Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ ٧٣ - باب: في حسن الخلق رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ((الْبَذِيُّ)) هُوَ: الَّذِي يَتْكَلَّمُ بِالفُحْشِ وَرَدِيءِ الْكَلَامِ (١). ٦٢٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللّهِوَ عَنْ أَكْثَرٍ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ. فَقَالَ: ((تَقْوَى اللَّهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ)) وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ. فَقَالَ: ((الْفَمُ وَالْفَرْجُ)) الأعمال، ثالثها الموزون نفس العمل. وفي التقييد بالمؤمن إيماءً إلى أن الكافر لا يوزن عمله لأنه لا طاعة له لتوزن في مقابلة كفره وهو أحد قولين في ذلك أيضاً، وفيه إشارة إلى سوء خلق الكافر وذلك لأنه ترك عبادة خالق كل شيء إلى عبادة من لا يخلق من شيء (وإن الله يبغض) بضم التحتية من الإِبغاض. قال في المصباح: ولا يقال بغضته بغير ألف ويقال: أبغضته فهو مبغض، وبغضه الله بتشديد الغين فأبغضوه أي لا يثني عليه في عالم الملكوت خيراً أو لا يثيبه أو لا يوفقه (الفاحش البذيء رواه الترمذي) في البر والصلة من جامعه (وقال: حديث صحيح) وفي الجامع الصغير بعد ذكر الحديث بلفظ: ((ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق)) رواه أحمد وأبو داود وعن أبي الدرداء بلفظ: ((ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق وإن صاحب الخلق الحسن ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة)) رواه الترمذي عن أبي الدرداء (البذي) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتية على وزن فعيل من بذا يبذو بذاء بالفتح والمد سفه وأفحش في منطقة، وإن كان كلامه صدوقاً كذا في المصباح (هو الذي يتكلم بالفحش) أي: الخارج عن الاعتدال من القول (ورديء الكلام) وقال العاقولي: البذي هو السيء الخلق وهو ملازم لما قبله لأن الفحش إنما يصدر عنه. ٦٢٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله وَّر عن أكثر ما يدخل الناس الجنة) أي: من الأعمال والأقوال والأحوال (فقال: تقوى الله وحسن الخلق) قال ابن القيم: جمع بينهما لأن تقوى الله تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه (وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: الفم والفرج) وذلك لأنه يصدر من الفم الكفر والغيبة والنميمة ورمي الغير في المهالك، وإبطال الحق وإبداء الباطل وغير ذلك مما أشار إليه الشارع بقوله: ((هل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال: على مناخرهم إلا (١) أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في حسن الخلق، (الحديث: ٢٠٠٤). ٨٢ كتاب: دليل الفالحين رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). ٦٢٧ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((أَكَمِلُ الْمُؤمِنِينَ إِيماناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقَاً، وَخَيْرُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(٢). ٦٢٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ هَ، يَقُولُ: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنٍ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ» حصائد ألسنتهم)) وبقوله: ((وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقى لها بالاً تهوى به في النار سبعين خريفاً)) والفرج يصدر منه الزنى واللواط (رواه الترمذي) في أبواب الصبر والصلة (وقال حديث حسن صحيح). ٦٢٧ - (وعنه قال: قال رسول الله وَليل: أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) وقد تقدم حديث: ((البر حسن الخلق)) فكلما كان العبد أحسن أخلاقاً كان أكمل إيماناً. وفيه دليل زيادة الإِيمان ونقصانه (وخياركم) أي: عند الله سبحانه (خياركم) أي: في الظاهر (لنسائهم) وذلك بالبشاشة وطلاقة الوجه، وكف الأذى وبذل الندى والصبر على إيذائها فالتغایر بین المسند إلیه والمسند حاصل (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) وأورده في الجامع الصغير بلفظ: ((إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله)» وقال رواه الترمذي والحاكم في مستدركه عن عائشة، وقد تقدم الحديث مع شرحه في باب الوصية بالنساء. ٦٢٨ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله وَ لل يقول: إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه) الباء فيه سببية، قال العاقولي: قيل هو بسط الوجه وبذل الندى وكف الأذى. وقيل: هو ألا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله تعالى. وقال سهل: أدنى حسن الخلق الاحتمال وترك المكافأة والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة عليه، أي: ليبلغ بحسن خلقه الداعي له إلى التحلي بالمحامد والتخلي عن المذام (درجة الصائم القائم) (١) أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في حسن الخلق، (الحديث: ٢٠٠٤). (٢) أخرجه الترمذي في كتاب: الرضاع، باب: ما جاء في حق المرأة على زوجها، (الحديث: ١١٦٢). وأخرجه الترمذي في كتاب: الإِيمان، باب: ما جاء في استكمال الإِيمان وزيادته ونقصانه، (الحديث: ٢٦١٢)، الحاكم: (٥٣/١). ٨٣ ٧٣ - باب: في حسن الخلق رَوَاهُ أَوُ دَاوُدَ(١). ٦٢٩ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ هِ: ((أَنَا زَعِيمٌ بِيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِراءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقَّاً، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمِنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحَاً، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ)) حَدِيثٌ أي: أعلى الدرجات فإن أعلى درجات الليل درجات القائم في التهجد، وأعلى درجات النهار درجات الصائم في حر الهواجر (رواه أبو داود) وكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه كما في الجامع الصغير. ٦٢٩ - (وعن أبي أمامة) بضم الهمزة وتخفيف الميمين، واسمه صدى بن عجلان (رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﴿ أنا زعيم ببيت في ربض الجنة) بفتح الراء والموحدة وضاد معجمة ما حولها خارجاً عنها تشبيهاً بالأبنية التي تكون حول المدينة وتحت القلاع قاله في النهاية: (لمن ترك المراء) بالكسر مصدر كالمماراة وهي المجادلة، ويقال: ماريته أيضاً إذا طعنت في قوله تزييفاً للقول وتصغيراً للقائل. ولا يقال المراء