوة النفسية (لم تكد) لم تقارب (رؤيا المؤمن) وفي رواية: ((لم تكد رؤيا الرجل المسلم)) (تكذب) قال الطيبي: اختلف في خبر كاد المنفي والأظهر أنه يكون منفياً أيضاً؛ لأن أحرف النفي الداخلة على كاد تنفي قرب حصوله والنافي لقرب حصول الشيء أدل على نفيه نفسه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾(٢) والرؤيا كما قال الطيبي، نقلاً عن الكشاف بمعنى الرؤية، إلا أنها تختص بما كان (١) أخرجه البخاري في كتاب: التعبير، باب: المبشرات، (٣٣١/١٢). (٢) سورة النور، الآية: ٤٠. ٣١٥ ٤ - كتاب: آداب النوم ورُؤْيَا الْمُؤْمِن جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًاً مِنَ النُّبُوَّةِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وفي روايةٍ: (وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثً)(١). ٨٣٨ - وعنهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرانِي فِي الْيَقَظَةِ، أَوْ كَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ؛ لا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطانُ بي)» منها في المنام دون اليقظة، فلا جرم فرق بينهما بحذف تاء التأنيث وجعل ألف التأنيث فيها مكان تائه للفرق، وقال الواحدي: الرؤيا مصدر، إلا أنه لما صار اسماً للتخيل في المنام جرى مجرى الأسماء. وقال المصنف: الرؤيا مهموزة مقصورة ويجوز ترك الهمزة تخفيفاً. قال المازري: الذي عليه أهل السنة أن الرؤيا هي أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات وكأنه جعلها علماً على أمور أخرى يخلقها في أثناء الحال قد تتخلف، كالغيم خلقه الله تعالى علامة على المطر وقد يتخلف، وتلك الاعتقادات تقع منا مرة بحضرة الملك فنسرّ، وأخرى بحضرة الشيطان فنساء. وقد بسط الكلام شيخ الإِسلام في فتح الباري على الرؤيا فعليك بمراجعته لتقف على ما فيه من النفائس (متفق عليه وفي روايه) أي: لمسلم (وأصدقهم) أي: الرائين الصالحين (رؤيا) تمييز عن نسبته لمن هو له (أصدقهم حديثاً) أي: خبراً وهذا باعتبار الغالب. قال المهلب: قد يرى الصالح الأضغاث لكن نادراً لقلة تمكن الشيطان منه، بخلاف غيره، فإن الشيطان متسلط عليه فغلب عليه الكذب، قال: فالناس ثلاث درجات الأنبياء ورؤياهم صدق ألبتة وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون والأغلب على رؤياهم الصدق وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى التعبير، ومن عداهم يقع في رؤياهم الصدق الأضغاث، فالمستورون يستوي الأمران فيهم والفسقة يغلب في رؤیاهم الأضغاث والكفاريندر في رؤياهم الصدق. ٨٣٨ - (وعنه قال: قال رسول اللّه ◌ُمسير: من رآني في المنام ((فسيراني في اليقظة) بفتح القاف قال الشيخ أكمل الدين في شرح المشارق: هو بالنسية إلى الإِخبار بالغيب يكون بشرى برؤيتهم إياه عليه الصلاة والسلام يوم القيامة، وهو تأويله، وسمى ذلك يقظة؛ لأنها اليقظة الحقيقية وذلك لا ينافي أن يكون تأويله بالنسبة إلى أمر الدنيا حصول خير ودين وغير ذلك مما يؤول به. قال وقوله: (أو فكأنما رآني في اليقظة) شك من الراوي، ومعناه غير الأول؛ لأنه تشبيه وهو صحيح، لأن ما رآه في المنام مثال وما يرى في عالم الحس حسي، فهو تشبيه خيالي بحسي. قال وقوله: (لا يتمثل بي الشيطان) استئناف بياني، كأن سائلاً قال (١) أخرجه البخاري في كتاب: التعبير، باب: القيد في