Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا تُحَدَّثْ نَفْسَكَ بِطُولِ الْبَقَاءِ فِيها، وَلَ بِالأعْتِنَاءِ بِهَا، وَلَا تَتَعَلَّقْ مِنْها بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرِيبُ فِي غَيْرِ وَطَنِهِ، وَلَا تَشْتَغِلْ فِيهَا بِمَا لَا يَشْتَغِلُ بِهِ الْغَرِيبُ الَّذِي أصحابه، وكذا أصحاب الطفاوي عنه، وتفرد ابن المديني بالتصريح قال: ولم يسمعه الأعمش عن مجاهد وإنما سمعه من ليث عنه فدلسه: يعني فرجع الحديث إلى ليث وسكت عن رده، وكأنه لوضوحه بأن الصحيح ما في الصحيح فلا عبرة بما يخالفه (قالوا:) أي: شراح الحديث المدلول عليهم بالسياق (معناه) أي: معنى الحديث من حيث الجملة (لا تركن) بفتح الكاف وبضمها؛ لأنه جاء من بابي علم ونصر كما في مفردات الراغب، زاد في الصحاح أن الذي حكاه من باب علم أبو زيد قال: وما حكى أبو عمرو ركن يركن بالفتح فيهما فإنما هو على الجمع بين اللغتين اهـ. أي: لا تمل وتسكن (إلى الدنيا) وتطمئن بها (ولا تتخذها وطناً) يحتمل أن يكون من عطف الجزء على الكل اهتماماً، وذلك؛ لأن السكون إليها والطمأنينة بها إنما يكون مع توطنها، ويحتمل أن يكون من عطف المغاير، فالأولى للنهي عن النظر لزهراتها على وجه الإعجاب بها والميل إليها. والثانية للنهي عن استيطانها والإقامة بها، وذلك؛ لأن من توطن مكاناً سعى في عمارته، وعمارتها خلاف شأن الحازم؛ لأنه مفارق لها إلى دار لا يفارقها الأبد، فحقه الاحتفال بتلك لا بهذه، وهذا راجع لقوله: ((كن في الدنيا كأنك غريب))؛ لأن شأن الغريب عدم الركون لغير وطنه وترك التوطن بسواه، وقوله: (ولا تحدث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها) راجع لقوله: أو عابر سبيل، لأن شأن من دخل بلداً في أثناء سفره ألا يحدث نفسه بالمقام بها لأنه ينقطع بذلك عن الرفق(١) فتلحقه المشاق، ولا بالاعتناء بتلك البلد؛ لأن المرء لا يعتني بحسب طبعه إلا بما يعود نفعه عليه من وطنه، وقوله: (ولا تتعلق منها) ظرف مستقر صفة المحذوف أي: بشيء منها أو بمعنى (٢) متعلق بالفعل أي: تعلقاً مبتدأ منها، فمن للتبعيض أو للابتداء (بما) أي: بالذي (لا يتعلق به الغريب في غير وطنه) مما لا تدعو إليه ضرورته من زاد ومركوب، فكذا شأن الحازم ألا يتعلق في سفره إلى مولاه بشيء من الدنيا إلا براحلته التي يتوصل بها إلى مرضاة ربه وهي نفسه، فيشتغل بما يتوصل به إلى أن يؤديها حقها ويكفها عن الغير، وكذا يكتسب ما يقوم به من تجب عليه مؤنتهم وبزاده(٣) الذي هو امتثال الأوامر واجتناب النواهي ويعرض عما عداه (ولا يشتغل فيها بما لا يشتغل به الغريب الذي (١) بضم ففتح جمع رفقة . ع. (٢) (قوله أو بمعنى متعلق إلخ) كذا، ولعل الصواب (أولغو متعلق إلخ). ع. (٣) معطوف على قوله (براحلته). ع كتاب: دليل الفالحين ٤٠٢ يُرِيدُ الذَّهابَ إِلَى أَهْلِهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ(١). ٤٧١ - وَعَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ. فَقَالَ: ((ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ يريد الذهاب) أي: العود (إلى أهله) فإن شأنه ألا يستكثر من المتاع؛ لأن ذلك يتعبه في مقصده ويثقله عن مطلبه بخلاف من أضرب عن العود فذلك لا يحتفل بأمر السفر، فالحازم لا يتخذ من الدنيا ما يثقله في سفره إلى مولاه، والغافل عن ذلك معرض عن آخرته مقبل على زهرة دنياه وهذا راجع لمجموع الحديث وذلك؛ لأنه إذا كان المسافر المذكور، وإن كان يقيم بتلك البلاد، شأنه الإِعراض عما يثقله في سفره، فالعابر بها من غير إقامة أولى بذلك، والله أعلم. ٤٧١ - (وعن أبي العباس) بتشديد الموحدة وبعد الألف مهملة (سهل بن سعد الساعدي) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب الدلالة على الخير (قال: جاء رجل) لم أقف على تسميته (إلى النبي وَله) أي: جاء ساعياً إليه (فقال: يا رسول الله دلني) سؤال من الدلالة أي: نبهني (على عمل) التنوين فيه للتعظيم وعظمه إنما هو بحسب ثمرته كما يومىء إليه قوله: (إذا عملته) أي: مريداً به وجه الله (أحبني الله) بإرادة الثواب (وأحبني الناس) أي: مالوا إلي ميلاً طبيعياً لا يدخل تحت الاختيار، والجملة الشرطية صفة عمل (فقال: ازهد في الدنيا) أي: أعرض عما لا تدعو إليه الضرورة مما زاد عنها من المباح احتقاراً له وإرباء بنفسك عنها بغضاً له. فحب الدنيا رأس كل خطيئة. والزهد عزوب النفس عن الدنيا مع القدرة عليها لأجل الآخرة خوفاً من النار وطمعاً في الجنة أو ترفعاً عن الالتفات إلى ما سوى الله تعالى، ولا يكون ذلك إلا بعد انشراح الصدر بنور اليقين (يحبك الله) جواب الشرط المقدر لوقوعه جواب الأمر كما هو الرواية، ويجوز من حيث الصناعة أن يكون مستأنفاً، وفيه إيماء إلى شرف الزهد لعظم ثمرته التي هي محبة المولى، ثم المراد من كون حبها مذموماً حبها كذلك إيثاراً لشهوة نفس ونحوها؛ لأنه يشتغل عن الحق سبحانه، أما حبها لفعل الخير، وإعانة محتاج وإغاثة ملهوف وإطعام بائس فعبادة بشهادة قوله تعالى: ((نعم المال الصالح مع الرجل الصالح؛ يصل به رحماً ويصنع به معروفاً)) (وازهد فيما عند الناس) من (١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: قول النبي ◌َّللس كن في الدنيا ... إلخ (١٩٩/١١، ٢٠٠). 0 ٤٠٣ ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا النَّاسُ)) حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهَ وَغَيْرُهُ بِأَسَانيدَ حَسَنَةٍ (١). نحو مال وجاه بإعراضك عنه ورفضك إياه (يحبك الناس) أي: بسبب ذلك، ومتى نازعتهم في ذلك بغضوك(٢) ونازعوك إياه فإنهم بطباعهم يتهافتون عليه تهافت الذباب على النتن، والكلاب على الجيف، ومن ثم شبه الشافعي رضي الله عنه الدنيا بها، والناس بالكلاب بقوله : عليها كلاب همهن اجتذابها وما هي إلا جيفة مستحيلة وإن تجتذبها نازعتك كلابها فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها (حديث حسن) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في تخريج الأربعين التي جمعها المصنف بعد كلام ذكره في إسناد الحديث ما لفظه: فالظاهر أن الحديث الذي أوردناه آنفاً لا يصح ولا يطلق على إسناده أنه حسن. اهـ. قال السخاوي: كأنه أشار بهذا الكلام إلى شيخه أي: الحافظ الزين العراقي، فإنه حسنه في أماليه وسبقه إليه الشيخ: يعني النووي (رواه ابن ماجه) في سننه (وغيره) قال السخاوي في تخريج الأربعين المذكورة: وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير وابن حبان في روضة العقلاء له والحاكم في الرقائق من مستدركه وقال: إنه صحيح الإِسناد وليس كذلك (بأسانيد حسنة) فرواه ابن ماجه عن أبي عبيدة بن السفر عن شهاب بن عباد، ورواه ابن حبان عن محمد بن أحمد بن المسيب عن يوسف بن سعيد بن مسلم، ورواه الحاكم عن أبي بكر محمد بن جعفر الآدمي عن أحمد بن عبيد بن ناصح، ورواه الطبراني عن علي بن عبد العزيز البغوي عن أبي عبيد القاسم