Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
٣ - باب: في الصبر
الْمَوْتَ لِضُرَّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْراً
لي، وَتَوَقَِّي إِذَا كَانَتِ الْوَفَةُ خَيْراً لِي)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
٤١ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ خَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنه
للقاء رب العالمين، أو شهادة سبيل الله أو ليدفن ببلد شريف، أو لخوف فتنة في الدين، فلا
كراهة فیه، وعليه يحمل ما جاء عن کثیرین (فإن کان) من أصابه الضر (لا بد) أي : لا فراق،
ولا محالة. كما في القاموس (فاعلاً) لتمني الموت، لما قاساه من المحن الدنيوية، التي لو
كشف له عن حقائق اللطف فيها لرآها من المنح الهنية، ولو لم يكن فيها إلا رجوع العبد إلى
مولاه، وخروجه عن حوله، وقواه، لكفاه، فكيف وهي سبب لتكفير الخطايا، ورفع
الدرجات (فليقل: اللهم) يا الله. فالميم عوض من حرف النداء، ولذا امتنع جمعها إلا في
ضرورة كقوله: اقول يا اللهم يا اللهما. وقد بسطت الكلام فيما يتعلق بها في باب ما يقول
إذا توجه إلى المسجد من شرح الأذكار (أحيني) بقطع الهمزة أي: أدم لي الحياة الحسية
(ما كانت الحياة) المسؤولة بقولي أحيني، وما مصدرية ظرفية أي: مدة كون الحياة (خيراً
لي) بأن أوفق لمرضاة الله تعالى، وأداء عبادته، وأسلم من الخذلان والغفلة، والنسيان
(وتوفني) أي: أمتني (إذا كانت الوفاة خيراً لي) بأن انعكس الأمر (متفق عليه) وأخرجه أبو
داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه من طرق، وزاد في بعضها: ((لضر
نزل به في الدنيا)) واختلف الصوفية في الأفضل: من طلب الحياة لما ورد من حديث:
((طوبي لمن طال عمره وحسن عمله)) ولرجاء التوبة وحسن العمل، وحصول الأمل، أو
يطلب الموت نظراً إلى الشوق إلى الله، وحصول لقياه، وقد ورد: ((من أحب لقاء الله
أحب الله لقاءه)) وخوفاً من التغير، ولقاء المحن والوقوع في الفتن، والمختار التفويض،
والتسلیم، كما دل عليه الحديث الشريف.
٤١ - (وعن أبي عبد الله) كنية (خباب) بفتح المعجمة وتشديد الموحدة الأولى، وقيل:
كنيته أبو محمد، وقيل: أبو يحيى (ابن الأرت) بفتح الهمزة والراء وتشديد الفوقية آخره ابن
جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن زيد مناة بن تميم فهو (رضي الله عنه) تميمي في قول
الأكثر، وقيل: خزاعي، وقال بعضهم: أنه تميمي النسب، خزاعي الولاء زهري الحلف،
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المرضى باب تمني المريض الموت (١٠٧/١٠ و١٠٨).
وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: تمني كراهة الموت لضر نزل به
(الحديث: ١٠).

