Indexed OCR Text
Pages 261-280
٤٧ - باب: في علامات حب الله تعالى للعبد ٢٦١ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ؛ فَإِذَا أَحْبَيْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، وَلَيْنِ اسْتَعَاذَنِي لَأَعِيذَنَّه)) المعاندته ومعاداته من أحب الله تعالى، ويلزم من ثبوت محاربته تعالى لأعداء أوليائه ثبوت موالاته لمن والاهم (وما تقرب إليّ عبدي) إضافته إضافة تشريف (بشيء) أي: بأداء شيء (أحب إلي مما افترضته عليه) أي: من أداء ما افترضته عليه عيناً كان أو كفاية، وإنما كان أحب إليه من النفل لأنه أكمل من حيث إن الأمر به جازم متضمن للثواب على فعله والعقاب على تركه، بخلافه: فإن الأمر به غير جازم يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه؛ ولأنه كما قيل جزء من سبعين جزءاً من الفرض (وما يزال عبدي يتقرب إلي) بعد أداء فرائضه (ب) أداء (النوافل) من صلاة وصيام وحج وصدقة (حتى أحبه فإذا أحببته) ورضيت عليه وأوردت به الخير (كنت سمعه) يجوز أن يكون على تقدير مضاف فيه وفيما عطف عليه، أي: حافظ سمعه، وهو القوة المرتبة في العصب المفروشة على سطح باطن الصماخ يدرك بها الأصوات بتموج الهواء، وقوله: (الذي يسمع به) صفة توضيحية جيء بهذا للتأكيد، ويجوز أن تكون مخصصة احترازاً من اليد والرجل الشلاوين، أي: حافظه عن أن يسمع به ما لا يحل سماعه من غيبة ونميمة وما في معناهما (وبصره الذي يبصر به) هو قوة مرتبة من العصبتين المجوفتين اللتين تتلاقيان وتفترقان إلى العينين يدرك بها الألوان ونحوها، ويؤخذ من تقديم السمع عليه أنه أفضل منه؛ ولأنه شرط النبوة، وقيل: إنه من باب الترقي؛ لأن متعلق البصر الأنوار ومتعلق السمع الريح وهو يرى من بعيد، أي: حفظه عما يحرم النظر إليه من الصور المحرمة (ويده التي يبطش بها) فلا يبطش إلا فيما يحل (ورجله التي يمشي بها) فلا يمشي إلا فيما يحل، وحاصل ذلك حفظ جوارحه وأعضائه حتى يقلع عن الشهوات ويستغرق في الطاعات، فلا يسمع ولا يبصر إلّما ورد به الشرع وكذا اليد والرجل، ويجوز أن يكون مجازاً عن نصره وتأييده، فكأنه تعالى نزل نفسه منزلة جوارحه التي يدرك بها ويستعين بها تشبيهاً، وزيادة في يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي(١)، هذا والاتحادية والحلولية قبحهم الله يزعمون أن هذا في حقيقته، وأنه تعالى عما يقولون علوا كبيراً حال فيه ومتحد به (وإن سألني أعطيته) بتاء الضمير، وحذف المفعول الثاني لدلالة قوله: ((سألني)) عليه، أي: أعطيته سؤله (ولئن استعاذني لأعيذنه) وأكد هذه الجملة بالقسم (١) قوله: هذا، لعله تؤيد هذا ٢٦٢ كتاب : دليل الفالحين رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. مَعْنَى ((آذَنْتُهُ)): أَعْلَمْتُهُ بِأَنِّي مُحَارِبٌ لَهُ. وَقَوْلُهُ ((اسْتَعَاذَنِي) رُوِيَ بِالباءِ، وَرُوِيَ بِالنُّونِ(١). ٣٨٧ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ، قَالَ: ((إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى الْعَبْدَ ونون التوكيد اهتماماً بمضمونها؛ لأنه درء مفسدة وذلك جلب مصلحة والأول أهم والعناية به أتم (رواه البخاري) منفرداً به عن باقي الكتب الستة، ورواه ابن حبان في صحيحه، وأبو نعيم في حليته، والبيهقي في الزهد، قال السخاوي بعد أن تكلم على رجال إسناده: ولذا قال الذهبي، وقد أورد الحديث في الميزان في ترجمة خالد بن محمد أنه غريب جداً، انفرد به خالد، ولولا هبة الجامع الصحيح لعدوه من منكرات خالد، وذلك لغرابة لفظه؛ ولأنه مما تفرد به شريك ولم يرو هذا المتن إلا بهذا الإِسناد، قال السخاوي: وهذا الحصر متعقب، فقد قال ابن حبان عقب إيراده لهذا الحديث ما نصه: ((لا يعرف له إلا طريقان وهما هشام الكناني عن أنس وعبد الواحد ابن ميمون عن عروة عن عائشة، قال: وكلا الطريقين لا يصح وإنما الصحيح ما ذكرنا، أي: طريق خالد عن شريك بن عبد الله عن أبي نمر عن عطاء وهو ابن يسار عن أبي هريرة))، قال السخاوي: وحصره في الطريقين مردود، فقد رواه الطبراني عن أبي أمامه من طريق علي بن يزيد، قال السخاوي: وهو ضعيف، بل قال أبو حاتم الرازي: إن الحديث منكر، وروى الطبراني أيضاً من طريق حذيفة بنحوه وسنده حسن، وأخرجه ابن ماجه من حديث عمر بن الخطاب بنحوه وسنده ضعيف، وأخرجه أبو یعلی بسند ضعيف عن ميمونة أم المؤمنين، وأخرجه الطبراني عن ابن عباس بنحوه اهـ. ملخصاً، وهو أصل في السلوك والتقرب إلى الله تعالى والتعرف إليه والوصول إلى معرفته ومحبته؛ لأن المفترض إما باطن وهو الإِيمان أو ظاهر وهو الإِسلام أو مركب منهما وهو الإِحسان المتضمن لسلوك السالكين كالإِخلاص والزهد والتوكل والمراقبة (معنى آذنته) بالمد (أي: أعلمته بأني محارب له) في العبارة تسامح، إذ هذا معنى آذنته بالحرب لا معنى آذنته فقط والأمر سهل (وقوله استعاذني روي بالباء) أي: استعاذ مستعيداً بحولي وقوتي في الحفظ من كل مؤذ كما يؤذن به حذف المعمول (وروي بالنون) (فائدة) قال السخاوي: روينا في الزهد للبيهقي من طريق عثمان الحيري أنه سأل عن معنى هذا الخبر فقال: كنت أسرع إلى قضاء حوائجه من سمعه في الاستماع، وبصره في النظر، ويده في اللمس، ورجله في المشي اهـ. ٣٨٧ - (وعنه عن النبي ◌َر قال: إذا أحب الله العبد) بأن أراد له الخير والهداية والإِنعام (١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: التواضع (٢٩٢/١١ و٢٩٧). ٢٦٣ ٤٧ - باب: في علامات حب الله تعالى للعبد نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانَاً فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي فِي أَهْلِ السَّماءِ: إِنْ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانً فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّماءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْدَأَ دَعَا عليه والرحمة (نادى جبريل) الظاهر أنه نداء بالكلام النفسي المنزه عن الصوت وغيره من سمات الحدوث، ومذهب الشيخ أبي الحسن أن لا يشترط الصوت في المسموع خلافاً للماتريدي، وجبريل: اسم عبراني للملك المعظم ومعناه بالعربية كما تقدم عبد الرحمن وهو أمين الوحي، قيل: إنه أفضل الملائكة (إن الله يحب فلاناً) يحتمل أن يكون بفتح الهمزة مفعول نادى، ويحتمل كسرها بإضمار قول، ويؤيد هذا ما يجيء في الرواية