بن سلام، أربعتهم عن خالد بن عمرو القرشي وأخرجه الحافظ السخاوي من طريق محمد بن كثير المصيصي قالا وتقاربا في اللفظ: ثنا سفيان الثوري عن أبي حازم المدني عن سهل، وكذا أخرجه العقيلي والبيهقي والقضاعي في مسند الشهاب من طريق البغوي، وقال الحاكم: إنه صحيح الإِسناد، وليس كذلك، فخالد مجمع على تركه، ضعفه أحمد بن معين والبخاري في آخرين، ونسبه أحمد وابن معين وآخرون إلى وضع الحديث، وابن كثير أيضاً ليس عمدة ضعفه أحمد جداً وقال مرة: حدث بمناكير لا أصل لها، وقال مرة: لم يكن عندي بثقة، وضعفه النسائي ولينه البخاري. قال السخاوي: بعد نقل كلام الحافظ السابق في منع تحسين الحديث ما لفظه: ويساعد شيخنا قول أبي جعفر العقيلي ليس له من حديث الثوري أصل، ولعل ابن كثير أخذه عن خالد ودلسه؛ لأن المشهور به خالد كذا قال، وخالفه (١) أخرجه ابن ماجه في كتاب: الزهد، باب: الزهد في الدنيا (الحديث: ٤١٠٢). (٢) الأفصح تعديته بالهمز فيقال أبغضه يبغضه. ع ٤٠٤ كتاب : دليل الفالحين ٤٧٢ - وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشيرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا أَصَابَ النَّاسُ مِنَ الدُّنْيَا، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوي، مَا يَجِدُ دَقَلًا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ((الدَّقَلُ)) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَالقَافِ: رَدِيءُ التَّمْرِ(١). ٤٧٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِوَ ◌ّهِ وَمَا فِي بَيْتِي شَيْءٌ الخطيب فذكر الحديث عن الثوري وقال: أشهر طرقه عن الثوري ابن كثير، لكن وافقه ابن عدي على أنه منکر من حديث الثوري ا هـ. وبه یعلم أن الحدیث له عند من ذکر سند واحد وهو الثوري إلى منتهاه لا أسانید، ولعله باعتبار الطرق الموصلة إليه وأن سند الحديث ليس بحسن لما علمت، والله أعلم. ٤٧٢ - (وعن النعمان) بضم النون وسكون المهملة (ابن بشير) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وسكون التحتية ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي (رضي الله عنهما) له ولأبويه صحبة وتقدمت ترجمته في باب الأمر بالمحافظة على السنة (قال: ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما أصاب الناس) أي: حازوه وحصلوه (من الدنيا) أي: المال والخول والجاه وغير ذلك من الأعراض المخدجة فما موصولة عائدها محذوف ومن بيانية (فقال: لقد رأيت رسول الله (* يظل) مضارع ظل التي هي لاتصاف اسمها بخبرها نهاراً (اليوم) ظرف لقوله: (يلتوي) وقوله: (ما يجد دقلا يملأ به بطنه) جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لسبب التوائه طول يومه (رواه مسلم) في آخر صحيحه وابن ماجه في الزهد من سننه ورواه مسلم أيضاً فيه ورواه الترمذي في الزهد من سننه في شمائله(٢) لكن من حديث النعمان نفسه أنه قال: ((ألستم في طعام وشراب ما شئتم لقد رأيت نبيكم ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه)) وقال الترمذي: صحيح ورواه أبو عوانة (الدقل بفتح الدال المهملة والقاف) آخره لام (رديء) بالهمز فعيل من الرداءة (التمر) قال في الصحاح: أردأ التمر وما ذكره الشيخ هو ما في النهاية وعبارتها، الدقل هو رديء التمر ویابسه وما ليس له اسم خاص فتراه ليبسه ورداءته لا يجتمع ویکون منثوراًا هـ. ٤٧٣ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: توفي رسول الله وَّل وما في بيتي شيء یأکله ذو (١) أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق في فاتحته (الحديث: ٣٦). (٢) (قوله من سننه في شمائله) کذا بالأصول. ع ٤٠٥ ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّ شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍ لِي فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ فَكِلْتُهُ فَفَنِيَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَوْلُها ((شَطْرُ شَعِيرٍ)): أَيْ شَيْءٌ مِنْ شَعِيرٍ. كَذَا فَسَّرَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). كبد) بفتح الكاف وكسر الموحدة في الأفصح أي: حيوان وعبرت به؛ لأنه من الأجزاء الرئيسية في البدن (إلا شطر شعير) لا يخفى ما اشتمل عليه هذا الخبر من مزيد إعراضه وضي عن الدنيا بالمرة وعدم النظر إليها؛ لأنه إذا كان هذا حالها وهي أحب أمهات المؤمنين إليه مَّ وقد دانت له الأرض شرقاً وغرباً وجيء بثمراتها فضة وذهباً ولم يوجد عندها إلا ما ذكر، ففيه أعظم دليل على مزيد إعراضه و 98 عنها (في رف) بفتح الراء وتشديد الفاء، قال في النهاية: هو خشب يرفع عن الأرض إلى جنب الدار يوقي به ما يوضع عليه، وجمعه رفوف أو رفاف، وفي الفتح للحافظ قال الجوهري: الرف شبه الطاق في الحائط. وقال عياض: الرف خشب يرفع عن الأرض يوضع فيه ما يراد حفظه. ((قلت)): والأول أقرب للمراد اهـ. وقولها (لي) في محل الصفة لرف (فأكلت منه) من ابتدائية أو تبعيضية وقولها: (حتى طال علي) غاية المحذوف أي: وداومت على الأكل منه حتى طال علي (فكلته) بكسر الكاف (ففني) أي: ففرغ وقد وقع نظير ذلك في قصة أخرى، رواه مسلم أيضاً أنه يملّ أطعم رجلاً وسقاً من شعير فأكلوا منه مدة حتى كالوه ففني، فأخبر النبي ◌َّه فقال: لو لم يكل لأكلتم منه ولكفاكم قال المصنف: إنما فني عند كيله عقوبة؛ لأن كيله مضاد للتسليم ومتضمن للتدبير وتكلف للإِحاطة بأسرار الله تعالى. قال التلمساني في شرح الشفاء: ولا يخالف هذا حديث ((كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه))؛ لأن ما أمر به وَلقر عند إرادة المناولة فيكون استعمال آلة النبي و ﴿ وشريعته، وما أمر به مطردة للشيطان، وأي: مطردة له أكثر من تناوله وسي بيده المباركة، وأيضاً فإن تكثير الطعام القليل من أسرار الله تعالى الخفية، وشرط السر إخفاؤه وقال الحافظ في الفتح: أجيب بأن الكيل عند المبايعة محبوب من أجل تعلق حق المتبايعين ولذا يندب، وأما الكيل عند الإِنفاق فالباعث عليه الشح فلذا كره. وقال القرطبي : سبب رفع الماء عند الكيل والله أعلم الالتفات بعين الحرص مع معاينة إدرار نعم الله تعالى ومواهب كراماته وكثرة بركاته والغفلة عن الشكر عليها والثقة بالذي وهبها والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدة خرق العادات. ويستفاد منه أن من رزق شيئاً أو أكرم بكرامة أو لطف به في أمر فالمتعين عليه موالاة الشكر وتنزيه المنة لله تعالى، ولا يحدث في تلك الحالة تغييراً اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري في الخمس، وفي الرقاق من صحيحه، ورواه مسلم في آخر صحيحه، ورواه ابن ماجه في الأطعمة. (وقولها: شطر شعير أي: شيء) قليل كما يومىء إليه السياق (من شعير كذا فسره الترمذي)، وكأنه مستند (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: نفقة نساء النبي ◌ُّل بعد وفاته والرقاق، باب: فضل الفقر . = ٤٠٦ كتاب: دليل الفالحين ٤٧٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَخِي جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أُمِّ الْمُؤمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَماً وَلاَ دِينَاراً وَلاَ عَبْداً وَلاَ أَمَةً وَلَ شَيْئاً، إِلَّ بَغْلَتَهُ البَيْضَاءَ الَّتِي كَانَ يَرْكَبُها، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضاً جَعَلَهَا لأبْنِ السَّبِيلِ الحافظ في قوله في الفتح المراد بالشطر هنا البعض. والشطر يطلق على النصف وعلى ما يقاربه وعلى الجهة وليست مرادة هنا، ويقال: أرادت نصف وسق. قال الحافظ: الذي يظهر أنه * كان يؤثر بما عنده ففي الصحيحين ((أنه وير كان إذا جاءه ما فتح الله عليه من خيبر أو غيرها من تمر وغيره يدخر قوت أهله سنة ثم يجعل ما بقي في سبيل الله، ثم كان مع ذلك إذا طرأ عليه طارىء ونزل به ضيف يشير على أهله بإيثارهم فربما أدى ذلك إلى نفاد ما عنده أو معظمه)) وقد روى البيهقي عن عائشة قالت: ((ما شبع رسول الله وَّير ثلاثة أيام متوالية، ولو شئنا لشبعنا ولكنه كان يؤثر على نفسه)) اهـ. ٤٧٤ - (وعن عمرو) بفتح المهملة (ابن الحارث) بن أبي ضرار بكسر المعجمة وتخفيف الراء الأولى الخزاعي المصطلقي (أخي) بالجر عطف بيان لعمرو. وفي بعض نسخ البخاري أخوه بالرفع خبر مبتدأ هو، هو (جويرية) بضم الجيم وتخفيف الواو وسكون التحتية الأولى وكسر الراء وتخفيف التحتية بعدها هاء (بنت الحارث أم المؤمنين) في الاحترام ووجوب الإِكرام (رضي الله عنهما) قال الحافظ في التقريب: هو صحابي قليل الحديث بقي إلى بعد الخمسين. أخرج البخاري عنه هذا الحديث الواحد وانفرد به عن مسلم (قال: ما ترك رسول الله وَالرّ عند موته درهماً ولا ديناراً ولا عبداً ولا أمة) أي: باقيين على الرق: قال الحافظ في الفتح: وفيه دلالة على أن من ذكر من أرقاء النبي ◌َّ في جميع الأخبار كان إما مات وإما أعتقه (ولا شيئاً) في رواية الكشميهني ولا شاة، والأول أصح وهي رواية الإسماعيلي، نعم روى مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم عن عائشة ما ترك رسول الله وصله ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً ولا أوصى بشيء (إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها) قال السهيلي في الأعلام: أهداها له رفاعة الضبيبي من لخم اهـ. وسيأتي في الملح والمنثورات أن الذي أهداها له فرقة بن نفاثة بالنون والفاء والمثلثة على الأشهر الجذامي، وإنما اسمها الدلدل وليس له بغلة غيرها (وسلاحه) وبيان ما خلفه وصلة من السلاح والكراع مذكور في كتب السير (وأرضاً) هي نصف أرض فدك وثلث أرض وادي القرى وسهم من = (٢٣٩/١١). وأخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: كتاب الزهد والرقائق (الحديث: ٢٧). ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا ٤٠٧ صَدَقَةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). ٤٧٥ - وَعَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّ نَلْتَمِسُ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّ مَنْ مَاتَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئاً؛ مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ. خمس خيبر وضيعة من أرض بني النضير (جعلها) أي: الثلاث المذكورة كما في تحفة القاري (لابن السبيل صدقة) أي: لم يترك مالاً غير ما ذكر مما جعله صدقة على المسلمين (رواه البخاري) في مواضع من صحيحه منها في الوصايا وفي فرض الخمس وفي المغازي، ورواه الترمذي في الشمائل والنسائي. ٤٧٥ - (وعن خباب) بفتح المعجمة وتشديد الموحدة الأولى (ابن الأرت) بفتح الهمزة والراء وتشديد المثناة الفوقية وتقدمت ترجمته (رضي الله عنه) ونسبه في باب الصبر (قال: هاجرنا) أي: فارقنا أوطاننا لنصرة الدين الحنيفي (مع رسول الله وَير) وكان ذلك منهم من مكة إلى المدينة، وكونهم معه ليس المراد مصاحبتهم له في السفر؛ لأنه لم يصحبه وَّر في الهجرة إلى الصديق وعامر بن فهيرة، بل المراد المعية في مفارقة الوطن إلى وطن آخر لنصرة الدين، وقوله: (نلتمس) أي: نطلب بهجرتنا (وجه) أي: ذات (الله تعالى) جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً للحامل على الهجرة، وفي الصحاح: الالتماس الطلب، وفي الجملة بيان نعم الله تعالى عليهم أن أهلهم للهجرة وحركهم لها ومن عليهم بالإِخلاص فيها ليجنوا ثمرة الاجتهاد ويحبوا بالمراد (فوقع) أي: كتب(٢)، وجاء في رواية للبخاري في المغازي فوجب، وذلك لإِيجاب الله تعالى ذلك على ذاته وبوعده(٣) الصادق، وإلا فلا يجب على الله شيء (أجره) أي: إثابتنا وجزاؤنا (على الله) ويصح أن يراد منه ثمرة العلم ولو دنيوية على الله (فمنا) أي: فبعض المهاجرين (من مات) حال كونه (لم يأكل) أي: لم يصب، وعبر عنها بالأكل؛ لأنه المقصود من إصابة المال (من أجره شيئاً) قال في الفتح: وهذا كناية عن الغنائم التي تناولها من أدرك زمن الفتوح. ولما كان المراد بالأجر عرقه فليس مقصوراً على أجر الآخرة (منهم مصعب) بضم الميم بصيغة المفعول (ابن عمير) بصيغة التصغير العبدري، يجتمع مع النبي صل﴿ في قصي يُكنى أبا عبد الله من السابقين إلى الإِسلام وإلى (١) أخرجه البخاري في كتاب: الوصايا، باب: الوصايا والجهاد، باب: بغلة النبي ◌َّ البيضاء، والمغازي، باب: مرض النبي ◌َّلل ووفاته (١١٣/٨). (٢) في نسخة ((ثبت)). ش (٣) قوله (وبوعده) لعل الواومن زيادة النساخ. ع. ٤٠٨ كتاب : دليل الفالحين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكْ نَمِرَةً، فَكُنَّا إذَا غَطَيْنَا بِهَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ؛ فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئاً مِنَ الإِذْخِرِ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدِبُها)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (النَّمِرَةُ)): كِسَاءٌ مُلَوَّنٌ مِنْ صُوفٍ. وَقَوْلُهُ (أَيْنَعَتْ)): أَيْ نَضِجَتْ وَأَدْرَكَتْ. وَقَوْلُهُ (يَهْدِبُها)) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَم الدَّالِ وَكَسْرِهَا لُغَتانٍ: أَيْ يَقْطِفُها وَيَجْتَنِيها. وَهَذِهِ اسْتِعارَةٌ الهجرة. قال البراء: أول من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يقرءان القرآن، أخرجه البخاري. وذكر ابن إسحاق أن النبي ◌ّله أرسله مع أهل العقبة الأولى يقرئهم ويعلمهم (رضي الله عنه قتل يوم أحد) بضم أوليه: وقعة مشهورة كانت سنة أربع من الهجرة على الصحيح، وكان قتل مصعب بها شهيداً. وكان صاحب لواء رسول الله وي# يومئذ (وترك نمرة) بفتح النون وكسر الميم ثم راء، وهي إزار من صوف مخطط أو بردة (فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت) أي: ظهرت (رجلاه، وإذا غطينا رجليه) أي: بالنمرة المذكورة (بدا رأسه) هذه الجملة مسوقة لبيان مزيد صغرها، ففيه مزيد تقلله