١٨٢
كتاب: دليل الفالحين
قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بِهِ وَهُوَ مُتَوَسِّدُ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟
أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلِكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ
فِيهَا، ثُمَّ يُؤْتَّى بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ
لأن مولاته أم أنمار بنت سباع الخزاعية، من حلفاء عوف بن عبد الله بن عوف بن
عبد الحارث بن زهرة. وهو من السابقين إلى الإِسلام، وكان سادس ستة فيه وعذب في الله
تعالى، قال مجاهد: أول من أظهر إسلامه رسول اللّه مَ ليل، وأبو بكر، وخباب، وصهيب،
وبلال، وعمار، وأم عمار، فأما رسول اللّه ◌َّر، فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر،
فمنعه قومه، وأما الآخرون فألبسوهم أدرع الحديد، ثم أصبروهم في الشمس، فبلغ منهم
الجهد ما شاء الله من حر الحديد، والشمس. قال الشعبي: سأل عمر بن الخطاب خباباً عما
لقي من المشركين فقال يا أمير المؤمنين: انظر إلى ظهري، فقال ما رأيت كاليوم ظهر رجل،
قال خباب: لقد أوقدت نار، وسجيت عليها، فما أطفأها إلا ورك ظهري. شهد بدراً،
والمشاهد كلها، ولما هاجر آخى ◌َّ بينه، وبين تميم مولى حراش بن الصمة، وقيل آخى
بينه وبين جبر بن عتيك. مرض خباب مرضاً شديداً، روي عن قيس بن أبي حازم قال:
دخلنا على خباب، وقد اكتوى سبع كيات فقال: لو ما أن رسول اللّه يَّ نهانا أن ندعو
بالموت، لدعوت به. ونزل الكوفة، ومات بها، وهو أول من دفن بظهر الكوفة من الصحابة،
وكان موته سنة سبع وثلاثين. وقال علي رضي الله عنه لما نعي له: ((رحم الله خباباً. أسلم
راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً، وابتلي في جسمه. ولم يضيع الله أجر من أحسن
عملاً)) وكان سنه حين موته ثلاثاً وسبعين سنة. روي له عن رسول الله وَ *و اثنان وثلاثون
حديثاً اتفقا على ثلاثة منها، وانفرد البخاري باثنين، ومسلم بواحد، وخرج عنه أصحاب
السنن (قال: شكونا إلى رسول الله وَسير) أي: ما بنا من أذى الكفار، وعذابهم بدليل قوله في
الرواية الثانية: وقد لقينا من المشركين شدة (وهو متوسد بردة له) أي: جاعلها تحت رأسه.
والبردة بضم الموحدة الشملة المخططة وقيل: كساء أسود مربع فيه صور، والبردة واحد
البرد. وجمعه أبراد، وأبرد وبرود كما في القاموس. والجملة حالية من رسول الله وَطليقته، وكذا
قوله (في ظل الكعبة)، ويصح أن تكون الثانية حالاً من الضمير في متوسد، فتكون متداخلة
(فقلنا:) بيان لشكواهم إليه (إلا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام، أداة استفتاح، أو عرض
(تستنصر) أي: تسأل الله النصر (لنا إلا تدعو لنا) أي: بذلك، أو نحوه من كفهم عنا،
ومنعهم من أذانا (فقال) محرضاً لهم على الصبر (قد كان من) بفتح الميم أي: الذين
(قبلكم) من الأمم (يؤخذ الرجل) أي: المؤمن منهم، فالجملة خبر والرابط محذوف، أي:

١٨٣
٣ - باب: في الصبر
لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ مَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ! واللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ
مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّ اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ
كان الذين قبلكم يؤخذ الرجل الذي آمن منهم، ليعذب فيرجع عن إيمانه فما يرجع (فيحفر
