Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ ٧ - باب: في اليقين والتوكل عَلَيْهِ. وفي رِوايَةٍ في الصَّحِيحَيْنِ عن الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ مَ : ((إذا أَتَيْتَ مَضْجِعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ وَقُلْ)) وَذَكَرَ نَحْوَهُ. ثُمَّ قالَ: ((وَاجْعَلَهُنَّ آَخِرَ مَا تَقُولُ))(١). ٨١ - الثَّامِنُ عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِدِّيقِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عثمانَ بنِ عامِرٍ بن عُمَرَ بن كَعْبٍ بْنِ سَعدِ بن تَيْمِ بن مُرَّةَ بن عليه) ورواه أصحاب السنن الأربعة (وفي رواية في الصحيحين عن البراء قال: قال لي) ولا ينافي ما تقدم للجمع بوقوع الخطاب بذلك له تارة ولأسيد أخرى (رسول الله وَالر: إذا أتيت مضجعك) بفتح أوله وثالثه أي: مكان اضطجاعك (فتوضأ وضوءك) أي: مثله (للصلاة) في غسل الأعضاء بنية (ثم اضطجع على شقك) بكسر الشين المعجمة وتشديد القاف أي: جانبك (الأيمن) وذلك لشرف الأيمن ولأنه يصير القلب حينئذ متعلقاً، فلا يغتبط بالنوم، فيكون سبباً لقلة النوم والقيام بالليل (وقل، فذكر نحوه) أي: بمعناه ويقال مثله فيما لو كان بمبناه. هذه عادة المحدثين إذا أوردوا الحديث بإسناد ثم بإسناد آخر (ثم قال:) وَثّل (واجعلهن آخر ما تقول) أي: من الدعوات. ٨١ - الحديث (الثامن عن أبي بكر الصديق) بكسر المهملة وتشديد الثانية، وهو أول من لقب بذلك في الإِسلام، وغلبت الكنية عليه وعلى أبيه. لقب بذلك لمبادرته لتصديق النبي ◌َّر. وقيل: لقب به صبيحة الإِسراء؛ لمبادرته لتصديق النبي صل فيه، ويلقب بعتيق أيضاً من العتاقة وهي الحسن لعتاقة وجهه أو لعتاقة نسبه. وقيل: من العتق؛ لأن أمه كان لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به الكعبة فقالت: اللهم هذا عتيقك. أو لأن الله تعالى عتقه من النار كما جاء كذلك في حديث مرفوع لعائشة عند الترمذي (عبد الله بن عثمان) أبي قحافة (بن عامر بن عمر) بفتح المهملة ويكتب بالواو حالتي الرفع والخفض لئلا يشتبه بعمر كزفر (ابن كعب) بفتح الكاف وسكون المهملة آخره موحدة (ابن سعد) بفتح المهملة الأولى وسكون المهملة الثانية (ابن تيم) بفتح الفوقية وسكون التحتية (ابن مرة) بضم الميم وتشديد الراء المهملة. محل اجتماعه مع النبي ◌ّ في نسبه الكريم (ابن (١) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات: باب ما يقول إذا نام وباب إذا بات طاهراً وباب النوم على الشق الأيمن، والتوحيد (١١ /٩٣، ٩٤). وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: ما يقول عند النوم وأخذ المضجع (الحديث : ٥٦). ٢٨٢ كتاب : دليل الفالحين كَعبِ بن لؤيٍّ بْنِ غَالِبِ الْقُرَشِي التَّيْمِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، وَهُوَ وَأَبُوهُ وَأُمُّهُ صحابَةٌ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَالَ: نَظَرْتُ إلى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ وَنَحْنُ فِي كعب بن لؤي) بضم اللام وفتح الهمزة مصغر اللأىء (ابن غالب القرشي التيمي) بدأ بالأول لأنه الأصل، وعقبه بما بعده لأنه شعبة منه. وتقدم في أول باب الإِخلاص، أن القاعدة في مثله ذكر الأعم ثم الأخص لتحصل بالثاني فائدة لم تحصل من الأول، ولو عكس لم تحصل (رضي الله عنه) الأولى عنهما لقوله (هو وأبوه وأمه) أم الخير سلمى بنت صخر التيمية بنت عم أبيه (صحابة) ولم يتفق لأحد من الصحابة ما اتفق له من إسلام أبويه وبنيه وبعض بنيهم وصحبة الجميع (رضي الله عنهم) أسلم لما دعاه وَّة إلى الإِسلام ولم يتلعثم ولم يتردد، وهو أول من أسلم من الرجال الأحرار البالغين بلا خلاف، وتأخر إسلام أبيه إلى يوم الفتح، ويكفيك في فضله قوله وَير: ((إن أمن الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإِسلام)) رواه البخاري. وفضائله كثيرة ومناقبه شهيرة، وقد أفردت بالتأليف وقال في فضله حسان بن ثابت: فضله حسان بن ثابت : فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا إذا تذكرت شجواً من أخي ثقة بعد النبي وأولاها بما حملا خير البرية أتقاها وأفضلها وأول الناس منهم صدق الرسلا والثاني التالي المحمود مشهده روي له عن رسول الله ( مائة حديث واثنان وأربعون حديثاً اتفقا على ستة أحاديث منها، وانفرد البخاري بأحد عشر، ومسلم بواحد، وتوفي رضي الله تعالى عنه بين المغرب والعشاء من ليلة الثلاثاء لثمان بقين من شهر جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة عن ثلاث وستين سنة، وحمل على السرير الذي كان ينام عليه النبي ◌ََّ، وصلى عليه عمر بن الخطاب تجاه المنبر النبوي، وكبر عليه أربعاً، ودفن بجانب قبر النبي ◌ّ (قال: نظرت إلى أقدام المشركين) الذين خرجوا يقصون أثر النبي ◌َّ لما هاجر ويلتمسون محله الذي هو فيه (ونحن في الغار) هو ثقب في الجبل عظيم كالكهف، وهو الغار المذكور في قوله تعالى : ﴿إِذ هما في الغار﴾(١) قال قتادة: هو غار في جبل بمكة يقال له ثور، واختلف في التفاضل بينه وبين غار حراء، فقال الفيروزبادي في كتاب الصلات والبشر: إن غار ثور أفضل؛ (١) سورة التوبة، الآية: ٤٠. ٢٨٣ ٧ - باب: في اليقين والتوكل الغَارِ وَهُمْ على رُؤْ وِنا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظُرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَ بْصَرَنَا فَقالَ: ((مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنِيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُمَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ٨٢ - التاسع عَنْ أُمِّ المؤمِنِين أُمَّ سَلَمَةَ، واسْمُها مِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ حُذَيْفَةَ لأن الله تعالى ذكره في القرآن وحمى فيه سيد ولد عدنان، وقال بعض المتأخرين: غار حراء أفضل؛ لأنه اختاره وَ لّ للتعبد وفيه بدء الوحي (وهم) يعني المشركين (على رؤوسنا) في طلبنا، فأعماهم الله، وكيف تبصر الشمس مقلة عمياء (فقلت: يا رسول الله لو) وقع (أن أحدهم نظر) موضع (تحت قدمه لأبصرنا) أي: من خلال أغصان الشجر وبيت العنكبوت التي كانت على باب الغار الذي دخلا منه، وهو الباب الضيق، أما الباب المتسع فإنما شق له ول# لما قال له الصديق: لو ولجوا علينا الغار ما كنا نصنع. فقال ◌َّ: كنا نخرج من هاهنا، وأشار بيده المباركة إلى الجانب الآخر ولم يكن فيه شق، فانفتح فيه للحين باب بقدرة الله تعالى. ذكره الحافظ تقي الدين بن فهد في كتاب أقطاف النور مما ورد في ثور (فقال لى: ما ظنك) أي: ما تظن (يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما) بالنصر والمعونة والكلاءة والحفظ أيصيبها ضيم؟ وهذا استفهام تقريري، وفيه تسكين لما حصل للصديق حينئذ من الاضطراب (متفق عليه) ورواه الترمذي. وفي الحديث تنبيه على أن من توكل على مولاه كفاه وحماه من سائر عداه ((فائدة)) في كتاب اقتطاف النور بسنده إلى الواحدي أنه أخرج عن غالب بن عبد الله القرفستاني عن أبيه عن جده قال: شهدت رسول اللّه وَر قال لحسان بن ثابت قلت في أبي بكر شيئاً، قل حتى أسمع. قال: فقلت: طاف العدو به إذ أصعد الجبلا وثاني اثنين في الغار المنيف وقد من الخلائق لم يعدل به رجلا وكان حب رسول الله قد علموا قال: فتبسم رسول الله پڑ ا هـ. ٨٢ - الحديث (التاسع عن [أم المؤمنين] عن أم سلمة) بفتح المهملة واللام. كنية لها بابنها (١) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل الصحابة باب: مناقب المهاجرين وفضلهم وفي التفسير باب قوله تعالى: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ (٩/٧ و١٠). وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب: من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه. (الحديث: ١). ٢٨٤ كتاب: دليل الفالحين الْمِخْزُومِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّه، اللّهُمَّ إِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمْ سلمة بن أبي سلمة (واسمها هند) على الصحيح المشهور بل قال الحافظ العسقلاني في أطراف مسند الإمام أحمد: بلا خلاف أي معتبر فلا يشكل بما قيل: إن اسمها رملة؛ لأنه ضعيف بالمرة. فقد قال ابن الأثير في أسد الغابة: إنه ليس بشيء (بنت أبي أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتية (حذيفة) وقيل: سهل. وقيل: زهير. وقيل: هشام بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم القرشية (المخزومية) أم المؤمنين (رضي الله عنها) تزوجها وَل بعد وفاة زوجها أبي سلمة سنة أربع، وخيّرها وَّه بين أن يسبع لها ويسبع لنسائه، وأن يثلث لها ويدور عليهن، فاختارت التثليث. وهي أول من هاجرت إلى الحبشة وزوجها جميعاً فولدت ثمة زينب وسلمة وعمر ودرة، ويقال: إنها أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة، وكانت من أجمل النساء. روي لها عن رسول الله ير ثلثمائة حديث وثمانية وسبعون حديثاً، اتفقا على ثلاثة عشر منها، وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بثلاثة عشر، وماتت سنة اثنتين وستين . وقيل: سنة ستين. وقيل: إحدى وستين، وصححه ابن عساكر وقيل: أربع وستين، وقيل: تسع وخمسين، ودفنت بالبقيع وعمرت فعاشت تسعين سنة، وهي آخر أمهات المؤمنين وفاة رضي الله عنها (أن النبي ( * كان إذا خرج) أي: أراد الخروج وقيل: بل هو على حقيقته أي: عقب الخروج (من بيته قال:) هو جواب إذا ولفظ أبي داود: ((ما خرج رسول الله وَل من بيتي إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: اللهم إني أعود بك إلخ)) وليس عنده قوله (بسم الله) أي: أتحصن قال السمين الحلبي: إنما تحذف ألفها حيث يضاف الاسم للجلالة، وإذا أضيف لغيرها لم تحذف، هذا هو المشهور وعليه اقتصر المؤلف في شرح مسلم، ونقله عن الكتاب من أهل العربية، قال الشيخ جلال الدين السيوطي: وحكى عن الكسائي والأخفش جواز حذفها إذا أضيفت إلى غير الجلالة. وقال الفراء: هذا باطل ولا يجوز أن تحذف إلا مع اسم الله تعالى اهـ. (توكلت على الله) وعلى في هذا المقام للتفويض مجازاً عن الاستعلاء. وقيل: المراد من توكلت على الله، طلب الاستعلاء بالله تعالى على كل مرام؛ لتصحبه إعانته ولطفه وتحفظه من غير قصور (اللهم) يا الله (إني أعوذ) اعتصم والتجىء (بك) بقدرتك وعزتك من (أن أضل) بفتح أوله وكسر الضاد المعجمة أي: أغيب عن معالي الأمور بارتكاب نقائصها، فأبوء بالقصور عن أداء مقام العبودية، من ضل الماء في اللبن غاب (أو أُضل) بضم ففتح مبني للمجهول أي: يضلني غيري (أو أزل) بفتح فكسر للزاي أي: انزل عن الطريق المستقيمة إلى هوة ضدها لغلبة الهوى، أو الإِعراض عن ٢٨٥ ٧ - باب: في اليقين والتوكل أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَليَّ) حديثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْ مِذِيُّ وغيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ. قالَ التِّرْمِذِيُّ حديثٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا ◌َفْظُ أَبِي دَاوُدَ(١). أسباب التقوى والانهماك في تحصيل الدنيا. من زلت قدمه وقع من علو إلى هبوط. والمزلة: المكان المزلق الذي لا تثبت عليه الرجل، وبه يظهر أن في استعمال أزل هنا نوع تشبيه (أو أزل) بضم ففتح أي: يستولي عليّ من يزلني عن المقام العلي إلى السفساف الدني، أو بضم فكسر أي: من أن أوقع غيري في مهواة الزلل أي: المعاصي والخلل (أو أظلم) بفتح فسكون فكسر أي: أظلم غيري من الظلم وضع الشيء في غير محله، أو التصرف في حق الغير (أو أظلم) بضم فسكون ففتح أي: أظلم من أحد من العباد (أو أجهل) أي: أجهل الحق الواجب علي (أو يجهل علي) أي: بأن أحمل على شيء ليس من خلقي، وفي الحديث: ((من استجهل مؤمنا فعليه إثمه)) أي حمله على شيء ليس من خلق المؤمنين، فأغضبه فإثمه على ذلك المحرج له لذلك (حديث صحيح) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: وصححه الحاكم من طريق ابن مهدي وقال: إنه على شرط الشيخين، ونوزع بأن في سنده انقطاعاً، فإن الشعبي لم يسمع من أم سلمة. قال الحافظ: ولعل من صححه سهل الأمر لكون الحديث في الفضائل (رواه أبوداود والترمذي وغيرهما) فرواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم في المستدرك (بأسانيد صحيحة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح وهذا) أي: المذكور من قوله: ((اللهم إني أعوذ بك أن أضل إلخ)) وإلا ففيه زيادة: ((إلا رفع طرفه إلى السماء)) ونقص قوله: ((بسم الله توكلت على الله)) (لفظ) رواية (أبي داود) وقد أوضح ذلك في كتاب الأذكار له وعبارته بعد أن أورده بمثل اللفظ المذكور هنا: هكذا في رواية أبي داود أن أضل، وكذا الباقي بلفظ التوحيد، وفي