إلا اعتراضاً بخلاف الجدال، فإنه يكون ابتداءً واعتراضاً قاله في المصباح (وإن كان محقاً) بضم أوله وكسر المهملة فيما يماري ويجادل، أي وإن كان ذا الحق في نفس الأمر، وذلك لأنه بعد أن يرشد خصمه إليه ويأبى عن قبوله وليس من طالبي الاستبصار فلا ثمرة للمراء إلا تضييع الوقت فيما هو كالعبث (ويبيت في وسط الجنة) الواو عاطفة على ما قبله، أي: وأنا زعيم ببيت في وسطها، وهو بفتح المهملة أي: متوسطها ويجوز إسكان المهملة كما في المصباح (لمن ترك الكذب) أي: الإِخبار بخلاف الواقع والمراد ترك المذموم منه وهو مالا مصلحة راجحة فيه فيكون عاماً مخصوصاً بما عدا ذلك، إذ قد يكون مندوباً تارة كالكذب للإصلاح بين المتخاصمين، وواجباً أخرى كما إذا تيقن ترتب هلاك معصوم على صدقه بالإِخبار عنه، ودليل التخصيص الأحاديث الواردة باستثناء ذلك (وإن كان مازحاً) أي: بكذبه غير قاصد به الجد ولا يتناول التعريض؛ فإنه ليس بكذب أصلًا كقول إبراهيم: إني سقيم أي: سأسقم، وقوله في سارة أنها أخته أي: باعتبار الإِسلام، وإطلاق الكذب على ذلك في بعض الأحاديث من مجاز المشاكلة، أي: ظاهر صورته ذلك (وببيت في أعلى الجنة) هو ظاهر في أن المراد بوسط الجنة فيما قبله متوسط درجاتها ومنازلها ففيه شرف كل من ترك الكذب وحسن الخلق على ما (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في حسن الخلق، (الحديث: ٤٧٩٨). ٨٤ كتاب: دليل الفالحين صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، ((الزَّعِيمُ)): الضَّامِنُ(١). ٦٣٠ - وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عِنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ، قَالَ: ((إِنَّ مِنْ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِّكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقَاً، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي قبله (لمن حسن) بتشديد السين المهملة (خلقه) وفي الإتيان به بصيغة التفعيل إيماءً إلى مشقة التخلق بذلك، والاحتياج فيه إلى مزاولة للنفس ورياضة لها (حديث صحيح رواه أبو داود) في الأدب (بإسناد) هو رجال السند (صحيح) أي: ولا علة بالمتن ولا شذوذ، فلذا صحح المصنف المتن، وإلا فظاهر أنه لا يلزم من صحة الإِسناد صحة المتن لجواز عروض شذوذ أو نكارة أو علة قادحة (الزعيم) بوزن عظيم، بالزاي والعين المهملة والتحتية (الضامن) ومنه قوله تعالى: ﴿قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنابه زعيم﴾(٢). ٦٣٠ _ (وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله وَّ﴾ قال: إن من أحبكم إليّ) أي: أكثركم حباً إليّ؛ أي: اتباعاً لسنتي (وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة) أي: في الجنة فإنها دار الراحة والجلوس، أما الموقف فالناس فيه قيام لرب العالمين، والنبي ◌ّ حينئذ قائم للشفاعة للعباد وتخليصهم مما هم فيه من الكرب إذ هو المقام المحمود الذي أعطيه يومئذ، ويوم تنازعه الوصفان قبله ويحتمل ألا يكون من ذلك ويكون للأقرب منه (أحاسنكم أخلاقاً) جمع أفعل التفضيل هنا وأفرده في حديث أبي هريرة السابق لأن المضاف منه إلى المعرفة يجوز فيه الوجهان. وأخلاقاً جمع خلق بضمتين أو بضم فسكون تخفيفاً ويجمع على خلائق أيضاً كما قاله الحافظ في كتاب الانتقاض في دفع الاعتراض (وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني) حذف الظرف(٣) لدلالة ماقبله عليه، أو لزيادة التفظيع للمعصية وشناعتها بتعميم البعد للمجلس والموقف؛ لأن حذف المعمول يؤذن به. قال العاقولي في شرح المصابيح : هذا الحديث مبني على قاعدة هي أن المؤمنين من حيث الإِيمان محبوبون ويتفاضلون بعد في صفات الخير وشعب الإِيمان فيتميز الفاضل بزيادة محبة، وقد يتفاوتون في الرذائل فيصيرون مبغوضين من حيث ذلك ويصبر بعضهم أبغض من بعض، وقد يكون الشخص الواحد محبوباً من وجه مبغوضاً من وجه. وعلى هذه القاعدة فرسول الله وم ير يحب المؤمنين كافة من حيث هم مؤمنون وحبه لأحسنهم خلقاً أشد، ويبغض العصاة من حيث هم عاصون وبغضه لأسوئهم (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في حسن الخلق، (الحديث: ٤٨٠٠). (٣) الظرف ثابت في نسخة المتن التي بأيدينا. ع. (٢) سورة يوسف، الآية : ٧٢ . ٨٥ ٧٣ - باب: في حسن الخلق يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثارونَ، وَالْمُتَشَدِّقُونَ، والْمُتَفَيْهِقُونَ)) قالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرِثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: ((الْمُتَكَبِّرونَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنَ. وَ((الثَّرْثَارُ)) هُوَ: كَثِيرُ الْكَلَامِ تَكَلُّفاً. و((الْمُتَشَدِّقُ)) الْمُتَطَاوِلُ عَلَى النَّاسِ بِكَلَامِهِ وَيَتَكَلَّمُ بِمِلْءٍ فِيهِ تَفَاصُحَاً وَتَعْظِيمَاً لِكَلَامِهِ. و ((الْمُتَفَيْهِقُ)) أَصْلُهُ مِنَ الْفَهْقِ وَهُوَ: الامْتِلَاءُ، وَهُوَ الَّذِي يَمْلَا فَمَهُ بِالكَلَامِ وَيَتَوَسَّعُ فِیهِ وَيُغْرِبُ أخلاقاً أشد كما يؤخذ ذلك من المعاملة، بل جاء عند البيهقي في الشعب: ((وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مساوئكم أخلاقاً الثرثارون)» والحديث أورده في المشكاة من حديث أبي ثعلبة الخشني (الثرثارون والمتشدقون) بضم الميم ويفتح أوليه(١) وكسر الدال المشددة (والمتفيهقون(٢) أي: أنهم الذين يتعمقون في الكلام، والتشدق تكلف السجع والفصاحة والتصنع بالمقامات، وهو بضم الميم وفتح أوليه وكسرالهاء (قالوا) أي: الحاضرون من الصحابة ولم أقف على أسمائهم (يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون) كذا هو بالواو في الأصول على الحكاية لما وقع منه في لفظ الخبر، أي: عرفنا المراد منهما (فما المتفيهقون قال المتكبرون رواه الترمذي، وقال: حديث حسن) ورواه البيهقي بنحوه في الشعب عن حديث ثعلبة الخشني وليس فيه قالوا قد علمنا إلخ (والثرثار) بالمثلثتين المفتوحتين بينهما راء ساكنة (هو كثير الكلام تكلفاً) زاد العاقولي: وخروجاً عن الحق والثرثرة كثرة الكلام وترديده (والمتشدق المتطاول على الناس بكلامه ويتكلم بملء فيه تفاصحاً وتعاظماً لكلامه) قال ابن الحاجب في الشافية: ويجيء بمعنى (٣) تفاعل ليدل على أن الفاعل أظهر أن أصله أي: الفعل حاصل له وهو منتف عنه نحو تجاهلت وتغافلت اهـ. وما نحن فيه من هذا، أي: لإظهار أن عنده الفصاحة وعظم الكلام ومما منتفيان عنه. وقال العاقولي : قيل المتشدق المتوسع في الكلام من غير