الآتية: ((فدعا جبريل فقال إني أحب فلانا)) وعبر بالمضارع إيماء إلى دوام ذلك الفضل لذلك المحبوب واستمراره، وفي الحديث: ((إن الله كريم يستحي أن ينزع السر من أهله)) وفي الحديث عن عبد الله بن عمر مرفوعاً: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبضه بموت أهله)) (فأحببته) بفك الإدغام كما هي لغة الحجار، ويجوز إن لم يصد عنه رواية الإدغام وهي لغة تميم (فيحبه جبريل) قال المصنف: محبته محتملة أن يراد استغفاره وثناؤه عليه ودعاؤه له، وأن يراد بها ظاهرها المعروف من الخلق وهو ميل القلب إلى المحبوب وشوقه إلى لقائه، وسبب حبه إياه كونه مطيعاً لمولاه محبوباً له (فينادي) بالبناء للفاعل، أي: جبريل، ويشهد له قوله في الرواية الثانية: ((ثم ينادي في السماء فيقول)) ويجوز أن يكون مبنياً للمفعول، وقوله إن الله يحب نائب فاعله وبقرينة ما قرينة للمفعول(١) أي يوضع (في أهل السماء) أي: في الملائكة الساكنين بها (إن الله يحب فلاناً) نداؤه بذلك تنويه به وتشريف له في الملأ الأعلى وليحصل من المنزلة المنيفة على الحظ العظيم، وهذا نحو قوله تعالى في الحديث القدسي: ((أنا مع عبدي إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم)) (فأحبوه) الفاء فيه للتفريع (فيحبه أهل السماء) الفاء عاطفة على جملة ينادي، والوجهان السابقان في محبة جبريل يجريان هنا من غير فرق (ثم يوضع له القبول في الأرض) المراد بالقبول الحب في قلوب أهل الدين والخير له والرضا به، واستطابة ذكره في حال غيبته كما أجرى الله عادته بذلك في حق الصالحين من سلف هذه الأمة ومشاهير الأئمة (متفق عليه، وفي رواية لمسلم) أورد مسلم الروايتين المذكورتين أواخر كتاب البر والصلة، ووقع للحافظ المزي أنه ذكر أن مسلماً خرج الحديث (١) وبقرينة الخ. كذا بالأصول ولعله ويقربه بناء ما بعده للمفعول. ع ٢٦٤ كتاب: دليل الفالحين جِبْرِيلَ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانَاً فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاناً فَأَحِبُوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القُبُولُ في الْأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدَاً دَعا جِبْرِيلَ، فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَاناً فَأَبْغِضْهُ، فَيَبْغِضُهُ، فَيَبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنادِي فِي أَهْلِ السَّماءِ: إِنَّ اللَّهِ أَبْغَضَ فُلاناً فَأَبْغِضُوهُ، فَيَبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ))(١). في الأدب من صحيحه فاعترضه الحافظ في النكت الظراف بما لفظه: ((كتاب الأدب فيما عندنا من صحيح مسلم بعد كتاب اللباس وبعد كتاب الأدب كتاب الطب وبعده كتاب الرؤيا وبعده كتاب القضاء وهو كبير وبعده كتاب البر والصلة وحديث: إذا أحب الله عبداً، بجميع طرقه في أثناء كتاب البر والصلة)) اهـ. (قال رسول الله وجيه: إن الله إذا أحب عبداً) يحتمل كون التنوين فيه للتعظيم، وعظمته بإضافته إلى مولاه وتأهيله لخدمته والقيام بعبوديته (دعا جبريل فقال إني أحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي) أي: جبريل (في) أهل (السماء) ويحتمل ألا يكون مضاف مقدر ويكون بياناً لمحله حال ندائه، لكن يشهد للأول قوله: ((فيحبه أهل السماء))، وقوله في قرينه: ((ثم ينادي في أهل السماء)) (فيقول: إن الله يحب فلاناً فأحبوه) فيحبه أهل السماء (ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض عبداً) التنوين فيه للتحقير، والمراد من البغض المسند إليه تعالى غايته من إرادة الخذلان والإِعراض والإبعاد (دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلاناً فأبغضه فيبغضه جبريل) الإِبغاض بالنسبة إليه وإلى الملائكة محتمل للحقيقة، أي: الكراهية القلبية والنفرة النفسية وللمعنى المجازي، أي: دعاؤهم عليه بالطرد وأنواع المقت (ثم ينادي في أهل السماء فيقول: إن الله أبغض فلاناً فأبغضوه) الفعل في جميع ما ذكر من الإِبغاض من باب الإِفعال من البغض، قال في المصباح: بغض الشيء بالضم بغاضة فهو بغيض وأبغضته إبغاضاً فهو مبغض والاسم البغض، قالوا: ولا يقال بغضته بغير ألف اهـ. (فتوضع له البغضاء) بالمد، هي شدة البغض (في الأرض) وحديث الباب رواه النسائي وأيضاً كما ذكره الحافظ المزي، ولم يرو فيه للبخاري مع أنه الأول عنده في أبواب الملائكة (١) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة (٢٢٠/٦). وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده، (الحديث ١٥٧). ٢٦٥ ٤٧ - باب: في علامات حب الله تعالى للعبد ٣٨٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ فَكَانَ يَقْرَأْ لِإِصْحَابِهِ فِي صَلَّتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَيَ، فَقَالَ: ((سَلُوهُ لِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟)) فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لَأَنَّهَا صِفَةُ الرحمن، ٣٨٨ - (وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وَر بعث رجلاً) قيل: هو كلثوم بن الهدم - بكسر الهاء وسكون الدال المهملة - ونظر فيه بأنه مات في أول قدوم النبي ◌َّة المدينة فيما ذكره الطبري وأصحاب المغازي قبل أن يبعث السرايا، وهذا قالت فيه عائشة أنه بعث (على سرية) بفتح أوليه وتشديد التحتية، وهي القطعة من الجيش، فعيلة بمعنى فاعلة؛ لأنها تسري في خفية، وجمعها سرايا وسريات كعطية وعطايا وعطيات، كذا في المصباح، وفي المواهب اللدنية: قال في الفتح السرية هي التي تخرج بالليل، والنهارية التي تخرج بالنهار، قال: وقيل سميت سرية لأنه يخفى ذهابها، وهذا يقتضي أنها أخذت من السر، ولا يصح ذلك لاختلاف المادة، وهي قطعة من الجيش تخرج ثم تعود إليه، وهي من مائة إلى خمسمائة، يقال له منسر ـ بالنون والمهملة - فإن زاد على الثمانمائة سمي جيشاً، فإن زاد على الأربعة آلاف سمي جحفلاً، والخميس الجيش العظيم، وما افترق من السرية يسمى بعثاً اهـ. قال الحافظ في الفتح: ثم رأيت بعض من تكلم على العمدة فسر المبهم في الحديث بأنه كلثوم بن زهدم وعزاه لابن منده، لكن رأيت بخط رشيد بن العطار نقلاً عن صفة التصوف لابن طاهر عن ابن منده فسماه كرز بن هدم، والله أعلم. (فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم) لكونه