رواية الترمذي أعوذ بك من أن نزل. وكذا الباقي بلفظ الجمع. وفي رواية أبي داود ما خرج رسول اللّه ◌َّر من بيتي إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: ((اللهم إني أعوذ بك إلخ)). وفي رواية غيره: كان إذا خرج من بيته قال: ((كما ذكرناه والله أعلم. اهـ فيه يعلم أن لفظ أبي داود المشار إليه إنما هو إفراد الكلمات فقط، وإلا فقوله: ((من بيته)) وزيادة قوله: ((بسم الله توكلت على الله)) ليست فيه، (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: ما يقول إذا خرج من بيته. (الحديث: ٥٠٩٤). وأخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ما جاء في الدعاء وعند افتتاح الصلاة بالليل / منه (باب: ٣٢) (الحديث : ٣٤٢٣). ٢٨٦ كتاب: دليل الفالحين ٨٣ - الْعَاشِرُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((مَنْ قَالَ (يَعْنِي إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ): بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّ بِاللّهِ. يُقَالُ لَهُ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ، وَتَنَخَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وقد بسطت الكلام في هذا المحل وبينت اختلاف ألفاظه عند كل من رواية أصحاب السنن الأربعة في باب ما يقول حال خروجه من بيته من شرح الأذكار. ٨٣ - ([والعاشر] عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَالر: من - قال: يعني إذا خرج من بيته -) لفظ أبي داود إذا خرج الرجل من بيته فقال: (بسم الله) أي : اتحصن (توكلت على الله) أي: فوضت أمري إليه، وعولت فى سائر الأحوال عليه (لا حول) وفي نسخة بإثبات الواو قبلها، ويجوز في حول الفتح على إعمال لا. والرفع على إهمالها (ولا قوة) بالنصب عطفاً على محل حول إن أعملت الأولى. وبالفتح على إعمال الثانية. وبالرفع على إهمالها كما سبق بيانه آخر الخطبة (إلا بالله) ومعناها لا حول عن المعاصي إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بالله قال عليه السلام: كذا أخبرني جبريل عن الله تعالى. وفي شرح المشكاة للقارىء: أحسن ما ورد في معناه عن ابن مسعود قال: ((كنت عند رسول الله 18 فقلتها فقال: تدري ما تفسيرها؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: لا حول عن معصية الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله)) أخرجه البزار، ولعل تخصيصه بالطاعة والمعصية لأنهما أمران مهمان في الدين. اهـ (يقال له) الجملة خبر الموصول الاسمي، والقائل يحتمل أن يكون الله أو ملك. (هديت وكفيت ووقيت) وهي بالبناء للمجهول في محل نائب الفاعل، لأنه أريد منها اللفظ، أي باستعانتك باسمه تعالى وتحصنك به هديت الصراط المستقيم، وكفيت كل مهم دنيوي وأخروي، ووقيت أي حفظت من شر كل عدو، وبواسطة صدقك في تفويض جميع الأمر لبارئه وسلبك الحول والقوة عن كل أحد وإثباتهما له تعالى. (وتنحى) بفتح أوليه وتشديد المهملة. (عنه) أي مال عن جهته وطريقه (الشيطان) فلا سبيل له إليه لكونه هدي، ووقي من سائر الأعادي، وكفي الهموم الخفايا والبوادي، (رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم) فرواه ابن حبان في صحيحه، ولفظ الحديث للترمذي، وقاعدة المحدثين في مثله تقديم ذكر من خرجه باللفظ وتأخير من خرجه بنحو ما ذكروه. ولعل تقديم أبي داود لكونه مقدماً في المرتبة. (وقال الترمذي: حديث حسن) وفي نسخة صاحب السلاح حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه اهـ. ونسخ الترمذي مختلفة في مثل هذا كثيراً؛ فلذا اعتبر في اعتماد الأصل منه، تعداد الأصول المقابل هو بها. ٢٨٧ ٧ - باب: في اليقين والتوكل وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ. زَادَ أَبُو دَاوُدَ: فَيَقُولُ (يَعْنِي الشَّيْطَانُ) لِشَيْطَانٍ آخَرَ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟(١). ٨٤ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ◌َ وَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ ◌َ وَالآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أَخَاهُ لِلْنِيِّ وَ فَقَالَ: ويحتمل أن المصنف أسقط لفظة غريب لذلك، أو لعدم تعلق غرضه بذكرها، لأنها لا تقدح في العمل؛ (زاد أبو داود فيقول: يعني) تفسير من بعض الرواة، لمرجع هو المستتر في يقول: العائد للشيطان المذكور في قوله وتنحى عنه الشيطان. (الشيطان) بالنصب مفعول، يعني وأل فيه عهدية (لشيطان آخر) يريد إغواء قائل هذا الذكر، ولم يسمع ما قاله، وما قيل له، أو سمعه وأراد التمرد. (كيف) يتيسر (لك) أن تظفر (برجل قد هدي) وجملة قد هدي، وكذا ما عطف عليه من قوله: (وكفي ووقي) في محله الصفة لرجل، وجملة كيف لك إلخ مقول القول، وحاصل المراد أنه يقول الشيطان: لشيطان آخر كيف يتيسر لك الظفر بإغواء رجل موصوف بأنه أعطي هذه الهبات. وفي الترغيب للمنذري والسلاح، فيقول: شيطان بحذف اللام منه فيكون فاعلاً، وحذف المقول له ليعم. وعلم الشيطان حصول هذا المعنى لقائل هذا الذكر من الأمر العام، وهو أن من ذكره تعالى بهذه الكلمات المرغب فيها منه وله أعطي ذلك، أو بسماعه من الملك إن كان هو القائل لذلك كما تقدم في احتمال ((فائدة)) في الجامع الصغير للسيوطي إيراد الحديث السابق عن أم سلمة من حديث بريدة، باللفظ المذكور هنا، وزاد بعد قوله: توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. وزاد في آخره أو أبغي أو يبغى علي، وقال: رواه الطبراني، من حديث بريدة، وبه يعلم أن حديث أنس هذا قطعة من الحديث قبله اقتصر كل من رواته على ما ذكره، وترك الباقي إما نسياناً أو لسبب آخر والله أعلم . ٨٤ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان أخوان) لم أقف على من سماهما (على عهد) أي زمن حياة (رسول الله و# فكان أحدهما يأتي مجلس النبي (وَلة) ويلازمه ليتلقى من معارفه الله، ويأخذ من أقواله وأفعاله. (والآخر يحترف) افتعال من الحرفة، وهي الصناعة، وجهة الكسب. (فشكا المحترف أخاه) في ترك الاحتراف (إلى النبي صل فقال:) مسلياً له (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: ما يقول إذا خرج من بيته (الحديث: ٥٠٩٥). وأخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ما يقول إذا خرج من بيته. (الحديث: ٣٤٢٦). ٢٨٨ كتاب: دليل الفالحين ((لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ))، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. ((يَحْتَرِفُ)): يَكْتَسِبُ وَيَتَسَبَّبُ(١). ٨ - باب: في الاستقامة قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٢): ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. في انفراده بالاحتراف، وترك أخيه الأسباب (فلعلك ترزق به) أي فلعل قيامك بأمره سبب لتيسير رزقك؛ لأن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، وفي الحديث أيضا: ((وهل ترزقون أو قال تنصرون إلا بضعفائكم)) وفي تنبيه على أن من انقطع إلى اللّه، واكتفى بتدبيره عن تدبير نفسه، وسكن تحت جري مقاديره كفاه مهماته، وفي الحديث تكفل الله لطالب العلم بالرزق، أي بتيسير وصوله إليه لما خرج عن حاجة نفسه، وأقبل على باب مولاه، واكتفى به عن أفعال نفسه وإلا فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها. (رواه الترمذي بإسناد) هو رجال الطريق الموصلة إلى المتن (على شرط مسلم) أي أنهم روى عنهم مسلم في صحيحه، وهذا هو المراد بقولهم على شرط الشيخين مثلاً. (يحترف) المذكور في الخبر معناه (يكتسب ويتسبب) أي يتعاطى الأسباب التي أبرزتها الحكمة ستراً للتصرفات الإِلهية ... باب الاستقامة في مفردات الراغب استقامة الإِنسان لزومه للمنهج المستقيم، نحو ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾(٣) اهـ. وقال بعض العارفين: مرجع الاستقامة إلى أمرين صحة الإِيمان بالله، واتباع ما جاء به رسول اللّه وه يل ظاهراً وباطناً، وقال عمر رضي الله عنه: الاستقامة أن تقوم على الأمر والنهي، ولا تروغ عنه روغان الثعلب (قال الله تعالى: فاستقم كما أمرت) الخطاب فيه للنبي وَّ يعني: فاستقم يا محمد على دين ربك والعمل به، والدعاء إليه كما أمرك ربك، والأمر فيه للتأكيد؛ لأن النبي وَلّ كان على الاستقامة لم يزل (١) سورة هود، الآية: ١١٢. (٢) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: في التوكل على الله. (الحديث: ٢٣٤٥). (٣) سورة فصلت، الآية: ٣٠. ٢٨٩ ٨ - باب: في الاستقامة وَقَالَ تَعَالَى(١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوْعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيْهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾. وَقَالَ تَعَالَى(٢): ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولِئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. عنها. فهو كقولك للقائم: قم حتى آتيك أي دم على ما أنت عليه من القيام حتى آتيك. وفي تفسير القرطبي أن الذي شيبه وَّ من سورة هود قوله: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ (٣) وقال: روي عن عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا علي الشنوي يقول: رأيت النبي ◌َّ في المنام، فقلت: يا رسول الله روي عنك أنك قلت شيبتني هود. فقال: نعم فقلت له: ما الذي شيبك منها قصص الأنبياء وهلاك الأمم قال: لا ولكن قوله: ﴿فاستقم كما أمرت﴾(٣) اهـ (وقال تعالى: أن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) على التوحيد وغيره مما وجب عليهم (تتنزل عليهم الملائكة) عند الموت (أن) أي أي أو بأن (لا تخافوا) من الموت، وما بعده (ولا تحزنوا) على ما خلفتم من أهل وولد، فنحن نخلفكم فيهم (وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا) أي حفظتكم (وفي الآخرة) أي نكون معكم فيها حتى تدخلوا الجنة. (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم) قيل: في إضافتها إليهم إشارة إلى تنعم أنفسهم التي ذاقت المرارة في الدنيا، وانظر إلى تشتهي وإلى قوله تدعون في قوله: (ولكم فيها ما تدَّعون) أي تطلبون فإن فيه إشارة إلى تفاوت المراتب، ولا يخفى أن ذلك مما تذهب فيه النفس كل مذهب. (نزلا) رزقاً مهيأً منصوب بجعل مقدراً (من غفور رحيم) وهو الله تعالى، وإذا كان هذا النزل، وهو الكرامة المعجلة فكيف بالمؤجلة رزقنا الله اتباع الكتاب والسنة، وختم لنا بالحسنى بمنه آمين. (وقال تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله) أي آمنوا به ووحدوه (ثم استقاموا) اعتدلوا على ذلك، وداموا عليه إلى أن يتوفاهم الله عليه، والمراد الاستقامة على التوحيد الكامل، واتباع الكتاب والسنة (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون أولئك أصحاب الجنة) بفضل الله تعالى، (١) سورة فُصِّلت، الآيات: ٣٠، ٣١، ٣٢. (٢) سورة الأحقاف، الآيتان: ١٣، ١٤. (٣) سورة هود، الآية: ١١٢ . ٢٩٠ كتاب: دليل الفالحين ٨٥ - وَعَنْ أَبِي عَمْرٍو. وَقِيلَ: أَبِي عَمْرَةَ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لي فِي الْإِسْلاَمِ قَوْلاً لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَداً غَيْرَكَ، قَالَ: (قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) ٨٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: ((قَارِبُوا، وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ))، قَالُوا: وَلَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال : ((لن يدخل أحدكم الجنة بعمله)) الحديث (خالدين فيها) حال مقدرة (جزاء) منصوب على المصدرية بفعله المقدر، أي يجزون جزاء (بما كان يعملون) ٨٥ - (وعن أبي عمرو) بفتح العين المهملة (وقيل: أبي عمرة) بزيادة تاء في آخره (سفيان) بضم السين على الأفصح، وهو بتثليث السين (ابن عبد الله الثقفي رضي الله عنه) معدود من أهل الطائف كان عاملاً عليه لعمر حين عزل عنه عثمان بن أبي العاص، ونقله إلى البحرين روى له مسلم هذا الحديث والترمذي والنسائي وابن ماجه (قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإِسلام) أي في دينه وشريعته (قولاً) جامعاً لمعاني الدين واضحاً في نفسه بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيرك. أعمل عليه وأكتفي به بحيث (لا أسأل) أي لا يحوجني لما اشتمل عليه من بديع الإحاطة والشمول ونهاية الإيضاح، والظهور إلى أن أسأل (عنه أحداً غيرك (٢) قال: قل: آمنت بالله) أي جدد إيمانك متذكراً بقلبك ذاكراً بلسانك مستحضراً تفاصيل معاني الإِيمان الشرعي التي مرت في حديث جبريل (ثم استقم على عمل الطاعات والانتهاء عن جميع المخالفات) إذ لا تتأتى الاستقامة مع شيء من الاعوجاج فإنها ضده، والحديث على وفاق الآية قبله (رواه مسلم) وأخرجه أحمد، والدارمي، وابن حبان في صحيحه والطبراني في الكبير والضياء في المختارة(٣)، والحاكم في مستدركه والبيهقي في شعب الإِيمان والخرائطي في مكارم الأخلاق وغيرهم قال المصنف: هذا أحد الأحاديث التي عليها مدار الإِسلام. ٨٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وسلم: ((قاربوا وسددوا واعلموا أنه) أي: الشأن (لن ينجو أحد منكم من الله بعمله قالوا: ولا أنت) أي: ولا تنجو بعملك (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: جامع أوصاف الإسلام. (الحديث: ٦٢) (٢) هذه الأوصاف للقول يومي إليها تنوين قولاً فإنه للتعظيم (٣) اسم كتاب ٢٩١ ٨ - باب: في الاستقامة قَالَ: ((وَلَ أَنَا إِلَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ )) فحذف الفعل. فانفصل الضمير، ويحتمل أن يكون ولا أنت ناج بعملك فيكون مبتدأ محذوف الخبر (قال: ولا أنا) أي: ولا أنجو، أو ولا أنا ناج بالعمل (إلا أن يتغمدني) أي: يغمرني (الله برحمة منه وفضل) ويلبسنيها ويغمرني بها ومنه غمدت السيف وأغمدته أي جعلته في غمده، وسترته به. قال المصنف في شرح مسلم: مذهب أهل السنة أنه لا يثبت بالعقل ثواب، ولا عقاب، ولا حكم شرعي، ولا يثبت ذلك كله إلا بالشرع، ومذهبهم إن الله تعالى لا يجب عليه شيء بل الدنيا والآخرة ملكه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد فلو عذب المطيعين جميعهم وأدخلهم النار لكان عدلاً منه، ولو نعم الكافرين وأدخلهم الجنة كان له ذلك ولكنه أخبر، وخبره صدق أنه لا يفعل هذا بل يغفر للمؤمنين، ويدخلهم الجنة برحمته ويعذب الكافرين ويدخلهم النار عدلاً منه. وفي هذا الحديث دليل ظاهر لما قلناه من أنه لا يستحق أحد الثواب والجنة بطاعته. وأما قوله تعالى: ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾(١) ونحوها من الآيات الدالة على أن الأعمال يدخل بها الجنة فهي لا تعارض هذه الأحاديث بل معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال ثم التوفيق للأعمال والهداية للإِخلاص فيها وقبولها برحمة الله، وفضله فصح أنه لم يدخل الجنة أحد بمجرد العمل، وهو مراد الأحاديث. ويصح أن يقال: إنه دخل بالأعمال المسببة عن الفضل أي: بسببها وهي من الرحمة اهـ. ملخصاً وأشار العارف بالله تعالى ابن أبي جمرة إلى جواب آخر حاصله أن الأعمال أسباب عادية كسائر الأسباب التي هي من مقتضيات الحكمة، ولا تأثير لها في دخول الجنة فالنفي باعتبار التأثير بمعنى أن الذي يؤثر في دخول الجنة في الحقيقة إنما هو الله تعالى لا الأعمال فإنما هي مجرد أسباب صورية اقتضتها الحكمة الإلهية والإِسناد إليها تارة باعتبار أنها سبب صوري وسيأتي في باب بيان طرق الخير أجوبة أخرى. قال ابن أبي جمرة: وفي الحديث دلالة على أنه ليس أحد من الخلق يقدر على توفية حق الربوبية على ما يجب لها، يؤخذ ذلك من قوله: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)) فإذا كان هو، وهو خير البشر، وصاحب المقامات العلا لا يقدر على ذلك فالغير أحرى وأولى، وإذا تأملت ذلك من جهة النظر تجده مدركاً حقيقة لأنه إذا طالبنا بشكر النعم التي أنعم علينا عجزنا عنه بالقطع ومنها ما لانعرفه كما قال: ﴿وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها﴾(٢) فكيف غير ذلك من أنواع التكليفات فما بقي إلا ما أخبر به الصادق وهو التغمد بالفضل والرحمة . . (رواه مسلم (١) سورة النحل، الآية: ٣٢. (٢) سورة إبراهيم، الآية: ٣٤ ٢٩٢ كتاب: دليل الفالحين رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَ ((الْمُقَارَبَةُ)): الْقَصْدُ الَّذِي لَ غُلُوَّ فِيهِ وَلاَ تَقْصِيرَ. وَ((السَّدَادُ)): الاسْتِقَامَةُ وَالْإِصَابَةُ. وَ(يَتَغَمَّدَنِي)): يُلْبِسُنِي ويَسْتُرُنِي. قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَى الاسْتِقَامَةِ: لُزُومُ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالُوا: وَهِيَ مِنْ جَوامِعِ الْكَلِمِ، وَهِيَ نِظَامُ الْأُمُورِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ(١). ٩ - باب: في التفكير في عظيم مخلوقات الله تعالى وفناء الدنيا وأهوال الآخرة وسائر أمورهما وتقصير النفس وتهذيبها وحملها على الاستقامة والمقاربة قصد الذي لا غلو فيه) أي: مجاوزة المأمور به والزيادة فيه (ولا تقصير) أي: إخلال بشيء منه (والسداد) بفتح الأولى (الاستقامة والإِصابة) قال بعضهم: السداد هو الإصابة في الأقوال والأعمال والمقاصد. والإِصابة في جميعها هي الاستقامة (ويتغمدني يلبسني ويسترني) هو مثل يتغمدني في التعدي بالباء وإن كان لا يلزم من ترادف معنى الفعلين توافقهما في الاستعمال والصلة(٢) كصلى فإنه بمعنى دعا ومع هذا فالأول يعدى بعلى في الخير، والثاني لا يعدى بها إلا في الشر (قال العلماء: معنى الاستقامة) المطلوبة الممدوحة بالكتاب والسنة (لزوم طاعة الله تعالى) ويلزم من ذلك ترك منهياته (قالوا:) أي: العلماء (وهي من جوامع الكلم) هو أن يكون اللفظ قليلاً والمعنى جزيلاً، وهو ما أعطيه وليد (وهي) أي: الاستقامة (نظام الأمور) قال بعض العلماء: الاستقامة هي الدرجة القصوى التي بها كمال المعارف والأحوال. وصفاء القلوب في الأعمال، وتنزيه العقائد عن سفاسف البدع والضلال قال الاستاذ أبو القاسم القشيري: من لم يكن مستقيماً في حاله ضاع عمله، وخاب جده، ونقل أنه لا يستطيعها إلا الأكابر لأنها الخروج عن المألوفات، ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق، ولعزتها أخبر وه أن الناس لن يطيقوها، فقد أخرج أحمد استقيموا ولن تطيقوا. (١) أخرجه مسلم في كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى. (الحديث: ٧١). (٢) أي الحرف الذي يتعدى به ويتوصل به إلى المعمول اهـ. ٢٩٣ ٩ - باب: في التفكير في عظيم مخلوقات الله قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا باب التفكر أي إجالة الفكر (في عظيم مخلوقات الله تعالى) كالعرش والكرسي والسماء والأرض ففي الحديث: ((السماء والأرض وما بينهما في العرش إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض)) وعظم المخلوق (٢) يدل على كمال الخالق وعظمته (و) التفكر في (فناء الدنيا) واضمحلالها وتلاشي أمرها قال تعالى: ﴿واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح﴾ (٣) ليبعثه ذلك على الزهد فيها