Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ ٥ - باب: في المراقبة وَجِلْداً حَسَناً، قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإِبِلُ أَوْ قَالَ الْبَقَرُ، (شَكَّ الرَّاوي) فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا، فَأَتِى الأَفْرَعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إليْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَذِرَنِي النَّاسُ. فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعْراً حَسَناً. قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، وَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا. فَأَتَى الََّعْمَى فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ والعامة تقول مويل بتشديد الياء كذا في الصحاح (أحب إليك قال الإِبل) بكسرتين وتسكن الموحدة تخفيفاً أي: الجمال، اسم يقع على الواحد والجمع، وليس بجمع ولا اسم جمع كذا قال ابن سيدة، وقال الجوهري: ليس لها واحد من لفظها، وهي مؤنثة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، وإذا صغرتها، أدخلتها التاء فقلت: أبيلة وغنيمة ونحو ذلك (أو قال البقر. شك الراوي) اسمه إسحاق بن عبد الله، أي: شك هل سمع الإِبل، أو البقر، والمرجح الإِبل لكونه اقتصر عليها في قوله: ((فأعطي ناقة عشراء)) ويؤيده الاقتصار في الأقرع على البقر لا غير، فتعين الإِبل للأبرص. كذا قيل، لكن في رواية للبخاري في أبواب بني إسرائيل، هو شك في ذلك أن الأبرص والأقرع قال أحدهما: الإِبل وقال الآخر: البقراهـ. وبها يعلم أن الاقتصار في الأقرع على البقر من الراوي، وإلا فالشك فيه كما قبله، ويؤيد أنها الإِبل أيضاً سؤال الملك له بعيراً، وهذا كله بعد الشك (قال فأعطي) بالبناء للمفعول (ناقة عشراء فقال: بارك الله) أي: أوقع (لك) البركة، وهو يحتمل أن يكون دعاء منه له بذلك، وأن يكون إخباراً به (فيها) أي: في هذه الناقة (قال: فأتى الأقرع) أي: عقب تمام ما يتعلق بالأبرص كما تشعر به الفاء (فقال: أي شيء أحب إليك فقال: شعر حسن) بالتنوين على الوصف (ويذهب عني هذا) الداء أي: القرع (الذي قد قذرني الناس) أي: بسببه (قال: فمسحه) الملك، يحتمل أن يكون مسح محل الداء فقط وهو الأقرب، وأن يكون مسح جميع بدنه لتعمه بركته (فذهب عنه) القرع (وأعطي شعراً حسناً قال:) الملك له (فأي المال أحب إليك) أي: من جميع الأموال، أي: أيها تحب أن يكون لك منها (قال: البقر) اسم جنس يقال على الذكر والأنثى وإنما دخلته الهاء للفرق بين الوحدة والجمع، والباقر جماعة البقر مع رعاتها، وأهل اليمن يسمون البقرة باقورا (فأعطي بقرة حاملاً) لم يقل حاملة لاختصاص هذا الوصف بالمؤنث كحائض، وطالق، وإنما يحتاج إليها للفرق في نحو قائم، وقائمة (وقال: بارك الله لك فيها) أي: في هذه البقرة (قال: فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك قال: أن يرد الله إليّ ٢٤٢ كتاب: دليل الفالحين أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إليَّ بَصَرِي، فَأُبْصِرَ النَّاسَ. فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إليْهِ بَصَرَهُ. قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدأ. أَنْتَجَ هَذَانٍ وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الإِبلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الحِبَالُ بصري) أي: القوة المودعة في العينين التي بها تدرك المبصرات (فأبصر) بضم الهمزة (به الناس) أي: أراهم ببصري أي: بعيني رأسي (قال: فمسحه) أي: أمرّ يده على عينيه، ويحتمل على جميع بدنه، والأول أقرب. كما تقدم في نظيره (فرد الله إليه بصره) أي: القوة المدركة المذكورة (قال: فأي المال أحب إليك قال الغنم) أي: أحبه إلي، فهو مبتدأ محذوف الخبر، أو الأحب إلي الغنم فيكون خبر مبتدأ محذوف. وفي الصحاح: الغنم اسم مؤنث موضوع للجنس، يقع على الذكور والإناث، وإذا صغرتها ألحقتها التاء فقلت: غنيمة لأن أسماء الجموع إلى آخر ما تقدم(١) يقال خمس من الغنم ذكور، فيؤنث العدد، وإن عنيت الكباش لأن العدد يجري في تذكيره وتأنيثه على اللفظ لا على المعنى، والإِبل كالغنم في جميع ما ذكرناه كذا نقله عنه الدميري في حياة الحيوان (فأعطي) بالبناء للمجهول (شاة) المفعول الثاني لأعطى، ومفعوله الأول نائب الفعل المضمر في الفاعل (والداً) أي: ذات ولد وقيل حاملاً، وفي جامع الأصول: هي التي قد عرف منها كثرة الولد والنتاج (فأنتج هذان) سيأتي إنه بالبناء للفاعل لكن في الصحاح: للعرب أحرف لا يتكلمون بها إلا على سبيل المفعول، وإن كان بمعي الفاعل مثل قولهم: زهي الرجل. وعني بالأمر، ونتجت الناقة والشاة، وأشباهها اهـ. والمشار إليهما صاحبا الإِبل، والبقر (وولد) بتشديد اللام (هذا) أي: صاحب الغنم (فكان لهذا واد) أي: ملؤه (من الإِبل ولهذا واد من البقر) من عطف معمولين على معمولي عامل واحد، وهو جائز اتفاقاً، وقوله من الإِبل في محل الصفة لواد، ويجوز أن يكون حالاً، لتخصيصه بتقدم الخبر (ولهذا واد من الغنم. قال: ثم إنه) أي: الملك (أتى الأبرص) متصوراً (في صورته) أي: التي كان عليها (وهيئته) من رذالة الملبس، وقيل الضمير في صورته وهيئته، يرجعان للملك أي: جاءه بعد أن صار معافى غنياً في الصورة التي قد جاءه فيها، وهو بضد ذلك فدعا له فذهب عنه (فقال: رجل مسكين) بكسر الميم من المسكنة الحاجة. خبر مبتدأ محذوف أي: أنا رجل محتاج (قد انقطعت بي) الباء للتعدية (الحبال) الرواية المشهورة بالمهملة والموحدة كما سيأتي في الأصل واحده (١) أي عقب قول المصنف (قال الإِبل). ع ٢٤٣ ٥ - باب: في المراقبة فِي سَفَرِي فَلَ بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إلَّ بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنِ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالمَالَ، بَعيراً أَتَبَلِّغُ بِهِ فِي سَفَرِي. فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، حبل، وهو المستطيل من