له في الأرض) بالبناء للمفعول، والظرف نائب الفاعل، وحذف الفاعل لعدم تعلق الغرض
بعينه ويحتمل أنه مبني للفاعل أي: يحفر الآخذ، والظرف الثاني حال، أو صلة يحفر
(فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار) روي بالنون من نشرت الخشبة قال الحافظ في الفتح: وهي
أشهر في الاستعمال. وبالهمزة من أشرت الخشبة بالمئشار وبإبدالها ياء إما تخفيفاً، أو من
وشرت، ذكره ابن التين (فيوضع) أي: المنشار (على رأسه) فيؤشر (فيجعل) أي: يصير
(نصفين ويمشط) أي: يعذب (بأمشاط) جمع مشط، معروف (الحديد) أي: يعذب بها
(ما دون لحمه وعظمه) زيادة في تعذيبه، ليرجع عن إيمانه، وفي نسخة من البخاري :
((ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب)) و(ما يصده) أي: يمنعه، أو
يصرفه (ذلك) المذكور من أنواع العذاب واستعمل فيه اسم الإِشارة الموضوع للبعيد مع
قربه، لأن الملفوظ به لكونه عرضاً لا يبقى زمانين، كالبعيد فأشار إليه بما يشار به للبعيد (عن
دينه) والثبات عليه، وفيه مدح الصبر على العذاب على الدين، وعدم إقرار عين الكافر
بالتلفظ بكلمة الكفر وإن كانت جائزة حينئذ للإكراه كما تقدم (والله) فيه الحلف من غير
استحلاف وهو مندوب لتأكيد ما يحتاج لتأكيده (ليتمن) بفتح التحتية (هذا الأمر) بالرفع فاعل
يتم، وفي نسخة بضم التحتية، ونصب الأمر على أنه مفعول يتم أي: ليتمن الله هذا الأمر
أي: دين الإِسلام (حتى يسير) بالنصب، لأنه مستقبل بالنسبة لما قبل زمن التكلم به
(الراكب) التقييد به جرى على الغالب من أن المسافر يكون راكباً، فلا مفهوم له والمراد
الجنس فيشمل ما فوق الواحد، أو يفهم ما فوقه من باب أولى؛ لأنه إذا أمن الواحد مع
انفراده، فالعدد الأولى (من صنعاء) بالمد مدينة عظيمة باليمن، وقيل إنها مدينة بالشام :
(إلى حضرموت) مدينة بقرب اليمن، وهو مركب مزجي غير مصروف لذلك، وللعلمية (لا
يخاف) أحداً (إلا الله) جملة حالية من فاعل يسير، والمعنى أن الإِسلام يعم النواحي، فيسير
المسافر لا يخشى أحداً يعذبه على إيمانه، ولا يفتنه في دينه، فلا يخاف إلا الله سبحانه (و)
لا يخاف إلا من الأسباب العادية على أموره الدنيوية، فيخاف (الذئب) بكسر المعجمة
بعدها تحتية بهمزة على الأصل، وقد لا تهمز، سبع معروف أن يعدو (على غنمه) والسارق
أن يغير على ماله، ونعمه (و) تمام هذا الأمر أي: الإِسلام، وظهوره على سائر الأديان كائن

١٨٤
كتاب : دليل الفالحين
تَسْتَعْجِلُونَ!)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَهُوَ مُتَوَسِّدُ بُرْدَةً وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
شِدَّةً))(١).
ألبتة (٢) (لكنكم تستعجلون) أي: تطلبون العجلة في الأمور، ولكل شيء في علم الله أوان،
وإذا جاء الأوان يجيء، وقد وقع ما أخبر به المصطفى وس ول كما أخبر، فعم الإِسلام، وظهر،
وصار الراكب لا يخشى من يفتنه، ويصده عن دينه، إنما يخشى بوائق الحدثان، وبالله
المستعان، فهو من جملة علامات نبوته وسير، ولا يخالف هذا الحديث ما نقله ابن الأثير في
أسد الغابة عن أبي صالح قال: ((كان خباب قيناً يصنع السيوف، وكان رسول الله صلّ يألفه
ويأتيه، فأخبرت مولاته بذلك فكانت تأخذ الحديدة المحماة فتضعها على رأسه فشكا ذلك
إلى رسول الله وَلقر، فقال: اللهم انصر خباباً. فاشتكت مولاته أم أنمار رأسها، فكانت تعوي
مثل الكلاب فقيل لها اكتوي، فكان خباب يأخذ الحديدة المحماة فيكوي بها رأسها)) اهـ.