إمامهم (فيختم بقل هو الله أحد) يدل على أنه يقرأ بغيرها، ففيه دليل جواز الجمع بين سورتين غير الفاتحة في ركعة واحدة (فلما رجعوا) أي: عادوا من السرية (ذكروا ذلك) أي: ما ذكر من ختمه بسورة الإخلاص (لرسول الله و لل فقال: سلوه) أصله اسألوه؛ فنقلت حركة الهمزة إلى السين المهملة فحذفت همزة الوصل لذهاب المعنى الذي جيء بها لأجله (لأي شيء يصنع ذلك) أي: ليرتب جزاءه على حسب نيته وقصده، ففيه إيماء إلى أن الأعمال بمقاصدها (فقال: لأنها صفة الرحمن) فقد اشتملت على ما يجب له سبحانه من التوحيد وما يجوز في حقه من توجيه الخلق حوائجهم إليه وقصدهم إياه في سائر أمورهم، وما يستحيل في حقه من كونه مولداً من شيء أو يتولد منه شيء تعالى عما لا يليق به مما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً، وقال الدماميني: يحتمل أن يراد بقوله: ((إنها صفة الرحمن)) أن فيها ذكر صفته كما إذا ذكر وصف، فعبر عن ذلك الذكر بأنه الوصف وإن لم يكن ذلك الذكر نفس الوصف، ويحتمل أن يراد به غير ذلك إلا أنه لا يختص ذلك ((بقل ٢٦٦ كتاب: دليل الفالحين فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَخْبِروه أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٤٨ - باب: في التحذير من إيذاء الصالحين والضَعَفة المساكين هو الله أحد))؛ ولعلها خصت به لاختصاصها بصفاته تعالى دون غيرها (فأنا أحب) تقديم المبتدأ للتأكيد لتكرار الإِسناد وللاهتمام (أن أقرأ بها) أي: محبته للدال على صفته تعالى (فقال: رسول الله وَلي) لمن أخبره عنه بمراده، أو لغيره من بعض الحاضرين (أخبره) على وجه البشارة (أن الله يحبه) قال الدماميني: يحتمل أن يريد لمحبته قراءة هذه السورة، ويحتمل أن يكون لما يشهد به كلامه في محبته لذكر الرب واعتقاده اهـ. وقد دل تبشيره بذلك على الرضا بفعله، وعبر عنه بصيغة المضارع إيذاناً بدوام هذا الشأن واستمراره، قال ناصر الدين ابن المنير: وفي الحديث أن المقاصد بغير أحكام الفعل؛ لأن الرجل لو قال إن الحامل له على إعادتها أمر غير ما ذكره لأجابه بما يناسبه، فلما ذكر أن الداعي لذلك محبتها وظهرت صحة قصده لذلك صوبه، وقال: فيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس والاستكثار منه ولا يعد ذلك هجراناً للبعض (متفق عليه) أخرجه البخاري في التوحيد، ومسلم في الصلاة، ورواه النسائي في كتاب الصلاة أيضاً وفي اليوم والليلة، قاله الحافظ المزي . باب التحذير من إيذاء الصالحين يحتمل أن يراد به المعنى الأعم، أي: المسلمين، كما حمل عليه الولد الصالح في قوله وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ... )) الحديث، ويشهد لهذه الآية الأولى، ويحتمل أن يراد به المعنى الخاص وهو القائم بما عليه من حق الله سبحانه أو لأحد من عباده (والضعفة) جمع ضعيف (والمساكين) المراد منه ما يشمل الفقراء، والمراد: التحذير من إيذاء من لا ناصر له إلا الحق سبحانه من صالح ومسكين وضعيف لا يؤبه به ولا يقام للتعرض، وظاهر أن الكلام في الإيذاء بغير حق كما في الآية فلا يرد نحو حد لأنه (١) أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: ما جاء في دعاء النبي قط ... (٣٠١/١٣) وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل قل هو الله أحد (الحديث: ٢٦٣). ٢٦٧ ٤٨ - باب: في التحذير من إيذاء الصالحين قَالَ اللَّهُ تَعَالى (١): ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّ السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ 0 وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَكَثِيرَةٌ. مَنْهَا حَديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا ((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ))، وَمِنْهَا حَديثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ السَّابِقِ فِي بَابِ مُلَطَفَةِ الْيَتِيمِ، وَقَوْلُهُ وَّهِ: ((يَا أَبا بَكْرِ لَيْنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ)). ٣٨٩ - وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مأمور به. (قال تعالى: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا) بغير جناية استحقوا بها (فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً) ظاهراً، قيل: إنها نزلت في المنافقين يؤذون عليا رضي الله عنه، وقيل: في أهل الإفك، وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهنّ كارهات (وقال تعالى: فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر) تقدم الكلام عليها في باب ملاطفة اليتيم والمسكين (وأما الأحاديث) المرفوعة في ذلك (فكثيرة منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الباب الذي قبل هذا) وقوله: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) بيان الحديث، فيكون المراد من حديث بعضه أو بدل بعض من كل (ومنها حديث سعد بن أبي وقاص) بتشديد القاف وبالصاد المهملة آخره، واسمه مالك بن أهيب الزهري أحد العشرة (رضي الله عنه السابق في باب ملاطفة اليتيم. ومنها قوله ويلشير: يا أبا بكر لئن كنت أغضبتهم) أي: بلال وسلمان وصهيب (فقد أغضبت ربك) ولا يخفى ما في هذه الجملة المؤكدة بالقسم من مزيد الاهتمام بشأن أولئك، ومثلهم سائر المؤمنين لحرمة الإِيمان وشرفه. ٣٨٩ - (وعن جندب) بضم الجيم وفتح الدال المهملة وسكون النون بينهما آخره موحدة (ابن عبد الله) بن سفيان البجلي العلقي - بفتح المهملة وباللام وبالقاف - نسبة إلى علقة بن عبقر بن إنمار، سكن جندب (رضي الله عنه) الكوفة ثم تحول عنها إلى البصرة، وقد تقدمت ترجمته في باب تحريم الظلم، روي له عن رسول الله صل﴿ ثلاثة وأربعون حديثاً، اتفقا على سبعة منها وانفرد مسلم بخمسة منها، وروى عنه الحسن وأبو عمران الجونى، (١) سورة الأحزاب، الآية: ٥٨. (٢) سورة الضحى، الآيتان: ٩، ١٠. ٢٦٨ كتاب: دليل الفالحين قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَ يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، يُدْرِكْهُ ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارٍ جَهَنْمَ)) رَوَاهُ مُسْلِمْ(١). مات بعد الستين رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَالر: من صلى صلاة الصبح) أي جماعة كما