الرمل وقيل: الأسباب في طلب الرزق، قال القرطبي: وهذا أوقع التفسيرين وفي رواية لمسلم ((الحيال)) بالتحتية من الحيلة ومن رواه بالجيم والموحدة كبعض رواه البخاري ففيه بعد، بل قال بعضهم: إنه قد صحف (في سفري) ظرف لغو متعلق بانقطعت، أو ظرف مستقر حال من الضمير المجرور (فلا بلاغ لي) البلاغ ما يتبلغ ويتوصل به إلى الشيء المطلوب، أي: لا وصول لي لما أريده (اليوم إلا بالله) أي: إيجاده وتيسيره (ثم بك) لكونك مظهراً للخير، يجري على يديك، وثم هي هنا للترتيب في التنزل، ولم يقل وبك دفعاً لإِيهام التشريك، ولذا كان الإتيان بثم هو الأدب المتأكد كما يأتي، وهذا(١) من الملك من المعاريض التي يقصد بها التوصل إلى إفهام المقصود من غير أن يراد حقيقتها، كما في قول إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم: هذا ربي، وهذه أختي، (أسألك) أي: اقسم عليك مستعطفاً (ب) الله (الذي أعطاك اللون(٢) الحسن والجلد الحسن) بفتح المهملتين أي: بعد الابتلاء في اللون والجلد (والمال) أي: بعد الابتلاء بالفقر (بعيراً) هو اسم يقع على الذكر والأنثى، وهو من الإِبل بمنزلة الإِنسان من الناس، والجمل بمنزلة الرجل، والناقة بمنزلة المرأة، والقعود بمنزلة الفتى، والقلوص بمنزلة الجارية، وإنما يقال له بعير إذا أجذع. والجمع أبعرة وأباعر وبعران (أتبلغ) بتشديد اللام أي: من البلغة وهي الكفاية (به) كذا رواية الكشمهيني في البخاري وعند غيره فيه ((عليه)) أي: بعيراً أكتفي به أو حال كوني عليه (في سفري فقال:) الأبرص (الحقوق كثيرة) أي: عليّ فلا فاضل عن الحاجة لأعطيك إياه فانظر غيري (فقال:) الملك (إنه) أي: الشأن (كأني) بتشديد النون (أعرفك) الظاهر أن كأن فيه للتحقيق، وهو معنى أثبته الكوفيون وذكره ابن هشام في المغني، قال العلوي وهو التحقيق وأنشدوا عليه: كأن الأرض ليس بها هشام وأصبح بطن مكة مقشعراً أي: لأن الأرض، وقال ابن السيد في شرح شواهد الجمل: جرت عادة النحويين أن (١) أي قوله: ((رجل مسكين)) الخ. (٢) في نسخة من عليك باللون الخ ٢٤٤ كتاب: دليل الفالحين أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيراً فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا المَالَ كَابِراً عَنْ كَابِرٍ. فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِباً فِي دَعْوَاكَ، فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى. يجعلوا كأن للتشبيه، حيث وقعت، وليس ذلك بصحيح، إنما تكون تشبيهاً محضاً إذا وقع في الخبر اسم ممثل به اسمها ويكون الخبر أرفع من الاسم، أو أحط منه نحو كأن زيداً ملك، أو كأن عمراً حمار، أما إذا كان خبرها فعلاً، أو ظرفاً، أو مجروراً أو صفة من صفات اسمها، فإنها يدخلها حينئذ معنى الظن والحسبان نحو كأن زيداً قائم، أو في الدار، فلست تشبه زيداً بشيء ها هنا، وإنما تظن أنه قائم أو في الدار انتهى بلفظه، لكن الذي صححه ابن مالك، وأبو حيان، والرضي، وغيرهم، ما ذهب إليه الجمهور من أن التشبيه لا يفارقها وأن ما أوهم خلافه مؤول (ألم) استفهام تقريري (تكن أبرص تقذرك) بفتح الذال المعجمة أي: تكرهك (الناس) أي: فعافاك الله (فقيراً) أي: محتاجاً (فأعطاك الله فقال: إنما ورثت) بتشديد الراء مبني للمفعول وبتخفيفها مبني للفاعل (هذا المال كابراً عن كابر) أي: كبيراً عن كبير في العز، والشرف أي: ورثته عن أبي وجدي، وحاصله إنكار تلك الحال ودعوى أنه نشأ في تلك الأحوال، فهي غير متجددة عليه، وهذا من إنكار النعم، وكفر المنعم حمله عليه البخل وحق العبد ألا يزال لنعم مولاه شاكراً ولأحواله التي كان عليها وآل إليها ذاكراً، وفي الحوض المورود للشيخ عبد الوهاب الشعراني: أخذ علينا العهود إذا حصل لنا ضخامة، وقيام ناموس بين الناس، ألا ننسى صفتنا التي كنا عليها قبل من الثياب الخلقة، وخدمة الناس، وضيق المعيشة، ونحو ذلك، وذلك لنعرف الله بالنعم فإن من نسي حاله أيام صغره، قل شكره، وربما قال: نحن بحمد الله نشأنا في الضخامة أباً عن جد، ليوهم من لم يعرفه أن حاله لم يزل كذلك، وقد دخل شخص على معن بن زائدة فقال له: وإذ نعلاك من جلد البعير أتذكر إذ قميصك جلد شاة فقال معن: أذكر والحمد لله رب العالمين. فقال: فقد جل الذي أعطاك ملكا وعلمك الجلوس على السرير فقال: جل ربي وعز. فقال: فإني قد عزمت على المسير فجد لي يابن ناقصة بمال فأمر له بمال جزيل وشكر له تذكيره الحالة التي لعله نسيها اهـ. وقال القرطبي : حمل هذا القائل بخله على نسيان منة الله تعالى وجحد نعمه وعلى الكذب، ثم أورثه ذلك سخطه ٢٤٥ ٥ - باب: في المراقبة مَا كُنْتَ، وَأَتَى الْأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدِّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَوَّ هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِباً فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، وَأَتَى الأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وابْنُ سَبِيلٍ ، انْقَطَعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ لِيَ اليَوْمَ إِلَّ بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ، شَاةً أَتَلَّغُ بِها فِي سَفَرِي. فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَ أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لله، الدائم، وذلك بشؤم البخل، واعتبر بحال الأعمى، لما اعترف بشكر النعم، وسخت نفسه بما ثبتها الله عليه، وشكر فعله رضي عنه كما يأتي (فقال:) الملك (إن كنت كاذباً في دعواك) وأتى بإن الموضوعة للشك في الشرط مع أنه جازم به، مماشاة ومساجلة، أو أن إن فيه بمعنى إذ (فصيرك الله) بتشديد الياء التحتية (إلى ما كنت قال: وأتى الأقرع في صورته) التي يقذرها الناس (وهيئته) التي يحقرونها، لرثاثتها، وسقطت هذه المعطوفة عند صاحب المشكاة في روايته المعزوة للصحيحين، قال شارحها ابن حجر: لم يقل هنا: وهيئته اختصاراً، أو إشارة إلى شدة لؤم الأبرص وغباوته فإنه مع كونه أتى له في صورته، وهيئته التي أتاه