لتعدد الوقعات. واختلاف الأقوال لاختلاف الأحوال. والله أعلم (رواه البخاري) في
علامات النبوة وفيما يأتي آنفاً، وفي كتاب الإِكراه، ورواه أبو داود، والنسائي (وفي رواية)
أي: للبخاري في باب ما لقي النبي ◌َّ، وأصحابه من المشركين بمكة (وهو متوسد بردة)
وفي نسخة بيرد أتي بها مع أنها في الرواية السابقة ليبين بها محل قوله (وقد لقينا) أي: معشر
ضعفاء المسلمين (من المشركين شدة) أي: عظيمة كما يؤذن به التنوين، فكانوا يلقون بلالاً
على قفاه في وقت الظهيرة، ويجعلون على صدره الصخرة العظيمة، وكانوا يلقون خباباً على
ظهره على النار، وجعلوا سمية أم عمار بين جملين وأدخلوا في قبلها رمحاً، فماتت
رضي الله عنهم أجمعين، ثم هذه الشدائد التي حلت بأولئك الأماجد، لكمال استعدادهم
زيادة في علو درجاتهم، ورفع شأنهم، وفي الحديث الشريف: ((أشد الناس بلاء الأنبياء ثم
الأمثل. فالأمثل)). وعلى قدر المقام يكون الابتلاء، وقد كانت قلوبهم راضية وأنفسهم بذلك
مطمئنة، حتى لقد رد بعضهم جوار أقاربه الكفار، ورضي أن يعذب في الله، ويبتلى فيه مع
الأخيار، وشكواهم ليست عن تضجر ولا تبرم، وإنما هي لأنهم رأوا أن في السلامة من ذلك
(١) أخرجه البخاري في كتاب: علامات النبوة، باب: علامات النبوة في الإِسلام. وباب ما لقي النبي ◌َ ﴾
وأصحابه من المشركين بمكة. (١٢٦/٧).
(٢)، في محيط المحيط: قوله لا أفعله ألبتة ولا أفعله بتة ((والتنكير قليل)) أي هذا القول قطعة واحدة لا رجعة
فيه ولا تردد وهو مصدر منصوب بفعل مقدر والتاء للمبالغة وأل في البتة للجنس والمسموع قطع همزتها
على غير القياس وحكم سيبويه بأن أل فيها لازمة. ع.

١٨٥
٣ - باب: في الصبر
٤٢ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنِ، آثَرَ رَسُولُ اللَّهِ وِ﴾
نَاساً فِي الْقِسْمَةِ: فَأَعْطَى الْأَفْرَعُ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ
مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى نَاساً مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ. فَقَالَ رَجُلٌ :
تفزعاً للعبادة، وتوجهاً إلى كمال السعادة، فأرشدهم المصطفى ول# إلى أن غاية الأدب،
الصبر على مراد الله، والرضا بقضاء الله .
لا ينعم المرء بمحبوبه
حتى يرى الراحة فيما قضى
٤٢ - (وعن) عبد الله (بن مسعود) الهذلي، وهو المراد إذا أطلق ابن مسعود (رضي الله عنه
قال: لما كان يوم حنين) أي: زمن غزوتها، وهي واد بين مكة، والطائف وراء عرفات، بينه
وبين مكة بضعة عشر ميلاً، وهو معروف، وكانت وقعة حنين في شوال سنة ثمان من الهجرة
عقب فتح مكة (آثر) بالمد أي: أعطى (رسول الله ﴿ ناساً) من المؤلفة ومن الطلقاء، ومن
رؤساء العرب يتألفهم (في القسمة) لغنائم هوازن (فأعطى الأقرع) بالقاف الساكنة بعدها
مهملتان، لقب به لقرع كان في رأسه (ابن حابس) بالمهملة أوله وآخره وبعد الألف موحدة،
وهو من سادات تميم، كان شريفاً في الجاهلية والإِسلام (مائة من الإِبل وأعطى عيينة) بضم
المهملة وفتح التحتية الأولى (ابن حصن) بكسر المهملة الأولى وسكون الثانية، بعدها نون،
ابن بدر الفزاري (مثل ذلك) مفعول ثان، ويحتمل أن يكون مفعولاً مطلقاً، أي: إعطاء مثل
ذلك الإِعطاء، والأول أقرب (وأعطى ناساً من أشراف العرب) والطلقاء، وضعفاء الإِيمان
(وآثرهم) أي: أعطاهم عطايا نفيسة (يومئذ) أي: يوم حنين (في القسمة) لغنائمها تألفاً لهم،
وترك أقواماً اعتماداً على ما وقر في قلوبهم من نور الإِيمان وشمس العرفان، وفي الحديث
الصحيح عن سعد مرفوعاً: ((إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار
على وجهه)) والناس قال الراغب في مفرداته: قيل أصله أناس، فحذف فاؤه لما أدخل عليه أل.