احتياط واحتراز. وقيل: هو المستهزيء بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم (والمتفيهق أصله) أي: اشتقاقه (من الفهق) بفتح الفاء وسكون الهاء وبالقاف (وهو الامتلاء) زاد العاقولي: والاتساع يقال أفهقت الإِناء ففهق فهقاً (وهو الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسع فيه) بالإتيان بالزائد على الحاجة على سبيل الإطناب والإسهاب (ويغرب به) أي: يأتي بالألفاظ الوحشية الاستعمال الغير المألوفة في الكلام (١) ((أوليه)) أي: ((بعد الميم)). (٢) (والمتفيهقون) حقه التأخير بعد قوله بالمقدمات. ع. (٣) قوله: (بمعنى) لعله (بصيغة). ع ٨٦ كتاب: دليل الفالحين بِهِ تَكَبُّراً وَارْتِفَاعاً وَإِظْهَاراً لِلْفَضِيلَةِ عَلَى غَيْرِهِ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرٍ حُسْنِ الْخُلُقِ، قَالَ: هُوَ طَلَاقَةُ الْوَجْهِ، وَبَذْلُ الْمَعْرُوفِ، وَكَفُّ الأَذَى(١). (تكبراً) علة ملء الفم بالكلام (وارتفاعاً) علة التوسع فيه (وإظهاراً للفضيلة على غيره) بالاطلاع على غريب الألفاظ، والوصول إلى محاسن النفس، والرضا عنها وفي ذلك الإِغماض عن محاسن السوي والإعراض عنها وهو الكبر (وروى الترمذي) في جامعه (عن عبدالله بن المبارك) ابن واضح الحنظلي التميمي مولاهم أبو عبدالرحمن المروزي أحد الأئمة الأعلام حمل على أربعة آلاف شيخ وروي عن ألف منهم، وقيل له إلى متى تكتب العلم؟ فقال: لعل الكلمة التي أنتفع بها ما كتبتها بعد. قال ابن مهدي: كان ينسخ وحده وكان يفضله على الثوري، وقال: ما رأيت أنصح للأمة منه. وقال ابن عيينة: ما رأيت للصحابة عليه فضلاً إلا بصحبتهم للنبي صل وغزوهم معه، وقال: كان فقيهاً عالماً زاهداً عابداً سخياً شجاعاً شاعراً. وقال الفضيل: ما خلف بعده مثله. وقال ابن سعد: كان ثقة مأموناً إماماً حجة. ولد سنة ثماني عشرة ومائة ومات منصرفاً من الغزو بهيت سنة إحدى وثمانين ومائة وزاد غيره في رمضان، وقد بسطت ترجمته في كتابي رجال الشمائل (رحمه الله في تفسير حسن الخلق قال: هو طلاقة الوجه) أي: فرح ظاهر البشرة، ويقال: هو طليق الوجه وطلقه. وقال أبو زيد: طلق الوجه متهلل بسام (وبذل المعروف) من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة للكلمة الطيبة باللسان وبذل الندى والإِحسان باليد وغير ذلك من صنائع المعروف (وكف الأذى) من قول وفعل عن الناس، وقد جمع جماعة محاسن الأخلاق في قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين﴾(٢). وقيل: حسن الخلق احتمال المكروه الذي ينزل به بحسن المداراة بترك حظه من الدنيا وتحمل الأذى من غير إفراط ولا تفريط، وقال الحافظ: حسن الخلق اختيار الفضائل وترك الرذائل. وقال السيوطي : قال الباجي: هو أن يظهر منه لمن يجالسه أو ورد عليه البشر والحلم والإِشفاق والصبر على التعليم والتودد إلى الصغير والكبير والله تعالى أعلم. (١) أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في مَعَالي الأخلاق، (الحديث: ٢٠١٨). (٢) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩. ٨٧ ٧٤ - باب: في الحلم والأناة ٧٤ - باب: في الحلم والأناة والرفق قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(١): ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. وَقَالَ تَعَالَى(٣): ﴿وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * . باب الحلم بكسر المهملة وسكون اللام وهو الصفح، وفي المصباح: حلم بالضم حلماً بالكسر صفح وستر فهو حليم وحلمته نسبته إلى الحلم (والأناة) بفتح أوليه والألف مقصورة بوزن حصاة، إسم مصدر من تأنى في الأمر تمكث ولم يعجل (والرفق) وهو بكسر أوله ضد الخرق. (قال الله تعالى: والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) أي: وذلك إنما صدر عنهم لما عندهم من الحلم (والله يحب المحسنين) فيه تحريض على التخلق بالإِحسان والصفح عن الإِخوان، وقد تقدم ما يتعلق بها في الباب قبله (وقال تعالى: خذ العفو) من أخلاق الناس من غير تحسيس مثل قبول أعذارهم والمساهلة معهم، وقد ورد أنه لما نزلت: ((قال رسول الله _8* ما هذا يا جبريل قال إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك)) (وأمر بالعرف) وهو كل ما يعرفه الشرع (وأعرض عن الجاهلين) لا تقابل السفيه بسفهه، وقد تقدم الكلام على الآية في مواضع من الكتاب كباب توقير العلماء والكبار وغيره. (وقال الله تعالى: ولا تستوي الحسنة ولا السيئة) لا الثانية لتأكيد النفي (ادفع بالتي هي أحسن) وهي الحسنة وهو استئناف؛ كأنه قيل كيف أفعل فقال: ادفع. والمراد بالأحسن الزائد مطلقاً. قال ابن عباس: أمر بالصبر عند الغضب، وبالعفو عند الإِساءة. وقيل: معناه لا تستوي الحسنات بل تتفاوت إلى حسن وأحسن وكذا السيئات، فادفع السيئة التي ترد عليك بالحسنة التي هي أحسن من أختها، مثلاً: تحسن إلى من أساء عليك فلا تكتفي بمجرد العفو عنه (فإذا الذي بينك وبينه عداوة) إذا فعلت هذا يصير العدو (كأنه ولي حميم) (١) سورة آل عمران، الآية: ١٣٤. (٢) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩ . (٣) سورة فصلت، الآيتان: ٣٤، ٣٥. ٨٨ كتاب: دليل الفالحين وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّ ذُوحَظٌّ عَظِيمٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. ٦٣١ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَاهِ لِِّشَجِّ عَبْدٍ الْقَيْسِ: (إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُما اللَّهُ: الْحِلْمُ، وَالَأَنَاةُ» صديق شفيق (وما يلقاها إلا الذين صبروا) على مخالفة النفس (وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) من كمال النفس (وقال تعالى: ولمن صبر) على الأذى (وغفر) ولم ينتصر (إن ذلك) إشارة إلى صبره لا إلى مطلق الصبر فلا يحتاج إلى تقدير ضمير (لمن عزم الأمور) أي : الأمور المشكورة المحمودة المعزوم عليها. ٦٣١ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَليل: الأشج) بالشين المعجمة (عبدالقيس) واسمه المنذر بن عاذل بالذال المعجمة العصري بفتح المهملتين. قال المصنف: هذا الصحيح الذي قاله ابن عبدالبر والأكثرون أو الكثيرون. وقال الكلبي : اسمه المنذر بن الحارث بن زياد بن عصر بن عوف. وقيل: المنذر بن عامر. وقيل: ابن عبيد. وقيل: اسمه عائذ بن المنذر. وقيل: عبدالله بن عوف (إن فيك خصلتين يحبهما الله) أي : يرضاهما ويثني على فاعلهما ويثيبه (الحلم) قال المصنف: هو العقل. وفي النهاية: الحلم بالكسر الأناة والتثبت