عليها أولاً وحصل له منه ما حصل، من الشفاء، والغنى، أنكر معرفته، وتجاهل به، وتفاخر عليه بأنه، إنما جاءه المال من أبيه، فضم إلى كذبه قبائح تنبىء عن أنه انتهى في اللؤم والحمق إلى غاية لم يصلها غيره (فقال له:) الملك (مثل ما قال لهذا) الأبرص (ورد) الأقرع (عليه مثل ما رد هذا) الأبرص (فقال:) الملك (إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت) عليه من القرع، والفقر (قال: وأتى الأعمى) متشكلاً (في صورته) أي: في صورة آدمي أعمى (وهيئته فقال:) الملك (رجل) أي: صورة إذ الملائكة لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة (مسكين وابن سبيل) أي: مسافر سمي به لملازمته السبيل، كما سمي القاطع ابن الطريق، ويحتمل أنه أراد أنه ضيف. وسمي به لأن السبيل تظهر به (انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك) أي: القوة الباصرة المدرك بها المبصرات (شاة أتبلغ بها في سفري فقال: ) ذلك الرجل متذكراً نعم الله تعالى عليه، وحسن حاله بعد بؤسه (قد كنت أعمى فرد الله إلي) بتشديد الياء، وفي نسخة عليّ (بصرى فخذ ما شئت) أي: من المال (ودع ما شئت) منه (فوالله لا أجهدك) بفتح الهاء وهذه رواية مسلم (اليوم بشيء) أي: في رد شيء (أخذته لله) علة لعدم الإِجهاد أي: لا أشق عليك الله، أو للأخذ، وشتان ما بين هذا، وقول ذينك ((الحقوق - أي: الموانع من ٢٤٦ كتاب : دليل الفالحين فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيْتُمْ فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. و((النَّاقَةُ الْعُشَرَاءُ)) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الشِّينِ وَبِالمَدِّ هِيَ: الْحَامِلُ. قَوْلُهُ: ((أَنْتَجَ)) وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَنَتَجَ)) مَعْنَاه: تَوَلّى نِتَاجَها. وَالنَّتِجُ لِلنَّقَةِ كَالْقَابِلَةِ لِلْمَرْأَةِ. وَقَولُهُ: ((وَلَّدَ هَذَ)) هُوَ بِتَشْدِيدِ اللَّمِ: أَيْ تَوَلَّى وِلاَدَتَها، وَهُوَ بِمَعْنَى أَنْتَجَ فِي النَّاقَةِ. فَالمُوَّدُ والنَّاتِجُ والقَابِلَةُ بِمَعْنَى لَكِنْ هَذَا لِلْحَيَوَانِ، وَذَاكَ لِغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: ((انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ)) هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُؤَخَّدَةِ: أَي الأَسْبابُ. وَقَوْلُهُ: ((لاَ أَجْهَدُكَ)) مَعْنَاهُ: لَا أَشُقُّ عَلَيْكَ فِي رَدِّ شَيْءٍ الإِعطاء - كثيرة فلا يمكن أن أعطيك شيئاً، وإن قل)) (فقال:) الملك (أمسك مالك فإنما ابتليتم) أي: امتحنتم أي: عاملكم الله العالم بجميع الأمور، معاملة المبتلى، المختبر، ليرتب على عملكم أثره. إذ الجزاء إنما جعله الله مرتباً على ما يبدو في عالم الشهادة، لا على ما سبق في علمه (فقد رضي عنك وسخط) بالبناء للمجهول (على صاحبيك) والرضا والسخط، المراد بهما في حقه تعالى، لازمهما مجازاً مرسلاً، إما عن إرادة الإِثابة والتعذيب، فيكونان صفتي ذات، أو التعذيب والإِثابة نفسهما، فيكونان صفتي فعل (متفق عليه) وانفرد به الشيخان عن باقي أصحاب الكتب الستة (والناقة العشراء بضم العين) المهملة (وفتح الشين) المعجمة (وبالمد هي الحامل) كذا أطلقه، وهو قول، وقيل: الحامل التي أتى عليها من حملها عشرة أشهر من يوم طرقها الفحل، وهي من أنفس الإِبل، وفي مختصر القاموس: العشراء من النوق التي مضى لحملها عشرة أشهر، أو ثمانية، وهي كالنفساء من النساء، جمعه عشراوات وعشار اهـ. (قوله: انتج بالبناء للفاعل) هو شاذ قليل، لأنه لم يسمع من هذه المادة إلا نتج مبني للمفعول، والنتاج الأولاد، والنتج والإنتاج تولي الولادة (وفي رواية فنتج) بالبناء للفاعل كذلك (ومعناه تولى نتاجها) الأقرب أن معناه ولد الإبل والبقر، ومعنى ولد الغنم، أي: صيرها والدة أي: منسوبة للولادة نحو فسقت الرجل، نسبته للفسق (والناتج للناقة كالقابلة للمرأة. قوله: ولد هذا هو بتشديد اللام أي تولى ولادتها وهو بمعنى نتج في الناقة فالمولد والناتج والقابلة بمعنى) وهي المتولية للولادة (لكن) في عرف الاستعمال (خص هذا) أي: الناتج (الحيوان) هو الإبل والبقر (وذاك) أي: المولد (لغيره) أي: الغنم، والقابلة لبني آدم (قوله: انقطعت بي الحبال، هو بالجاء المهملة والباء الموحدة أي: الأسباب، قوله: لا أجهدك بالجيم والهاء) وهي رواية مسلم (معناه: لا أشق عليك في رد شيء) فهو على حذف مضاف (تأخذه) بأن أنزعه منك (أو تطلبه من ٢٤٧ ٥ - باب: في المراقبة تَأْخُذُهُ أَوْ تَطْلُبُهُ مِنْ مَالِي. وَفِي رِوايةِ الْبُخَارِيِّ: (لَا أَحْمَدُكَ)) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالِمِيمِ. وَمَعْنَاهُ: لَا أَحْمَدُكَ بِتَرْكِ شَيْءٍ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، كَمَا قَالُوا: لَيْسَ عَلَى طُولِ الْحَيَاةِ نَدَمْ: أَيْ عَلَى فَواتِ طُولِهَا(١). ٦٦ - السَّابِعُ عَنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النّبِيِّ وَّ، قَالَ: الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ. مالي) بأن أمنعه قال القرطبي: قال صاحب الأفعال: جهدته وأجهدته. بالغت في مشقته. وقيل: معنى أجهدك، لا أقلل لك فيما تأخذه. والجهد ما يعيش به المقل ومنه ﴿والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾(٢) (وفي رواية البخاري) وهي عند ابن ماهان كما قال القرطبي (لا أحمدك بالحاء) المهملة (والميم) وبلا النافية (ومعناه لا أحمدك بترك شيء تحتاج إليه) فهو على تقدير المضاف وذلك لطيب نفسي بما تأخذه (كما قال) أي: الشاعر (ليس على طول الحياة ندم أي: على فوات طولها) وقال الشاعر: أتوب إليك يا مولاي مما علي به تواترت الذنوب زيارتها فإني لا أتوب وأما عن هوى ليلى وتركي أي: وعدم تركي زيارتها. قال الكرماني في شرح البخاري: أو أنه من قولهم: فلان يتحمد أي: يمتن. يقال من أنفق ماله على نفسه فلا يتحمد به على الناس، قال وروي ((لأحمدك)) باللام فقط قبل المضارع من