من الدنيا (فأمر رسول الله وَالقر أن يغطى) بالتحتية مبني للمفعول(١) مرفوعه قوله: (رأسه) وذلك أشرفه على باقي الأعضاء (ويجعل على رجليه شيء من الأذخر) هو نبت معروف طيب الرائحة (ومنا) أي: وبعضهم (من أينعت) بفتح الهمزة والنون وسكون التحتية بينهما ويأتي معناها في الأصل (له ثمرته) والفاء في قوله: (فهو يهد بها) تفريعية ومدخولها معطوف على جملة الصلة (متفق عليه) رواه البخاري في الجنائز والهجرة من صحيحه، ومسلم في الجنائز، ورواه أبو داود في الوصايا، والترمذي في المناقب وقال: حسن صحيح، والنسائي في الجنائز (النمرة) تقدم ضبطها على الأفصح ويجوز كسر النون وفتحها مع سكون الميم فيهما (كساء) قال في الصحاح: هو واحد الأكسية (ملون) أي: ذو ألوان وخطوط (من صوف) زاد في الفتح أو بردة (وقوله أينعت) قال في فتح الباري وفي بعض النسخ ينعت بغير ألف، وهي لغة، قال الفراء: وأينعت أكثر (أي: نضجت) بفتح النون والمعجمة والجيم من النضج وهو الاستواء (وأدركت) أي: زمن القطف (وقوله: يهدبها بفتح الياء) التحتية وسكون الهاء (وضم الدال) المهملة (وكسرها لغتان) ضبطه في الفتح بكسر المهملة وقال: إن النووي ضبطها بالضم، وحكى ابن التين تثليثها. ((قلت)): وعليه اقتصر السيوطي في التوشيح ولم ينسبه إليه (أي: يقطفها) بكسر المهملة من باب ضرب كما أشار إليه في الصحاح بقوله: قطف العنب (١) في النسخ المجردة نعطي ونجعل بالنون والبناء للفاعل. ع ٤٠٩ ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا لِمَا فُتِحَ عَلَيْهِمْ مِنَ الدُّنْيَا وَتَمَكّنُوا فِيها (١). ٤٧٦ - وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: (لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعْوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ)) رَوَاهُ قطفاً، ثم رأيته في المصباح من ضرب، وقيل معناه قطع (ويجنيها) عطف تفسير في الصحاح جنيت الثمرة أجنيها واجتنيتها بمعنى (وهذه استعارة لما فتح الله عليهم من الدنيا وتمكنوا فيها) أي: جملة قوله أينعت إلخ استعارة تمثيلية. شبه حالهم في تمكنهم من الدنيا التي فتح عليهم بها وتمكنوا منها بتمكن ذي الثمرة النضيجة من قطفها واجتنائها، ويحتمل أن يكون أستعير يهدبهالمعنى التمكن منها فتكون استعارة تبعية، شبه التمكن من الدنيا بالهدب وهو القطف للثمرة بجامع سهولة الوصول في كل، فأطلق اسم المشبه على المشبه به، استعارة مصرحة مرشحة بقوله أينعت، ثم سرت الاستعارة منه إلى الفعل، والله أعلم. ٤٧٦ - (وعن سهل بن سعد) الأنصاري (الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ◌َالَ: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح) بفتح الجيم (بعوضة) فعول من البعض وهو القطع غلب على هذا النوع من الحيوان المضروب به المثل في الحقارة وجناحها في غايتها ومنتهاها. قال النيسابوري في تفسيره: ومن عجائب البعوض أن خرطومه مع كونه في غاية الصغر مجوف، ومع كونه كذلك يغوص في جلد الجاموس كما يغوصِ الإصبع في الخبيص، وذلك لما ركب الله في رأس خرطومه من السم اهـ. (ما سقى كافراً منها شربة ماء) لهوانه عليه وسقوطه. قال العاقولي أي: لو كان لها عنده تعالى أدنى قدر ما تمتع فيها كافر أدنى تمتع. وفي الديباجة: هو أن الله تعالى لم يجعلها مقصودة لنفسها بل جعلها طريقاً موصلة إلى ما هو المقصود لنفسه، وإن لم يجعلها دار إقامة ولا جزاء وإنما جعلها دار انتقال وارتحال، وأنه تعالى ملكها في الغالب للكفار والفساق، وحمى منها الأنبياء وورائهم، ويكفيك حديث الباب في هوانها عند الله وصغرها وحقرها وذمها وبغضها وبغض أهلها والمحبين لها، وليس من الدنيا ما يوجد فيها من الأنبياء والصديقين والعلماء العاملين والطاعة الموصلة لمرضاة رب العالمين ويدل له الاستثناء في الحديث الآتي؛ لأنه من قوله فيه ((وما فيها)) ومع كون الدنيا بهذا المقام عند الله سبحانه، فهو يوم القيامة يستوفي لذي الظلامة منها ظلامته من (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: إذا لم يجد كفناً إلا ما يواري رأسه أو قدمه غطى رأسه، وفي فضائل الصحابة والمغازي والرقاق (٢٣٧/١١، ٢٣٨). وأخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: في كفن الميت (الحديث: ٤٤). ٤١٠ كتاب: دليل الفالحين التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ(١). ٤٧٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، يَقُولُ: (أَلَّ إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيها، إِلَّ ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالَهُ، وَعَالِماً وَمُتَعَلِّمًا)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ(٢). ظالمه ولو كان كافراً من مؤمن إظهاراً لمزيد العدل (رواه الترمذي) في الزهد وانفرد به عن باقي الكتب الستة (وقال: حديث صحیح) غریب من هذا الوجه، وکان سكوت المصنف عن هذا لكون الغرابة نسبية فلا تنافي التصحيح . ٤٧٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (وَ لا يقول: ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف استفتاح يؤتى به لتأكيد ما بعده وليتوجه السامع له (إن الدنيا ملعونة) أي: مبغوضة ساقطة فعبر عنه بذلك؛ لأن من لازم المبغوض الساقط الإِبعاد (ملعون ما فيها) أي: من الأموال الدنيوية المخدجة الفانية من شهوات وغيرها أي: الاشتغال بذلك مبعد عن حضرة الحق، فقد جاء حب الدنيا رأس كل خطيئة (إلا ذكر الله وما والاه) أي: وما أدناه(٣) مما أحبه الله تعالى، والولي: القرب والدنو، والمعنى: الدنيا ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما قاربه من الطاعة الموصلة لمرضاته (وعالماً ومتعلماً) كذا هو فيما وقفت عليه من نسخ الرياض بالألف فيهما وهو ظاهر؛ لأنهما معطوفان على المستثنى المنصوب وجوباً لكونه من كلام تام موجب، لكنهما في نسخ الترمذي من غير ألف. قال الحافظ السيوطي في حواشيه: عليه منصوبان؛ لأن الاستثناء عن كلام تام موجب وكتبا بلا ألف على طريق كثير من المحدثين (رواه الترمذي) في الزهد من جامعه، ورواه ابن ماجه في المشكاة (وقال:) أي: الترمذي (حديث حسن) قال القرطبي: لا يفهم من هذا الحديث سب الدنيا مطلقاً ولعنها، فقد جاء من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعاً لا تسبوا الدنيا فنعم مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر، وإذا قال العبد: لعن الله الدنيا قالت الدنيا: لعن الله أعصانا لربه أخرجه الشريف أبو القاسم زيد بن عبد الله الهاشمي، والجمع بين ذلك بحمل الأحاديث الواردة في إباحة لعن الدنيا على ما يبعد منها عن الله تعالى ويشغل عنه وحمل (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في هوان الدنيا على الله عز وجل (الحديث: ٢٣٢٠). (٢) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ١٤، (الحديث: ٢٣٢٢). (٣) كذا، والصواب ((وما داناه)). ع ٤١١ ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا ٤٧٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِه: (لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ، فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(١). ٤٧٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللّهِ وَ﴿ وَنَحْنُ نُعالِجُ خُصِّا لَنَا، فَقَالَ: (مَا هَذَا؟)) فَقُلْنَا: قَدْ وَهَىَ فَنَحْنُ نُصْلِحُهُ، فَقَالَ: (مَا أَرَى الأَمْرِ إِلّ أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ)) الوارد بالمنع على ما قرب إلى الله تعالى أو أعان على عبادته سبحانه، كما يومىء إليه الاستثناء في حديث الباب بقوله إلا ذكر الله وما والاه إلخ. ٤٧٨ - (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَليون: لا تتخذوا الضيعة) بالضاد المعجة: العقار، والجمع ضيع وضياع بكسر ففتح قاله في الصحاح وفي النهاية: ضيعة الرجل ما يكون منه معاشه كالصنعة والتجارة والزارعة وغير ذلك، والمراد لا تتوغلوا في اتخاذ الضيعة فترغبوا عن صلاح آخرتكم كما قال: (فترغبوا في الدنيا) أي: في صلاحها وتشتغلوا به من صلاح دار القرار. قال صاحب المفاتيح: وذلك؛ لأن بأخذها تحصل الرغبة في طلب الدنيا فلا تشبعون حينئذ منها (رواه الترمذي، وقال: حديث حسن) ورواه أحمد والحاكم في المستدرك. ٤٧٩ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: مر علينا) لعل الإِتيان بعلى لعلو محل مروره # على محل الخص، أو كان راكباً، وإلا فمر يعدى بالباء (رسول الله ﴿ ونحن نعالج خصالنا) بضم الخاء المعجمة وتشديد الصاد المهملة، قال في النهاية : هو بيت يعمل من خشب وقصب، وجمعه خصاص وأخصاص، سمي به لما فيه من الخصاص وهي الفرج والأثقاب. وفي الصحاح: الخص البيت من القصب اهـ. وهو محتمل لتخصيص القصب بذلك فيخالف كلام النهاية، ويحتمل أن يراد من ذلك وغيره مثلاً فيوافقه، والله أعلم (فقال: ما هذا) أي: المعالج (فقلنا قد وهى) بفتحتين أي : ضعف وهم بالسقوط كما في الصحاح (فنحن نصلحه) بإدعامه بما يذهب به ويدوم به قوامه (فقال: ما أرى) يحتمل أن يكون بضم الهمزة بمعنى أظن، وأن يكون بفتحها بمعنى أعلم (الأمر) أي: الأجل (إلا أعجل) أي: أسرع (من ذلك) أي: الإصلاح المذكور، وعبر به مع أن (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ٢٠ (الحديث: ٢٣٢٨). ٤١٢ كتاب : دليل الفالحين رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). ٤٨٠ - وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ عِياضٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، يَقُولُ: ((إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَهُ أُمَّتِي الْمَالُ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(٢). ٤٨١ - وَعَنْ أَبِي عَمْرِو، وَيُقَالُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَيُقَالُ أَبُو لَيْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ المقام لهذا الموضوع للقريب، إيماء بأن الاشتغال بالبناء بعيد من شأنهم مع توقع الأجل ساعة فساعة ولحظة فلحظة (رواه أبو داود والترمذي بإسناد البخاري ومسلم) أي: برجال روياً عنهم، فهو على شرطهما (وقال الترمذي: حسن صحيح). ٤٨٠ - (وعن كعب) بفتح الكاف وسكون العين المهملة بعدها موحدة (ابن عياض) بكسر المهملة وتخفيف التحتية آخره ضاد معجمة، الأشعري معدود في الشاميين. روى عنه جابر بن عبد الله، وقيل: روت عند أم الدرداء (رضي الله عنه) خرج عنه الترمذي والنسائي (قال: سمعت رسول الله وَ﴿ يقول: إن لكل أمة فتنة) بكسر الفاء أي: ما يمتحنون ويختبرون أي: يعاملون به معاملة المختبر للجاهل بحاله. قال الراغب في مفرداته: جعلت الفتنة كالبلاء يستعمل في الخير والشر. وهما في الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالاً، قال تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾(٣) اهـ. (وفتنة أمتي) ما تمتحن به في دنياها (المال) كما قال *: ((إن هذا المال حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون)) (رواه الترمذي) في الزهد من جامعه ورواه النسائي في الرقاق من سننه ورواه ابن عبد البر وابن منده وأبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة كما في أسد الغابة (وقال:) أي: الترمذي (حديث حسن صحيح). ٤٨١ - (وعن أبي عمرو) بفتح العين كني باسم أحد أولاده (ويقال:) بالبناء للمجهول أي: ويقال: في كنيته (أبو عبد الله) قال في أسد الغابة: يكنى أبا عبد الله ويقال: أبو عمرو. وقيل: كان يكنى أولاً بابنه عبد الله، وأمه رقية بنت رسول الله وَّ ثم كني بابنه عمرو اهـ. (ويقال: أبو ليلى) بفتح اللامين بينهما تحتية ساكنة (عثمان بن عفان) بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي المكي ثم المدني أمير (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: ما جاء في البناء (الحديث: ٥٢٣٥). وأخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء أن فتنة هذه الأمة في المال (الحديث: ٢٣٣٦). (٢) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء أن فتنة هذه الأمة في المال (الحديث: ٢٣٣٦). (٣) سورة الأنبياء، الآية: ٣٥. ٤١٣ ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَ، قَالَ: ((لَيْسَ لابْنِ آدَمَ حَقٌّ في سِوى هَذِهِ الْخِصَالِ: بَيْتُ المؤمنين (رضي الله عنه) أمه أروى بنت كريز بضم الكاف وفتح الراء ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله وصله . أسلم عثمان قديماً، دعاه أبو بكر إلى الإِسلام، فأسلم وهاجر الهجرتين إلى الحبشة، ثم إلى المدينة فهاجر بزوجته رقية بنت النبي إلى الحبشة الهجرتين الأولى والثانية، ويقال لعثمان ذو النورين؛ لأنه تزوج بنتي رسول الله و ﴿ إحداهما بعد الأخرى، قالوا: ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره روي لعثمان عن رسول الله وَّ مائة حديث وستة وأربعون حديثاً، اتفق الشيخان منها على ثلاثة، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة. روى عنه جمع من الصحابة منهم زيد بن خالد الجهني وابن الزبير وغيرهم وخلق من التابعين. ولد في السنة السادسة بعد الفيل، وقتل شهيداً يوم الجمعة لثمان عشرة خلون من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وهو ابن تسعين سنة، وقيل: ثمان وقيل: ثنتين وثمانين سنة، وقيل غير ذلك. وهو رضي الله عنه أحد السابقين إلى الإِسلام كما تقدم، وأحد العشرة المبشرة بالجنة الذين مات رسول الله وَّير وهو عنهم راض، وأحد الستة أصحاب الشورى. بويع بالخلافة غرة محرم سنة أربع وعشرين وكانت خلافته ثنتي عشرة سنة إلا ليال. وقال ابن عبد البر: بويع بعد دفن عمر بثلاث ليال، وحج بالناس في خلافته عشر سنين متوالية، وصلى عليه جبير بن مطعم، وقیل غيره. ودفن بالبقيع ليلاً وأخفي قبره ذلك الوقت ثم أظهره وقيل دفن بحش كوكب. قال