في الأمور، وذلك من شأن العقلاء اهـ. ففيه إيماءً إلى أن تفسيره بالعقل بمعنى كونه ينشأ عنه لا أنه مدلوله ولا يخالف ما تقدم عن المصباح (والأناة) التثبت وترك العجلة وهي مقصورة، وسبب قول النبي وهيّ ذلك ما جاء في حديث الوفد: ((أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبي روسيا وأقام الأشج عند رحالهم فجمعها وعقل ناقته ولبس أحسن ثيابه، ثم أقبل إلى النبي صل فقربه النبي وهو فأجلسه إلى جانبه، ثم قال لهم النبي ◌َّ تبايعوني على أنفسكم وقومكم فقال القوم نعم، فقال الأشج: يا رسول الله إنك لم تزاول الرجل على شيء أشد عليه من دينه نبايعك على أنفسنا ونرسل من يدعوهم فمن اتبعنا كان منا ومن أبى قاتلناه. قال صدقت إن فيك خصلتين يحبهما الله)) الحديث. قال القاضي عياض: فالأناة تربصه حتى نظر في مصالحه ولم يعجل، والحلم هذا القول الذي قاله الدال على صحة عقله وجودة نظره للعواقب، ولا يخالف هذا ما جاء في مسند أبي يعلى وغيره؛ أنه لما قال رسول الله والر للأشج: إن فيك خصلتين الحديث. قال: يا رسول الله أكانا في أم (١) سورة الشورى، الآية: ٤٣ . ٨٩ ٧٤ - باب: في الحلم والأناة رَوَاهُ مُسْلِمُ (١) ٦٣٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢). ٦٣٣ - وَعَنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهَ، قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى العُنْفِ . حدثا قال بل قديم، قال: قلت الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله (رواه مسلم) في أوائل كتاب الإِيمان من صحيحه، ورواه الترمذي في جامعه. ٦٣٢ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَ ل﴿ إن الله رفيق) من الرفق، بكسر الراء وسكون الفاء وبالقاف، وهو لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل وهو ضد العنف. وفي النهاية: يقال الله رفيق بعباده من الرفق والرأفة فهو فعيل بمعنى فاعل اهـ. وقال العاقولي: معنى كونه تعالى رفيقاً أنه لطيف بعباده اهـ. ويحتمل أن الرفق في حقه تعالى بمعنى الحلم؛ فإنه لا يعجل بعقوبة العصاة، بل يمهل ليتوب من سبقت له السعادة ويزداد غيره إثماً. قاله ابن رسلان. قال القرطبي: وهذا المعنى أليق بالحديث فإنه سبب الحديث، ثم لا يجوز إطلاق رفيق في أسمائه تعالى؛ لأنه لم يجيء على وجه الأسمية، وإنما أخبر به تمهيداً للحكم الذي بعده، وكأنه قال إن الله يرفق بعباده فيعطيهم على الرفق مالا يعطيهم على سواه. قال العاقولي: وكأن مراده أنه ذكر على سبيل المقابلة والمشاكلة، وما كان كذلك لا يكتفي به في ورود الإطلاق (يحب) أي: يرضى (الرفق في الأمر كله) لما فيه من لين الجانب المقتضي للتواصل وسداد الأمر (متفق عليه). ٦٣٣ - (وعنها أن النبي وَ لّ قال: إن الله رفيق يحب الرفق) لأنه يتأنى معه من الأمور ما يتأتى مع ضده (ويعطي على الرفق) في الدنيا من الثناء الحسن الجميل، وفي الآخرة من الثواب الجزيل (ما لا يعطي على العنف) بضم العين المهملة وسكون النون وبالفاء. قال في النهاءة: هي الشدة والمشقة وكل ما في الرفق من الخير ففي العنف ضده. وحكى ابن (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: الأمر بالإِيمان بالله ... (الحديث: ٢٥). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: فضل الرفق (٣٧٥/١٠) وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف ... (الحديث: ١٠). ٩٠ كتاب: دليل الفالحين وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ٦٣٤ - وَعَنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيِّ ◌َِّ، قَالَ: (إِنَّ الرِّفْقَ لَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّ زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّ شَانَهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢). ٦٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَالَ أَعْرَابِيٍّ في الْمَسْجِدِ فَقَامَ رسلان جواز ضم عين العنف وفتحها، قال: وهو التشديد والتصعيب في الأشياء (وما لا يعطي على ما سواه) أي: على الذي هو سوى الرفق، وهو مع ما قبله إطناب أتى به ليدل على الحض على الرفق كما أشار إليه في المفاتيح (رواه مسلم). ٦٣٤ - (وعنها أن النبي ◌َّ قال) لها عليك بالرفق وإياك والفحش والعنف (إن الرفق لا يكون في شيء) يحتمل أن تكون: يكون تامة، وفي شيء متعلق بها، وأن تكون ناقصة وفي شيء خبرها والاستثناء في قوله (إلا زانه) مفرغ من أعم عام وصف الشيء، أي: لا يكون الرفق مستقرأ في شيء موصوف بصفة من الأوصاف إلا بصفة الزينة. والشيء عام في الأعراض والذوات (ولا ينزع) بالبناء للمجهول، أي: الرفق (من شيء) من الأشياء جليل أو حقير (إلا شانه) أي: إلا مستقراً (١) في شيء موصوف بصفة من الأوصاف إلا الشين (رواه مسلم). ٦٣٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بال أعرابي) منسوب إلى الأعراب بفتح فسكون، وهم ساكنو البادية. وقيل: ساكنوها من العرب وجمع الأعرابي أعراب. قال ابن دقيق العيد: وقعت النسبة إلى الجمع دون الواحد لأنه جرى مجرى القبيلة. وقيل: لأنه لو نسب إلى الواحد فقيل عربي لاشتبه المعنى، فإن العربي كل من ولد إسماعيل كان بالبادية أو بغيرها وهذا غير المعنى الأول اهـ. وهذا مشعر بأن الأعراب جمع عرب والمعروف خلافه. قال الجوهري: العرب جيل من الناس والنسبة إليه عربي، والأعراب سكان البادية خاصة والنسبة إليه أعرابي، ولا واحد له من لفظة وليس جمعاً للعرب، وإنما العرب اسم جنس. قال العراقي في شرح التقريب: ولم أر من صنف في المبهمات ذكر اسم هذا الأعرابي اهـ. وفي غاية الأحكام: اختلف فيه فقال عبدالله بن نافع المدني أنه الأقرع بن حابس التميمي اهـ. وقال ابن الملقن: لم أر من سماه ممن تكلم على المبهمات وقد (١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل الرفق، (الحديث: ٧٧). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل الرفق، (الحديث: ٧٨). (٣) قوله: (إلا مستقرا) لعله (لا يكون نزعه مستقرا). ع. ٩١ ٧٤ - باب: في الحلم والأناة النَّاسِ إِلَيْهِ لِيَقَعُوا فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((دَعُوهُ وَأَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنوباً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (السَّجْلُ)) ظفرت به في معرفة الصحابة لأبي موسى المديني؛ لأنه روی من حديث سلمان بن يسار قال: اطلع ذو الخويصرة اليماني وكان رجلاً جافياً على رسول الله وسلّر في المسجد وساق الحديث، وفي آخره أنه بال فيه، وإنه ◌َّ أمر بسجل فصب على مباله ((قلت)) وقد سبقه الذهبي فقال في التجريد في ترجمة ذي الخويصرة اليماني. يروى في حديث مرسل أنه الذي بال في المسجد. قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي: وهو غير ذي الخويصرة التميمي واسمه حرقوص بن زهير رأس الخوارج اهـ. وبه يعلم أنه ما وقع في شرح المشكاة والمنهاج لابن حجر الهيتمي أنه ذو الخوصرة التميمي إن لم يكن من تحريف الكتاب فسبق قلم من الشيخ بلا ارتياب (في المسجد فقام إليه الناس) الظرف متعلق بمحذوف، أي: فقاموا قاصدين إليه (ليقعوا) بفتح أوله (فيه) أي: بالسبب ونحوه. قال في المصباح: وقع فلان في فلان وقيعة سبه وثلبه وجاء في رواية البخاري: فتناوله الناس ليقعوا به، وفي رواية فتناوله الناس، وفي رواية لمسلم: فصاح به الناس وفي أخرى له: فقال لأصحاب رسول الله وَله: مه مه (فقال النبي مثل: دعوه) أي: اتركوه وذلك لعذره بقرب عهده إلى الإِسلام، ففيه الرفق في إنكار المنكر، وتعليم الجاهل، واستعمال التيسير وإنكار التعسير، وقد قال لأصحابه: ((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) وفي رواية ابن ماجه: ((وقال الأعرابي بعد أن فقه بأبي وأمي ◌َّ فلم يؤنب ولم يسب فقال: إن هذا المسجد لا يبال فيه، وإنما بني لذكر الله والصلاة فيه)) (وأريقوا على بوله) أي: محل بوله من المسجد بعد جفافه منه (سجلاً من ماء) يعلم مما يأتي في تفسير السجل أن قوله: من ماء مستدرك يغني عنه السجل؛ لأن ذلك داخل فيه إلا أن يقال أريد بالسجل مطلق الدلو لا بقيد كونها ممتلئة ماء، أو يقال صرح بذلك لزيادة الإِيضاح (أو ذنوباً) بفتح الذال المعجمة وبالنون المضمومة والموحدة بينهما واو ساكنة. وهل مجموع المتعاطفين من كلامه وَل*، وأنه خير المأمور بينهما، أو أن الذي في لفظ الحديث أحدهما غير أن الراوي شك في تعيينه. قال الحافظ الولي العراقي: الظاهر الثاني بدليل رواية أبي داود: وصبوا عليها سجلاً من ماء أو قال ذنوباً من ماء، وإذا كان ذلك شكاً من بعض الرواة فالراجح الذنوب؛ لأنه متفق عليه من حديث أنس من غير شك وكذا في بعض طرقه ذكر الدلو من غير شك، وفي رواية ابن ماجه لحديث أبي هريرة: بسجل من ماء بغير شك. ففي الحديث نجاسة بول الآدمي، ووجوب تنزيه المسجد عنه، والتفريق بين الماء الوارد على النجاسة فيطهرها وبين الواردة عليه فتنجسه إذا كان قليلاً أو كثيراً وتغير بها، وفيه أنه لا يشترط في تطهير الأرض بعد صب الماء عليها ٩٢ كتاب: دليل الفالحين ◌ِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الجِيمِ هِيَ: الدَّلْوُ الْمُمْتَلِثَةُ مَاءً، وَكَذَلِكَ الذَّنُوبُ(١). ٦٣٦ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّوَهِ، قَالَ: ((يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّروا، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا)) مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(٢). نضوب الماء ولا جفاف الأرض، إذ لو اشترط ذلك لبينه لهم معطلة إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، وفيه أن غسالة النجاسة طاهرة إذا زالت عين النجاسة ولم تتغير الغسالة ولم يزد وزنها بعد اعتبار ما يتشربه المحل من الماء الطاهر ويلقيه فيها من الوسخ، وفيه غير ذلك (فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) هذا كالتعليل لما قبله أي: إن قضية كونكم كذلك ألا تؤدبوا(٣) الرجل ولا توبخوه؛ لأنه معذور لحداثة عهده بالإِسلام وعدم علمه بالأحكام فالمناسب للتيسير ما أشار إليه البشير النذير و# (رواه البخاري) في الطهارة، وأخرجه ابن ماجه (السجل بفتح السين) المهملة (وإسكان الجيم وهي الدلو الممتلئة ماء) وفي الدلو لغتان التذكير والتأنيث (وكذلك) المشبه به كون معنى السجل الممتلئة ماء والمشبه قوله: (الذنوب) أي: أنه أيضاً الدلو كذلك وهذا أحد قولين حكاهما العراقي. قال: وقيل هو الدلو العظيم، وقيل: لا يسمى دلواً حتى يكون فيها ماء اهـ. ٦٣٦ - (وعن أنس رضي الله عنه عن النبي وَّ قال: يسروا ولا تعسروا) اليسر ضد العسر، وذكر في الثانية تأكيداً وإطناباً وإلا فالأمر بالشيء نهي عن ضده أو لأنه لو اقتصر على الأمر بالتيسير لصدق على من أتى به مرة وبالعسر بعض أوقاته، فلما قال ولا تعسروا انتفى العسر سائر الأوقات وذلك لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٤) ولما ورد في الصحيح عند مسلم من أنه لما قيل ولا تحملنا مالا طاقة لنا به قال: قد فعلت، ولما في الحديث: ((بعثت بالحنيفية السمحة السهلة)) وفي الصحيح: ((صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)) (وبشروا) من البشارة الإِخبار بالخير ضد النذارة (ولا تنفروا) قابل به البشارة مع أن ضدها النذارة؛ لأن القصد من النذارة التنفير عن المنذر عنه فصرح بالمقصود منها (متفق عليه) ورواه أحمد والنسائي كما في الجامع الصغير. (١) أخرجه البخاري في كتاب: الطهارة وكتاب الوضوء، باب: صب الماء على البول في المسجد (٢٧٨/١، ٢٧٩). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: ما كان النبي ◌َّ يخولهم بالموعظة وغيره (١ /١٥٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: الأمر بالتيسير وترك التنفير، (الحديث: ٨). (٣) في نسخة ((تورثوا)). ع. (٤) سورة الحج، الآية: ٧٨ . ٩٣ ٧٤ - باب: في الحلم والأناة ٦٣٧ - وَعَنْ جَرِيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَه يَقُولُ: ((مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ كُلَّهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ٦٣٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً ٦٣٧ - (وعن جرير بن عبدالله) هو البجلي الأحمسي تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب ثواب من سن سنة حسنة (قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: من يحرم الرفق) بأن لا يوفق له، بل يكون فيه العنف والشدة. وأل فيه لتعريف الحقيقة (يحرم الخير) أل فيه للعهد الذهني، أي: الخير الناشىء عن الرفق (كله) الفعل فيهما مبني للمفعول من الحرمان مفعوله الأول الضمير المستتر فيه القائم مقام الفاعل، والثاني منهما المنصوب المذكور بعد كل منهما، وحرمان من حرم الرفق جميع الخير المذكور لما سبق من قوله: ((إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف)) وذلك أن الرفق به انتظام خير الدارين واتساق أمرهما، وفي العنف ضد ذلك. قال الله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾(٢) (رواه