Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ ٤٠ - باب: في بر الوالدين وصلة الأرحام 00.X9 ٣٢٦ - وَعَنْ أَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي ٣٢٦ - (وعن أسماء) بالمهملة والألف الممدودة (بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما) اسم أمها(١) قيلة، بفتح القاف وسكون التحتية، قاله ابن ماكولا وغيره، قالوا: ويقال أيضاً: قتیلة بالقاف ثم فوقية ثم تحتية مصغراً، قال في فتح الباري: وقول الداوودي : اسمها أم بكر قال ابن التين: لعله أراد كنيتها بنت عبد العزى، ضبطه في تاريخ دمشق بخط الحافظ أبي محمد، وعلم عليه صورة راء، وفي مواضع بالزاي، كما هنا ابن سعد بن نضر بن مالك بن حسل بكسر المهملة الأولى، وسكون الثانية بن عامر بن لؤي بن غالب، وكانت أسماء أسن من عائشة وهي أختها لأبيها، وكان عبد الله بن أبي بكر شقيقها، سماها رسول الله وَ لفي ذات النطاقين؛ لأنها صنعت للنبي ولية ولأبيها سفرة لما هاجرا، فلم تجد ما تشدها به فشقت نطاقها وشدت به السفرة، فسماها النبي صل﴿ ذات النطاقين، هاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزبير، فولدته بعد الهجرة، فكان أول مولود من المهاجرين ولد في الإِسلام بعد الهجرة، قال عروة: بلغت أسماء مائة سنة لم يسقط لها سن ولم ينكر من عقلها شيء، روي لها عن رسول الله وَ ر فيما قيل ستة وخمسون حديثاً، ((قلت)): وذكر ابن الجوزي في مختصر التلقيح أن لها ثمانية وخمسين حديثاً، قال: ولها في الصحيحين اثنان وعشرون حديثاً، اتفقا على ثلاثة عشر منها وانفرد البخاري بخمسة ومسلم بأربعة اهـ. روى عنها عبد الله بن عباس، وابناها عبد الله وعروة وعبد الله بن أبي مليكة وغيرهم، توفيت بمكة في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابنها عبد الله بيسير، ولم تبق بعد إنزاله من الخشبة إلا ليالي يسيرة، قيل: ثلاث، وقيل: عشر، وقيل: عشرون، وقيل: بضع وعشرون، وفي تاريخ دمشق عن ابن أبي الزناد، كانت أسماء أكبر من عائشة بعشر سنين، وعن الحافظ أبي نعيم قال: ولدت أسماء قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة وكان لأبيها أبي بكر حين ولدت له إحدى وعشرون سنة، وفي تاريخ دمشق أنها شهدت غزوة اليرموك مع زوجها الزبير، وفيه عن خليفة بن خياط أنها ولدت للزبير عبد الله وعروة وعاصماً والمنذر والمهاجر وخديجة وأم حسن وعائشة، وفي طبقات ابن سعد بإسناد الصحيحين عن فاطمة بنت المنذر أن أسماء كانت تمرض المرضة فتعتق كل مملوك لها، وفيها عن الواقدي: كان ابن المسيب من أعبر الناس للرؤيا، أخذه عن أسماء وأخذته عن أبيها، وفي تاريخ دمشق عن مصعب ابن (١) قال الكرماني في كتاب الهبة وأم أسماء هي قيلة بفتح القاف وسكون التحتانية وقال بعضهم قتيلة مصغر القتلة بالقاف والفوقانية اهـ. ش. ١٦٢ كتاب: دليل الفالحين وهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ بِّهِ فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ، قُلْتُ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُ أُمِي؟ قَالَ: ((نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ)) مُتَّفَقُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهَا: ((رَاغِبَةٌ)) الزبير قال: ((فرض عمر رضي الله عنه الأعطية ففرض الأسماء ألف درهم)) وفي رواية: ((ففرض للمهاجرين ألفاً ألفاً منهن أم عبد وأسماء)) اهـ. من التهذيب للمصنف ملخصاً. (قالت قدمت) بكسر الدال المهملة (على) أي: من مكة إلى المدينة (أمي) وتقدم ذكر اسمها ونسبها في ترجمة بنتها أسماء آنفاً (وهي مشركة) قال المصنف في التهذيب: وذكر ابن الأثير اختلاف العلماء والروايات في إسلامها، وأكثر الروايات أنها لم تسلم، ومثله في شرح مسلم (في عهد رسول الله وَي1) أي: معاهدته مع المشركين وتأمينه لهم في الحديبية كما في الحديث الآتي في كلام الحافظ وغيره، وأرادت ما بين الحديبية والفتح، وقد جاء عن ابن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها فأرسلت إلى عائشة سلي رسول الله وَ لقر فقال لتدخلها ... )) الحديث (فاستفتيت رسول الله وَلا) هذا مجمل بينته بقولها: (قلت قدمت على أمي) زاد بعض رواة الحديث: ((مع أبيها)) وهو كذلك في البخاري في الجزية والأدب، قال الحافظ: واسم أبيها الحارث بن مدرك بن عبيد بن عمرو بن مخزوم، ولم أر له ذكراً في الصحابة، وكأنه مات مشركاً اهـ. وما ذكره في نسب أمها مخالف لما تقدم عن التهذيب للمصنف في ترجمة أسماء (وهي راغبة) جملة حالية، أي: راغبة عن الإِسلام وكارهة له، وقيل: معناه طامعة فيما أعطيها حريصة عليه، وفي رواية أبي ذر: ((قدمت على أمي راغبة في عهد قريش وهي راغمة مشركة)) فالأول بالباء، أي: طالبة صلتي، والثاني بالميم، أي: كارهة للإِسلام ساخطته، وفي فتح الباري نقل المستغفري أن بعضهم أوله فقال: وهي راغبة في الإِسلام فذكرها لذلك في الصحابة، ورده أبو موسى بأنه لم يقع في شيء من الروايات ما يدل على إسلامها (أفأصل أمي) أي: أتصدق عليها فأصلها مع كفرها، ولا يكون ذلك من موادة الكفار وموالاتهم (قال نعم) وهو كاف عن قوله: (صلي أمك) وأتى به تأكيداً واهتماماً، زاد البخاري في الأدب: فأنزل الله عز وجل فيها: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾(١) قال الحافظ في الفتح: روى ابن أبي حاتم عن السدي أنها نزلت في ناس من المشركين كانوا ألين جانباً للمسلمين وأحسن أخلاقاً، قال الحافظ: قلت ولا منافاة بينهما فإن السبب خاص واللفظ عام فيتناول كل من كان في معنى والدة أسماء اهـ. وفي الحديث جواز صلة القريب المشرك (متفق عليه) ورواه البخاري في الهبة والجزية والأدب، ومسلم في الزكاة، (١) سورة الممتحنة، الآية: ٨. ١٦٣ ٤٠ - باب: في بر الوالدين وصلة الأرحام أَي طَامِعَةٌ فِيمَا عِنْدِي تَسْأَلُنِي شَيْئاً. قِيلَ: كَانَتْ مِنَ الرَّضَاعَةِ. وَالصَّحِيحُ الأَوَّلُ (١). ٣٢٧ - وَعَنْ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْها، قَالَتْ: وأبو داوود فيها أيضاً، كذا لخص من الأطراف للمزي (وقولها) أي: أسماء واصفة لأمها (راغبة) بالغين المعجمة والموحدة (أي: طامعة فيما عندي تسألني شيئاً) من الإِحسان (قيل كانت أمها من النسب وقيل من الرضاعة والصحيح الأول) حكاية هذا الخلاف هنا مما فات شرح مسلم التنبيه عليه، قال الحافظ في الفتح: أخرج ابن سعد وأبو داود الطيالسي والحاكم من حديث عبد الله بن الزبير قال: ((قدمت قتيلة، بالقاف والمثناة مصغرة، بنت عبد العزى بن سعد بن نضر بن مالك بن حسل، بكسر الحاء وسكون السين المهملتين، على ابنتها أسماء بنت أبي بكر في الهدنة، وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية بهدايا زبيب وسمن وقرط، فأبت أسماء أن تقبل هديتها أو تدخلها بيتها، وأرسلت إلى عائشة سلي لي رسول الله ( فقال: لتدخلها ... )) الحديث، وعرف منه تسمية أم أسماء، وأنها أمها حقيقة، ومن قال: إنها أمها من الرضاعة فقد