الحمد. ٦٦ - (السابع عن أبي يعلى) بفتح التحتية وسكون المهملة (شداد بن أوس) بفتح الشين المعجمة وتشديد الدال الأولى (رضي الله عنه) وأوس بفتح الهمزة وسكون الواو آخره سين مهملة ابن ثابت ابن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد بن مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري، وهو ابن أخي حسان بن ثابت الجامع بين العلم، والعمل، والحلم. مات بفلسطين سنة ثمان وخمسين، وهو ابن خمس وسبعين سنة وقال المصنف في التهذيب: مات ببيت المقدس، وقبره بظاهر باب الرحمة باق إلى الآن اهـ. روي له عن رسول الله ولالخير خمسون حديثاً أخرجا له حديثين، انفرد بأحدهما البخاري، وبالآخر مسلم (عن النبي ◌َيقة قال: الكيس) العاقل (من دان نفسه) أي: حاسبها ومنعها مستلذاتها وشهواتها التي فيها (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل (٣٦٤/٦، ٣٦٥). وأخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر. (الحديث: ١٠). (٢) سورة التوبة، الآية : ٧٩ ٢٤٨ كتاب: دليل الفالحين وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَماءِ: مَعْنى: ((دَانَ نَفْسَهُ)) حَاسَبَهَا(١). ٦٧ - الثَّامِنُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مِنْ هلاك دينها (وعمل لما بعد الموت) من القبر، وما بعده صالح العمل المؤنس له في الوحدة والوحشة، وما أحسن ما قيل: مقالة قد قالها ناصح بالله يا نفس اسمعي واعقلي إلا التقى والعمل الصالح لا ينفع الإِنسان في قبره (والعاجز) التارك لما يجب فعله بالتسويف (من أتبع) بإسكان الفوقية (نفسه هواها) أي: جعلها تابعة لما تهواه، مؤثرة لشهواتها، معرضة عن صالح الأعمال، لكونه على خلاف ما تدعو إليه النفس (وتمنى على الله) الفوز في الآخرة، فالحاصل أن الحزم الإِتيان بواجب العبودية، من أداء الخدمة، ومحاسبة النفس حذر مجاوزة الحدود وعدم الالتفات إلى ذلك، بالقلب، والركون إليه، بل يكون اعتماده مع ذلك على فضل مولاه سبحانه، وأما ترك أداء مقام العبودية، فذلك من رعونات النفس الخفية لا سيما إن أوقعها في ميدان شهواتها الذي فيه هلكها، ومحقها (رواه الترمذي) وكذا رواه أحمد، وابن ماجه، والحاكم (وقال:) الترمذي (حديث حسن) ورواه البيهقي من حديث أنس. ذكره في الجامع الصغير (قال الترمذي وغيره) من العلماء: (معنى دان نفسه حاسبها) حكاه في النهاية بقيل وفسره هو بقوله أي: أذلها واستعبدها. والحساب من جملة معاني الدين، ذكره في القاموس. وفي الكشاف في قوله تعالى: ﴿أننا لمدينون﴾ (٢) أو معناه(٣) لمسوسون أي: مربوبون من الدين بمعنى السياسة. ومنه حديث: الكيس من دان نفسه اهـ. ٦٧ - (الثامن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له: من حسن إسلام المرء) من فيه تبعيضية، أو ابتدائية، وتقديم الخبر لكون التركيب من قبيل: على التمرة مثلها (١) أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة (باب: ٢٥). (الحديث: ٢٤٥٩). (٢)) سورة الصافات، الآية: ٥٣. (٣)) قوله: (أو معناه الخ) عطف على كلام سابق في الكشاف. ٢٤٩ ٥ - باب: في المراقبة حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكَهُ مَا لَا يَعْنِيهِ)) حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ(١). زبداً، وحسن الإِسلام عبارة عن كماله، وهو أن تستقيم نفسه في الإِذعان لأمر الله تعالى والاستسلام لأحكامه، وهو علامة شرح الصدر بنور الرب (تركه ما لا يعنيه) أي: ما لا يريده، ولا يحتاج إليه، ولا ضرورة إليه فيه، ولا ينفعه بكون عيشه بدونه ممكناً، وذلك يشمل الأفعال الزائدة، والأقوال الفاضلة(٢) فينبغي ألا يشتغل إلا بما فيه صلاحه معاشاً، ومعاداً بتحصيل ما لا بد منه في قوام البدن، وبقاء النوع الإِنساني، ثم بالسعي في الكمالات العلمية والفضائل العلية، التي هي وسيلة لنيل السعادة الأبدية، والفوز بالنعم السرمدية وأن يعرض عما عدا ذلك، وذلك إنما يكون بالمراقبة، ومعرفة أنه فيما يأتيه بمرأى ومسمع من الله سبحانه وتعالى وأنه لا يخفى عليه شيء من شأنه قال معروف: علامة مقت الله للعبد، أن تراه مشتغلاً بما لا يعنيه، فإن من اشتغل بما لا يعنيه فإنه ما يعنيه، وقال الغزالي : حد ما لا يعنيك في الكلام أن تتكلم بما لوسكت عنه لم تأثم، ولم تتضرر حالاً، ولا مالاً قال: فإن شغلت بما لا يعنيك فإنك مضيع زمانك ومحاسب على عمل لسانك، إذ تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ولو صرفته في الذكر، والدعاء، ربما انفتح لك من نفحات الله ما يعظم جدواه ومن قدر على أن يأخذ كنزاً من كنوز الجنة وأخذ بدله بدرة، كان خاسراً، وما أحسن ما قيل : اغتنم ركعتين في ظلمة الليل إذا كنت فارغاً مستريحا طل فاجعل مكانه تسبيحا وإذا ما هممت بالخوض في البا وقول الحافظ أبي إسماعيل البخاري كما عزاه إليه الحاكم في تاريخه: فعسى أن يكون موتك بغته اغتنم الفراغ فضل ركوع ذهبت نفسه الصحيحة فلته كم صحيح تراه من غير سقم وقلت في المعنى : طاعة الله كي تفوز بقربه واغتنم في الحياة حسب اقتدار مات في الحال من تقلب قلبه لا تسوف إلى غد كم صحيح (حديث حسن رواه الترمذي وغيره) فرواه ابن ماجه، وابن حبان في صحيحه (١) أخرجه الترمذي من كتاب: الزهد باب (١١) (الحديث: ٢٣١٧). (٢) أي الصادرة فضولاً. ش. ٢٥٠ كتاب: دليل الفالحين ٦٨ - التَّاسِعُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّلَهِ، قَالَ: ((لَا يُسْأَلُ الرَّجُلُ فِيمَ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ(١) وَغَيْرُه. ٦ - باب: في التقوى والقضاعي في مسند الشهاب، وعن أبي داود قال: أقمت بطرسوس، فاجتهدت في المسند، فإذا هو أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدارها على أربعة، وذكر هذا منها اهـ. ٦٨ - (التاسع عن عمر رضي الله عنه عن النبي وَّر قال: لا يسأل) بالبناء للمجهول (الرجل فيم) بحذف ألف ما الاستفهامية لجرها بفي، أي: بأي سبب (ضرب امرأته) لاحتمال أن يكون السبب مما يستحيا من ذكره، كالامتناع من التمكين بل يترك ذلك