ابن قتيبة: وهي أرض اشتراها عثمان وزادها في البقيع. والحش: البستان، وكوكب اسم رجل من الأنصار، والأحاديث الواردة في فضله وعلو مقامه كثيرة شهيرة رضي الله عنه (أن النبي ◌َّ قال: ليس لابن آدم حق) قال العاقولي: أراد بالحق ما يستحقه الإِنسان لاحتياجه إليه في كنه من الحر والبرد وستر بدنه وسد جوعته، وهذا هو المراد الحقيقي من المال. وقيل: أراد ما لم يكن معه حساب إذا كان مكتسباً من وجه حلال طيب، ويؤيد القول الثاني ما قال ابن كثير: أخرج الإِمام أحمد بسنده إلى أبي عسيب مولى النبي وَّر قال: ((خرج النبي 18 ليلاً فمر بي فدعاني فخرجت إليه، ثم مر بأبي بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتى أتى حائطاً لبعض الأنصار فقال لصاحب الحائط: أطعمنا)) الحديث وفي آخره فأخذ عمر العذق الذي جاء به الأنصاري فضرب به الأرض حتى تناثر البسر قبل رسول الله وسلم ثم قال: يا رسول الله إنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: نعم إلا من ثلاثة: خرقة کفی بها الرجل عورته، أو کسرة سد بها جوعته، أو جحر یدخل فيه من الحر والبرد وقال ابن كثير: تفرد به أحمد (في سوى هذه الخصال) ظاهره استعمال سوى غير ظرف فيكون متصرفاً بوجوه الإِعراب كغير، وهذا ما ذهب إليه ابن مالك وصححه في أكثر ٤١٤ كتاب : دليل الفالحين يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَهُ، وَجِلْفُ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيْحٌ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَسَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ سُلَيْمانَ بْنَ أَسْلَمَ الْبَلْخِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّضْرَ بْنَ شُمَّيْلٍ يَقُولُ: الْجِلْفُ: الْخُبْزُ لَيْسَ مَعَهُ إِدَامٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ غَلِيظُ الْخُبْزِ. كتبه وبالغ في نصرته في شرح التسهيل، لكن قال أبو حيان: لا سلف له في ذلك إلا الزجاجي. واستدل ابن مالك بشواهد من الحديث وغيره شعراً ونثراً، ونازعه أبو حيان بأنه لا حجة له في ذلك، ومذهب سيبويه والبصريين أنها لا تخرج عن الظرفية المكلية إلا في الشعر، وصححه ابن الحاجب في سبك المنظوم، وجرى عليه العاقولي هنا فقال موصوف سوى محذوف أي: شيء سوى هذه الخصال(١)، والمراد هنا ما يحصل للرجل ويسعى في تحصيله (بيت) رأيته مضبوطاً بالقلم في أصل مصحح بالرفع على القطع بإضمار مبتدأ أي : هي، ويجوز إن لم تصد عنه الرواية نصبه بإضمار أعني، ويجوز جره على الإِتباع، وهذه الأوجه جارية في بدل المفصل من المجمل إذا استوفى العدة، وجملة (يسكنه) في محل الصفة احترازاً عن بيت يعده للكراء فإن ذلك من اتخاذ الضيعة المنهي عنه بما تقدم في حديث ابن مسعود (وثوب يواري) أي: يستر (عورته) يجوز أن يراد من العورة ما يجب ستره في نحو الصلاة، فلا يدخل فيه ستر ما عدا ما بين السرة والركبة من الرجل والأمة، وأن يراد به ما يجب ستره في الرجال عن النساء الأجانب فيشمل ذلك ولعل الثاني أقرب سيما إن كان تركه مخلاً بالمروءة فلا يكون لبسه من حظوظ النفس بل من حقوقها، ويؤيده أنهم أوجبوا على المعتمد في كفن الميت ساتر جميع بدنه لا العورة فقط وأصل العورة الخلل، ومنه أعور المكان ورجل أعور (وجلف) بكسر الجيم وسكون اللام، وقال في النهاية: ويروى بفتح اللام جمع جلف(٢): وهي الكسرة من الخبز. ((قلت)): وعليه فيكون كحلق بكسر ففتح في جمع حلقة بفتح فسكون (الخبز والماء: رواه الترمذي وقال: حديث صحيح) قال في الجامع الصغير: ورواه الحاكم في مستدركه. وفي النهاية حديث عثمان ((كل شيء سوى جلف الطعام وظل وثوب وبيت يستر فضل)) (قال الترمذي: وسمعت أبا داود سليمان) بصيغة التصغير (ابن أسلم) بفتح الهمزة فسكون المهملة (البلخي) بفتح الموحدة فسكون اللام بعدها معجمة نسبة إلى بلخ: بلد معروف، ويقال له المصاحفي نسبة إلى عمل المصاحف، والترمذي تارة يصفه بتلك، وتارة بهذه كما بينته في باب الكنى من حرف الدال من كتابي في أسماء رجال الشمائل بقول: (سمعت النضر) بإعجام الضاد في مقدمة فتح الباري ما كان (١) في الجامع الصغير ((فيما سوى إلخ)). ع. (٢) لعلها ((جلفة)). ع ٤١٥ ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا وَقَالَ الْهَرَوِيُّ الْمُرادُ بِهِ هُنا: وِعَاءُ الْخُبْزِ كَالْجَوَالِقِ وَالْخُرْجِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١). ٤٨٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ((بِكَسْرِ الشِّينِ وَالخَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمُعْجَمَتَيْنِ)) رَضِيَ بهذه الصورة معرفاً بالإِعجام ومنكراً بالإِهمال (ابن شميل) بضم المعجمة وفتح الميم وسكون التحتية والنضر هو الإِمام الكبير الشأن في العلوم العربية، وقد ذكرت ترجمته في كتابي المذكور آنفاً (يقول: الجلف) أي: بكسر فسكون اسم مفرد (الخبز ليس معه إدام: وقال غيره: هو غليظ الخبز) أي: وإن كان معه إدام، وهذا الغير هو الليث كما في تكملة الصحاح للصغاني، وعبارته قال: قال الليث: الجلف فحال النخل، والجلف أيضاً من الخبز الغليظ اليابس. اهـ. ويحتمل أن يكون غيره؛ لأن المحكي هنا أعم مما حكي عنه؛ لأنه اعتبر فيه أمرين الغلظ واليبس. والمحكي عن الغير هو الأول فقط (وقال الهروي) صاحب كتاب الغربيين (المراد به هنا وعاء الخبز كالجوالق) بضم الجيم، قال في الصحاح: الجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب إلا أن تكون معربة أو حكاية صوت نحو الجردقة وهي الرغيف، وذكر ألفاظاً إلى أن قال: والجوالق بضم الجيم: وعاء والجمع الجوالق بالفتح والجواليق بالياء أيضاً اهـ. (والخرج) بضم الخاء المعجمة وسكون الراء وبالجيم قال في المصباح: وعاء معروف عربي صحيح والجمع خرجة نحو عنبة. اهـ. وفيه أيضاً قيل الجلف كل ظرف ووعاء، وهذا القول الذي حكاه المصنف أعرض عن ذكره العاقولي في شرح المصابيح والحافظ السيوطي في حاشية الترمذي والعلقمي في حاشية الجامع الصغير وكأنه لبعده عن مقام الحديث؛ لأن المراد به التحريض على الزهد، وأخذ الوعاء لنحو الخبز إنما يكون عادة عند نحو ادخار واهتمام به وذلك خلاف المقصود والله أعلم. وكأن من حمل الحديث عليه يمنع كون ذلك عادة عند الادخار بل يكون لنحو ما يحفظ لوقت آخر من اليوم مثلاً والله أعلم. ٤٨٢ - (وعن عبد الله بن الشخير بالشين والخاء المشددة المعجمتين) كأن وجه إفراد المشددة وتثنية ما بعده مع أن الوصفين سيان الاكتفاء بكون الشين لا ينطق بها إلا كذلك؛ لأن اللام تبدل منها وتدغم فيها، وليس في الخاء ما يدل على وجوب ذلك فيها فنبه على ما يحتاج إلى التنبيه. وأيضاً فتشديد الشين عارض عند دخول أل فيه بخلاف تشديد الخاء، وعبارة تبصير المنتبه في تحرير المشتبه للحافظ ابن حجر شخير بالكسر وتشديد الخاء المعجمة بعدها ياء ثم راء، عبد الله بن الشخير له صحبة وأولاده. اهـ. والظاهر أن أل فيه (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ٣٠ (الحديث: ٢٣٤١) 0 ٤١٦ كتاب : دليل الفالحين اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َهُ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ (١)، قَالَ: ((يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي! وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ دُنْيَاكَ إلَّ مَا أَكَلْتَ فَأَقْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟!)