وهم، وأما قول الداودي: إن اسمها أم بكر فقد قال ابن التين: لعله كنيتها كما تقدم. ٣٢٧ - (وعن زينب الثقفية) بمثلثة وقاف مفتوحتين وفاء مكسورة، منسوبة إلى ثقيف بوزن رغيف (امرأة) بهمزة وصل، ويقال: مرأة بحذفها، ويقال: مرة بنقل حركة الهمزة إلى الراء، زوجة (عبد الله بن مسعود) الهذلي (رضي الله عنه وعنها) عدل عن قوله عنهما مع أنه أخصر لما يوهمه من عوده لابن مسعود وأبيه لكونهما أقرب مذكرر. وفي تقديمه عليها مع تأخر ذكره إشارة إلى شرف الذكورية ومجدها، قال المصنف في التهذيب: اختلف في اسم امرأة ابن مسعود، فقال جماعة: اسمها زينب، ولعله قول الأكثرين، وهي زينب بنت عبد الله بن معاوية الثقفي، وقيل: اسمها رايطة، وقيل: ريطة بنت عبد الله، هكذا ذكر هذه الأقوال جماعة من العلماء منهم الخطيب البغدادي في المبهمات، وجعل ابن سعد في الطبقات زينب ورايطة امرأتين لابن مسعود، ((قلت)): وبعض أهل اللغة ينكر وجود رايطة في كلام العرب، وذكر أبو عمر الزاهد في آخر شرح الفصيح عن ابن الأعرابي قال: يقال ريطة لا غير، ولم يحك عن العرب رايطة، وأفصح اللغات عائشة، وقد يقال عيشة، لغة فصيحة اهـ. ملخصاً، ((قلت)): قال الحافظ في الفتح: رينب الثقفية يقال لها: رايطة أيضاً، وقع (١) أخرجه البخاري في كتاب: الهبة، باب: الهدية للمشركين (١٧٠/٥، ١٧٢ و٣٤٦/١٠، ٣٤٧). (الحديث: ٥٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة . .. ٣١٫٠٠ ١٦٤ كتاب: دليل الفالحين قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَشَهِ: ((تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّساءِ وَلَوْ مِنْ حُلِيْكُنَّ))، قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفيفُ ذَاتِ اليَدِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَدْ أَمَرَنَا ذلك في صحيح ابن حبان، ويقال: هما ثنتان عند الأكثر، وممن جزم به ابن سعد، قال الكلاباذي: رايطة هي المعروفة بزينب، وبه جزم الطحاوي فقال: رايطة هي زينب لا نعلم لعبد الله امرأة في زمن رسول الله صلّ غيرها، روي لها عن رسول الله وَ ل ثمانية أحاديث، منها في الصحيحين حديثان، اتفقا على أحدهما وهو حديث الباب، وانفرد مسلم بحديث آخر، كذا في مختصر التلقيح (قالت: قال رسول الله وَله: تصدقن) أمر لجماعة النسوة كما قال: (يا معشر النساء) أي: جماعة النساء، ومقتضى قول المصباح: المعشر والقوم والرهط والنفر لجماعة الرجال دون النساء اهـ. استعمل في غير موضوعه؛ وكأنه لأنهن لما أمرن بالتصدق وإنما يبعث عليه الإِيقان الذي هو وصف كمل الرجال كما قال ◌َله: ((والصدقة برهان)» خوطبن بذلك، ثم رأيت في التحفة للشيخ زكريا: المعشر كل جماعة أمرهم واحد، وفيه رد على ثعلب حيث خصه بالرجال، إلا إن أراد بالتخصيص حالة الإِطلاق لا حالة تقييده (ولو من حليكن) قلت: يحتمل أن يكون مفرداً فيكون بفتح المهملة وبسكون اللام، وأن يكون جمعاً فيكون بضم المهملة وكسر اللام وتشديد الياء، وأصله على وزن فعول كفلس وفلوس فأعل كما في المصباح، وفي المشارق للقاضي عياض: ((تصدقن ولو من حليكن)) وهو ما تتحلى به المرأة وتتزين به، يقال: بفتح الحاء وسكون اللام وبضم الحاء وكسرها وكسر اللام، وقد قرىء بهما جميعاً اهـ. واختصره صاحب المطالع، ولم أقف على من ضبط الرواية فيه، وفي فتح الإِلّه، كأن وَجْه جعْله غَايةٌ أن النساء لا يسمحن بالتفريط فيه إلا لمهم انحصر الخلاص فيه، كأنه يقول: الصدقة أمر مهم جداً فكما تسمحن بإخراج حليكن في الأمر المهم عند فقد غيره فاسمحن بإخراجه فيها إذا لم تجدن غيره. (قالت: فرجعت) بتاء المتكلم، ويحتمل أن يكون بتاء التأنيث فيكون فيه التفات على طريق السكاكي (إلى عبد الله بن مسعود فقلت: إنك رجل خفيف ذات) زائدة للتأكيد (اليد) أي: قليل المال، ولم تقله تعبيراً له ولا استخفافاً بحقه، بل توطئة لقولها (وإن رسول الله صل﴿ قد أمر بالصدقة) أي : أمر ندب بدلیل الحلي فإنه لا زکاة فیه، نعم جاء أنه کان زکویاً ثم نسخت منه، فإن كان قبله فيحتمل كونه أمر إيجاب، وعلى كل فالامتثال مطلوب ولا يشكل على الوجه الثاني صرفه لأولادها؛ لأنه يجوز للمزكي صرف زكاته إلى أولاده الذين لا تلزمه نفقتهم وكذا أصوله كذلك. (فأته فاسأله) هل يجزىء عني التصدق عليك وعلى أولادي فأصرفها عليكم أو لا، وأفاد هذا قولها عاطفة بالفاء المفيدة لتفصيل المسؤول (فإن كان ذلك يجزىء) أي: يسقط ١٦٥ ٤٠ - باب: في بر الوالدين وصلة الأرحام بالصَّدَقَةِ فَأْتِهِ فَاسْأَلْهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُجْزِيءُ عَنِّي وَإِلَّ صَرَفْتُهَا إِلَى غَيْرِكُمْ، فَقَالَ عَبدُ اللهِ: بَلِ انْتِيهِ أَنْتِ، فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَّ حَاجَتِي حَاجَتُها، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلالُ فَقُلْنا لَهُ: أْتِ رَسُولَ اللَّهِ وَ فَأَخْبِرْهُ بِأَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالبَابِ تَسْأَلانِكَ: أَتُجْزِىءُ الفرض (عني) إن قلنا إنها زكاة، أو يجزىء في الوقاية من النار لحصول الصدقة المأمور بها إن قلنا إنها تطوع، أشار إليه الحافظ في الفتح، وجواب الشرط محذوف لدلالة المقام عليه، أي: دفعتها لكم (وإلا صرفتها إلى غيركم) قالت: (فقال عبد الله: بل ائتيه أنت) لعل ذلك منه استحياء أو بياناً أنها الأولى بالسؤال؛ لأنه أمر يتعلق بها (فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار) قال الحافظ في الفتح: أخرج النسائي عن ابن مسعود قال: انطلقت امرأة عبد الله يعني ابن مسعود وزينب امرأة أبي مسعود يعني عقبة بن عمرو الأنصارية، ((قلت)): لم يذكر ابن سعد لأبي مسعود امرأة أنصارية سوى هذيلة بنت ثابت بن ثعلبة الأنصارية، فلعل لها اسمين أو وهم من سماها زينب انتقالاً من اسم امرأة عبد الله إلى اسمها اهـ. وإذا للمفاجأة، والمفاجأة حضور الشيء معك في وصف من أوصافه الفعلية، كخرجت فإذا الأسد بالباب، معناه حضور الأسد معك في زمان أو مكان وصفك بالخروج، وتقدير المكان أولي؛ لأنه الذي يخصك، فهو ألصق بك من الزمان، وكلما كان ألصق كانت المفاجأة فيه أقوى، قال ابن مالك: هي حرف، وقال المبرد وغيره: هي ظرف مكان، وقال الزمخشري كالزجاج: ظرف زمان، وناصبها فاجأه ورد أن ناصبها الخبر المذكور أو المقدر، ولم تذكر في القرآن إلا وخبر المبتدأ بعدها مذكوراً (باب رسول الله (وَ لا) أي: واقفة به (حاجتها حاجتي) من التعبير البليغ (وكان رسول الله وَ لل قد ألقيت عليه المهابة) بفتح الميم، مصدر ميمي، أي: الهيبة وهي الإِجلال، وكان فيه للاستمرار، أي: إنه مهاب(١) موقر مع ما كان عليه من عظيم حسن الخلق وبديع التواضع، حتى كان أصحابه في مجلسه يعتريهم من ذلك ما يصيرون به خاضعين خافضين رؤوسهم كأن على رؤوسهم الطير. (فخرج علينا بلال فقلنا له: اثت رسول الله ( 1) لا ينافي ذلك أنه وسلو لم يكن له حاجب ولا بواب؛ لأن بلالاً لم يكن موقفاً لذلك وإنما صادف