المنام (٣٥٦/١٢). وأخرجه مسلم في كتاب: الرؤيا، باب :... (الحديث: ٦). ٣١٦ ١٣٠ - باب: في الرؤيا ما سبب ذلك، فقال لا يتمثل الشيطان بي، يعني ليس ذلك المنام من قبيل أن يمثل الشيطان في خيال الرائي ما يشاء من التخيلات، قال: وهل هذا مختص بالنبي وَ ﴿ أو لا، قال بعضهم: رؤية الله تعالى ورؤية الأنبياء والملائكة عليهم السلام ورؤية الشمس والقمر والنجوم المضيئة والسحاب الذي فيه الغيث لا يتمثل الشيطان بشيء منها. وذكر المحققون أن ذلك خاص به وَ الر، وقالوا في ذلك أنه وَّر. وإن ظهر بجميع أحكام أسماء الحق وصفاته تخلقاً وتحققاً فإن من مقتضى مقامات رسالته ودعوته الخلق إلى الحق أن يكون لا ظهر فيه حكماً وسلطنة من صفات الحق وأسمائه صفة الهداية والاسم الهادي فهو مَّر صورة الاسم الهادي ومظهر صفة الهادي، والشيطان مظهر اسم المضل والظاهر بصفة الضلالة فهما ضدان ولا يظهر أحدهما بصفة الآخر، فالنبي وتقدير خلقه الله للهداية فلو ساغ لإِبليس التمثل بها لزال الاعتماد بكل ما يبديه الحق ويظهره لمن يشاء هدايته، فلذلك عصم الله صورة النبي 18 من أن يظهر بها شيطان. وإنما لم يمنع الشيطان من مثل ذلك في حضرة الحق وهو أعظم عظماً وجلالاً؛ فقد وقع أنه أضل قوماً بقوله أنا الله فظنوا أنهم رأوا الحق وسمعوا خطابه؛ لأن كل ذي عقل يعلم استحالة الصورة في حقه تعالى فلا يحصل الاشتباه من صورة إبليس بصورته، وقوله فيها أنا الله بخلاف النبي وَلّ فإنه ذو صورة مشهورة فاقتضت الحكمة ما سبق، ولأن مقتضى حكم الحق أن يضل وأن يهدي بخلاف النبي صل فهو مقيد بوصف الهداية وظاهر بصورتها فوجب عصمة صورته أن يظهر بها شيطان لبقاء الاعتماد وظهور حكم الهداية فيمن شاء الله تعالى هدايته به اهـ. وقال الحافظ في الفتح: اختلف في معنى قوله: فسيراني في اليقظة)) فقيل: معناه سيرى تفسير ما رأى في اليقظة، لأنه غيب ألقي فيه، وقيل: معناه سيراني في القيامة، أي : رؤية خاصة من القرب منه أو نحوه من الخصوصيات، ولا مانع من أن الله تعالى يعاقب بعض عصاة المؤمنين يوم القيامة بمنعه رؤيا النبي وقال مدة، وقد قال ابن التين؛ المراد به من آمن به في حياته ولم يره لكون حينئذ غائباً عنه فيكون مبشراً له أنه لا بد من رؤياه له يقظة قبل الموت، وقال قوم: هو على ظاهره فيمن رآه مناماً فلا بد أن يراه يقظة بعيني رأسه، وقيل: بعيني قلبه حكاهما ابن العربي، وقد نقل عن جمع من الصالحين رؤياه مناماً ثم رأوه بعد ذلك يقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى النجاة من ذلك وجاء الأمر كذلك وهذا نوع من كرامات الأولياء وأكثر(١) من يقع له ذلك وقد صرح بوقوع هذه الكرامة جمع منهم الغزالي وابن العربي وابن عبدالسلام، وفي كون (١) كذا بالأصل ولعله (وكثر). ع. ٣١٧ ٤ - كتاب: آداب النوم مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٨٣٩ - وعنْ أَبي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َ يقولُ: ((إِذَا رِأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّها فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللَّهِ تَعالَى فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْها وَلْيُحَدِّثْ بِها))، وفي روايةٍ: ((فَلا يُحَدِّثْ بِها إلّ مَنْ يُحِبُّ، وإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ المرئي جسمه لر أو مثاله