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(٢). ٤٨٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلَّبِيِّ ◌َ: مقارنة للنقل فتكون لازمة والله أعلم، وعبد الله (رضي الله عنه) تقدمت ترجمته في باب فضل البكاء من خشية الله تعالى (أنه قال) بفتح الهمزة مبتدأ خبره الظرف قبله أي: وعنه قوله: (أتيت النبي ◌َّيه وهو يقرأ) جملة في محل الحال من المفعول (ألهاكم التكاثر) أي: السورة المسماة بما ذكر لكونه صدرها (قال) أي: النبي ◌َّر بعد إتمامها كما عند النسائي حتى ختمها (يقول: ابن آدم) أتي بصيغة المضارع إيماء إلى أن هذا القول ديدنه ودأبه بحسب طبعه (مالي مالي) أي: مالي هو الذي أعتني به وأهتم، فالتكرار لفظاً للتعظيم والاهتمام، قال الحافظ في الفتح؛ لأن المبتدأ والخبر إذا كانا متحدين فالمراد به بعض اللوازم (وهل لك) المعطوف عليه مخاطب مقدر أي: أتقول ذلك (يا بن آدم) وتهتم بأمره وهل لك (من دنياك) التي اهتممت بأمرها واحتفلت بشأنها والاستفهام فيه للإِنكار أي: مالك منها على الحقيقة (إلا ما أكلت فأفنيت) فوصل نفع ذلك إلى أجزاء البدن واستقام به أمرها (أو لبست) بكسر الموحدة (فأبليت) من الإِبلاء إخلاق الجديد (أو تصدقت) على محتاج قاصداً وجه الله تعالى (فأمضيت) قال في المصباح: أمضيت الأمر أنفذته اهـ. والمراد أمضيت التصدق ونجزته فأبقيت ثوابه مدخراً لك عند المولى. وملخصه: مالك من دنياك إلا ما انتفعت به في دنياك بأن أكلت أو لبست أو أخرك بأن تصدقت، وما عدا ذلك من باقي المال فإنما أنت فيه بمنزلة الخادم الخازن لغيره كما تقدم في حديث ((أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله)) ففيه تحريض على الزهد من جمع الدنيا والعروض(٣) عنها وتحريض على الاقتصار على ما تدعو إليه ضرورة الحياة وادخار ما عداه عند الله. وما أحسن قول بعضهم: اجعل ما عندك ذخيرة لك عند الله واجعل الله ذخيرة لأولادك، (رواه مسلم) في أواخر صحيحه، ورواه الترمذي في الزهد وقال: حسن صحيح، والنسائي في الوصايا وفي التفسير. ٤٨٣ - (وعن عبد الله بن مغفل) بصيغة اسم المفعول من التغفيل بالغين المعجمة والفاء (١) سورة التكاثر، الآية: ١. (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: كتاب الزهد والرقائق (الحديث: ٣). (٣) قوله (العروض) لعله (الإِعراض). ع. ٤١٧ ٥٥ - باب: في فضل الزهد في الدنيا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحِبُكَ، فَقَالَ: ((انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ؟)) قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحِبُّكَ (ثَلاَثَ مَرَّاتٍ) فَقَالَ: ((إِنْ كُنْتَ تُحِبُِّي قال المصنف: في التهذيب: هو أبو سعيد، وقيل أبو عبد الرحمن وأبو زياد عبد الله بن مغفل بن عبد غنم، وقيل ابن عبد نهم بن عفيف بن أسحم بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار المزني البصري (رضي الله عنه) ومزينة امرأة عثمان بن عمرو نسبوا إليها وهي مزينة بنت وهب بن وبرة، فولد عثمان يقال لهم مزنيون وكان عبد الله من أهل بيعة الرضوان قال: إني لممن رفع أغصان الشجرة عن رسول الله *، سكن المدينة ثم تحول إلى البصرة وابتنى بها داراً قرب الجامع قال الحسن: ما نزل البصرة أشرف منه وقد تقدمت ترجمته وذکر بعض مناقبه وعدة ماله من الأحاديث عن رسول الله وَل# في باب المحافظة على السنة وقد ذكرت زيادة على ذلك في ترجمته في كتابي في رجال الشمائل (قال: قال رجل) قال ابن أقبرس في شرح الشفاء: هذا الرجل من المجاهيل ((قلت)): ويجوز أن يكون أبا سعيد الخدري ففي الشفاء وقد قال ◌َّ لأبي سعيد: ((إن الفقر إلى من يحبني منكم أسرع من السيل من أعلى الوادي أو الجبل إلى أسفله)) ثم أورد حديث ابن مغفل المذكور وقال بعد ذكره إلى قوله تجفافاً، ثم ذكر (١) نحو حديث أبي سعيد بمعناه، ثم رأيت الحافظ السيوطي في تخريج أحاديث الشفاء جزم بأن حديث أبي سعيد بعض حديث ابن مغفل، فهو يقوي ما فهمته من تفسير المبهم بأبي سعيد. والله أعلم. (للنبي ◌َّة) اللام فيه للتبليغ (يا رسول الله والله إني لأحبك) لعل ذكر المؤكدات لزيادة تثبيت مضمون الخبر عنده * خصوصاً إن قلنا إنه أبو سعيد أو غيره من خلص المؤمنين، وإن كان من المنافقين ثم صدق في إيمانه فإِذهاب ما توهم من حاله السابق (فقال: انظر ماذا تقول) يريد منه الاستكشاف عن حقيقة قوله، ولذا علقه بالشرط الآتي، وفي الاصطفاء انظر ماذا تقول أي: تأمله، وتذكر فيه فلك رمت خطة عظيمة ومشقة وخيمة تورثك خطراً يجعلك هدفاً لبلايا فظيعة ورزايا وجيعة، فأمره بالنظر ليوطن نفسه على ما يرهقه عسراً أو يكلفه أمراً إصراً اهـ. ولا يخفى ما فيه (قال: والله إني لأحبك) وقال الدلجي مؤكداً بالقسم والتكرير (ثلاث مرات) وهو ظرف لقال (فقال: إن كنت تحبني) أني بأن الدالة على عدم الجزم مع تأكيد المتكلم بالمؤكدات السابقة، أما لعدم علمه وَيهر بحال القائل عند معرفته بثمرة المحبة بعد ذكرها له، فلعله يرجع عن ذلك لعدم ثباته كما قال تعالى: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾(٢) الآية، أو تحريضاً على (١)) قوله (ثم ذكر) لعلها (فذكر). ع (٢) سورة الحج، الآية: ١١. ٤١٨ كتاب: دليل الفالحين فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافاً، فَإِنَّ الْفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاهُ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيْثٌ حَسَنٌ. ((التِّجْفَافُ)) بِكَسْرِ الَّاءِ الْمُثَّاةِ فَوْقُ وَإِسْكَانِ الحِيمِ وبِالفَاءِ المَكْرَّرة وَهِيَ: شَيْءٌ يُلْبَسُهُ الْفَرَسُ لِيَتَّقَى بِهِ الصبر على نتائج دعواه كقول الوالد لابنه: إن كنت ولدي فأطعني (فأعد) بتشديد الدال أمر من الإعداد أي: فهيء (للفقر تجفافاً) قال ابن أقبرس المعنى: أن يرفض الدنيا ويزهد فيها ويستتر عن استنمائها بمثل التجفاف كما يستتر بالترس في الحرب من آثار السلاح التي هي آلة الجراح اهـ. ففيه استعارة كما يأتي، وعلل ◌َّه ما ذكره بقوله على سبيل الاستئناف البياني (فإن الفقر) أتى به ظاهراً والمقام للضمير زيادة لتمكينه عند سامعه (أسرع إلى من يحبني) زاد في حديث أبي سعيد المذكور آنفاً قوله: منكم، فيحتمل أن يكون له مفهوم ويحتمل أن لا؛ لأن خطابه لما كان معهم ذكره لا لتخصيصهم بذلك والثاني أقرب (من السيل إلى منتهاه) أي: من مكان وصول السيل من الجبل أو أعلى الوادي إلى منتهاه من أسفل الجبل أو آخر الوادي، وإنما كان كذلك؛ لأن الناس على دين ملوكهم. ولما كان ◌َله أزهد الناس في الدنيا بشهادة حديث ملك الجبال ((إن شئت جعل الله لك الأخشبين ذهباً فأبى)» وحديث ((عرض عليه ربه أن يجعل له بطحاء مكة ذهباً فقال لا يا رب، ولكني أجوع يوماً وأشبع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك)» كان المحب التابع له أسرع إلى اتصافه بما هو متصف به من السيل كما قال: لقوة الرغبة وصدق المحبة؛ ولأن المحب يجب أن يتصف بصفات المحبوب، فالمرء مع من أحب، ومولى القوم منهم في الخير والشر، فمن أحب أن يكون معهم في نعيم الآخرة فليصبر كما صبروا في الدنيا عن شهواتها، لكن هذا مقام عال شريف لا يقدر عليه إلا الأفراد، فلذا قال له. انظر ماذا تقول؟ أي: إنك قد ادعيت أمراً عظيماً يستدعي الصبر على أمر عظيم قال تعالى ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾(١) (رواه الترمذي وقال حديث حسن) وفيه بعد قوله حسن غريب. وأسقطه المصنف؛ لأن الغرابة النسبية لا تضر في الحكم بالحسن. (التجفاف بكسر التاء المثناة فوق وإسكان الجيم وبالفاء المكررة، وهي) أنث الضمير باعتبار المعنى فإنها في معنى السترة (شيء يلبسه) بالبناء للمجهول من ألبس ومفعوله الثاني الضمير، قدم لكونه ضميراً متصلاً على مفعوله الأول الذي أقيم مقام الفاعل وهو (الفرس) ويجوز أن يقرأ بفتح التحتية وبالموحدة مبنياً للفاعل من (١) سورة آل عمران، الآية: ١٤٢ . 9 ٥٥ -باب: في فضل الزهد في الدنيا ٤١٩ الَّأَذِى، وَقَدْ يَلْبَسُهُ الإِنْسَانُ(١). ٤٨٤ - وَعَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ مِ﴿ِ: ((مَا ذِثْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا فِي غَنَمِ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ)) رَوَاهُ لبس بكسر الموحدة (ليتقى به الأذى) أي: أن يصيبه من السلاح شيء من الجراح، وقد يلبسه الإِنسان، ظاهره أن التجفاف معد لثوب يلبسه الفرس (وقد يلبسه الإِنسان) وعلى ذلك جرى العاقولي فقال: وقد يلبسه الإِنسان أيضاً ولعله تبع فيه المصنف. والذي في المصباح: التجفاف تفعال بالكسر شيء يلبسه الفرس عند الحرب كأنه درع والجمع تجافيف، قيل سمي به لما فيه من الصلابة واليبوسة. وقال ابن الجواليقي التجفاف معرب ومعناه ثوب البدن، وهو الذي يسمى في عصرنا بركصطوان اهـ. وفي شرح الشفاء لابن أقبرس قال أبو علي: التاء زائدة، وأشار العاقولي إلى أن في الحديث استعارة مكنية تتبعها استعارة تخييلية بقوله: شبه الفقر بالسهم الصائب والسيف القاطع والرمح النافذ، وشبه صبره عليه بالتجفاف الذي يلبسه الإنسان أو يلبسه فرسه ليقيه ذلك أي: فالتشبيه المضمر في النفس استعارة مكنية وإثبات التجفاف استعارة تخييلية. ٤٨٤ - (وعن كعب بن مالك) الأنصاري أحد الثلاثة الذين خلفوا فنزلت توبتهم في آية آخر سورة التوبة وتقدمت ترجمته (رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلجر: ما) نافية حجازية كما اقتصر عليه الطيبي ويجوز كونها تميمية؛ لأن الباء تزاد في خبر كل منهما خلافاً لأبي علي والزمخشري زعما اختصاص الباء بلغة الحجاز. قال ابن هشام في المغني: أوجب الفارسي والزمخشري في نحو ما الله بغافل كون ما حجازية ظناً أن المقتضي لزيادة الباء نصب الخبر، وإنما المقتضي نفيه لامتناعها في نحو: كان زيد قائماً وجوازهافي: لم أكن بأعجلهم. وفي : ما أن زيداً بقائم اهـ. (ذئبان جائعان أرسلا) بالبناء للمجهول (في غنم) متعلق به، وهذان وصفان الذئبان مفرد وجملة فهو كقوله تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك﴾(٢) (بأفسد لها) أي: بأكثر فساداً للغنم وأنث ضميرها لاعتبار الجنسية فيها (من) فساد (حرص المرء على المال) متعلق بحرص ومن فساد هو المفضل عليه (والشرف) أي: الجاه معطوف على المال واللام في قوله: (لدينه) لام البيان كهي في قوله تعالى: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ (٣) كأنه قيل لمن؟ قال لمن أراد. وكذا هنا، كأنه قيل بأفسد لأي شيء؟ فقيل (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في فضل الفقر (الحديث: ٢٣٥٠) 00 (٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥٥. (٣) سورة البقرة، الآية: ٢٣٣. ٤٢٠ كتاب: دليل الفالحين التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). ٤٨٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: نَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَ عَلَى حَصِيْرٍ فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً. فَقَالَ: (مَالِي وَلِلُّنْيَا! مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّ كَرَاكِبِ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، لدينه ولا يصح جعلها متعلقة بأفسد؛ لأنه لا يجوز تعلق حرفي جر بلفظ واحد ومعنى واحد بعامل واحد إلا على سبيل البدل (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) قال في الجامع الصغير: ورواه أحمد من حديث كعب أيضاً. ٤٨٥ - (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله (صل﴿ على حصير) قال في المصباح: هو البارية وجمعه حصر مثل بريد وبرد وتأنيثه بالتاء عامي اهـ. وفي الشفاء من حديث عن حفصة وكان ينام أحياناً على سرير مرمول بشريط حتى يؤثر في جنبه، قال السيوطي في تخريجه: رواه الشيخان من حديث طويل عن عمر والترمذي وابن ماجه (فقام) أي: استيقظ واستوى جالساً (وقد أثر) أي: الحصير (في جنبه) فإن بدنه الشريف كان ألين من الحرير. وفي الحديث عن أنس ((ولا مسست خزاً ولا حريراً ولا ديباجاً ألين من كف رسول الله ( #) وإذا كان هذا شأن كفه وهو يزاول الأعمال، فكيف بباقي بدنه الشريف ومله؟ والجملة في محل الحال من فاعل قام (فقلنا) أي: الحاضرون الذين منهم ابن مسعود، ويبعد أن يريد نفسه فقط، ولا يشهد له ما سيأتي عن ابن ماجه من قول ابن مسعود فقلت كما هو ظاهر (لو اتخذنا لك وطاء) بكسر الواو وبالمد بوزن كتاب قال في المصباح: هو الوطء. وقد وطؤ الفرش بالضم فهو وطيء كقرب فهو قريب. وجواب لو محذوف أي: لا استراح بذلك أو نحو ذلك، وعند ابن ماجه ((فقلت: يا رسول الله لو كنت أذنتنا ففرشنا لك شيئاً يقيك)) (فقال: مالي وللدنيا) قال الأنطاكي في حواشي الشفاء: قيل: يجوز أن تكون ما نافية أي: ليس لي ألفة ومحبة لي وللدنيا حتى أرغب فيها، ويجوز أن يكون التقدير أي : شيء حالي مع الميل للدنيا اهـ. أي: فتكون ما إستفهامية والمعنى أي: شيء لي ولها أي: جامع فأشتغل بها. وقال الدلجي: هو استفهام بمعنى النفي أي: لا أرب فيها (ما أنا في الدنيا إلا کراکب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) وذلك؛ لأن الدنيا ليست دار قرار ولا منزل استقرار إنما هي دار عبور يقطعها السائر إلى ميادين الآخرة، فالإِنسان فيها بمثابة (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ٤٣ (الحديث: ٢٣٧٦).