في رواية أخرى لمسلم، قال العلقمي: فهي مقيدة لبقية الروايات المطلقة (فهو في ذمة الله) بكسر الذال المعجمة وتشديد الميم، قيل: ضمانه، وقيل: أمانه، وكأنها إنما خصت بذلك لأنها أول النهار الذي هو وقت انتشار الناس في حوائجهم المحتاجين فيه، وفي دوامه إلى أمن بعضهم من بعض لا لأفضليتها؛ لأن الأصح أن العصر هي الوسطى فهي أفضل منها (فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء) أي: لا تتعرضوا له بغير حق، فذلك سبب طلبه سبحانه ما وقع منكم من نقض عهده وخيانة أمانه، فهو من باب وضع المسبب موضع السبب (فإنه) تعليل للنهي (من يطلبه) أي: الله تعالى (من ذمته) أي: من أجل خيانته لأمانته، ويصح أن يكون من للتبعيض، وظاهر جريان هذين الوجهين في من المذكورة أولاً (بشيء يدركه) إذ لا مهرب ولا مفر منه تعالى (ثم) بعد إدراكه (يكبه) بضم الكاف، يقال: كبه فأكب، وهو من غرائب اللغة إذ المعروف أن الهمزة يتعدى بها اللازم وهنا صار بها المتعدي قاصراً، أي: يلقيه (على وجهه في نار جهنم) فيه غاية التحذير عن التعرض لمن صلى الصبح المسلتزم ذلك لصلاة بقية الخمس، وأن في التعرض له بسوء غاية الإهانة والعذاب (رواه مسلم) ورواه الترمذي إلا أنه قال: ((فلا يتبعنكم الله بشيء من ذمته)) وليس فيه قوله فإنه .. الخ، كذا يستفاد من الجامع الصغير، والعجب أنه لم يورد فيه حديث مسلم واقتصر على حديث الترمذي المذكور، وفي الجامع الكبير: ((من صلى الغداة فهو في ذمة الله فإياكم أن يطلبنكم الله بشيء من ذمته)) رواه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس مرفوعاً، وفيه: ((من صلى صلاة الصبح فله ذمة الله تعالى فلا تخفروا الله في ذمته فإنه من أخفر ذمته طلبه الله تعالى حتى يكبه على وجهه)) رواه أحمد عن ابن عمر مرفوعاً (٢) اهـ. والحديث هذا قد تقدم مع شرحه في باب تعظيم حرمات المسلمين (١) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة، (الحديث: ٢٦١) (٢) في نسخة ((موقوفاً)) بدل مرفوعاً. ع. ٢٦٩ ٤٩ - باب: في إجراء أحكام الناس على الظاهر ٤٩ - باب: في إجراء أحكام الناس على الظاهر، وسرائرهم إلى الله تعالى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): ﴿فَإِنْ تَأْبُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ٣٩٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ قَالَ: ((أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، باب إجراء أحكام الناس على ظواهرهم وسرائرهم بالرفع مبتدأ خبره مقدر تقديره: موكولة أو مفوضة (إلى الله تعالى. قال الله تعالى: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) فدعوهم لا تتعرضوا لهم بشيء من القتل والحصر، وإطلاق الآية شامل لمن كان كذلك حقيقة أو ظاهراً لا باطناً، قال السيوطي في الإكليل: لم يكتف في تخلية السبيل بالتوبة من الشرك حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، واستدل به الشافعي على قتل تارك الصلاة وقتال مانع الزكاة، واستدل به من قال بتكفيرهما. ٣٩٠ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله وسير قال: أمرت) بالبناء لغير الفاعل، حذف فاعله تفخيماً له وتعظيماً، والمفهوم منه أن الله تعالى هو الذي أمر كما يفهم من قول الصحابي: أمرنا، أن الأمر له هو النبي وسيلة، وإنما عدل إليه تعويلاً على شهادة العقل أنه تعالى هو الآمر لا يحتاج إلى تصريح باسمه ولا يذهب الوهم إلى غيره، إذ لا أحد يأمره سوى الله تعالى، أي: أمرني الله (أن أقاتل الناس) أي: بأن أقاتلهم؛ لأن الأمر يتعدى إلى ثاني مفعوليه بحرف الجر وحذفه كثير شائع، قالوا: والمراد بالناس هنا عبدة الأوثان لا أهل الكتاب لسقوط القتال عنهم بقبول الجزية، قال الدلجي في شرح الأربعين: ويحتمل أن يكون قبولها منهم كان بعد هذا الأمر المتناول لقتالهم أيضاً (حتى يشهدوا أن) أي: أنه (لا إله) أي: لا مستغنى بذاته عما سواه ومفتقر إليه كل ما عداه موجود (إلا الله و) يشهدوا (أن محمد رسول الله) وفي رواية: ((حتى يقولوا لا إله إلا الله)) اكتفاء بها عن أختها مع إرادتها كما في ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ (٢) أي: والبرد، أي: حتى يؤمنوا بأنه تعالى واحد لا شريك له وأن محمداً رسول الله (ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) بشروطهما وأركانهما على وفق الأمر (١) سورة التوبة، الآية: ٥. (٢) سورة النحل، الآية: ٨١. ٢٧٠ كتاب: دليل الفالحين فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلاَمِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). الإلهي، وعطفهما على ما قبلهما تنزيلاً لهما منزلته في كون فعلهما غاية للقتال وللأمر به إيذاناً بأنهما أعظم العبادات البدنية والمالية، ومن ثم قدمهما على مقرهما لدخولهما تحت نطاق حق الإِسلام بشهادة إحدى روايتي أبي هريرة؛ فإنه لم يذكرهما فيها لأنهما من حقه ولم يخصهما في روايته الأخرى بل قال: ((ويؤمنوا بما جئت به)) ولم يذكر الصوم والحج إما لكونهما لم يفرضا حينئذ وإما لكونهما لا قتال على تركهما، إذ تارك الصوم يحبس ويمنع المفطر والحج على التراخي، وحتى هنا جارة لأن ما قبلها غير ما بعدها وهو غاية للقتال ومتضمن لمعنى الشرط، فالكف عن قتالهم مشروط بذلك منتف بانتفائه كأنه قيل: إن شهدوا وصلوا وآتوا الزكاة كففت عنهم بشهادة الآية السابقة. (فإذا فعلوا ذلك) غلب فيه الفعل على القول، إذ الشهادة قول إلا أن يقال هي عمل اللسان فهو فعل، أي: فإن أتوا بذلك (عصموا) أي: منعوا وحقنوا (مني دماءهم) جمع دم وأصله دمو (وأموالهم إلا بحق الإِسلام) استثناء مفرغ من عام، والعصمة متضمنة لنفيه ليصح تفريغ الاستثناء إذ هو شرطه، أي: لا تهدر دماؤهم ولا تستباح أموالهم بسبب من الأسباب إلا بحقه كفعل الواجبات وترك المنهيات فإنها واجبة بحقه، وقد التزمها المسلمون بإسلامهم، فإن فعلوا واجتنبوا بنية صالحة فمؤمنون، أو تقية وخوفاً حقنوا ذلك وعصموه (وحسابهم على الله) أي: إليه (تعالى) ما يخفون وما يسترون من عقائدهم لا ما يظهرون بل يعاملون بما يقتضيه، وحاصله تفويض أمر بواطنهم إليه سبحانه؛ لأنه الذي يتولى خبايا أسرارهم وخفايا ضمائرهم من إيمان وكفر ونفاق، وأما الرسول الله وير فإنما أمر أن يحكم بظواهر أفعالهم وأقوالهم، ولفظ على وإن كانت مشعرة