والإِعراض عن غرورها والإقبال على الآخرة ففي الحديث ((كونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا أبناء الدنيا)) فإن رفع الله قدره وخلصه عن السوي وخصصه بالتخلص للمولى فتلك الغاية القصوى (و) التفكر في (أهوال الآخرة) وشدائدها كما قال تعالى: ﴿يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿يوماً يجعل الولدان شيباً﴾(٥) ليبعثه ذلك على التقوى وطاعة المولى فينجو من کرب الدارين ويجزى بالإِحسان قال تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾(٦) (وسائر أمورهما) أي: أمور الدنيا، وأنها جميعها فانية وأهوال الآخرة، وأنها شديدة (وتقصير) أمل (النفس) بذكر الموت (وتهذيبها) من الأخلاق السيئة بتذكر أهوال الآخرة وشدة عقابها (وحملها على الاستقامة) بتذكر النفس، ما ورد من الوعد الصادق في الطاعة من الثواب بمحض الفضل. وعلى المعصية من العقاب بطريق العدل، وهذا إنما يبلغه العبد بتأييد الله سبحانه وتعالى وتوفيقه؛ لاتباع الكتاب والسنة، فإن ظفر بشيخ مرشد مرب موصل للمريد إلى طريق الحق بتهذيب النفس من رعونتها وتحليتها، بأنواع العبادات فذلك أعلى وإلا فما لا يدرك كله لا يترك كله (قال تعالى: قل: إنما أعظمكم بواحدة) هي (أن تقوموا) (١) سورة سبأ، الآية: ٤٦. (٢) قوله وعظم المخلوق إلخ قياس ما سيأتي أن تكون العبارة ليبعثه ذلك على معرفة عظمة الخالق فإن عظم المخلوق يدل إلخ : ش. (٣) سورة الكهف، الآية: ٤٥ (٤) سورة الحج، الآية: ٢. (٥) سورة المزمل، الآية: ١٧ . (٦) سورة الرحمن، الآية: ٦٠ ٢٩٤ كتاب : دليل الفالحين لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَىْ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾. وَقَالَ تَعَالَى(١): ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمُوَاتِ وَالْأُرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لُأِولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ، وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ الآيات. بالانتصاب في الأمر والنهوض فيه بالهمة (لله) أي: لأجله (مثنى) أي: اثنين اثنين (وفرادى) أي: واحداً واحداً (ثم تتفكروا) أي: في السموات والأرض فتعلموا أن خالقهما واحد، فعلى هذا تم الكلام بقوله (تتفكروا) وقوله: ﴿ما بصاحبكم من جنة﴾(١) ابتداء كلام، وهذا أحد قولين في الآية للمفسرين، والثاني، أن المراد التفكر في شأن النبي ◌َّير، بأن يتفكروا أي: يتفكر كل منهم في ذلك ويعرض كل فكرته على صاحبه لينظرا فيه نظر متصادقين متناصفين، لا يميل به اتباع الهوى، وبأن يتفكر الواحد أيضاً بعدل ونصف، هل رأينا في هذا الرجل جنوناً قط أو كذباً وقد علمتم أن محمداً ما به من جنة بل علمتموه أرجح قريش عقلًا وأوزنهم حلماً وأحدهم ذهناً وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال، فإذا علمتم ذلك كفاكم أن تطالبوه بآية فإذا أجابها تبين أنه صادق مما جاء به (وقال تعالى: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات) لدلائل واضحة على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته (لأولي الألباب) العقول المجلوة عن شوائب الحس والوهم؛ ولعل الاقتصار على هذه الثلاثة في هذه الآية، لأن مناط الاستدلال هو التغير، وهذه متعرضة لجملة أنواعه، فإنه إما أن يكون في ذات الشيء كتغير الليل والنهار، أو جزئه كتغير العناصر بتبدل صورها أو الخارج عنه، كتغير الأفلاك بتبدل أوضاعها، وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي : ((ويل لمن قرأها ولم يفكر فيها)) رواه ابن حبان وغيره (الذين يذكرون الله قياماً. وقعودا وعلى جنوبهم) أي: يذكرون دائماً على الحالات كلها قائمين وقاعدين ومضطجعين، وقيل: معناه: يصلون على الهيئات الثلاث حسب طاقتهم (ويتفكرون في خلق السموات والأرض) استدلالاً واعتباراً، وهو أفضل العبادات، أخرج بن حبان عن علي قال: قال ◌َله: ((لا عبادة كالتفكر)) أي: لأنه المخصوص بالقلب والمقصود من الخلق (١) سورة آل عمران، الآيتان: ١٩٠، ١٩١ (٢) سورة سبأ، الآية: ٤٦ ٢٩٥ ٩ - باب في التفكير في عظيم مخلوقات الله ير وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ *، وأخرج الثعلبي بسند فيه من لا يعرف عن أبي هريرة رضي الله عنه، عنه ◌َّة: ((بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى السماء والنجوم فقال: أشهد أن لك رباً وخالقاً اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له)) وعن ابن عباس وأبي الدرداء ((فكرة ساعة خير من قيام ليلة)) وقال الحسن بن أبي الحسن: ((الفكرة مرآة المؤمن ينظر فيها إلى حسناته وإلى سيئاته)) وقال سري السقطي: ((الفكرة خير من عبادة سنة ما هو إلا أن تحل أطناب خيمتك فتحطها في الجنة)) وفي تفسير أبي عطية: حدثني أبي عن بعض علماء المشرق قال: كنت بائتاً بمسجد في مصر فصليت العتمة فرأيت رجلاً قد اضطجع مسجى بكسائه حتى أصبح وصلينا تلك الليلة وسهرنا فلما أقيمت صلاة الصبح قام ذلك الرجل فاستقبل القبلة وصلى مع الناس فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء فلما فرغت الصلاة خرج فتبعته لأعظه فلما دنوت منه سمعته يقول : منتبه القلب صامت ذاكر منسجز الجسم غائب حاضر كذاك من كان عارفاً فاكر منقبض في العيون منبسط فهو مدى الليل نائم ساهر يبيت في ليلة أخا فكر وانصرفت عنه قال: فقلت: إنه ممن يعبد الله بالفكرة اهـ (ربنا ما خلقت هذا باطلا) حال من فاعل يتفكرون على إرادة القول، أي: يتفكرون قائلين ذلك و ((هذا)) إشارة إلى المتفكر فيه أو الخلق، على أنه أريد به المخلوق من السموات والأرض أو إليهما؛ لأنهما في معنى المخلوق، والمعنى ما خلقته عبثاً ضائعاً من غير حكمة بل لحكم عظيمة، من جملتها أن يكون مبدأ لوجود الإِنان وسبباً لمعاشه ودليلا يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك لينال الحياة الأبدية والسعادة السرمدية فى جوارك (سبحانك) تنزيهاً لك من العبث وخلق الباطل وهو اعتراض (الآيات) يحتمل أن يكون إلى قوله: ﴿إنك لا تخلف الميعاد﴾(٢) ويحتمل أن يكون إلى آخر السورة، والأول أقرب، وكرر في الدعاء: (ربنا) خمس مرات مبالغة في الابتهال ودلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها، وفي الآثار من حزبه أمر فقال: خمس مرات ربنا أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراده، ثم