وقوفهما وجوده عند النبي وم طر فأخرجه إليهما ليسألهما عن حاجتهما (فأخبره بأن) الباء زائدة في المفعول الثاني للتأكيد (امرأتين) واقفتان (بالباب يسألانك أيجزىء) بضم الياء، والهمزة من الإِجزاء بمعنى الإسقاط، وبفتح الياء وترك الهمزة آخره (١) كذا، والصواب مهيب. ع. ١٦٦ كتاب: دليل الفالحين الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حُجُورِ هِمَا وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ. فَدَخَلَ بِلالٌ عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَهِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((مَنْ هُمَا؟)) قَالَ امْرَأَةٌ مِنْ الأَنْصَارِ وَزَيْنَبُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَيُّ الزَّيَانِبِ؟)) قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((لَهُمَا أَجْرانٍ: أَجْرُ الْقَرابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٣٢٨ - وَعَنْ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ الطّويلِ فِي بمعنى يكفي (الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما) أي: ولايتهما وتربيتهما (ولا تخبره) أي: إذا لم يسألك عنا (من نحن) أي: فإننا نستحبي من ذلك (قالت: فدخل بلال على رسول الله وَله: فسأله فقال له رسول الله والر أي الزيانب قال امرأة عبد الله) كذا فيما وقفت عليه من نسخ الرياض وفيه حذف، ولفظ مسلم الذي ساق المصنف الحديث بلفظه: ((فسأله فقال له رسول الله وَ الر: من هما قال: امرأة من الأنصار وزينب فقال له رسول الله وَالله: أي الزيانب؟ فقال: امرأة عبد الله)) ولفظ البخاري: ((فلما صار إلى منزله جاءت زينت امرأة ابن مسعود تستأذن عليه فقيل يا رسول الله: هذه زينب فقال: أي الزيانب؟ فقيل امرأة ابن مسعود)) (فقال رسول الله وَليل لها:) كذا فيما رأيت بإفراد الضمير، وكأنه لتعيينها وحكم صاحبتها معلوم من ذكر حكمها؛ لأن المادة واحدة والذي في مسلم لهما بضمير التثنية، وحاصل الجواب أن ذلك يجزىء عنهما ولهما عليه (أجران أجر القرابة) في الأولاد، أي: أجر صلة الرحم التي تكفل الله لمن وصلها بأن يصله بما لا يقدر غيره سبحانه قدره (وأجر الصدقة) فيهم وفي الزوج، وفي الحديث تغليب، فإن ابن مسعود كان زوجاً فقط، وفي الحديث أن أحق الناس بصرف صدقة التطوع والزكاة والنذر والكفارة والوقف والوصية وسائر وجوه البر الأقارب، وبه أخذ أئمتنا (متفق عليه) واللفظ لمسلم أخرجاه في الزكاة، وأخرجه النسائي في عشرة النساء، وابن ماجه في الزكاة . ٣٢٨ - (وعن أبي سفيان) تثليث سينه المهملة والضم أشهر (صخر) بفتح المهملة وسكون الخاء المعجمة بعدها راء (ابن حرب) بفتح الحاء المهملة وسكون الراء بعدها موحدة، ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي (رضي الله عنه) وسبقت ترجمته والكلام على حديثه في باب الصدق (في حديثه الطويل) المذكور في صحيح البخاري في كتاب ((بدء (١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الزوج والأيتام (٢٥٩/٣، ٢٦٠). وأخرجه ملم في كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة ... (الحديث: ٤٥). ١٦٧ ٤٠ - باب: في بر الوالدين وصلة الأرحام قِصَّةِ هِرَقْلَ أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لِبِي سُفْيَانَ: فَمَاذَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ؟ (يَعْنِي النَّبِيِّ ◌َ) قَالَ: قُلْتُ يَقُولُ: ((اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، واتْرُكوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنا بِالصَّلاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٣٢٩ - وَعَنْ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضاً يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيراطُ)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((سَتَفْتَحونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضُ يُسَمَّى فِيها الوحي))، وفي صحيح مسلم في أثناء كتاب الجهاد (في قصة هرقل) بمنع الصرف للعلمية والعجمة (أن هرقل قال لأبي سفيان: فماذا) أي: فما الذي (يأمركم به يعني) أي : هرقل، مرجع الضمير المستتر في يأمركم (النبي ◌َّة) وهذه الجملة من كلام المصنف، احتاج إليها لأنه ذكر هذه القطعة المشتملة على ضمير لم يصرح بذكر مرجعه في باقي الخبر (قال: قلت: يقول: اعبدوا الله وحده) أي: وحدوه (ولا تشركوا به شيئاً) بيان للتوحيد المأمور به، وتنكير شيء للعموم، فيشمل الشرك الأكبر وهو الكفر، والأصغر وهو الرياء، فالعبادة الكاملة ما قصد بها التقرب لوجه الله سبحانه وتعالى دون ما سواه مطلقاً (واتركوا ما يقول آباؤكم) من الكفر (ويأمرنا) من عطف الرديف باعتبار المعنى، إذ التوحيد وترك الكفر من جملة ما أمر به النبي ◌َ﴿، وكأنه خالف بين العبارتين تفنناً، ولاختلاف نوعهما، إذ مدخول القول هو الأصول وما بعد الأمر هو الأخلاق المبنية عليها الملاحظة بعد ما تقدمها (بالصلاة والصدق) في الأقوال والأفعال (والعفاف) عن المحارم (والصلة) للأرحام (متفق عليه). ٣٢٩ - (وعن أبي ذر) جندب بن جنادة، وسبقت ترجمته (رضي الله عنه) في باب المراقبة (قال: قال رسول الله وَلجري) هو من الإخبار بالمغيبات، فهو من جملة الإعجاز، وقد وقع كما أخبر به النبي ◌َّ فلله الحمد (إنكم ستفتحون) السين لتأكيد الوعد، قال البيضاوي: لن يفعل نفي سيفعل وما يفعل نفي يفعل اهـ. وفي المغني: زعم الزمخشري أنها، أي: السين إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة، ولم أر من فهم وجه ذلك، ووجهه أنها تفيد الوعد بحصول الفعل، فدخولها على ما يفيد الوعد والوعيد مقتض التوكيد اهـ. (أرضاً يذكر) بالبناء للمجهول (فيها القيراط) قال في المصباح: أصله قراط (١) أخرجه البخاري في كتاب: أواخر كتاب بدء الوحي (٣٤/١). وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: وصية النبي ـ بأهل مصر، (الحديث: ٢٢٦، ٢٢٧). ١٦٨ كتاب: دليل الفالحين القِيراطُ، فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِها خَيْراً، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِماً)). وَفِي رِوَايَةٍ : ((فَإِذَا افْتَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِها فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمً)، أَوْ قَالَ: ((ذِمَّةً وَصِهْراً)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ الْعُلَماءُ: الرَّحِمُ الَّتِي لَهُمْ كَوْنُ هَاجَرَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ مِنْهُمْ. ((والصِّهْرُ)): كَوْنَ مَارِيَةً لكنه أبدل من أحد المضعفين ياء للتخفيف كما في دينار ونحوه، ولهذا يرد في الجمع والتصغير إلى أصله فيقال: قراريط وقريريط، قال بعض الحساب: القيراط في لغة اليونان حبة خرنوب، وهو نصف دانق، والدانق عندهم اثنا عشر حبة، والحساب يقسمون الأشياء أربعة وعشرين قيراطاً؛ لأنه أول عدد له ربع وثمن ونصف وثلث صحيحات من غير كسر اهـ. وقال المصنف: قال العلماء: القيراط جزء من الدينار والدرهم وغيرهما، وكان أهل مصر يكثرون من استعماله والتكلم به. (وفي رواية) هي لمسلم أيضاً (ستفتحون مصر) بمنع الصرف للعلمية والتأنيث باعتبار إرادة البقعة، سميت باسم أول من سكنها وهو مصر بن بنصر بن سام بن نوح، وحدها طولاً من برقة التي في جنوب البحر الرومي إلى أيلة، ومسافة ذلك قريب من أربعين يوماً، وعرضاً من مدينة أسوان وما سامتها من الصعيد الأعلى إلى رشيد وما حاذاها من مساقط النيل في البحر الرومي، ومسافة ذلك قريب من ثلاثين يوماً (وهي أرض يسمى) أي: يذكر كثيراً (فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيراً) يحتمل أن تكون معطوفة على جملة ستفتحون بناء على جواز عطف الإِنشاء على الخبر، ويحتمل الاستئناف، وتنكير خيراً للتعميم والتكثير (فإن) الفاء فيه للسببية، أي: بسبب أن (لهم ذمة) أي: ذماماً، أي: حقاً وحرمة (ورحماً أو قال) يعني النبي ◌َّ، وهو شك من الراوي (ذمة وصهراً) بدل قوله ورحماً، قال في المصباح: قال الخليل: الصهر أهل بيت المرأة، قال: ومن العرب من يجعل الأحماء والأختان جميعاً أصهاراً، وقال الأزهري: الصهر يشتمل على قرابات النساء ذوي المحارم وذوات الأرحام، ومن كان من قبل الزوج من ذوي قرابة المحارم فهم أصهار المرأة أيضاً، وقال ابن السكيت: كل من كان من قبل الزوج من أبيه وأخيه وعمه فالأحماء، ومن كان من قبل المرأة فالأختان، ويجمع الصنفين الأصهار اهـ. ملخصاً (وفي رواية فإذا) أتى بها لأنها تستعمل في المحقق وقوعه بخلاف إن الشرطية (افتتحتموها فأحسنوا إلى أهلها) بأنواع الإحسان كمايؤذن به حذف المعمول ویومیء إليه قوله في الرواية السابقة خيراً (فإن لهم ذمة ورحماً أو قال: ذمة وصهراً رواه مسلم) في الفضائل (قال العلماء: الرحم التي لهم) أي: في الحديث (كون هاجر) بفتح الجيم وتبدل الهاء همزة وهو ممنوع الصرف للعلمية والعجمة، أو والتأنيث المعنوي (أم إسماعيل) بن إبراهيم (صلى الله عليه) وعليه (وسلم منهم) أي: من مصر؛ لأنها أعطاها الجبار لسارة امرأة إبراهيم (5) ١٦٩ ٤٠ - باب: في بر الوالدين وصلة الأرحام ◌ُمَّ إِبْراهِيمَ بْنِ رَسُولِ اللّهِ وَ مِنْهُمْ(١) ٣٣٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ(٢): ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ قُرَيْشاً فَاجْتَمَعوا، فَعَمَّ وَخَصَّ وقالَ: (يَا بَنِي كَعْبٍ بْنِ لُؤيٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدٍ مَنافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ أَنْقِذوا عليه السلام لما منعته يد القدرة عنها، فأعطتها سارة إبراهيم فحملت منه بإسماعيل (والصهر كون مارية أم إبراهيم بن) سيداً وسيد الخلق أجمعين (رسول الله (صلقر منهم) لأن المقوقس صاحب مصر لما كاتبه النبي ولم يدعوه إلى الإِسلام لم يسلم، وأرسل بهدية إلى النبي مثلة منها مارية وسيرين، فحملت مارية بإبراهيم، وأعطى وَ ل﴿ سيرين لحسان بن ثابت الأنصاري، وهذا التفسير عزاه هنا للعلماء لعدم الخلاف فيه، ولم يعزه إلى أحد في شرح مسلم؛ لأن المتفق عليه لا يحتاج إلى العزو والله أعلم. ٣٣٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية) المبينة بقوله: (وأنذر عشيرتك الأقربين) أي: قرابتك الأدنين (دعا رسول الله وم الر قريشاً) هم ولد النضر بن كنانة على الصحيح (فاجتمعوا فعم) أي: دعاهم بما يعمهم (رخص) أي: خصص بعضاً بالنداء وبين كيفية التعميم والتخصيص بقوله: (فقال: يا بني كعب بن لؤي) بحذف تنوين كعب لفظاً وألف ابن خطاً، ومثله كل ابن وقع بين علمين ما لم يقع في ابتداء سطر (أنقذوا أنفسكم) أي: خلصوها (من النار) المترتبة على الكفر والعصيان بالإِيمان بالله تعالى وطاعته وأداء عبوديته (يا بني عبد مناف) بكسر دال عبد؛ لأنه مركب إضافي، ومناف محول عن مناتٍ، اسمٍ لصنم، قال السهيلي في الروض الأنف: كانت أمه قد أخدمته منات، وكان صنماً عظيماً لهم، وكان يسمى عبد منات، ثم نظر قصي فرآه يوافق عبد مناف بن كنانة، فحوله عبد مناف، ذكره البرقي والزبير (أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم) لقب به لهشمه الثريد لقومه، واسمه عمرو (أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب) قاله المطلب جد (١) أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: وصية النبي ◌َلّر بأهل مصر، (الحديث: ٢٢٦). (٢) سورة الشعراء، الآية: ٢١٤ . ١٧٠ كتاب: دليل الفالحين أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنِّي لَ أَمْلِكَ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمَاً سَأَبُّلُّها بِلالِها)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ مَِّ: ((بِلالِها)) هُوَ بِفْحِ الْبَاءَ الثَّانِيَّةِ وَكَسْرِها. و((الْبِلالُ)): الْمَاءُ. وَمَعْنَى الحَديثِ: سَأَصِلُها. شَبَّهَ قطيعَتُها بِالحَرارةِ تُطْفَأُ بِالمَاءِ وَهَذِهِ تُبُرَّدُ بِالصِّلَّةِ(١). ٣٣١ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ الإِمام الشافعي لما جاء به من المدينة مردفاً له على راحلته وعليه ثياب بذلة، فكان إذا سئل عنه يقول: عبدي حتى ألبسه قال ابن أخي فغلب عليه ذلك، واسمه كما قال السهيلي : شيبة (أنقذوا أنفسكم من النار) وهذا آخر ما عمم فيه، وقال مخصصاً: (يا فاطمة) بالضم، قال المصنف: كذا وقع في بعض الأصول، وفي بعضها أو أكثرها يا فاطم بحذف الهاء على الترخيم، وعليه فيجوز ضم الميم وفتحها كما عرف في نظائره، أي: من الانتظار وعدمه (أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئاً) قال المصنف: معناه لا تتكلوا على قرابتي، فإني لا أقدر على دفع مكروه يريده الله تعالى بكم (غير) استثناء منقطع، وترادفها في هذا المعنى والاستعمال ((بَيْدَ)) ومنه حديث: «نحن الآخرون السابقون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا)) والمعنى هنا لكن حصل (أن لكم رحماً سأبلها بيلالها رواه مسلم) في كتاب الإِيمان، والنسائي في الوصايا، وذكر الحافظ في النكت الظراف أن البخاري أخرجه عقب حديث شعيب عن الزهري فقال: تابعه أصبغ عن ابن وهب اهـ. (قوله ◌َيار: بيلالها هو بفتح الباء الثانية) أي: التي هي أول الكلمة، أما الأولى الجارة فمكسورة لا غير (وكسرها) قال في شرح مسلم: ضبطناه بهما وهما وجهان مشهوران ذكرهما جماعة من العلماء، وقال عياض: رويناه بالكسر، قال: ورأيت للخطابي أنه بالفتح، وقال صاحب المطامع: رويناه بكسر الباء وفتحها من بله يبله (والبلال الماء) وفي المصباح: وقيل البلال: ما يبل به الحلق من ماء ولبن (ومعنى الحديث سأصلها شبه قطيعتها بالحرارة) تشبيهاً مضمراً في النفس، وأثبت لازم المشبه وهو ما تضمنه قوله: (تطفأ) بالبناء للمجهول (بالماء وهذه تبرد بالصلة) قال المصنف: ومنه حديث: ((بلو الأرحام)) أي: صلوها من البلل المذهب حرارتها، فالتشبيه المضمر في النفس استعارة مكنية، وإثبات البلال تخييل. ٣٣١ - (وعن أبي عبد الله عمرو بن العاص) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب بيان (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: في قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، (الحديث: ٣٤٨). ١٧١ ٤٠ - باب: في بر الوالدين وصلة الأرحام رَسُولَ اللَّهِ بِهِ جِهَاراً غَيْرَ مُسِرٍّ، يَقُولُ: ((إِنَّ آلَ أَبِي فُلانٍ لَيْسوا بِأَوْلِيائي، إِنَّمَا وَلِّيَ اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّها بِلالِهَا)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. واللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ(١). كثرة طرق الخير (قال: سمعت النبي ◌َّر جهاراً) منصوب على الحال، أي: حال كونه مجاهراً بالقول (غير مسر) ووقوع المصدر حالاً كثير، لكن مع ذلك هو سماعي، وابن العاص من العرب الذين لهم ذلك فيه، أو مفعول مطلق، أي: يجهر به جهراً، وقوله: غير مسر صفة مؤكدة (يقول: إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء) هذا لفظ مسلم، والذي في البخاري: ((إن آل أبي)) قال عمرو: يعني ابن عباس شيخ البخاري ((في كتاب محمد بن جعفر - أي شيخ عمرو - بياض)) قال السيوطي : أي: موضع أبيض بغير كتابة اسم للمضاف إليه، قال الشيخ زكريا في التحفة: المراد بفلان أبو طالب أو أبو العاص ابن أمية، والمراد من آله من لم يسلم منهم اهـ. وقال السيوطي: وفي مستخرج أبي نعيم: ((إن آل أبي طالب)) فقيل: الراوي له عنبسة بن عبد الواحد أموي من الناصبة المنحرفين على علي فلا يقبل منه هذا التعبير، وقيل: هو محمول على غير المؤمنين، وعلى كونه العاص فإنما أبهمه الراوي لخوف مفسدة تترتب على ذكره، قال الدلجي: لأن الأمر حينئذ كان في ذويه اهـ. وفي تعليق المصابيح للدماميني: قال ابن العربي في سراج المريدين: معنى الحديث آل أبي طالب، قال: ومعناه إني لست أخص قرابتي ولا فصيلتي الأدنين بولاية دون المسلمين، وإنما رحمهم معي في الطالبية فسأبلها ببلالها، أي: أعطيها حقها، فإن المنع عند العرب يبس والصلة بل (إنما ولي) أي: ناصري والذي أتولاه في جميع الأمر (الله وصالح المؤمنين) كذا رأيته بحذف الواو من صالح على أنه مفرد مضاف اكتفى بعمومه ويؤيده آية ﴿وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين﴾(٢) فالحديث على طبق الآية، فإنها دلت على حصر أوليائه فيمن ذكر، قال الكواشي في التفسير: المراد بصالح المؤمنين أبو بكر أو عمر أو هما أو علي أو كل من برىء من المؤمنين من النفاق أو هم الأنبياء، وصالح المؤمنين مفرد يراد به الجمع كقوله: ﴿السارق والسارقة﴾(٣) وزعم بعضهم أنه يجوز أن يكون أصله صالحو فكتب بغير واو اتباعاً للفظ (ولكن) استدراك لما قد يتوهم من عدم مواصلتهم بإثباتها بقوله: (لهم رحم أبلها بيلالها. متفق عليه) رواه البخاري في الأدب، ومسلم في الإِيمان (واللفظ للبخاري) ورواه البزار. (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: يبل الرحم ببلالها (١٠ /٣٥٠ و٣٥٤). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: موالاة المؤمنين ... (الحديث: ٣٦٦). (٢) سورة التحريم، الآية: ٤. (٣) سورة المائدة، الآية: ٣٨ ١٧٢ كتاب: دليل الفالحين ٣٣٢ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ خَالِدِ بْنِ زَيْدِ الأنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: «تَعْبُدُ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزكاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٣٣٣ - وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((إِذَا أَفْطَرَ ٣٣٢ - (وعن أبي أيوب خالد بن زيد) بن كليب بن ثعلبة بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار (الأنصاري) الخزرجي النجاري المدني الصحابي الجليل (رضي الله عنه) شهد العقبة وبدراً وأحداً والخندق وبيعة الرضوان وجميع المشاهد مع رسول الله بَّر، ونزل عنده رسول الله ګ حين قدم المدينة مهاجراً، وأقام عنده أشهراً حتى بنيت مساكنه ومسجده روي له عن رسول الله وَ ل# مائة وخمسون حديثاً، اتفقا على سبعة منها وانفرد البخاري بحديث ومسلم بآخر، وروى عنه البراء بن عازب وجابر بن سمرة وأبو أمامة الباهلي وزيد بن خالد الجهني وابن عباس، وكلهم صحابة رضي الله عنهم، وخلائق من التابعين، توفي بأرض الروم غازياً سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى، وقيل: اثنين وخمسين، وقبره بالقسطنطينية حرسها الله بمنه (أن رجلاً) قال الشيخ زكريا: هو أبو أيوب الراوي كما قال ابن قتيبة، ولا مانع أن يبهم الراوي نفسه لغرض له، وأما تسميته في حديث آخر عن أبي هريرة عند البخاري بإعرابي فلا ينافي ذلك لجواز التعدد، وذلك الأعرابي هو ابن المنتفق، قيل: واسمه لقيط بن صبرة اهـ. (قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة) برفع يدخلني على أنه صفة عمل، وجواب الأمر محذوف، أي: يثبك الله ويجوز أن يجزم على أنه جواب الأمر، وعليه فتنوين عمل للتعظيم والتفخيم ليكون بالوصف مقيداً (فقال النبي وَطاهر: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً) عطف على ما قبله مفيد لبيان العبادة المعتد بها، أو حال بإضمار مبتدأ كما تقدم في الباب ننظيره (وتقيم الصلاة) أي: تأتي بها مستجمعة لأركانها وشرائطها وسننها (وتؤتي) أي: تعطي (الزكاة وتصل الرحم) وخص الرحم بالذكر لقربها من السائل، أو نظراً لحاله كأنه كان قاطعاً لها فأمر بصلتها؛ لأنها المهم بالنسبة إليه، وعطف الصلاة وما بعدها على العبادة من عطف الخاص على العام (متفق عليه) رواه البخاري في الزكاة، ومسلم في الإِيمان، ورواه النسائي في كتاب الصلاة وكتاب العلم، قاله الحافظ المزي. ٣٣٣ - (وعن سلمان بن عامر) بن أوس بن حجر بن عمرو بن الحارث بن تيم بن ذهل بن (١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة (٢٠٨/٣ و٢٠٩). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان الإِيمان الذي يدخل به ... (الحديث: ١٤). ١٧٣ ٤٠ - باب: في بر الوالدين وصلة الأرحام أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرِ فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَمْراً فَالْمَاءُ فَإِنَّهُ طَهُورٌ)). وَقَالَ: (الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةُ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ)) حَديثُ حَسَنُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ(١). * 6000 مالك بن سعد بن بكر بن ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر الضبي (رضي الله عنه) قال مسلم: لم يكن في الصحابة ضبي غيره، نزل البصرة وله بها دار بقرب الجامع، روى عنه محمد وحفصة ولدا سيرين، روي له عن النبي ◌َ ◌ّ ثلاثة عشر حديثاً، انفرد البخاري بحديث واحد، ذكره في مختصر التلقيح، واقتصر المصنف في التهذيب على أن البخاري روى عنه حديثاً واحداً (عن النبي وسير قال: إذا أفطر أحدكم) أي: أراد الفطر من صومه (فليفطر على تمر) اسم جنس جمعي، فأقله ثلاثة، وهذا عند فقد الرطب، وإلا فهو مقدم عليه كما جاء من فعله ◌َّ ر ذلك (فإنه) أي: التمر (بركة) لما فيه من حفظ البصر وجمع ما تفرق منه بالصوم، ومن أنه إذا وصل المعدة، فإن وجد فيها فضلة من بقايا الطعام أخرجها وإلا كان غذاء، وقول الأطباء: يضعف البصر محمول على كثيره المضر دون قليله (فإن لم يجد تمراً فالماء) بالجر، أي: فليفطر عليه كما جاء كذلك في رواية عند رواة هذا الحديث (فإنه طهور) أي: مزيل للخبائث المعنوية والحسية، وأخذ من هذا الحديث لإطلاق الماء، فيه رد ما قيل من تقديم زمزم لمن بمكة على التمر، فإن جمع بينهما فحسن والترتيب المذكور للاستحباب، فلو أفطر بالماء مع وجود التمر حصل أصل سنة الإفطار على الماء (وقال:) أي: النبي ◌َلّ عطف على قال الأول، فهو من جملة ما رواه سلمان (الصدقة على المسكين صدقة) أي: ثوابها ثواب صدقة واحدة (وعلى ذي الرحم) أي: القرابة من الأب أو الأم وإن بعد (ثنتان صدقة وصلة) أي: فيها ثوابان جليلان، ثواب الصدقة وثواب صلة الرحم (حديث حسن) هذا التحسين من المصنف، وما يأتي بعد. من الترمذي، فلا تكرار؛ وذلك لأن تحسينات الترمذي ليست مسلمة له كما علم من سر كلامهم (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) وكذا رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والدارمي، وروى الحديث عنه أبو داود أيضاً وابن عدي (تحذف) إلا أن قوله: ((فإنه بركة)) انفرد به عنهم الترمذي كما في المشكاة، وفي الجامع الصغير بعد ذكر الحديث الأول باللفظ المذكور هذا رواه ا ابن عدي وابن خزيمة وابن حبان وبعد ذكر الحديث الثاني، ورواه الحاكم في المستدرك. (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في الصدقة على ذي القرابة (الحديث: ٦٥٨). ١٧٤ كتاب: دليل الفالحين ٣٣٤ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ وَكَنْتُ أُحِبُّها وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَكْرَهُهَا فَقَالَ لِي طَلِّقْها فَأَبَيْتُ، فَأَتَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النَّبِيَّ ◌َ﴿ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((طَلِّقْها)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). ٣٣٥ - وَعَنْ أَبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ لِي امْرَأَةً وَإِنَّ أُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِها. فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ: الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ)) ٣٣٤ - (وعن ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: كانت تحتي امرأة) لم أقف على من سماها (وكنت أحبها وكان عمر يكرهها فقال لي: طلقها) أمره بذلك لكراهته لها، والظاهر أنها دينية، أو خشي أن تجره إلى ضرر في دينه (فأبيت) أي: لما لها من الحب عندي (فأتى عمر النبي (وَ لّ فذكر ذلك له) أي: إبائي وامتناعي من طلاقها بعد أمره لي به (فقال النبي ◌َّطير:) من باب زيادة البر بالوالد (طلقها) والظاهر أنه طلقها لأنه لا يتخلف عن امتثال أمر النبي و #، وكأن السكوت عن ذلك للعلم به من أحواله، وكمال اتباعه المانع ذلك من خطور البال لمخالفة أمره مغل# (رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح). ٣٣٥ - (وعن أبي الدرداء) عويمر تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب ملاطفة اليتيم (أن رجلاً أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها) أي: وأنا لا أريد ذلك لمحبتها أو لسبب آخر (فقال: سمعت رسول الله ◌َّ﴿ يقول الوالد) يشمل الأبوين وإن علوا (أوسط أبواب الجنة) قال أبو موسى المدني: أي: خيرها يقال هو من أوسط قومه، أي: من خيارهم، قال العراقي: والمعنى أن بره مؤد إلى دخول الجنة من أوسط أبوابها، وقال العاقولي: المعنى أحسن ما يتوصل به إلى دخول الجنة بر الوالدين، وكلام العراقي أقرب، فيكون في الحديث مضاف إلى المبتدأ وآخر في الخبر (فإن شئت فأضع ذلك الباب) أي : بعدم برها وترك امتثال أمرها (أو احفظ) بذلك وإن لم يكن واجباً البر بالطلاق لكنه بر لهما وإجلال لأمرهما فامتثله، وما ذكرته من أن ما ليس واجباً أصالة لا يصير واجباً بأمرهما هو ما عليه الجمهور، فقالوا: إن أمراً بمباح في أصله صار مندوباً أو بمندوب زاد تأكد ندبه، وادعى القرطبي في المفهم أنه إذا أمراه أو أحدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه، وإن لم يكن في (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في بر الوالدين (الحديث: ٥١٣٨). وأخرجه الترمذي في كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في الرجل يسأله ... (الحديث: ١١٨٩). ١٧٥ ٤٠ - باب: في بر الوالدين وصلة الأرحام فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوِ احْفَظْهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ(١) ٣٣٦ - وَعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، قَالَ: ((الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الَّمِّ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ(٢). وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ في الصَّحِيحِ أصله واجباً بل كان من المباحات ثم نقل المقابل عن البعض، ثم قال: والصحيح الأول؛ لأن الله تعالى قرن طاعتهما والإِحسان إليهما بوجوب عبادته وتوحيده، وكذا جاء في السنة فذكر حديث ابن عمر المذكور، ثم قال: فإن قيل: يرتفع حكم الله الأصلي بحكم غيره الطارىء، ((قلت)): إنما ارتفع حكمه تعالى بحكمه: لأنه أوجب علينا طاعتهما والإِحسان إليهما، وكان من ذلك امتثال أمرهما، فوجب لأنه لا يحصل ما أمر الله به إلا بالامتثال، ولأن مخالفتهما في أمرهما عقوق اهـ. وفيه ما لا يخفى وقوله: ((فإن شئت)) مدرج في آخر الخبر من كلام أبي الدرداء، والحديث (رواه الترمذي وقال: حديث صحيح) قال في الجامع الصغير: ورواه أحمد وابن ماجه والحاكم في المستدرك. ٣٣٦ - (وعن البراء) بالتخفيف والمد (ابن عازب) بالمهملة والزاي والموحدة (رضي الله عنهما عن النبي ◌ّ ر قال:) في عمرة القضاء، لما خرج النبي ګ وتبعته بنت حمزة تنادي : یا عم يا عم فتناولها علي فأخذها بيده وقال لفاطمة: دونك بنت عمك احمليها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقضى بها النبي ـ لخالتها وقال: (الخالة بمنزلة الأم) الحديث قال العلقمي: أي: في هذا الحكم الخاص؛ لأنها تقرب منها في الحنو والشفقة والاهتداء لما يصلح الولد، فلا حجة فيه لمن قال: الخالة ترث، وفي حديث مرسل للباقر: ((الخالة والدة وإنما الخالة أم)) وهو بمعنى قوله بمنزلة الأم، أي: لا أنها أم حقيقة اهـ. والمصنف أورده في الباب اعتباراً بعموم لفظه في طلب أنواع البر وإسداء المعروف