مسلم) ورواه أحمد وأبو داود باسناد صحیح، وابن ماجه. ٦٣٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً) قال ابن بشكرال: قيل: إنه جارية بن قدامة بالجيم والتحتية وكذا في مسند ابن أبي شيبة، والمؤتلف والمختلف للدارقطني، ويحتمل أن يكون أبا الدرداء لما في فوائد أبي الفضل بن خيرون، ويحتمل أن يكون عبدالله بن عمر لما في فوائد بن صخر بسنده عن ابن عمر قلت: ((قلت يا رسول الله قل لي قولاً وأقلله قال: لا تغضب)) قال ابن صخر: وهذا روي عن غير واحد من الصحابة مسنداً، وهو من حديث ابن عمر صحيح وإسناده صالحٍ. وفي الفوائد أيضاً: عن سفيان الثقفي قلت للنبي وَّل: مثل حديث ابن عمر فعاودته مراراً أسأله كل ذلك يقول لا تغضب، كذا في مصابيح الدماميني، وفي تخريج الأربعين حديثاً التي جمعها المصنف للسخاوي، والسائل المذكور يحتمل أن يفسر بجارية بن قدامة، فعند البيهقي في الشعب وابن أبي الدنيا عن الأحنف بن قيس قال: أخبرني ابن عم لي وهو جارية بن قدامة قال: قلت: ((يا رسول الله قل لي قولاً وأقل لعلي أعقله فقال: لا تغضب فقلت له مراراً فكل ذلك يقول لا تغضب)) ثم رواه أيضاً من طريق ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة، فجعله عن ابن عمر كما في مسند أبي (١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلاة والآداب، باب: فضل الرفق، (الحديث: ٧٤). (٢) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩. ٩٤ كتاب: دليل الفالحين قَالَ لِلَّبِيِّ وَهَ: أَوْصِنِي، قَالَ: ((لَا تَغْضَبْ)) فَرَدَّدَ مِراراً، قَالَ: ((لَا تَغْضَبْ)). رَوَاهُ يعلى وغيره. قال البيهقي: إنه وهم والمحفوظ الأول، ثم ساقه كذلك من طريق هشام بن عروة عن أبيه، وكذا أخرجه أحمد والطبراني وابن منده في المعرفة، وابن حبان والحاكم في صحيحهما، ثم ذكر اختلاف الرواة عليه في أنه قال عن عمه أو عن عم أبيه أو عن الأحنف عن عمه عن جارية، كما رواه بهذا ابن أبي شيبة عند(١) الدارقطني في علله فيه خلاف غير هذا، والأول أكثر وأولى لمتابعة ابن أبي الزناد في كونه من مسند جارية بل له طريق عند الطبراني من حديث محمد بن كريب عن أبيه قال: شهدت الأحنف بن قيس يحدث عن جارية، ونشأ عن هذا الاختلاف تردد نظر الأئمة في إثبات صحبة جارية فأثبتها ابن أبي حاتم عن أبيه، وكذا ابن سعد وآخرون وهو الذي اعتمده شيخنا. ونفاها العجلى وغيره فقالوا: إنه تابعي وليس بصحابي. وذكر الإِمام أحمد عن يحيى القطان أنه قال: هكذا قال هشام بن عروة؛ يعني أن هشاماً ذكر في الحديث أن جارية سأل قال يحيى وهم يقولون إنه لم يدرك النبي ◌َّر. ثم أخرج السخاوي عن سفيان بن عبدالله الثقفي قال: قلت للنبي ◌ّ الحديث، وقال: وعلى هذه الرواية اقتصر العراقي في أماليه وقال إنه حديث حسن قال العراقي: والحديث صحيح من وجه آخر يشير إلى طريق البخاري؛ وإنما أوردته من حديث سفيان لفائدة كونه هو السائل قال: وقد روينا في أحاديث عن ابن عمر وابن عمرو وأبي الدرداء وجارية بن قدامة أن كلا منهم سأل النبي وَلّ. قال السخاوي: ((وبمقتضى ما بينته صار في الباب عن جابر وجارية وسفيان الثقفي وابن عمر وابن عمرو وأبي الدرداء وأبي سعيد وأبي هريرة وعم جارية اهـ. والحديث سبق مشروحاً ببعض ما هنا في باب الصبر (قال للنبي ◌َّ أوصني) قال الأزهري: الإِيصاء من الوصية وهي مصدر وصيت الشيء بكذا وصلته إليه فالمعنى صلني إلى ما ينفعني ديناً ودنياً، ولما علم ◌َ ◌ّ من هذا الرجل كثرة الغضب وهو طبيب في الدين يعالج كلا بمرضه المخصوص فخصه بهذه الوصية (قال: لا تغضب) الغضب: فوران دم القلب أو عرض يبعثه ذلك على إرادة الانتقام، وهو من وساوس الشيطان يخرج به الإِنسان عن اعتدال حاله فيتكلم بالباطل ويفعل المذموم وينوي الحقد والبغض وغير ذلك من القبائح بل قد يكفر (فرده) أي: فكرر الرجل قوله: أوصني (مراراً) تعريضاً؛ بأنه لم يقنع بذلك، وأنه يطلب وصية أبلغ وأنفع فلم يزده لعلمه أن لا أنفع من ذلك له (قال: لا تغضب) وعلاجه أن يرى الكل من الله سبحانه، ويذكر نفسه أن غضب الله أعظم وفضله (١) عند کذا ولعله (وعند). ع. ٩٥ ٧٤ - باب: في الحلم والأناة الْبُخَارِيُّ(١). ٦٣٩ - وَعَنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذِبْحَتَهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢). ٦٤٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: مَا خُيُّرَ أكبر (رواه البخاري) في الأدب من صحيحه، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ٦٣٩ - (وعن أبي يعلى) بفتح التحتية واللام وسكون المهملة (شداد) بفتح المعجمة وتشديد الدال المهملة الأولى (ابن أوس) بن أخي حسان بن ثابت تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب المراقبة (عن النبي ◌َّي قال: إن الله كتب) أي: أوجب وقدر (الإِحسان) اتقان الفعل أو بمعنى التفضل والإِنعام (على كل شيء) للشيء إطلاقان: أحدهما ما أمكن وجوده بالإِمكان العام فيكون أخص من المعلوم إذ المستحيل معلوم ولا يطلق عليه بهذا الإِطلاق شيء، ثانيهما ما صح أن يعلم ويخبر عنه فهو أعم العام يطلق على الجوهر والعرض والقديم والحادث والممتنع ويصح إطلاقه على الله تعالى بالإِطلاقين. وهو في الحديث مخصوص بالممكن بدليل العقل. وما من شعبة من شعب الإِيمان ولا ركن من أركان الإسلام إلا وقد قرن به إحسان لائق به بدليل عموم كل شيء في الحديث (فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة) بكسر القاف، هيئة القتل وحالته فأحسنوا القتل في كل قتيل حد أو قصاص (وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) بكسر الذال المعجمة وهي هيئة الذبح (وليحد) بضم التحتية (أحدكم شفرته) بفتح المعجمة وسكون الفاء، السكين العريض (وليرح ذبيحته) أي: ليوصل إليها الراحة؛ بأن يعجل إمرار الشفرة ولا يسلخ قبل البرودة، ويقطع من الحلقوم لا من القفا، ولا يصرع بعنف ولا يجرها من موضع إلى موضع، وأن يوجهها للقبلة ويسمى (رواه مسلم) ورواه أحمد وأبو عوانة في مستخرجه، والطبراني في معجمه الكبير، والترمذي والنسائي وابن ماجه وقال الترمذي: إنه حسن صحيح اهـ. ملخصاً من تخريج السخاوي المذكور فيما قبله. ٦٤٠ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما خير) بالبناء للمفعول وحذف الفاعل ليعم (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: الحذر من الغضب (٤٣١/١٠). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الصيد والذبائح، باب: الأمر بالإِحسان ... (الحديث: ٥٧) ٩٦ كتاب: دليل الفالحين رَسُولُ اللَّهِ﴿ بَيْنَ أَهْرَيْنِ قَطُّ إِلَّ أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمَاً، فَإِنْ كَانَ إِثْماً كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ إلَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ للَّهِ تَعَالَى. أي: ما خير أحد (رسول الله وَّل بين أمرين) ديني أو دنيوي (قط إلا أخذ) أي: تناول، وفي بعض النسخ: إلا اختار (أيسرهما) إرشاداً للأمة ولا بتناء دينه على اليسر. يريد الله بكم اليسر إن هذا الدين يسر، وذلك كأن يخيره الله تعالى بين ما فيه عقوبتان على أمته فيختار أخفهما، أو في قتال الكفار وأخذ الجزية، أو في العبادة في المجاهدة(١) في حق الأمة فيختار الأخف، وعلى كون المخير غير الله بأن يخيره الكفار أو المنافقون بين الحرب والموادعة فيختار الموادعة، وكقول جبريل وملك الجبال: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين فاستبقى عنهم واختار الأخف وهو بقاؤهم رجاء أن يخرج منهم من يوحد الله سبحانه. وهذا التخيير في الحقيقة إنما هو من الله سبحانه والملك واسطة (ما لم يكن) أي: الأيسر (اثماً) أي: معصية؛ لأنها سببه من إطلاق المسبب وإرادة السبب مجازاً مرسلاً لعلاقة السببية أي: فإن كان الأيسر معصية فلا يخيره الله بينه وبين مقابله، وإن كان المخير غيره فهو ◌َ ل ◌ّ لا يختاره بل يبعد منه كما قال (فإن كان) أي: الأيسر الذي خيره بعض الناس بينه وبين مقابله (ائماً كان أبعد الناس منه) أما المكروه فقال المصنف: إنه كالمعصية لا يختاره وس®، وإن كان يجب عليه فعل ذلك تشريعاً وبيان أن النهي ليس للتحريم بل للتنزيه (وما انتقم رسول الله وله لنفسه في شيء) يتعلق بحقه من نفس أو مال أو عرض (قط) وذلك لأن من عرف الله حق معرفته سد عليه باب الانتصار لنفسه لاقتضاء معرفته ألا يشهد فعلاً لغير معروفه، فكيف ينتصر من الخلق من يرى الله تعالى فعالاً فيهم، وكيف يترك تعالى الانتصار لهم وقد ألقوا نفوسهم بين يديه وسلموا واستسلموا لما يرد منه إليهم؛ فهم في معاقل عزه وتحت سرادقات مجده يصونهم من كل إلا من ذكره، ويقطعهم عن كل إلا عن حبه فالأنبياء حمال أسراره ومعادن أنواره، فهو يتولى انتصارهم. قال تعالى: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. إنهم لهم المنصورون﴾(١) وإنما لم ينتقم لنفسه مثل مع كون منتهكها قد باء بإثم عظيم، لأنه حق آدمي فيسقط بإسقاطه بخلاف حقه سبحانه كما قالت: (إلا أن تنتهك) بالبناء للمجهول (حرمة الله) وانتهاكها بارتكاب المحرمات، وحينئذ فهو ليس مما قبله فيكون الاستثناء (١) (في المجاهدة) لعله (والمجاهدة). ع. (٢) سورة الصافات، الآية : ١٧١ . ٩٧ ٧٤ - باب: في الحلم والأناة مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(١). ٦٤١ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَلَ أُخْبِرُكُمْ منقطعاً، ويحتمل كما قال القاضي عياض أن انتهاكها بإيذائه ومصير بما فيه غضاضة في الدين فذاك انتهاك حرمات الله تعالى، وعفوه عمن قال في قسمة خيبر أن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله مع أن ذلك المقال غضاضة في الدين أما لكون القائل لم يقصد الطعن عليه في الميل عن الحق بل اعتقد أنه من مصالح الدنيا التي يجوز الخطأ فيها، وأنه كان استثلافاً كما استألف ببذل الأموال ترغيباً في الإِسلام. وقيل: هذا الصواب. وقيل: كان هذا القول طبعاً في قائله وسجية فهو نوع عذر كمن جفا في رفع صوته عليه ومن جذبه بردائه حتى أثر في عنقه وقال إنك لا تعطيني من مالك ولا من مال أبيك فضحك وأمر له بالعطاء وقوله: (فينتقم لله) جواب الشرط مقدر أي: فإن انتهكت حرمة الله فهو ينتقم لله من مرتكب ذلك، كما هو شأن أكابر المسلمين، إلا أن(٢) موسى أخذ برأس أخيه يجره إليه لما أحدث قومه بعده ما أحدثوا، وكان إذا غضب الله خرج شعره من مدرعته كسل النخل، والأخبار والآثار الدالة على وقوع غضب المصطفى وَ ل#الله وانتقامه له كثيرة مع الإجماع على أنه كان أحلم الناس وأكثرهم عفواً وصفحاً واحتمالً وتجاوزاً، وفي الحديث: الأخذ باليسر، والرفق في الأمور، وترك التكلف والمشاق؛ وفيه الميل إلى الأخذ برخص الله تعالى ورخص نبيه وال ورخص العلماء ما لم يكن ذلك القول خطأ بيّناً وما لم يتبع الرخص بحيث تنحل ربقة التكليف منه، وفيه ما كان عليه # من الحلم والصبر والقيام بالحق والصلابة في الدين، وهذا هو الخلق الحسن فإنه لو ترك كل حق كان ضعفاً وخوراً ومهانة، ولو انتقم لنفسه لم يكن ثم صبر ولا حلم ولا احتمال، بل بطشاً وانتقاماً فانتفى عنه الطرفان المذمومان وخير الأمور أوساطها (متفق عليه) رواه البخاري في باب صفة النبي ◌َّ﴿ وفي الأدب من صحيحه، ورواه مسلم في الفضائل، ورواه أبو داود في الأدب يختصراً قاله المزي في الأطراف. قلت: ورواه الترمذي في الشمائل ٦٤١ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وجل ﴿ ألا) أداة استفتاح أتي بها لتنبيه السامع على ما بعدها كقوله: (أخبركم) ليستيقظ المخاطب من غمرات الأفكار ويتوجه (١) أخرجه البخاري في كتاب: صفة النبي و ₪ وفي الأدب (٤١٩/٦، ٤٢٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: مباعدته * للآثام ... (الحديث: ٧٧). (٢) (إلا أن) لعله (ألا ترى أن). ع ٩٨ كتاب: دليل الفالحين بِمَنْ يُحَرَّمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تُحَرَّمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟ تُحَرَّمُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيْنٍ لَيْنِ سَهْلٍ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(١). ٧٥ - باب: في العفو والإعراض عن الجاهلين قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٢): ﴿خُذِ الْعَفْوَ، وَأْمُرْ بالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ﴾. لتلقي ما يلقى عليه (بمن يحرّم على النار) أي: يحرمه الله عليها فيسلب منها قوة إحراقه وإيذائه كنار الخليل عليه السلام (أو) شك من الراوي، أي: أو قال ألا أخبركم (بمن تحرم عليه النار) أي: لا يستحقها. والأول أبلغ؛ لأنه لو فرض أنه دخلها لم تضره بخلاف الثاني فإن المحرم عليه دخولها فقط قاله العاقولي. أقول: هما في المؤدي واحد لأنه إذا انتفى إدخاله لها انتفى مسها له والله أعلم، وما ذكرته من أن العاطف أو هو ما نسخ الرياض والذي جرى عليه العاقولي في المصابيح، أنه الواو وأنه وسلم أخبر عن فرقتين وأن الأربعة الأوصاف الآتية اثنان للفريق الأول والأخيران للأخير، ويؤيدك