قرأ هذه الآيات (وقال تعالى: أفلا ينظرون) نظر اعتبار (إلى الإِبل كيف خلقت) خلقاً دالاً على كمال (١) سورة الغاشية، الآيات: ١٧، ١٨، ١٩، ٢٠، ٢١. (٢) سورة آل عمران، الآية: ١٩٤ ٢٩٦ كتاب : دليل الفالحين وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأُرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكَّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾. وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ الآية. قدرته وحسن تدبيره حيث خلقها لحمل الأثقال إلى البلاد النائية فجعلها عظيمة باركة للحمل ناهضة بالحمل منقادة لمن قادها طوال الأعناق، لتبوء بالأوقار ترعى كل نابت وتحتمل العطش إلى عشر فصاعداً ليتأتى بها قطع البراري والمفاوز مع ما لها من منافع أخرى؛ ولذا خصت بالذكر لبيان الآيات المنبثة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكبرها صنعاً، ولأنها أعجب ما عند العرب من هذا النوع، وقيل: المراد بها السحاب على الاستعارة (وإلى السماء كيف رفعت) بلا عمد (وإلى الجبال كيف نصبت) فهي راسخة لا تميل (وإلى الأرض كيف سطحت) بسطت حتى صارت مهاداً، والمعنى أفلا ينظرون إلى أنواع المخلوقات من البسائط والمركبات ليتحققوا كمال قدرة الخالق فلا ينكروا اقتداره على البعث ولذلك عقب به أمر المعاد ورتب عليه الأمر بالتذكير فقال: (فذكر) وفي تفسير ابن عادل إن قيل: ما المناسبة بين هذه الأشياء؟ فالجواب، قال الزمخشري : من فسر الإِبل بالسحاب فالمناسبة ظاهرة، وذلك تشبيه ومجاز، ومن حملها على الإِبل فالمناسبة بينها وبين السماء والأرض والجبال من وجهين. ((أحدهما)): أن القرآن نزل بلغة العرب وهم أهل أسفار، والمسافر قد يخلو بنفسه لفقد من يصحبه، وشأن الإِنسان إذا انفرد الإقبال على التفكر في الأشياء، فإذا فكر فأول ما يقع نظره على الجمل الذي هو راكبه، فإذا هو منظر جميل جمع أموراً تدل على كمال قدرته سبحانه وإن نظر إلى ما فوق فإلى السماء أو إلى تحت، فالأرض أو إلى الجانب فالجبال، فكأنه تعالى أمره بالنظر وقت الخلوة والانفراد حتى لا تحمله داعية الكبر والحسد على ترك النظر. ((الثاني)) أن جميع المخلوقات دالة على الصانع، إلا أن منها ما هو مشتهى للنفس كحسن الصور واللباس والنزهة، فهذه استحسانها قد يمنع من كمال النظر فيها، ومنها ما لا حظ فيه للشهوة، فأمر بالنظر فيها إذ لا مانع من إكمال النظر فيها إ هـ (وقال تعالى: أفلم يسيروا في الأرض فينظروا) أي: إلى تقلب الأحوال بأبناء الدنيا واضمحلالهم بعد وجودهم (١) سورة محمد، الآية: ١٠ . ٢٩٧ ١٠ - باب: في المبادرة إلى الخيرات وَالآيَاتُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ. وَمِنَ الأَحَادِيثِ الْحَدِيثُ السَّابِقُ ((الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ)). ١٠ - باب: في المبادرة إلى الخيرات وحثّ مَنِ توجّه الخير على الإقبال عليه بالجد من غير تردُّد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾. وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبَّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ فيها وتلاشي أمرهم بعد كمال قوتهم صورة فيعرفون أن الحي القيوم هو الله وأن غيره فان، فلا يركنوا إلى الدنيا، ولا يغتروا بزهراتها، ولا يقبلوا على مستلذاتها وشهواتها ويغفلوا عما خلقوا له من عبادة مولاهم وطاعته اللذين بهما كمال المرء وسعادته (الآية) بالنصب أي: اقرأ الآية أو بالرفع أي: الآية إلى آخرها معلومة أو المستدل به الآية فهو مبتدأ أو خبر (والآيات في الباب كثيرة ومن الأحاديث الحديث السابق) عن شداد بن أوس في باب المراقبة (الكيس من دان نفسه) ((وعمل لما بعد الموت)) فإن محاسبته لها وعدم تركها هملاً إنما ينشأ عن تفكره في الدنيا وزوالها وفي نفسه وانتقالها كأنك بالدنيا ولم تكن وبالآخرة ولم تزل فيحاسب نفسه فيمنعها عما لا ينبغي ويحليها بما يرضي الله وبالله التوفيق : باب المبادرة أي: المسارعة (إلى) فعل (الخيرات وحث) أي: حض (من توجه لخير على الإقبال عليه) أي: على التوجه (بالجد) بالعزم على الأمر والإِتيان به (من غير تردد) في ذلك قال تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ (٣) سارعوا إليها (وقال تعالى: وسارعوا) بادروا (إلى مغفرة من ربكم) أي: الأعمال الموجبة للمغفرة بالوعد الصادق، أو إلى التوبة أو إلى أداء الفرائض أو إلى الهجرة (و) إلى (جنة عرضها السموات والأرض) أي: كعرضها أي: سعتها كذلك، (١) سورة البقرة، الآية: ١٤٨. (٢) سورة آل عمران، الآية: ١٣٣ . (٣) سورة المائدة، الآية: ٤٨. ٢٩٨ كتاب: دليل الفالحين وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وَأَمَّ الأَحَادِيثُ: ٨٧ - فَالْأَوَّلُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ: ((بَادِرُوا بالأَعْمَالِ الصَّالِحَّةِ فَسَتَكُونُ فِتَنْ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ: يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤمِناً وَيُمْسِي كَافِرَاً، وَيُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً؛ يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا!)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). وخص العرض بالذكر لأن طول كل شيء غالباً أكثر من عرضه هذا عرضها، وأما طولها فلا يعلمه إلا الله، وهذا على التمثيل لا أنها كالسموات والأرض لا غير بل كعرض السموات والأرض عند ظنكم (الآية) أي: أتم الآية يعني أعدت للمتقين، وهو وقف تام وما بعده من الآيات وصف للمتقين المعد لهم الجنة في علم الله من فضله ٨٧ - (وأما الأحاديث: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله مهل قال: بادروا فتنا) أي: ائتوا بالعمل الصالح وابتدروا إليه قبل ظهور المانع منه من الفتن، فهو بالأعمال . .. قريب من حديث: ((اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)) ثم وصف الفتن المانعة من كمال العمل، أو من أصله بأنها (كقطع) بكسر ففتح جمع قطعة أي: طائفة (من الليل المظلم) أي: كلما ذهب ساعة منه مظلمة عقبتها ساعة مثل ذلك، قال في النهاية: أراد فتنة سوداء تعظيماً لشأنها اهـ. وفي الحديث إشارة إلى تتابع الفتن المضلة أواخر الزمان، وكلما انقضى منها فتنة عقبتها أخرى، وقانا الله من الفتن بمنه وكرمه (يصبح