لها كما تسدى ذلك للأم ويطلب البر لها (رواه الترمذي وقال: حديث صحيح) ورواه أبو داود من حديث علي بن أبي طالب، كما في الجامع الصغير (وفي الباب) أي: البر والصلة (أحاديث) جمع حديث على غير قياس، أو جمع أحدوثة بمعنى حديث، كأراجيز جمع أرجوزة، قاله في المفاتيح في شرح المصابيح كما تقدم أول الكتاب بمزيد (كثيرة في الصحيح) أي: للبخاري؛ لأنه صار (١)) أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في الفضل ... (الحديث: ١٩٠٠). (٢) أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في برِّ الخالة (الحديث: ١٩٠٤). ١٧٦ كتاب: دليل الفالحين مَشْهُورةٌ. مِنْهَا حَدِيثُ أَصْحَابِ الْغَارِ، وَحَدِيثُ جُرَيْجٍ وَقَدْ سَبَقًا، وأَحَادِيثُ مَشْهُورةٌ فِي الصَّحيحِ حَذَفْتُها اخْتِصَاراً. وَمِنْ أَهَمِّها حَدِيثُ عَمْرِوبْنِ عَبَسَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الطَِّيلُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى جُمَلٍ كَثِيرَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الإِسْلامِ وَآدَابِهِ. وَسَأَذْكُرُهُ بِتَمَامِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الرَّجَاءِ. قَالَ فِيهِ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ وَهَ بِمَكَّ (يَعْنِي فِي أَوَّلِ النُّبَوَّةِ) فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟ قَالَ: ((نَبِيِّ)) فَقُلْتُ: وَمَا نَبِيُّ؟ قَالَ: ((أَرْسَلَنِي اللَّهُ)) فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: ((أَرْسَلَني بِصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَكَسْرِ الأَوْثَانِ، وَأَنْ يُوَخَّدَ اللَّهُ لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ)) وَذَكَرَ تَمَّامَ الْحَدِيثِ(١)، واللَّهُ أَعْلَمُ. علماً بالغلبة في لسان المحدثين عليه، ويحتمل أنه يريد في الصحيح من الحديث المقابل للحسن والضعيف (مشهورة منها حديث أصحاب الغار الثلاثة وحديث جريج وقد سبقا) سبق حديث الغار في باب الإِخلاص، وحديث جريج في باب: فضل ضعفة المسلمين (وأحاديث مشهورة في الصحيح حذفتها اختصاراً) وقد ذكر كثيراً منها المنذري في ترغيبه (ومن أهمها حديث عمرو بن عبسة) بفتح المهملة والموحدة والسين المهملة (الطويل) صفة حديث (المشتمل على جمل كثيرة) بالمثلثة، تأكيد لمدلول جمل وتنوينه (من قواعد الإِسلام) أي: أصولها وضوابطه الشاملة لكثير من جزئياته (وآدابه) جمع أدب وهو كالسنة في الطلب، وإن تفاوت تأكيداً كما في الروضة، وتقدم تعريف الأدب أول الكتاب (وسأذكره بتمامه إن شاء الله تعالى في باب الرجاء، قال فيه: دخلت على النبي ◌َّ بمكة) وقوله: (يعني: في أول النبوة) هذا مدرج لبيان زمن دخوله ووصوله (فقلت له: ما أنت) المسؤول عنه وصفة، فلذلك أجبله وَ ل بقوله: (قال: نبي) أي: أنا نبي، ومراده به الرسول، فهو من إطلاق النبي بالمعنى الشامل للرسول كما يدل عليه قوله: أرسلني الله (قلت: وما نبي) أي: ما حقيقة هذا اللفظ ومدلوله (قال) بيان لما يؤخذ منه ذلك (أرسلني الله) حذف المرسل لأجله للتعميم، وليسأل عنه السائل فيصل إليه بعد الطلب فيكون أقر عنده (فقلت: بأي شيء أرسلك قال:) أرسلني (بصلة الأرحام) أي: بالأمر بها والحث عليها، وذلك داع لدوام الاتصال وترك التقاطع والانفصال (وكسر الأوثان) جمع وثن، قيل: هي الأصنام، وقيل: أعم، أي: إزالتها (وأن يوحد) بالبناء للمفعول (الله) حال كونه (لا يشرك به شيء وذكر) عمرو (تمام الحديث) في باب الرجاء إن شاء الله تعالى، والله أعلم. (١) أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: إسلام عمرو بن عبسة (الحديث: ٢٩٤). ١٧٧ ٤١ - باب: في تحريم العقوق وقطيعة الرحم ٤١ - باب: في تحريم العقوق وقطيعة الرحم قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(١): ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ باب تحريم العقوق وقطيعة الرحم المراد من العقوق عقوق الوالدين أو أحدهما، وهو من الكبائر، مأخوذ من العق، وهو لغة: القطع والمخالفة، وشرعاً: قيل: ضابطه أنه تعصيه في جائز، وليس هذا الإِطلاق بمرضي، وقال بعضهم: طالما بحثت عن ضابطه فلم أجده، والذي آل إليه كلام أئمتنا أن ضابطه أن يفعل معه ما يتأذى به تأذياً ليس بالهين، لكن، هل المراد بقولهم ليس بالهين بالنسبة للوالد حتى أن ما تأذى به كثيراً وهو عرفاً بخلاف ذلك كبيرة، أو بالنسبة للعرف، فما عده أهله مما لا يتأذى به كثيراً ليس بكبيرة وإن تأذى كثيراً كل محتمل ولم يبينوه، والذي يظهر أن المراد الثاني؛ بدليل أنه لو أمر ولده بنحو فراق حليلته لم يلزمه طاعته، وإن تأذى بذلك كثيراً فعلمنا أنه ليس المناط وجود التأذي الكثير، بل أن يكون ذلك من شأنه أنه يتأذى به كثيراً، وقطيعة الرحم ضد صلته، وتقدم في الباب قبله ما تعرف منه، وكذا تقدم فيه في حديث أبي هريرة أوائل الكلام على ما يتعلق بقول المصنف. (قال الله تعالى: فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم. وقال تعالى: والذين ينقضون عهد الله) أي: ما عهده الله إليهم من التكاليف والأحكام (من بعد ميثاقه) أي: ما أوثقوه به من الإِقرار والقبول. وفي رسالة الاستعارة للخوجة أبي القاسم السمرقندي: جوز صاحب الكشاف كونه، أي: الأمر الذي أثبت للمشبه من خواص المشبه به استعارة تحقيقية في بعض المواد، كما في قوله تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه﴾(٣) استعير الحبل المضمر في النفس للعهد بجامع الوصلة على سبيل الكناية، واستعير النقض لإِبطاله، أي: إبطال العهد على سبيل التصريح بجامع مطلق الإِبطال ا هـ. (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل) بدل من (١) سورة محمد، الآيتان: ٢٢، ٢٣. (٢) سورة الرعد، الآية: ٢٥. (٣) سورة البقرة، الآية: ٢٧ . ١٧٨ كتاب: دليل الفالحين بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّ تَعْبُدُوا إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُما فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفِّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾ واخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّانِي صَغِيراً﴾. ٣٣٧ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ نُفَيْعِ بْنِ الحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ الضمير المجرور، والمراد به الرحم وموالاة المؤمنين والإِيمان بجميع الأنبياء، ويندرج في ذلك مراعاة جميع حقوق الناس (ويفسدون في الأرض) بالظلم وتهييج الفتن (أولئك لهم اللعنة) للبعد من الله سبحانه (ولهم سوء الدار) عذاب جهنم، أو سوء عاقبة الدنيا؛ لأنه في مقابلة عقبى الدار، وتقدم الكلام في الباب قبله على قوله (وقال تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) فيه استعارة مكنية يتبعها استعارة تخييلية (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً) والكاف