خلاف، قال بالثاني الغزالي، وقال ابن العربي أن رآه وَل بصفته المعلومة فإدراك حقيقته وإلا فإدراك لمثاله، وقال المصنف: الصحيح أنه يراه حقيقة سواء رآه على صفته المعروفة أو غيرها وأيد الحافظ قول من فرق بين كون المرئي بصفته أو بغيرها فيكون الأول حقيقة والثاني للمثال. (متفق عليه). ٨٣٩ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع النبي ◌َ ◌ّ يقول: إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها) أي: لحسن صورتها أو تأويلها (فإنما هي من الله) أي: أنها لحسنها تضاف إليه تعالى، كما يضاف إليه كل جميل (فليحمد الله عليها) يحتمل أن يكون المراد المبالغة في الحمد لذلك حتى أنه لكثرته كأنه علا على المنعم به فعلى على بابها وقد ورد ما أنعم الله على عبد بنعمة فقال الحمد لله إلا كان ما أعطى خيراً مما أخذ ويحتمل كونها تعليلية كهي في قوله تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾(١) وفي الحديث طلب الحمد عند حدوث النعم وتجدد المنن فذلك سبب لدوامها (وليحدث بها) أي: من يحب كما بينه قوله: (وفي رواية) وهي لمسلم في حديث أبي قتادة الآتي بعده (فلا يحدث به) أي: بالمرئي المدلول عليه بالرؤيا، وفي نسخة مصححة منه بها بضمير الرؤيا (إلا من يحب) وذلك لأن العدو ربما يحملها على بعض ما تحتمله مما فيه سوء للرائي فيكون ذلك لأن المنام، الأول عابر، وزاد الترمذي ولا تحدث بها إلا لبيباً أو حبيباً (وإذا رأى غير ذلك) المذكور وبين ذلك الغير بقوله (مما يكره) يحتمل كون ما مصدرية وكونها موصولة حذف عائدها المنصوب، وكراهتها بقبح صورتها أو تأويلها (فإنما هي) أي: الرؤيا، وتخالف الضميرين تذكير أو تأنيثاً تفنن في التعبير (من الشيطان) أضافها إليه لكونها على هواه ومراده، وقيل: لأنه الذي يخيل بها ولا حقيقة لها (١) أخرجه البخاري في كتاب: التعبير، باب: من رأى النبي _ في المنام (٣٣٨/١٢). وأخرجه مسلم في كتاب: الرؤيا، باب: قول النبي صَ﴾ ((من رآني في المنام فقد رآني)) (الحديث: ١١). (٢) سورة البقرة، الآية: ١٨٥. ٣١٨ ١٣٠ - باب: في الرؤيا فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا ولا يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ فَإِنَّها لا تَضُرُّهُ)) مُتَّفَقَ عَلَيْهِ(١). ٨٤٠ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ - وفي رِوَايَةٍ: الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ - مِنَ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ شِمَالِهِ ثَلَاثاً، في نفس الأمر (فليستعذ بالله من شرها) قال الحافظ: ورد في صفة التعوذ من شر الرؤيا أثر صحيح أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبدالرزاق بأسانيد صحيحة عن إبراهيم النخعي قال: ((إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فليقل إذا استيقظ أعوذ بما عادت به ملائكة الله ورسله من شر رؤياي هذه أن يصيبني فيها ما أكرهه في ديني ودنياي)) (ولا يذكرها لأحد) أي: وإن كان حبيباً وعلى وجه التعبير وغيره، وفي حديث أبي هريرة عند الترمذي: ((وإذا رأى الرؤيا القبيحة فلا يفسرها ولا يخبر بها أحداً)) فعدم ذكرها لما فيه من شرها من أسباب الوقاية من ضرها كما قال: (فإنها) أي: الرؤيا المذكورة (لا تضره) أي: لا يحصل له ضر بسببها فالإِسناد إلى السبب (متفق عليه). ٨٤٠ - (وعن أبي