الرجل مؤمناً) أي: باقياً على إيمانه الذي كان عليه (ويمسي) بضم التحتية فيه وفي يصبح (كافراً) يحتمل الكفران بالنعم لما يداخله من المعاصي المبعدة من ساحة الشكر. ويحتمل الكفر الحقيقي. قال القرطبي: ولا يمتنع حمله على ذلك؛ لأن الفتن إذا تراكمت أفسدت القلب وأورثته القسوة والغفلة التي هى سبب الشقاء. (ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض) بفتح الراء أي: متاع وحطام (من الدنيا) استئناف بياني أي: أن سبب كفره بيعه أي: أخذه العرض في مقابلة دينه، بأن يأخذ أو يستحل مال أخيه المسلم، أو يستحل الربا والغش أو نحوه مما أجمع على تحريمه وعلم من الدين بالضرورة. قال القرطبي : ففي الحديث التمسك بالدين (رواه مسلم) ورواه أحمد (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: معنى قول النبي وثيقة ((لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)) (الحديث: ١٢٠). ٢٩٩ ١٠ - باب: في المبادرة إلى الخيرات ٨٨ - الثَّانِي عَنْ أَبِي سِرْوَعَةً ((بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِهَا)) عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ وَ﴿ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ فَسَلَّمْ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعاً فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرٍ نِسَائِهِ، فَفَرِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَرَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ. قَالَ: ((ذَكَرْتُ شَيْئاً مِنْ تِبْرِ عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ والترمذي كما في الجامع الصغير، وزاد في آخر الحديث: ((يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل)) ٨٨ - (وعن أبي سروعة بكسر السين المهملة وفتحها) وإهمال الراء والعين (عقبة بن الحارث) بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي القرشي النوفلي (رضي الله عنه) وما ذكره المصنف من أنه أبو سروعة قول أهل الحديث ومصعب الزبيري. وأهل النسب يقولون: إن عقبة أخو أبي سروعة، وإنهما أسلما معاً يوم الفتح. قال ابن الأثير: وهو الأصح روى له البخاري ثلاثة أحاديث (قال: صليت وراء النبي ( بالمدينة) علم بالغلبة على مهاجره وسيلة والنسبة إليها مدني (العصر) هذا بناء على أنها اسم للصلاة، وعلى كونها اسماً للوقت، فهو على تقدير المضاف أي: صلاة العصر (فسلم ثم قام مسرعاً) لعل تراخي القيام عن السلام مع مبادرته في الأثر وإسراعه أنه إنما تذكر حينئذ، وفي رواية فقام (فتخطى رقاب الناس) أي: قطع الصفوف حال جلوس الناس. أما وهم قيام فيقال له خرق الصفوف (إلى بعض حجر نسائه) متعلق بتخطى. وحُجَر بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجرة اسم للمنزل (ففزع) بوزن علم من الفزع الخوف أي: خاف (الناس من سرعته) في السير إلى تلك الحجرة وعادته * أن يمشي هوناً، وعادتهم الفزع إذا رأوا منه غير ما يعهدون، خشية أن ينزل فيهم شيء يسوءهم (فخرج عليهم فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته) في خروجه من الحجرة (فقال: ذكرت شيئاً من تبر) بكسر الفوقية وسكون الموحدة. وفي رواية: ((وأنا في الصلاة)). وعليه فثم في قوله: ((ثم قام)) مستعارة من الفاء (عندنا فكرهت أن يحبسني) أي يشغلني التفكر فيه عن التوجه والإقبال على الله تعالى، وفهم بعضهم معنى آخر. فقال: إن تأخير الصدقة يحبس صاحبها يوم القيامة (فأمرت بقسمته) وفي رواية: ((فقسمته)) وفيه جواز الاستنابة مع القدرة على المباشرة (رواه البخاري) وترجم له باب من صلى بالناس فذكر ٣٠٠ كتاب : دليل الفالحين وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: ((كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي الْبَيْتِ تِبْراً مِنَ الصَّدَقَةِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيَِّهُ. ((الِّبْرُ)): قِطَعٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (١). ٨٩ - الثَّالِثُ عَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ وَ يَوْمَ أُحُدٍ : أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فَأَيْنَ أَنَا؟ قَالَ: ((فِي الْجَنَّةِ) فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ)) مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(٢). حاجة فتخطاهم (وفي رواية له كنت خلفت في البيت تبرأ من الصدقة فكرهت أن أبيته) من التبييت أي: أتركه عندي ولا أدفعه لمستحقه، ففيه المبادرة لأداء القربات وفعل الخيرات (والتبر قطع) بكسر القاف ففتح المهملة (ذهب أو فضة) هذا قول لبعضهم والذي قال الجوهري: إنه الذهب فقط؛ فلذا قال في فتح الباري: التبر الذهب إذا لم يصف ولم يضرب، وأطلقه بعضهم على جميع جواهر الأرض قبل أن يصاغ أو يضرب، حكاه ابن الأنباري عن الكسائي، وكذا أشار إليه ابن دريد وقيل هو المكسور. حكاه ابن سيدة. ٨٩ - (وعن جابر) أي: ابن عبد الله (رضي الله عنه قال: قال رجل للنبي وَل يوم أحد:) قال الخطيب: هو عمر بن الحمام ابن الجموح بن حرام الأنصاري. وقيل: غيره. لأنه كانت قصته هذه يوم بدر لا يوم أُحُد نقله المصنف في مهماته (أرأيت) بفتح الفوقية أي : أخبرني (إن قتلت) أي: في سبيل الله (فأين أنا) أي: فأين أصير. حُذف الفعل فانفصل مرفوعه (قال: في الجنة فألقى تمرات) أي: قليلات (كن في يده) كان يأكل منهن، ولم يطمئن للأكل مسارعة للجهاد، ثم لم يرض بالصبر مدة أكل تلك الحبات مسارعة للخيرات واستباقاً لمرضاة الله عليه (ثم قاتل حتى قتل متفق عليه) وفي أخرى عنه: ((لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل)). رواه مسلم من حديث أنس. وذكر ابن عقبة في مغازيه أنه أول من قتل يومئذ من المسلمين، وفي كتاب ((مفتاح البلاد في فضائل الغزو والجهاد)) تأليف جدي الشيخ محمد علان الصديقي البكري، سبط آل الحسن. روى الحاكم عن أنس، أن رجلاً أسود أتى النبي وَ ل ◌َر فقال: يا رسول الله إني رجل أسود اللون منتن الريح لا مال لي، فإن أنا قاتلت هؤلاء حتى أقتل؛ فأين أنا؟ . (١) أخرجه البخاري في كتاب الأذان باب من صلى بالناس فذكر حاجة فتخطاهم (٢ /٢٧٩). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: غزوة أحد (٢٧٣/٧). وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد. (الحديث: ١٤٣).