إليه، وإلى مراقبته لمولاه إلا إن احتاج الأمر إلى جريان الأحكام، والرفع إلى الحكام فتبين الأمور (رواه أبو داود وغيره) فرواه الإِمام أحمد، والحديث صحيح كما صرح به ابن حجر الهيتمي في كتابه تنبيه الأخبار. ولما كانت نتيجة مراقبة العبد لمولاه في سائر الأحوال وأنه بمرأى منه لا يخفى عليه شيء، من شأنه امتثال الأوامر، واجتناب النواهي وذلك هو التقوى، عقبها بها فقال: باب التقوى أصلها ((وقوى)) بكسر أوله، وقد يفتح من الوقاية أبدلت تاء كتراث، وتخمة وهي ما يستر الرأس فهي اتخاذ وقاية تقيك مما تخافه وتحذره، فتقوى العبد لله أن يجعل بينه وبين ما يخشاه وقاية تقيه منه، وهي امتثال أوامره تعالى، واجتناب نواهيه، بفعل كل مأمور به، وترك كل منهي عنه حسب الطاقة، فمن فعل ذلك فهو من المتقين الذين شرفهم الله تعالى في كتابه، بالمدح والثناء: ﴿وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾(٢) وبالحفظ من الأعداء: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً﴾(٣) وبالتأييد والنصرة: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ (٤) وبالنجاة من الشدائد والرزق من الحلال: ﴿ومن (١) أخرجه أبو داود في كتاب: النكاح، باب: في ضرب النساء. (الحديث: ٢١٤٧). (٢) سورة آل عمران، الآية: ١٨٦ . (٣) سورة آل عمران، الآية: ١٢٠. (٤) سورة النحل، الآية: ١٢٨. ٢٥١ ٦ - باب: في التقوى يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾(١) قال أبو ذر: قرأ رسول الله وَلفي هذه الآية ثم قال: ((يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم)) وبإصلاح العمل، وغفران الذنب: ﴿اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم﴾(٢) وبكفلين من الرحمة والنور: ﴿اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به﴾ (٣) وبالقبول: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ (٤) وبالإكرام والإعزاز عند الله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم)(٥) وبالنجاة من النار: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾(٦) وبالخلود في الجنة: ﴿أعدت للمتقين﴾(٧) وبغاية ذلك القصوى، وهي محبة الله تعالى وموالاته وانتفاء الخوف والحزن، وحصول البشارة في الدنيا والآخرة، والفوز العظيم: ﴿إن الله يحب المتقين﴾ (٨): ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم﴾ (٩) ولو لم يكن في التقوى سوى هذه الخصلة لكفت، وفي أوائل تفسير البيضاوي: للتقوى ثلاث مراتب ((الأولى)) التوقي عن العذاب المخلد بالتبري عن الشرك وعليه قوله تعالى: ﴿وألزمهم كلمة التقوى﴾(١٠) ((والثانية)) التجنب عن كل ما يؤثم من فعل، أو ترك حتى الصغائر عند قوم، وهو المتعارف باسم التقوى في الشرع وهو المعني بقوله تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا﴾(١١) ((والثالثة)) أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه بشراشره، وهو التقى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى: ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾(١٢) ثم قال في قوله تعالى: ﴿اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾(١٣) نبه به على أن التقوى منتهى درجات السالكين، وهو التبري من كل شيء سوى الله تعالى اهـ. فحمله على المقام الأكمل من مراتبها. وفي كتاب التقوى لابن أبي الدنيا والحلية وغيرهما أنه قيل لأبي الدرداء: إنه ليس أحد له بيت في الأنصار إلا وقد قال شعراً فقال: وأنا قد قلت (١) سورة الطلاق، الآية: ٢ و٣. (٢) سورة الأحزاب، الآية: ٧٠ و٧١. (٣) سورة الحديد، الآية: ٢٨ . (٤) سورة المائدة، الآية: ٢٧ . (٥) سورة الحجرات، الآية: ١٣. (٦) سورة مريم، الآية: ٧٢ . (٧) سورة آل عمران، الآية: ١٣٣. (٨) سورة التوبة، الآية: ٧. (٩) سورة يونس، الآيات: ٦٢ و ٦٣ و٦٤. (١٠) سورة الفتح، الآية: ٢٦. (١١) سورة الأعراف، الآية: ٩٦. (١٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢. (١٣) سورة البقرة، الآية؛ ٢١. ٢٥٢ كتاب: دليل الفالحين قَالَ اللَّه تَعَالى(١): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾. وَقَالَ تَعَالَى(٢): ﴿فَتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وَهَذِهِ الآيَةُ مُبَيِّنَةٌ لِلْمُرَادِ مِنَ الأولى. فاسمعوه : ويأبى الله إلا ما أرادا يريد المرء أن يعطى مناه وتقوى الله أولى ما استفادا يقول المرء فائدتي ومالي وقلت في شرف التقوى: فخير أمر المرء تقواه عليك بالتقوى لرب الورى ولست والرحمن تقواه واله عن المال ففيه الأذى (قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) سبق الكلام فيها في باب الصدق (وقال تعالى: اتقوا الله حق تقاته) بأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، خرّجه الحاكم مرفوعاً، وعن أنس: لا يتقي الله العبد حق تقاته حتى يحزن من لسانه . (وقال تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم، وهذه الآية) المقيد فيها أمر التقوى بالاستطاعة (مبينة المراد من) الآية (الأولى) الخالية من ذلك التقييد، وذلك بأن يقال: المراد أن يطاع فلا يعصى بحسب الاستطاعة، وكذا ما بعده، وقال ابن الجوزي: قال ابن عقيل: ليست منسوخة لأن قوله ﴿ما استطعتم﴾ بيان لحق تقاته، وأنه بحسب الطاقة فمن سمى بيان المراد نسخاً فقد أخطأ وهذا في تحقيق الفقهاء تفسير مجمل وبيان مشكل، وذلك أن القوم ظنوا أن ذلك تكليف ما لا يطاق فأزال الله إشكالهم وبين أني لم أرد بحق تقاته ما ليس في الطاقة اهـ وقيل: إنها منسوخة بهذه، قال السيوطي في تفسيره وفي الإِكليل بعد أن ذكر تفسيرها بما سبق: فقالوا يا رسول الله فمن يقوى على هذا. فنسخ بقوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم) اهـ. قال بعض المحققين: وينبغي أن لا نسخ إذ لا يصار إليه إلا بشروط لم توجد كما يعلم من محله وقال ابن الجوزي في عمدة العالم الراسخ في المنسوخ والناسخ: في الآية قولان ((أحدهما)) أنها منسوخة، ثم نقل في ذلك آثاراً وقال بعده: وإلى