في كما يحتمل أن تكون للتعليل، كما في قوله تعالى: ﴿كما هداكم﴾(٢) على أحد الأقوال، وحينئذ فيحتمل أن يكون لبيان سبب دعائك لهما، ويحتمل أن يكون للتنظير، والمراد: رحمة تامة بالغة كما بالغا جهدهما في تربيتي حال صغري وانقطاعي، ثم كان اللائق بالترجمة تقديم هذه الآية؛ لأن فيها النهي عن العقوق بالتصريح وبالقياس الأولوي وباللازم من الأمر بالبر والإِحسان إليهما، إذ الأمر بالشيء نهي عن ضده، والآيتان في القطيعة، إلا أن يقال: إنهما شاملان للعقوق؛ لأنه من قطع الأرحام ومن قطع ما أمر الله به أن يوصل، فذكر له من الكتاب دليلاً شاملاً لتحريمه وتحريم غيره من القطيعة، ثم ذكر ما يخصه اهتماماً به. ٣٣٧ - (وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث) سبقت ترجمته (رضي الله عنه) في باب النية أول الكتاب (قال: قال رسول الله وَله: ألا) حرف استفتاح، وأتى بها ليتنبه المخاطب من غفلته ليتوجه لسماع ما يلقى إليه فيقر في قلبه، ولذا إنما يؤتى بها فيما يهتم بأمره (أنبئكم بأكبر الكبائر) جمع كبيرة، والصحيح هل الصواب أن من الذنوب صغائر وكبائر؟ وأن للكبيرة حداً، فالمختار أنها ما ورد فيه وعيد شديد في الكتاب أو في السنة وإن لم يكن فيه، وهو بمعنى قول إمام الحرمين: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين وقلة الديانة، ومن أحسن ما ألف فيها وأجمع كتاب ((الزواجر عن اقتراف الكبائر)) الشيخ شيوخنا المحقق شهاب (١) سورة الإِسراء، الآيتان: ٢٣، ٢٤. (٢) سورة البقرة، الآية: ١٩٨. ١٧٩ ٤١ - باب: في تحريم العقوق وقطيعة الرحم رَسُولُ اللَّهِوَهِ: ((أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟)) ثلاثاً. قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: ((الإِشراكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ)) وَكَانَ مُتَّكِئَاً فَجَلَسَ فَقَالَ: ((ألاَ وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ!)) فَمَا زَالَ یُكَرِّرُهَا الدين أحمد بن حجر الهيثمي رحمه الله (قلنا: بلى يا رسول الله) فائدته مع عدم الاحتياج إليه الإِشارة إلى عظيم الإِذعان لرسالته وما ينشأ منها من بيان الشريعة، وإلى استجلاء شيء من كمالاته وعلومه التي أوتيها بعد رسالته (قال: الإِشراك بالله) أي: الكفر بأنواعه (وعقوق الوالدين) أو أحدهما، وجمعهما لأن عقوق أحدهما يستلزم عقوق الآخر غالباً أو يجر إليه، وتقدم تعريفه أول الباب، ((فإن قلت)): أكبر الكبائر لا يكون إلا واحداً وهو الشرك، فكيف تعدد هنا؟ وأيضاً فنحو القتل والزنا أكبر من العقوق، فلم حذفا وذكر هو؟ ((قلت)): إدعاء أن الأكبر لا يكون إلا واحداً، إنما هو إن أريد الحقيقة، أما إن أريد الأكبر النسبي فهو يكون متعدداً، ولا شك أن الأكبر بالنسبة إلى بقية الكبائر أمور أشار إليها وإلى أمثالها النبي وَلـ بقوله: ((اتقوا السبع الموبقات ... )) الحديث، وحينئذ فالأكبر هنا لتعدده في الجواب مراداً به الأمر النسبي، وإنما ترك ذكر القتل ونحوه في هذا الحديث؛ لأنه علم من أحاديث أخر أن ذلك من أكبر الكبائر، على أنه # كان يراعي في مثل ذلك أحوال الحاضرين، وعليه يحمل اختلاف الأحاديث نحو: ((أفضل الأعمال الصلاة)) وأخرى: ((أفضل الأعمال الجهاد)) وأخرى: ((أفضل الأعمال بر الوالدين)) وغير ذلك من نظائر له لا تخفى (وكان متكئاً فجلس) تنبيهاً على عظم ثم وقبح شهادة الزور، فيفيد تأكيد تحريمه وتعظيم قبحه وسبب الاهتمام به حتى جلس بعد اتكائه سهولة وقوع الناس فيه وتهاونهم به، فإن الاشراك ينبو عنه قلب المسلم والعقوق يصرفه عنه الطبع، والحوامل على الزور كثيرة جداً. كالعداوة والحسد، فاحتيج إلى الاهتمام بشأنه؛ لأن مفسدته متعدية إلى الغير بخلاف ما معه فقاصرة عليه (فقال: ألا وقول الزور) يحتمل كون الواو استئنافية لعظم قبح هذا الذنب ومزيد إثمه، ويحتمل أنها عاطفة على محذوف، أي: اتركوا ما ذكر من الكبائر وقول الزور، وهو الكذب على الغير (وشهادة الزور) قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون من الخاص بعد العام، لكن ينبغي أن يحمل على التوكيد، فإنا لو حملنا القول على إطلاقه لزم كون الكذبة الواحدة كبيرة، وليس كذلك، قال: ولا شك أن عظم الذنب ومراتبه متفاوتة بتفاوت مفاسده، ومنه قوله تعالى: ﴿ومن يكسب خطيئةً أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً﴾(١)(فما زال يكررها) أي: هذه الكلمة باعتبار المعنى اللغوي، أو الشهادة؛ لأنها أقرب مذكور، (١) سورة النساء، الآية: ١١٢. ١٨٠ كتاب: دليل الفالحين حَتَّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٣٣٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ وَ، قَالَ: ((الْكَبَائِرُ: الإِشْراكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ((الْيَمِينُ الْغَموسُ)): الَّتِي يَحْلِفُهَا كَاذِباً عَامِداً. سُمِّيَتْ غَموساً لَأَنَّها تَغْمِسُ الْحَالِفَ في الإِثْمِ (٢). ٣٣٩ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَِّهِ، قَالَ: ((مِنَ الْكَبائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وقول الزور بمعناه (حتى قلنا ليته سكت) أي: شفقة عليه وكراهية لما يزعجه وخشية أن يجري على لسانه ما يوجب نزول البلاء عليهم، وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه وَله والمحبة له والشفقة عليه (متفق عليه) رواه البخاري في مواضع من صحيحه أولها الشهادات، ورواه مسلم في الإِيمان، ورواه الترمذي في مواضع من جامعه، منها البر ومنها الشهادات، وقال: حسن صحيح . ٣٣٨ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص) بإثبات الياء كما هو الأفصح كما تقدم (رضي الله عنهما عن النبي ◌َّر قال: الكبائر) أي: منها والاقتصار عليها، كأنه لاقتضاء المقام، ذكرها لتقصير بعض الحاضرين في شأنها، أو لكونها أعظم الكبائر إثماً وأشدها جرماً (الإِشراك) أي: الكفر (بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس) التي حرم الله قتلها عدواناً (واليمين الغموس) بالغين المعجمة والسين (رواه البخاري) وأحمد والترمذي والنسائي كما في الجامع الصغير (اليمين الغموس) المذكور في الخبر (التي يحلفها) أي: الحالف، نظيره قوله تعالى: ﴿اعدلوا هو﴾(٣) أي: العدل (كاذباً عامداً) حال من فاعل يحلف (سميت غموساً) بفتح الغين (لأنها تغمس الحالف في الإِثم) لأنه حلف كاذباً على علم منه، فغموس فعول بمعنى فاعل كما في المصباح. ٣٣٩ - (وعنه أن رسول الله وَّر قال: من الكبائر) أي: بعضها، ولا ينافي ما تقدم، وما (١) أخرجه البخاري في كتاب: الشهادات، باب: ما قيل في شهادة الزور وغيره (٣٤٢/١٠ و٣٤٥). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها (الحديث: ١٤٣). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأيمان والنذور، باب: اليمين الغموس والمرتدين والديات وغيرها (٤٨٣/١١). (٣) سورة المائدة، الآية: ٨.