بالإِيجاب فهو على سبيل التشبيه البليغ، أي: هو كالواجب عليه تعالى بمقتضى إخباره بوقوعه حذراً من الخلف في أخباره تعالى شرعاً بمقتضى وعده فلا يخلف الميعاد، خلافاً لقول المعتزلة بوجوبه عليه عقلاً (متفق عليه) ورواه الأربعة عن أبي هريرة وهو متواتر، كذا في الجامع الصغير للسيوطي، وفي قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة للسيوطي : أخرج الشيخان عن ابن عمر وأبي هريرة ومسلم عن جابر بن عبد الله وابن أبي شيبة في المصنف عن أبي بكر الصديق وعمر وابن أويس وجرير البجلي والطبراني عن أنس (١) أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة﴾ (١ /٧٢،٧٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى ... (الحديث: ٣٦) ٤٩ - باب: في إجراء أحكام الناس على الظاهر ٢٧١ ٣٩١ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ طَارِقِ بْنِ أَشْيَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسابُهُ عَلَى اللَّهِ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ (١). ٣٩٢ - وَعَنْ أَبِي مَعْبَدٍ الْمِقْدادِ بنِ الْأُسْوَدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ وسمرة بن جندب وسهل بن سعد وابن عباس وأبي بكر وأبي مالك الأشجعي والبزار عن عياض الأنصاري والنعمان بن بشيراهـ. ٣٩١ - (وعن أبي عبد الله طارق) بالمهملة والراء والقاف (ابن أشيم) بالشين المعجمة والتحتية بوزن، أحمد ابن مسعود الأشجعي الكوفي والد سعد بن طارق وأبي مالك (رضي الله عنه) روى عن النبي وسيلة فيما قاله البرقي أربعة أحاديث، روى عنه مسلم حديثاً واحداً، قال العامري في الرياض المستطابة: يقال لم يرو عن النبي ◌ُ ◌ّل غيره، وروى عنه الأربعة خلا أبي داود، لكن قال المصنف في التهذيب: روى عنه مسلم في صحيحه حديثين، ثم رأيت الحافظ المزي ذكر في أطرافه كما قال المصنف فخرج من أحاديث مسلم عنه حديث الباب وقال: أخرجه مسلم في الإِيمان، وحديث: ((كان النبي ◌َّ يعلم من أسلم يقول قل اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني)) وقال: أخرجه مسلم وابن ماجه في الدعوات (قال سمعت رسول الله والر يقول: من قال لا إله إلا الله) أي: مع قرينتها وهي محمد رسول الله، ففيه اكتفاء تقدمت الإِشارة إليه في شرح الحديث قبله (وكفر بما يعبد من دون الله) أي معبود كان (حرم ماله وروحه) بضم راء الفعل ورفع الاسمين بعده، وقوله: (وحسابه على الله) جملة مستأنفة مسوقة لبيان تعلق أحكام الشريعة بالظاهر دون ما يخفيه ويسره ذو العقيدة الفاسدة أو يخفيه ذو الأعمال القبيحة، فيفوض أمر ذلك إلى المولى سبحانه (رواه مسلم) منفرداً به عن باقي الكتب الستة ٣٩٢ - (وعن أبي معبد) بفتح الميم والموحدة وسكون العين المهملة بينهما آخره دال مهملة، وقيل: كنيته أبو الأسود، وقيل: أبو عمرو حكاها المصنف في تهذيبه (المقداد بن الأسود رضي الله عنه) هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثمامة بن مطرود بن عمرو بن سعد بن دهير - بفتح الدال المهملة وكسر الهاء - ابن لؤي بن ثعلبة بن مالك بن الشريد - بفتح الشين المعجمة - ابن هون، وقيل: ابن أبي هون بن فاس، ويقال: بن قاس، ويقال: قائس بن درنم بن القين بن أهرد بن بهزبن عمروبن الحاف بن (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى ... (الحديث: ٣٧). ٢٧٢ كتاب: دليل الفالحين لِرَسُولِ اللَّهِ وَ له: أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلاً مِنَ الْكُفَّارِ فَاقْتَلْنَا، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ أَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قضاعة البهراني الكندي الصحابي، فهو المقداد بن عمرو حقيقة، وإنما قال المصنف كغيره المقداد بن الأسود لأنه كان في حجر الأسود بن عبد يغوث الزهري فتبناه إليه، ويقال: المقداد الكندي، لأنه أصاب دماء في بهز فهرب منهم إلى كندة فحالفهم ثم أصاب فيهم دماً ثم هرب إلى مكة فحالف الأسود بن عبد يغوث، فهو نهراني، ويقال: كندي، ويقال: زهري، قديم في الإِسلام والصحبة من السابقين إلى الإِسلام، قال ابن مسعود: أول من أظهر الإِسلام بمكة سبعة منهم المقداد، وهاجر إلى الحبشة ثم عاد لمكة ثم هاجر إلى المدينة، وشهد مع رسول الله له سائر المشاهد ولم يثبت أنه شهد بدرا فارس مع رسول الله 18 غيره، وكذا الزبير في قول، روي له عن رسول اللّه وَ ل و اثنان وأربعون حديثاً، اتفقا على واحد منها وانفرد مسلم بثلاثة منها، روى عنه من الصحابة علي وابن مسعود وابن عباس وآخرون وجمع كثير من التابعين، توفي بالجرف على عشرة أميال من المدينة وحمل على رقاب الرجال إلى المدينة، وقيل: توفي بها في خلافة عثمان سنة ثلاث وأربعين وهو ابن سبعين سنة وصلى عليه عثمان وأوصى إلى الزبير، وشهد فتح مصر، ومناقبه كثيرة، منها قوله وَّة: ((أمرني الله أن أحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم، قيل: يا رسول الله سمهم لنا، قال: على منهم، يقول ذلك ثلاثا، وأبو ذر والمقداد وسلمان)) قال الترمذي: حديث حسن (قال: قلت لرسول الله والر أرأيت) بفتح التاء، أي: أخبرني (إن لقيت) بتاء المتكلم (رجلاً من الكفار فاقتتلنا فضرب إحدى يدي) بتشديد الياء ويدي مثنى الياء الأولى علامة الجر والثانية مضاف إليه (بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة) لاذ بالذال المعجمة، قال المصنف: أي اعتصم، وقال القرطبي: أي استتر، يقال: لاذ يلوذ لواذاً إذا استتر والملاذ ما يستتر به، وفي المصباح: لاذ يلوذ ومصدره اللواذ بكسر اللام، وقيل: بتثليثها، أي التجأ، وبين ما تجوز عنه بقوله: (فقال أسلمت لله) أي: دخلت في دين الإِسلام وتدينت به، وفيه دليل على أن كل من صدر عنه ما يدل على الدخول في دين الإِسلام من قول أو فعل حكم به لذلك الإِسلام، وأنه ليس مقصوراً على النطق بكلمتي الشهادة، وقد حكم وسيلة بإسلام بني خزيمة الذين قتلهم خالد بن الوليد بما يقولون صبأنا صبأنا ولم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فلما بلغ ذلك النبي ◌َّ قال: ((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ثلاث مرات رافعاً يديه إلى السماء ثم وداهم)) ويحتمل أن يكون قوله هنا ((فقال أسلمت لله)) على أنه رواية بالمعنى، وأنه عبر به بعض الرواة عن قوله فقال: لا إله إلا الله كما جاء مفسراً كذلك في رواية أخرى اهـ. ملخصاً قاله القرطبي (أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها) أي: وأحمل ذلك منه على ٢٧٣ ٤٩ - باب: في إجراء أحكام الناس على الظاهر قَالَهَا؟ فَقَالَ: ((لَا تَقْتُلْهُ))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيَّ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَمَا قَطَّعَهَا؟ فَقَالَ: ((لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَِّي قَالَ)) مُتَّفَقُ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى ((إِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ)): أَيْ مَعْصُومُ الدَّمِ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ، وَمَعْنَى ((إِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ)): أَيْ مُبَاحُ الدَّمِ بِالْقِصَاصِ لِوَرَثَتِهِ، لَا أَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ فِي الْكُفْرِ، واللَّه أَعْلَمُ (١) الخشية لا على الحقيقة (فقال: لا تقتله) لجريان الأحكام الشرعية على مقتضى الظاهر (فقلت: يا رسول الله قطع إحدى يدي ثم قال ذلك) متعوذاً به من القتل (بعد ما قطعها فقال: لا تقتله) ثم قال مبيناً حكمه أن قتل القائل الكلمة المذكورة (فإن قتلته) أي: بعد نطقه بذلك (فإنه) بعد الإِتيان بكلمة الشهادة (بمنزلتك) من عصمة الدم والحكم بإسلامه (قبل أن تقتله وإنك بمنزلته) في إهدار الدم (قبل أن يقول كلمته التي قال) بحذف العائذ، أي: قالها، أي: فتصير غير معصوم الدم ولا يحرم القتل بعد قتلك له، قال ابن القصار: يعني لولا عذرك بالتأويل المسقط للقصاص عنك وما فسرت به الحديث تبعاً للمصنف كما يأتي هو ما قاله الإمام الشافعي وابن القصار المالكي وغيرهما، وقال المصنف: إنه أحسن ما قيل فيه وأظهره، وقيل: إنه بمنزلته في إخفاء الإِيمان، أي: إنه ممن كان يخفي إيمانه بين الكفار وأخرج مكرهاً كما كنت أنت بمكة إذ كنت تخفي إيمانك، قال القرطبي: ويعضد هذا التأويل بما زاده البخاري في هذا الحديث من أنه عليه السلام قال للمقداد: إذا كان مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه تقتله، كذلك كنت تخفي إيمانك بمكة اهـ. قال القاضي: وقيل معناه إنك مثله في مخالفة الحق وارتكاب الإِثم وإن اختلفت أنواع المخالفة والإِثم، فيسمى إثمه كفراً وإثمك معصية وفسقاً، قال القرطبي: قوله ((وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)) ظاهر في الكفر وليس ذلك بصحيح؛ لأنه إنما قتله متأولاً بقاءه على كفره ولا يكون كبيرة، وإذا لم يكن كبيرة لم يصح لأحد وإن كان ممن يكفر بالكبائر أن يقول هذا كفر بوجه، فدل ذلك على أنه متأول. (متفق عليه) أخرجه البخاري في المغازي، ومسلم في الإِيمان، ورواه أبو داود في الجهاد، والنسائي في السير (ومعنى أنه بمنزلتك أي: معصوم الدم محكوم بإسلامه ومعنى أنك بمنزلته أي مباح الدم بالقصاص لورثته لا أنه بمنزلته في الكفر) والله أعلم. أي: لما تقدم عن القرطبي من تأويله وعدم قصده المعصية. (١) أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: شهود الملائكة بدراً وفي فاتحة كتاب الديات (١٦٦/١٢، ١٦٧). وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: تحريم قتل الكافر بعد أن ... (الحديث: ١٥٥). ٢٧٤ كتاب: دليل الفالحين ٣٩٣ - وَعَن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَعَثْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهَ إِلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ عَلَى مِيَاهِهِمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ رَجُلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، فَكَفَّ عَنْهُ الْأَنْصَارِيُّ، وَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌َ فَقَالَ لي: ((يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهُ إِلَّ اللَّهُ؟)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذَاً، فَقَالَ: ((أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَّهَ ٣٩٣ - (وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما) سبقت ترجمته أوائل الكتاب (قال: بعثنا رسول الله وَليه إلى الحرقة) بضم المهملة وتخفيف الراء وبالقاف، موضع معروف (من) بلد (جهينة) كذا قال ابن رسلان، ولا ينافي ما يأتي للمصنف أنه اسم للقبيلة، فلعلها سميت باسم مكانها - بضم الجيم وفتح الهاء وسكون التحتية بعدها نون - قبيلة من قضاعة نزلوا الكوفة والبصرة، كذا في لب اللباب للأصفهاني (فصبحنا القوم) أي: أتيناهم صباحاً، قال في الصحاح: ويقال صبحته إذا أتيته صباحاً، ولا يراد بالتشديد هنا التكثير اهـ. (على مياههم) بكسر الميم وتخفيف التحتية، جمع ماء (ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم) الواو عاطفة على محذوف يدل عليه رواية أبي داود عن أسامة قال: ((فنذروا بنا فهربوا فأدركنا رجلاً منهم)) (فلما غشيناه) بكسر الشين المعجمة، أي: قربنا منه (قال: لا إله إلا الله فكف) بتشديد التاء، أي: أمسك (عنه الأنصاري) لإِتيانه بكلمة التوحيد (وطعنته برمحي حتى قتلته) عند أبي داود ((وضربناه حتى قتلناه)) قال شارحه ابن رسلان: رواه مسلم ((فطعنته)) فيجمع بينهما بأن طعنه ثم طعنه غيره حتى قتلوه، وفيه دليل على أنه لا يقتصر في القتال على ضربة واحدة ثم ينتقل إلى غيره، بل يكرر الضرب هو وغيره على العدو حتى يقتلوه (فلما قدمنا) بكسر الدال، أي: (المدينة بلغ ذلك رسول الله وخطية) في الرواية الآتية لمسلم: ((فجاء البشير إلى النبي ◌َّ فأخبره خبر الرجل فدعاه)) يعني أسامة صرح في رواية أبي داود بأنه الذي ذكر ذلك للنبي به، قال المصنف: يحتمل الجمع بأن أسامة وقع في نفسه من ذلك شيء بعد قتله ونوى أن يسأل عنه فجاء البشير فأخبر به قبل مقدم أسامة، وبلغ النبي أيضاً بعد قدومهم فسأل أسامة فذكره، وليس في قوله فذكرته ما يدل على أنه قاله ابتداء قبل تقدم علم النبي ◌َّيرا هـ. (فقال لي) منكراً ما فعلته وموبخاً عليه (يا أسامة أقتلته بعد ما قال) أي: بعد قوله (لا إله إلا الله) أي: وهي العاصمة لدم قائلها (قلت: يا رسول الله إنما كان متعوذاً) منصوب على الحالية، أي: وإنما عاذ وأراد حقن دمه بالتلفظ بها لا الإِسلام حقيقة، ولعل أسامة