هذا ذهب الربيع بن أنس (١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢ . (٢) سورة التغابن، الآية: ١٦. ٢٥٣ ٦ - باب: في التقوى وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدَاً﴾. والآيَاتُ فِي الْأَمْرِ بِالتَّقْوِى كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ . وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. وابن زيد ومقاتل بن سليمان، ومن نصر هذا القول قال: حق تقاته هو القيام له بجميع ما يستحقه، من طاعته، واجتناب معصيته، قال: وهذا أمر يعجز الخلائق فكيف بالواحد، فوجب أن تكون منسوخة، وأن يعلق الأمر بالاستطاعة. (والقول الثاني)) أنها محكمة. ومن نصر هذا القول قال: حق تقاته هو اجتناب ما نهى عنه، وامتثال ما أمر به، ولم ينه عن شيء ولا أمر به إلا وهو داخل تحت الطاقة. فقد فهم الأولون من الآية تكليف ما لا يطاق فحكموا بالنسخ. وقد رد عليهم قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ (٣) وأما قوله: ﴿حق تقاته﴾ (٤) فالحق بمعنى الحقيقة اهـ. وفي شرح الأربعين لابن حجر الهيتمي: إنما يتم هذا أي: كون هذه الآية تفسيراً لتلك على تفسير حق تقاته بامتثال أمره واجتناب نهيه، أما على المشهور من تفسيره بأن يذكر فلا ينسى الخ فالأوجه النسخ، فإن هذه لما نزلت تحرجت الصحابة منها فقالوا: أينا يطيق ذلك فنزلت تلك اهـ. وبقولي: ((وذلك بأن يقال الخ)) (٥) اندفع ما قاله من أن الأوجه النسخ، ونزولها عقب تحرجهم من تلك، لا يستلزم النسخ فتأمل، ولذا جرى هو في مكان على موافقة المصنف وترجيح ما قاله من غير تقييد بما ذكر، وكأن وجهه أن يقيد ما في تفسيرها المشهور بحسب الطاقة. (وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً) صواباً (يصلح لكم أعمالكم) يتقبلها، أو يوفقكم للأعمال الصالحة (ويغفر لكم ذنوبكم) يجعلها مكفرة باستقامتكم في القول، والعمل (والآيات في الأمر بالتقوى كثيرة معلومة). (وقال تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجاً) من كرب الدنيا، والآخرة (ويرزقه من حيث لا يحتسب) يخطر بباله. في تفسير البيضاوي: يروى أن سالم بن عوف بن مالك الأشجعي أسره العدو، فشكا أبوه إلى رسول الله وسلم فقال: ((اتق الله وأكثر قول لا حول ولا (١) سورة الأحزاب، الآية: ٧٠ . (٢) سورة الطلاق، الآيتان: ٣،٢. (٤) سورة آل عمران، الآية: ١٠٢. (٥) أي عقب قول المصنف (مبينة للمراد من الأولى). ع. (٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦. ٢٥٤ كتاب : دليل الفالحين وَقَالَ تَعَالَى(١): ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ واللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. وَالآياتُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ . وَأَمَّا الأَحَادِيثُ: ٦٩ - فَالْأَوَّلُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: ((أَتْقَاهُمْ))، فَقَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ قَالَ: فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ قوة إلا بالله)) ففعل فبينا هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإِبل غفل عنه العدو فاستاقها، وفي رواية: إذ رجع ومعه غنيمات ومتاع، قلت: روى الثعلبي الثاني، وفيه أنه جاء بأربعة آلاف شاة. والبيهقي في الدلائل الأول. قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف: وأخرج الحاكم عن جابر قال: نزلت هذه الآية في رجل من أشجع كان فقيراً خفيف ذات اليد كثير العيال، فأتى رسول اللّه وَير فسأله، فقال له: اتق الله واصبر. فلم يلبث إلا يسيراً حتى جاء ابن عم له بغنم كان العدو أصابوه، فذكر نحو حديث عوف السابق مختصراً، وفي سنده من تكلم فيه. اهـ. (وقال الله تعالى: إن تتقوا الله) بالأمانة وغيرها (يجعل لكم فرقاناً) بينكم وبين ما تخافون فتنجون (ويكفر عنكم سيآتكم ويغفر لكم) ذنوبكم (والآيات في الباب كثيرة معلومة) وقد سبق جملة منها أول الباب. ٦٩ - (وأما الأحاديث) النبوية (ف) الحديث (الأول) منها (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله من أكرم الناس) قال المصنف في شرح مسلم: أصل الكرم كثرة الخير فلما سئل # # أي الناس أكرم أخبر بأكمل الكرم وأعمه (فقال: أتقاهم) الله فإن من كان متقياً، كان كثير الخير في الدنيا صاحب الدرجات العليا في الآخرة اهـ. وقال بعضهم: الكريم هو المتقي لله وهو المنقطع عن الأكوان (فقالوا: ليس عن هذا) الكرم (نسألك قال فـ) أكرم الناس (يوسف) بتثليث السين مع الهمز وتركه فإنه جمع خيري الدارين، وشرفهما فإنه مع كونه (نبي الله ابن نبي الله) يعقوب (ابن نبي الله) إسحاق (ابن خليل الله) إبراهيم، انضم إليه شرف علم الرؤيا وتمكنه فيه، ورياسة الدنيا وملكها بالسيرة الجميلة، وإحاطته (١) سورة الأنفال، الآية: ٢٩. ٢٥٥ ٦ - باب: في التقوى نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ)، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: ((فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلاَمِ إِذَا فَقُهُوا)) مُنَّفَقِّ عَلَيْهِ. وَ((فَقُهُوا)) بِضَمِّ الْقَافِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا: أَيْ عَلِمُوا أَحْكَامَ الشَّرْعِ(١). ٧٠ - الثَّانِي عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَهِ، قَالَ: إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيا، للرعية وعموم نفعه إياهم، وشفقته عليهم، وما ذكر من تكرير ابن نبي الله مرتين، هو كذلك في بعض روايات البخاري وهو الأصل، ووقع في رواية مسلم، وبعض روايات البخاري : ((نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله)) وهذه الرواية مختصرة من تلك الرواية، إذ هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (فقالوا: ليس عن هذا) أيضاً (نسألك) ففهم حينئذ أن مرادهم قبائل العرب (فقال: فعن معادن العرب تسألوني) قالوا: نعم، وسكت عنه لدلالة السياق عليه فقال (خيارهم) بكسر الخاء