منها أو أنه جاء بلفظ ((ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار غدا على كل هين لين قريب سهل)) أورده السيوطي في الجامع الصغير وهو (٣) قولهم: ((بلى)) اقتصاراً ولدلالة الحال على طلبهم ذلك، وإتيانهم به لما لهم من التشوق والتشوف لما ندبهم إلى معرفته (تحرم على كل قريب) أي: من الناس بحسن ملاطفته لهم (هين لين) قال في النهاية: المسلمون هينون لينون وهما بالتخفيف. قال ابن الأعرابي: العرب تمدح بالهين اللين مخففين، وتذم بهما مثقلين. وهين أي: بالتشديد فيعل من الهون وهو السكينة والوقار والسهولة فعينه واو، وشيء هين لين أي: سهل اهـ. (سهل) أي: يقضي حوائجهم ويسهل أمورهم وبما ذكر عن النهاية علم ترادف هين وسهل وحينئذ فأتي بهما إطناباً (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) وتقدم في كلام السيوطي من خرجه أيضاً. باب العفو أي: عن الجاني (والأعراض) بترك المؤاخذة (عن الجاهلين) فلا يؤاخذهم بما يصدر منهم من قول وعمل (قال الله تعالى: خذ العفو) وهو وإن كان معناه ما سبق في الباب قبله إلا (١) أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة، [باب: ٤٥]، (الحديث: ٢٤٨٨)، لا يوجد لا بلفظه ولا بمعناه. ولا بمعناه. (٢) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩ (٣) قوله: (وهو إلخ) لعل قبله سقطاً والأصل (وحذف جوابهم وهو إلخ). ع ٩٩ ٧٥ - باب: في العفو وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾. وَقَالَ تَعَالَى(٢): ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ وَقَالَ تَعَالَى(٣): ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وَقَالَ تَعَالَى (٤): ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وَالآياتُ في البابِ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ . ٦٤٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ وَ هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أن عموم لفظه متناول للعفو عن الظالم (وأمر بالعرف) أي: بالمعروف شرعاً (وأعرض عن الجاهلين) وذلك لأن في الإِعراض عنه إخماداً لشره وإذهاباً للهيب جهله. قال الشافعي : إن الجواب لباب الشر مفتاح (٥) قالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم (وقال تعالى: فاصفح الصفح الجميل) أي: عاملهم معاملة الحليم الصفوح (وقال تعالى) في شأن الصديق رضي الله عنه لما آلى ألا ينفق على مسطح لقوله في الإِفك ما قال: (وليعفوا) أي: عما فرط منهم (وليصفحوا) بالإِغماض عنه (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) بعفوكم عن الناس وصفحكم (وقال تعالى: والعافين عن الناس) التاركين عقوبة من استحقها طلباً لمرضاة الله تعالى (والله يحب المحسنين) فيه إيماءً إلى أن المذكور في الآية صفات المحسنين، وأن القائم بها في مقام الإِحسان (وقال تعالى ولمن صبر) على الأذى (وغفر) ولم ينتصر (إن ذلك) أي: صبره المذكور (لمن عزم الأمور) والآيات قد تقدم الكلام عليها بعضها في الباب قبله وبعضها قبل ذلك (والآيات في الباب) أي: العفو عن المذنب، والإِعراض عن الجاهل كثيرة معلومة. ٦٤٢ - (وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت) بفتح الهمزة بدل اشتمال من الضمير (١) سورة الحجر، الآية: ٨٥. (٢) سورة النور، الآية: ٢٢. (٥) في بعض النسخ بيتان آخران وهما: فالعفو عن جاهل أو أحمق أدب إن الأسود لتخشى وهي صامتة (٣) سورة آل عمران، الآية: ١٣٤. (٤) سورة الشورى، الآية: ٤٣ . نعم وفيه لصون العرض إصلاح والكلب يحثي ويرمي وهو نباح ١٠٠ كتاب: دليل الفالحين أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: ((لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ! وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُهُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ فَلَمْ يُجِبْنِ إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّ وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي المجرور أي: وعنها قولها: (للنبي وَّ هل أتى) أي: مر (عليك يوم) أي: زمان (كان أشد من يوم أحد) بضمتين الجبل المعروف عند المدينة، أي: غزوته وكانت في السنة الرابعة من الهجرة؛ فإنه ◌َّ شج فيها وجهه، وكسرت رباعيته، وسقط في الحفرة التي حفرها الفاسق الذي كان يلقبه الكفار بالراهب، وحصل ما حصل في المؤمنين من قتل نيف وسبعين منهم (قال: لقد لقيت من قومك) أي: كفار قريش (وكان) أي: ذلك (أشد ما لقيته منهم) والجملة معترضة بين الفعل ومفعوله (يوم العقبة) لم أر من تعرض لبيان محلها. والمراد منها في هذا الحديث لا المصنف في شرح مسلم، ولا الحافظ في الفتح ولعلها عقبة عند الطائف بدليل قوله: (إذا عرضت نفسي على ابن عبد ياليل) طالباً منه النصر والإِعانة على إقامة الدين. وياليل بتحتية وبعد الألف لام مكسورة ثم تحتية ساكنة ثم لام (ابن عبد كلال) بضم الكاف وتخفيف اللامين بينهما ألف. واسمه كنانة. قال في الفتح: والذي في المغازي أن الذي كلمه هو عبد ياليل نفسه. وعند أهل النسب: أن عبد كلال أخوه لا أبوه وأنه عبدياليل بن عمرو بن عمير بن عوف. ويقال: اسم عبدياليل مسعود وكان ابن عبد ياليل من أكبر أهل الطائف من ثقيف. وقد ذكر موسى بن عقبة في مغازيه وابن إسحاق أن عبدياليل اسمه كنانة وفد مع وفد الطائف سنة عشر فأسلموا. وذكره ابن عبدالبر في الصحابة كذلك. ولكن ذكر القاضي أن الوفد أسلموا إلا كنانة وإنه خرج إلى الروم بعد ومات بها والله أعلم. وقد جاء عند أبي موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري أنه لما مات أبو طالب توجه إلى الطائف أن یؤووه فعمدوا إلى ثلاثة نفر من ثقیف، هم ساداتهم وهم إخوة، عبدياليل وحبيب ومسعود، بنو عمرو فعرض نفسه عليهم وشكا إليهم ما انتهك منه قومه فردوا عليه أقبح رد، وكذا ذكره ابن إسحاق وذكر ابن سعد أن ذلك كان في شوال سنة عشر من المبعث بعد موت خديجة وأبي طالب اهـ. ملخصاً (فلم يجبني إلى ما أردت) أي: من الإِيواء والإِعانة على تبليغ الرسالة إلى العباد (فانطلقت وأنا مهموم) فيه جواز طروء الهم من الإِعراض البشرية على الأنبياء وهذا هم في أمر أخروي، والمذموم الهم على ما فات من أمور الدنيا (على وجهي) أي: الجهة المواجهة لي (فلم أستفق) أي: من الغمرة التي لحقته من عدم تسديد أولئك وتأييدهم له. وقال المصنف: أي: لم أفطن لنفسي وأنتبه لحالي وللموضع الذي أنا ذاهب إليه وفيه (إلا وأنا بقرن الثعالب) هو بسكون الراء على الصحيح. ميقات أهل نجد