قام عنده ما علم به ذلك حتى أقدم على قتله فكان متأولاً باستصحاب كفره وعدم النفع بما أتاه؛ لأنه لم يكن عن حقيقة ولم يتمكن من السؤال عن حكم ذلك فوقع في ذلك وهو ٢٧٥ ٤٩ - باب: في إجراء أحكام الناس على الظاهر إِلَّ اللَّهُ؟)) فَمَا فَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتٌ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفاً مِنَ السِّلَاحِ، قَالَ: ((أَفَلَا شَقَّقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟!)) فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ. ((الْحُرَقَةُ)) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةَ وَفَتْحِ الرَّاءِ: بَطْنُ مِنْ جُهَيْنَةَ الْقَبِيلَةِ الْمَعْرُوفَةِ. غير آثم باعتبار أن ذلك هو الحكم بالنسبة إليه، ولكن لما وردت الشريعة بإجراء الأحكام على الظواهر لم يكن ذلك التأويل مؤثراً في جواز قتله في نفس الأمر له فقرر النبي ◌َّ المنع من ذلك بأبلغ وجه، وأكده ليزيل ما في نفسه من تلك الشيهة وليبين وجوب الانكفاف عمن كان كذلك، فكان تأويله مانعاً من القود لأنه قتله بظن كفره كما يدل عليه قوله: ((إنما قالها خوفاً من السيف)) بخلاف الكفارة، وسكوته وَله من باب تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وفي وجوب الدية قولان للعلماء (فما زال يكررها) أي: هذه الجملة (عليّ) منكراً وموبخاً (حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك) معناه لم يكن تقدم إسلامي بل ابتدأته الآن ليمحوا عني ما تقدم، وقال هذا الكلام من عظم ما وقع فيه، قاله المصنف، قال ابن رسلان: وكأنه استصغر ما كان منه قبل من الإِسلام والعمل الصالح في جنب ما ارتكبه من هذه الجناية لما حصل في نفسه من شدة إنكار النبي ◌ّ﴾ وتعظيمه لذلك، وفي حاشية الكشاف: تمنى إسلاماً خالياً عن الإِثم لا عدم الإِسلام، فلا إشكال اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري في المغازي وفي الديات، ومسلم في الإِيمان، ورواه أبو داود في الجهاد، والبزار، كذا من الأطراف للمزي ملخصاً. (وفي رواية) هي عند مسلم (فقال رسول الله وسير: أقال لا إله إلا الله وقتلته) مدخول همزة الإِنكار قولُه وقتلته، أي: أقتلته مع قوله ذلك (قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفاً من السلاح) أي: لا إيماناً حقيقياً (قال: أفلا شققت) أي: اعتقدت ذلك وجزمت به فلا شققت (عن قلبه) لتعلم أنه كذلك، أو لا تعي أن الإِيمان الحقيقي خفي محله القلب لا يطلع عليه إلا الرب والأحكام إنما تناط بالظواهر، فإذا كنت غير مكلف بها فهلا شققت عن قلبه واطلعت على ما فيهٍ من صدق أو نفاق (حتى تعلم أقالها) أي : قلبه وتكلم بها في نفسه، وفاعل قال ضمير يعود على القلب (أم لا) وفيه دليل لأهل الحق على ثبوت الكلام النفسي خلافاً للمعتزلة، وفيه دليل على جريان الاحكام على الأسباب الظاهرة دون الباطنة الخفية (فما زال يكررها حتى تمنيت أني ما أسلمت يومئذ) وهذه الجملة رواها أبو داود أيضاً (الحرقة بضم الحاء المهملة وفتح الراء) الخفيفة وبالقاف كذلك (بطن من جهينة القبيلة المعروفة) قال ابن عبد البر في كتاب الانباء في أصول الأنساب: في بطون قضاعة ما لفظه: ٢٧٦ كتاب: دليل الفالحين وَقَوْلِهِ «مُتَعَوَّذً)): أَيْ مُعْتَصِماً بِهَا مِنَ الْقَبْلِ لَ مُعْتَقِداً لَهَا (١) ٣٩٤ - وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ بَعَثَ بَعْئاً مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَنَّهُمُ الْتَّقَوا فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ، وَأَنَّ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ ((وجهينة ابن زيد بن أسود بن أسلم بن عمر بن الحاف بن قضاعة رهط عقبة بن عامر الجهني، والحرقة في جهينة هم بنو حميس بن عامر بن مودعة بن جهينة ا هـ)) (فائدة) للنسب مراتب، القبيلة فالشعب فالفخذ فالفصيلة فالبطن فالعشيرة (وقوله متعوذاً) بصيغة الفاعل (أي: معتصماً بها من القتل لا معتقداً لها) فتوهم أسامة أن الرافع للقتل المانع منه الإِيمان الحقيقي ولم يتحققه فيه، والحال أن المانع منه الإِسلام ولو ظاهراً. ٣٩٤ - (وعن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أن رسول الله ويل ر بعث بعثاً) بفتح الموحدة وسكون المهملة وبالمثلثة، أي: جيشاً، تسمية بالمصدر والجمع بعوث وبعاث، كذا في المصباح، وفي المواهب: البعث طائفة من الجيش تبعث لأمر (من المسلمين) في محل الصفة (إلى قوم من المشركين) هم الحرقة كما في الحديث السابق، ويحتمل أن يكونوا أهل الميفعة، وهي بكسر الميم وسكون التحتية وفتح الفاء بعدها عين مهملة، قال في القاموس: بلدان بساحل اليمن، وكان الأمير على السرية إليهم عبد الله بن غالب الليثي، ذكر القسطلاني في المواهب لما ذكرها ما لفظه: ((قالوا وفي هذه السرية قتل أسامة بن زيد نهيل بن مرداس بعد أن قال لا إله إلا الله فقال له* ألا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب)) وفي الإكليل أنه فعل ذلك في سرية كان أميراً عليها سنة ثمان وهي الحرقة اهـ. واستفيد منه تسمية المقتول في تاريخ عام خروجه للحرقة (وأنهم) أي: البعض (التقوا) لما تقدم من شراد الكفار لما أنذروا بالمسلمين (وكان رجل من المشركين إذا شاء) أي: أراد (أن يقصد) بكسر الصاد المهملة (إلى رجل من المسلمين قصد له) عداه أولاً بإلى، وثانياً باللام، وذلك من وجوه استعمالاته، وثالثها تعديه بنفسه كما فيما بعده، قال في المصباح: قصدت الشيء وله وإليه قصداً من باب صرف طلبته بعينه اهـ. أي: أنه لمعرفته بالحرب كان إذا طلب إنساناً بعينه قصده ولا نهاية لجرأته (فقتله وأن رجلاً من المسلمين قصد غفلته) (١) أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: بعث النبي 18 أسامة، وفي الديات باب: قول الله تعالى: ﴿ومن أحياها﴾ (١٧١/١٢ و١٧٢). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: تحريم قتل الكافر ... (الحديث: ١٥٨ - ١٥٩) ٤٩ - باب: في إجراء أحكام الناس على الظاهر ٢٧٧ غَفْلَتَهُ وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ فَقْتَلَهُ، فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مَّ فَسَأَلَهُ وَأَخْبَرَهُ حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ كَيْفَ صَنَعَ؟ فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: ((لِمَ قَتَلْتَهُ؟)) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ وَقَتَلَ فُلاَنَاً وَفُلَانَاً وَسَمِّى لَهُ نَفَرَأَ، وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَّهَ إِلَّ اللَّهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((أَقَتَلْتَهُ؟!)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَّهَ إِلَّ اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيامَةِ؟))؛ قالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لي، قَالَ: ((وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَّ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟)) فَجَعَلَ لا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ: ((كَيْفَ أي: طلبها (وكنا نتحدث أنه أسامة بن زيد) بن حارثة الحب بن الحب (فلما رفع عليه السيف قال) أي: قبل وصوله إليه (لا آله إلا الله) أي: مع قرينتها وهي محمد رسول الله؛ لأنه لا يتم الإِيمان إلا بهما، فاقتصر على كلمة التوحيد اكتفاء بدلالتها عليها (فقتله فجاء البشير) أي: المبشر (إلى رسول الله وَلقر فسأله) أي: عما وقع في الجيش من الأمور ليبين حكم ما فعل منها مما لم يتقدم فيه منه بيان (وأخبره) متدرجاً من أمر إلى آخر (حتى أخبره خبر الرجل) أي: أسامة (كيف صنع) تقدم الجمع بينه وبين ما في الرواية الثانية من كونه أخبر بذلك النبي ◌ّ (فدعاه فسأله فقال: لم قتله) أي: ما الباعث لك (فقال يا رسول الله: أوجع) أي: أوقع الوجع والنكاية (في المسلمين) وحذف الوجع به تفهيماً، ولتذهب النفس فيه كل ممكن، وبين بعضه بقوله: (وقتل فلاناً وفلاناً وسمى له نفرأ) بفتح النون والفاء، وتقدم أنه ما بين الثلاثة إلى التسعة من الرجال، وقيل: إلى السبعة، ولا يقال فيما زاد على العشرة نفر (وإني حملت) بفتح أوليه، أي: جهدت (عليه) قال في الصحاح: حمل عليه في الحرب حملة، قال أبو زيد: يقال حملت على بني فلان إذا أرشت بينهم وحمل على نفسه في السير إذا أجهدها فيه اهـ. (فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله قال رسول الله له أقتلته) أي: مع قوله لها (قال: نعم قال: فكيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة) أي: من يشفع لك ومن يحاج عنك ويجادل إذا جيء بكلمة التوحيد وقيل له كيف قتلت من قالها وقد حصل له ذمة الإِسلام وحرمته (فقال: يا رسول الله استغفر لي) أي: هذا الذي وقعت فيه (قال) محذراً من الوقوع في مثله وموبخاً منه المرة بعد المرة تأكيداً ودفعاً لما يقوم عنده شبهة استصحاب كفره المجوز لقتله بحمل لفظه بالشهادتين على الخوف لا على الحقيقة (فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة فجعل) أي: رسول الله وهو (لا يزيد على أن يقول ٢٧٨ كتاب: دليل الفالحين تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ!)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١) ٣٩٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: إِنَّ نَاسَاً كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْراً أَمِّنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ وَلَيْسَ لَنَا مِنْ سَرِيَرَتِهِ شَيْءٌ، اللَّهُ يُحاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءاً لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ. كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة) ولا يلتفت لقول أسامة استغفر لي؛ وذلك لاهتمامه بالأمر واعتنائه به (رواه مسلم) في كتاب الإِيمان من صحيحه (فائدة) رأيت بخط محدث اليمن نفيس الدين العلوي ما لفظه، ذكر أبو الشيخ في عواليه أن الله سبحانه وتعالى أنزل توبة أسامة اهـ. ٣٩٥ - (وعن عبد الله بن عتبة) بضم العين المهملة وسكون الفوقية بعدها موحدة ثم هاء (ابن مسعود) الهذلي فهو ابن أخي عبد الله بن مسعود من أبناء المهاجرين له رواية: سمع عمه وعمر وعنه ابناه الفقيه عبيد الله والزاهد عون وابن سيرين، قال ابن سيرين: قال ابن سعد ثقة رفيع كثير الفتيا والحديث، توفي بالكوفة سنة أربع وسبعين، كذا في الكاشف (قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: أن ناساً) أصله أناس على الصحيح فحذف فاؤه تخفيفاً (کانوا یؤخذون بالوحي في عهد رسول الله چ) أي: عصره وزمنه (وإن الوحي قد انقطع) بموت النبي ◌َّ (وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيراً) إيماناً وعدالة (أمناه) بهمزة بغير مد وميم مكسورة ونون مشددة من الأمن، أي: صيرناه عندنا أميناً، وفي رواية: ((ومن يظهر منكم خيراً ظننا به خيراً وأحببناه)) (وقربناه وليس لنا) أي: لا تعلق لنا (من سريرته) أي: ما أسره وأخفاه (شيء) اسم ليس وأحد الظرفين السابقين خبرها وثانيهما حال من اسمها لتقدمه عليه، وهو نكرة (الله يحاسبه) جملة مستأنفة، وهو هكذا فيما وقفت عليه بإثبات ضمير المفعول، وفي الفتح للحافظ بحذفه وقال: كذا لأبي ذر عن الحموي بحذفه، وللباقين: ((الله محاسبه)) بميم أوله وهاء آخره، وهو يقتضي أن إثبات الضمير مع الفعل ليس عند البخاري، لكن رأيته كذلك في أصل مصحح معتبر، فلعله رواية لم يطلع عليها الحافظ (ومن أظهر لنا سوءاً) في رواية الكشميهني ((شرا)) (لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة) وفي رواية لأبي فراس: ((ومن يظهر لنا شراً ظننا (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: تحريم قتل الكافر ... (الحديث: ١٦٠). ٤٩ - باب: في إجراء أحكام الناس على الظاهر ٢٧٩ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١) به شراً وأبغضناه عليه، سرائركم فيما بينكم وبين ربكم))، قال المهلب: هذا إخبار من عمر عما كان الناس عليه في عهد رسول الله وَّه وعما صار بعده، ويؤخذ منه أن العدل من لم توجد منه ريبة، وهو قول أحمد وإسحاق كذا قال، وإنما هو في حق المعروفين لا من لا يعرف حاله أصلًا (رواه البخاري) في أوائل الشهادات من صحيحه، قال الحافظ في النكت الظراف: أغفل هذا الحديث المزي وهو في جميع روايات البخاري اهـ. بعونه تعالى تم الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع وأوله باب: الخوف (١) رواه البخاري في كتاب: الشهوات، باب: الشهداء العدول (١٨٥/٥).