المعجمة (في الجاهلية) ما قبل الإِسلام سموا بذلك لكثرة جهالاتهم (خيارهم في الإِسلام) أي: إن أصحاب المروءات، ومكارم الأخلاق في الجاهلية هم أصحابها في الإِسلام، وهم الخيار (إذا فقهوا) أي: صاروا فقهاء عالمين بالأحكام الشرعية الفقهية. قال القاضي عياض: قد تضمن الحديث في الأجوبة الثلاثة: أن الكرم كله عمومه وخصوصه، مجمله ومفصله، إنما هو بالدين من التقوى، والنبوة والاعتراف بها، والإِسلام مع الفقه (متفق عليه. وفقهوا بضم القاف على المشهور وحكي كسرها) يقال فقه بضم القاف إذا صار ذا سجية، وبكسرها بمعنى فهم. وفي شرح مسلم: الفقه في اللغة بمعنى الفهم. يقال: فقه يفقه كفرح يفرح. أما الفقه الشرعي فقال صاحب العين، والهروي وغيرهما: يقال منه فقه بضم القاف. وقال ابن دريد بكسرها كالأول. وقد روي فقه في دين الله بالوجهين والمشهور الضم ا هـ. (أي علموا أحكام الشرع) ظاهره أصولاً، وفقهاً، وسلوكاً، ولا شك أن ذلك أكمل الأنواع والجامع بين الجميع هو الإنسان الكامل. ٧٠ - الحديث (الثاني) من أحاديث الباب (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ◌َّ﴾ قال: إن الدنيا حلوة خضرة) بفتح المعجمة الأولى، وكسر الثانية. قال في النهاية : (١) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب: قول الله تعالى ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ (٢٩٨/٦ و٣٨٣ و٢٧٣/٨). وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: خيار الناس (الحديث: ١٩٩). ٢٥٦ كتاب : دليل الفالحين وَاتَّقُوا النِّساءَ: فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةٍ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّساءِ) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). ٧١ - الثَّالِثُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ الخضر نوع من البقول ليس من أحرارها وجيدها فشبه الدنيا للرغبة فيها، والميل إليها، بالفاكهة الحلوة الخضرة: فإن الحلو مرغوب فيه من حيث الذوق، والأخضر مرغوب فيه من حيث النظر، فإذا اجتمعا زادت الرغبة. وفيه إشارة إلى عدم بقائها، وهو من التشبيه المطوي فيه الأداة قيل: والفرق بين هذا النوع والاستعارة، أن هذا لا يتغير حسنه إذا ظهرت الأداة فإن قولك: المال خضرة في الحسن، كقولك: المال كالخضرة ولا كذلك الاستعارة، فإن قولك رأيت أسداً يرمي، ليس كقولك رأيت رجلاً كأسد ذكره العاقولي (وإن الله مستخلفكم فيها) بكسر اللام أي: جعلكم خلفاً في الدنيا. أي: أنتم بمنزلة الوكلاء فيها. وقيل معناه: جعلكم خلفاء ممن كان قبلكم فإنها لم تصل إلى قوم إلا بعد آخرين (فينظر) أي: فيعلم علم مشاهدة وعيان (كيف تعملون) من إنفاقها في مراضيه، فتثابون، أو في مساخطه فتأثمون: فإن الجزاء إنما يترتب على ما يبدو في عالم الشهادة من الأعمال كما تقدم، أو فينظر كيف تعملون أي: أتعتبرون بحالهم، وتتدبرون في مآلهم (فاتقوا الدنيا) أي: اجتنبوا فتنتها، واحذروا أن تميلكم محبتها، والاغترار بها عن أوامر الله تعالى واجتناب مناهيه فيها (واتقوا النساء) أي: اجتنبوا الافتتان بهن أي: أن يمنعكم التمتع بهن، لاستيلاء محبتهن عن القيام بأداء حقوق العبودية، والتقرب إلى مراضي الله تعالى، فإن بمقدار محبة السوي والركون إليه، البعد عن المولى، ويدخل فيهن كما قال المصنف: الزوجات وهن أكثر فتنة لدوام فتنتهن وابتلاء أكثر الناس بهن (فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) أي : بسببهن فهو كحديث: ((عذبت امرأة في هرة)) قال شارح ((الأنوار السنية)) يحتمل أن يكون إشارة إلى قصة هاروت وماروت، لأنهما فتنا بسبب امرأة من بني إسرائيل، ويحتمل أن يكون إشارة إلى قصة بلعام بن باعوراء؛ لأنه إنما هلك بمطاوعة زوجته. وبسببهن هلك كثير من الفضلاء (رواه مسلم). ٧١ - الحديث (الثالث عن) عبد الله (بن مسعود رضي الله عنه أن النبي وص ير كان يقول: اللهم) أصله: يا الله. فحذف حرف النداء، وعوض عنه الميم كما تقدم (إني أسألك (١) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء. (الحديث : ٩٩). ٢٥٧ ٦ - باب: في التقوى إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ٧٢ - الرَّابِعُ عَنْ أَبِي طَرِيفٍ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِمِ الطَّائِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، ثُمَّ رَأَى أَنْقَى لِلَّهِ مِنْهَا، الهدى) بضم الهاء الرشاد (والتقوى) وفي نسخة والتقى، امتثال الأوامر، واجتناب النواهي (والعفاف) أي: التنزه عما لا يباح والكف عنه (والغنى) أي: غنى النفس والاغتناء عن الناس، وعما في أيديهم، والمسؤول له وَّر، زيادة ذلك، وفيه شرف هذه الخصال، وفيه الخضوع واللجأ للكريم الوهاب في سائر الأحوال (رواه مسلم) ورواه الترمذي وابن ماجه. ٧٢ - الحديث (الرابع عن أبي طريف) بفتح الطاء وكسر الراء المهملتين وسكون التحتية بعدها فاء (عدي) بفتح أوله فكسر ثانيه المهملين فتشديد الياء (ابن حاتم) بالحاء المهملة والفوقية المكسورة، العلم المضروب به المثل في الجود (الطائي) نسبة إلى طبىء بوزن سيد واسمه جلهمة، وسمي طيئاً لأنه أول من طوى، أي: بنى المناهل(٢) وقيل لغير ذلك، وهو ابن عدي بن سعيد بن الحشرج بن امرىء القيس بن عدي بن أخرم بن ربيعة بن جرول بن ثغل بن عمرو بن الغوث بن طيء بن أدد بن زيد بن يشخب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ كذا في عجالة المبتدي للحازمي. وفد عدي (رضي الله عنه) على النبي ◌َّ سنة تسع في شعبان، وقيل سنة عشر، وكان نصرانياً، وقيل: بل أسر المسلمون أخته سفانة بنت حاتم فأسلمت وعادت إليه، فأخبرته ودعته إلى رسول الله مَهر، فأسلم وحسن إسلامه. روي له عن رسول الله وَ ل ستة وستون حديثاً، اتفقا على ثلاثة منها، وانفرد مسلم بحديثين، ولما توفي رسول الله وَّر، قدم على الصديق وقت الردة بصدقة قومه، وثبت على الإِسلام ولم يرتد، وثبت قومه معه، وكان جواداً شريفاً في قومه معظماً عندهم، وعند غيرهم روي عنه أنه قال: ((ما