قتادة) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب تحريم الظلم (قال: قال النبي ◌َّير: الرؤيا الصالحة وفي رواية) للبخاري أواخر كتاب التعبير في حديث أبي قتادة المذكور (الرؤيا الحسنة) أي: بدل الصالحة. فالمراد منهما واحد؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضاً والمراد الحسنة صورة والصالحة تأويلاً (من الله والحلم) بضم الحاء المهملة وسكون اللام قال في النهاية وتضم (من الشيطان) قال الزركشي: هذا تصرف شرعي بتخصيص الرؤيا بما يراه من الخير والحلم بما يراه من الشر، وإن كان في الأصل لما يراه من النائم. وفي النهاية الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء، لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه من الشر والشيء القبيح، ويستعمل كل واحد منهما موضع الآخر. وقال ابن الجوزي: الرؤيا والحلم واحد غير أن صاحب الشرع خص الخير باسم الرؤيا والشر باسم الحلم. (فمن رأى شيئاً يكرهه فلينفث عن يساره) قال القاضي عياض: أمر به طرداً للشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة تحقيراً له واستقذاراً، وخص بها اليسار؛ لأنها محل الأقذار ونحوها (ثلاثاً) منصوب على (١) أخرجه البخاري في كتاب: التعبير، باب: الرؤيا الصالحة من إليه، (٣٢٧/١٢). وأخرجه مسلم في كتاب: الرؤيا، باب :... (الحديث: ١). ٣١٩ ٤ - كتاب: آداب النوم وَلْيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ((النّفْثُ)): نَفْخُ لَطِيفٌ لَاَ رِيقَ مَعَهُ(١). ٨٤١ - وعنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يَكْرَهُها فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسارِهِ ثَلاثَاً، ولْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ ثَلاثً، ولْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِالَّذِي كانَ عَلَيْه)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(٢). ٨٤٢ - وَعَنْ أَبِي الْأَسْقَعِ وَائِلَةَ بْنِ الْأُسْقَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ المفعولية المطلقة لينفث (وليتعوذ) أي: بالله تعالى (من الشيطان) وذلك لأن الله تعالى قدر وجود ما يسوء من الرؤيا عند وجوده فإبعاده يقتضي إبعادها (فإنها) أي: الرؤيا (لا تضره متفق عليه) ورواه أصحاب السنن الأربعة (النفث نفخ لطيف) وتقدم ضبطه ومعناه. ٨٤١ - (وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه) الأولى عنهما، لأنه صحابي ابن صحابي (عن رسول الله وَ﴾ قال: إذا رأى) أي: في المنام (أحدكم) أي: الواحد منكم (الرؤيا يكرهها) لصورتها ولتأويلها. والجملة حال أو صفة مما قبله لتعريفه بأل الجنسية (فليبصق) بضم الصاد المهملة قال في المصباح: وهي بدل من الزاي. قال الكازروني: والبزاق ماء الفم الذي يلفظ (عن يساره) لأنها الجهة المعدة للمستقذر والمكروه (ثلاثاً) زيادة في الإِهانة للشيطان (وليستعذ بالله) أي: بلسانه مع جنانه (من الشيطان) كأن يقول أعوذ بالله من الشيطان (ثلاثاً وليتحول عن جنبه الذي كان عليه) حين الرؤيا المكروهة تفاؤلاً بتحول الحال من الرؤيا القبيحة إلى الرؤيا المليحة نظير ما قيل في تحويل الإِمام الرداء في خطبة الاستسقاء. وجاء من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل ولا يحدث به الناس)) متفق عليه كما في المشارق (رواه مسلم) في التعبير. ٨٤٢ - (وعن أبي الأسقع) بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح القاف بعدها عين مهملة ومثله في الضبط المذكور اسم أبيه، وقيل: بل كنيته أبو شداد وبها بدأ المصنف في التهذيب، وقيل: أبو محمد، وقيل أبو الخطاب، وقيل أبو قرصافة بكسر القاف (واثلة) بكسر المثلثة (بن الأسقع) وقيل: ابن عبدالله بن الأسقع بن عبدالعزي بن عبدياليل بن ماست بن عنزة بن سعد بن ليث بن بكر بن عبدمناة بن كنانة الكناني الليثي (رضي الله عنه) قيل: أسلم (١) أخرجه البخاري في كتاب: التعبير، باب: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً وأبواب أخرى بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، (١٧٧/١٠، ٣٤٤/١٢) وأخرجه مسلم في أول كتاب الرؤيا (الحديث: ٢٢٦). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الرؤيا، باب :... ، (الحديث: ٥). ٣٢٠ ١٣٠ - باب: في الرؤيا رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِرَى أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِهِ أَوْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ، أَوْ يَقُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ مَا لَمْ يَقُلْ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١). والنبي وَّ يتجهز إلى تبوك وشهدها معه وشهد فتح دمشق وحمص، وقيل أنه خدم النبي رَّة. ثلاثاً وكان من أهل الصفة. روي له عن النبي وَ ل ستة وخمسون حديثاً، وانفرد البخاري عنه بحديث ومسلم بآخر، سكن الشام فسكن دمشق ثم استوطن ببيت جبر بن بارة بقرب بيت المقدس، ودخل البصرة وله بها دار. توفي بدمشق سنة ست أو خمس وثمانين عن ثمان وسبعين سنة. قاله أبو مسهر. وقال سعد بن خالد: توفي سنة ثلاث وثمانين عن مائة وخمسين سنة. قال المصنف في التهذيب: والصحيح الأول (قال: قال رسول الله وَلَو: إن من أعظم الفرى) بكسر الفاء وفتح الراء جمع فرية وهي الكذبة العظيمة (أن يدعى الرجل إلى غير أبيه) عدى الادعاء بإلى لتضمنه معنى الانتساب، وإنما صار أعظم، لأنه افتراء على الله تعالى؛ لأن المدعي إلى غير أبيه كأنه يقول خلقتني الله من ماء فلان، وإنما خلقه من ماء غيره (أو يرى) من الإِراءة منصوب عطفاً على مدخول إن، أي: وإن يرى (عينيه ما لم تر) وفي رواية للبخاري: ((ما لم تريا»، أي: يكذب في رؤياه بأن يقول رأيت في منامي كذا ولم يكن يراه، وإنما كان أعظم؛ لأن ما يراه النائم إنما يراه بإراءة الملك والكذب عليه كذب على الله، وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ومَّ قال: ((من تحلم بحلم لم يره كلف أن يقعد بين شعيرتين ولن يفعل)) الحديث. قال الطبراني: إنما أسند الوعيد على الكذب في المنام مع أن الكذب في اليقظة أشد مفسدة منه إذ قد يكون شهادة في قتل أحد أو أخذ مال، قال: لأن الكذب في المنام كذب على الله أنه أراه ما لم يره، والكذب على الله أشد من الكذب على المخلوقين، وإنما كان الكذب في المنام كذباً على الله لحديث: ((الرؤيا جزء من النبوة)) فهو من قبل الله اهـ. (أو يقول على رسول الله ( *) أي: ينسب إليه من الحديث (ما) أي: شيئاً أو الذي (لم يقل) وقد صح متواتراً ((من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) (رواه البخاري) والله أعلم. (١) أخرجه البخاري في كتاب: المناقب (الأنبياء)، باب: نسبة اليمن إلى إسماعيل (٣٩٤/٦).