دخل علي وقت صلاة إلا وأنا مشتاق إليها)) وكان ◌َ﴿ يكرمه إذا دخل عليه، وكان يفت للنمل الخبز، ويقول إنهن جارات ولهن حق. وشهد صفين مع علي. توفي سنة سبع. وقيل تسع وستين وله مائة وعشرون سنة. قيل مات بالكوفة أيام المختار، وقيل مات بقرقيسا، والأول أصح (قال: سمعت رسول الله وَلّ يقول: من حلف على يمين) الحلف هو اليمين، كما تقول: حلف يحلف حلفاً، وأصلها العقد بالعزم والنية فخالف بين اللفظين وقال: حلف على يمين تأكيداً. وقال القرطبي: اليمين المحلوف عليه. (ثم رأى أتقى الله منها) أي: من (١) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم . يعمل (الحديث: ٧٢). (٢) أي المنازل للضيفان . ش. ٢٥٨ كتاب: دليل الفالحين فَلْيَأْتِ التَّقْوى)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ٧٣ - الْخَامِسُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ صُدَيِّ بْنِ عَجْلان الْبَاهِلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: يمينه التي التزمها في ترك أمر (فليأت التقوى) وحاصله أن من حلف على ترك فعل شيء، أو فعله(٢) فرأى غيره خيراً من التمادي على اليمين وأتقى لله، كأن حلف ليتركن الصلاة، أو ليشربن المسكر، وجب عليه الحنث، والإِتيان بما هو التقوى من فعل المأمور به، وترك المنهي عنه. فإن حلف على ترك مندوب، أو فعل منهي عنه، نهي كراهة ، ندب له الحنث، ومثله حديث مسلم أيضاً: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ولیکفر عن يمينه)) (رواه مسلم). ٧٣ - (الخامس عن أبي أمامة) بضم الهمزة (صُدَي) بضم الصاد ففتح الدال المهملتين، وتشديد الياء، ويقال: الصدي بأل، ولم يذكره الحاكم في كتابه إلا بها (ابن عجلان) بفتح المهملة وسكون الجيم ابن والبة بالموحدة ابن رياح بكسر الراء ابن الحارث بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان بالمهملة بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. قال المصنف في التهذيب: ويقال في نسبه غير هذا (الباهلي) كان (رضي الله عنه) من مشهوري الصحابة. روي له عن رسول الله وَّر مائتا حديث وخمسون حديثاً. روى البخاري خمسة منها، ومسلم ثلاثة، وخرج عنه أصحاب السنن. سكن مصر ثم حمص وتوفي بها سنة إحدى وقيل سنة ست وثمانين، وهو آخر من مات من الصحابة بالشأم، وعامة حديثه عند الشاميين ((فائدة)) نظم بعض المتأخرين آخر من مات من الصحابة في البلدان المتفرقة فقال: أبو الطفيل موته بمكة آخر من مات من الصحابة وأنس بن مالك بالبصرة سهل بن عبد الله بالمدينة وابن أبي أوفى الحمام وافه ومات بالشام أبو قرصافه وبخراسان بريدة قضى بكوفة واليمن اذكر أبيضا ماتوا ولم يبق على الأرض أحد لم تتم مائة إلا وقد فاحفظ لنظمي ذا تنال الشرفا رأى بعينيه النبي المصطفى (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: توب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه. (الحديث: ١٥). (٢) قوله (ترك شيء) المراد واجب، وقوله: (أو فعله) أي فعل شيء والمراد حرام بقرينة ما يأتي. ع. ٢٥٩ ٦ - باب: في التقوى سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: ((اتّقُوا اللَّهَ وَصَلُوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا أُمَرَاءَكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبَّكُمْ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّلاَةِ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). قلت ويزاد عليه : أبو أمامة وذا قد فاتا(٢) وآخر الصحب بحمص ماتا وفي كتاب اليواقيت الفاخرة أن آخر من مات بالمدينة السائب بن يزيد يعرف بابن أخت النمر. أدرك النبي وَ ل# صغيراً، وروى عنه، وتوفي سنة إحدى وتسعين، وهو ابن ثمان وثمانين اهـ. وكذا في التقريب للحافظ: أن السائب آخر من مات من الصحابة بالمدينة (قال: سمعت رسول الله وسلم يخطب في حجة الوداع) بكسر الحاء على الأفصح. وفتح الواو اسم مصدر من التوديع وبكسرها مصدر وادع سميت بذلك لأنه مّ ودع الناس فيها. وفيه جواز تسميتها بذلك من غير كراهة (فقال: اتقوا الله) بدأ به لأنه الأساس لتناوله فعل سائر المأمورات، وترك سائر المناهي، وعطف عليه ما بعده من عطف الخاص على العام اهتماماً به واعتناء بشأنه، ويحتمل أن عطف قوله: ((وأطيعوا أمراءكم)) من عطف المغاير من حيث إن أظهر مقاصد التقوى، انتظار الأمور الأخروية (وصلوا خمسكم) أي: الفروض الخمسة (وصوموا شهركم) أي: شهر رمضان وأضيف للأمة لما يسبغ عليهم فيه من الفيوض الإِلَهية، من عتق الرقاب، وجزيل الثواب، وفي الحديث: ((رجب شهر الله، وشعبان شهري ورمضان شهر الأمة)) (وأدوا زكاة أموالكم) في الخلافيات: وأدوا زكاتكم طيبة بها نفوسكم، وحجوا بيت ربكم (وأطيعوا أمراءكم) وفي رواية: ((ذا أمركم)) فيما ليس فيه معصية الله تعالى، وفي ذلك انتظام الأحوال المتوصل به إلى قوام المعاش والاستعداد للمعاد (تدخلوا) بالجزم في جواب الأمر (جنة ربكم. رواه الترمذي في آخر كتاب الصلاة وقال: حديث حسن صحيح) ورواه ابن حبان، والحاكم. ولما كان من ثمرات التقوى العرفان الذي به تنجلي الأمور، والنور الذي تنشرح به (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما ذكر في فضل الصلاة (٨٠) (الحديث: ٦١٦). (٢) ووجد بعد نقل ما تقدم عن السيوطي ما نصه: ابن جزات بمصر يا مباحث قلت وعبد .. بن الحارث وكنية له أبو تراب بسفط مشـ٠٠ ٧ ارتياب ٢٦٠ كتاب: دليل الفالحين الصدور، ومن انشرح صدره واستنار قلبه بشهود التوحيد، وأنه لا شريك له في ملكه، ولا في شيء من أفعاله، تيقن أن لا حول له، ولا قوة وأنه لا يملك لنفسه نفعاً، ولا ضراً، فخرج عما في نفسه من التدابير، وألقى نفسه مع جري المقادير، ففاز كما جاء في الحديث الشريف: ((لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة)) وظهر بهذا أن التوكل، واليقين من ثمرات التقوى فلذا عقبها بهما فقال: باب اليقين والتوكل . بعونه تعالى تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله باب اليقين والتوكل