قلت: وتقدم مثله عن البيضاوي، والناس قد يذكر ويراد به الفضلاء دون من يتناوله اسم الناس
تجوزاً وذلك إذا اعتبر معنى الإِنسانية، وهو وجود العقل، والذكر، وسائر القوى المختصة به
فإن كل شيء عدم وصفه المختص به لا يكاد يستحق اسمه اهـ. (فقال رجل:) هذا لفظ
مسلم. وعند البخاري: ((فقال رجل من الأنصار هذه قسمة ما أريد بها وجه الله)) فقال عليه:
((لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر)) قال ابن الملقن: وقوله في البخاري إنه من الأنصار
غريب. قلت: قال الشيخ زكريا في تحفة القاري: اسمه معتب بن قشيرا هـ. وهو بضم الميم
وفتح المهملة وتشديد الفوقية آخره موحدة وهو من الأنصار أي: من قبيلتهم، وهو الذي روى

١٨٦
كتاب: دليل الفالحين
وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا وَمَا أُرِيدَ فِيها وَجْهُ اللَّهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لُأَخْبِرَنَّ
رَسُولَ اللَّهِوَهِ، فَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، فَتَغَيَِّ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ كَالصِّرْفِ ثُمَّ قَالَ:
((فَمَنْ يَعْدِلْ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟))! ثُمَّ قَالَ: ((يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوْذِيَ بِأَكْثَرَ
مِنْ هَذَا فَصَبَرَ)) فَقُلْتُ: لَا جَرَمَ لَا أَرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثاً مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ
عنه الزبير أنه قال: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا. أما الذي قال أعدل يا رسول الله
فاسمه ذو الخويصرة، وهو أبو الخوارج، وظاهر كلام عياض في شرح مسلم أنه هو القائل عن
النبي ﴿ ما ذكر في هذا الخبر، والله أعلم. فإن صح ذلك، فيكون معنى قوله: إنه من
الأنصار. أي: حلفاً، أو ولاء (والله إن هذه القسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله) الأوجه
أنه مَّله إنما ترك قتل قائل هذا الكلام مع أن سبه ◌َ﴿ كفر يقتل به فاعله. لئلا يتحدث الناس
بأنه وي يقتل أصحابه فينفروا عن الإِسلام فعامله معاملة غيره من المنافقين، قال القاضي
عياض: وقد رأى الناس هذا الصنف في جماعتهم، وعدوه من جملتهم قال ابن مسعود (فقلت
والله لأخبرن رسول الله وَله) ليحذر منه، وليعلم ما أخفاه من حاله، وليس هذا من باب نقل
المجالس هي بالأمانة؛ لأن ذاك في غير نحو هذا، أما هذا فمن النصيحة لله، ولرسوله،
وللمؤمنين (فأتيته فأخبرته بما قال) مما يدل على حجب بصيرة قائله عن مشكاة أنواره بخير، وإلا
فلو أشرق فيه بعض ذلك النور، لامتلأ قلبه من الخيور، وعلم أنه ول# الطبيب الحاذق، الذي
يداوي كل سقيم، ويذهب كل ضير وألم، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور قال ابن
مسعود (فتغير وجهه) يسير كما هو قضية طبع البشر عند حصول مؤذ للنفس (حتى كان) أي:
صار (كالصرف) هذا لفظ رواية مسلم. وفي رواية للبخاري في باب بدء الخلق: ((فغضب
حتى رأيت الغضب في وجهه)) (ثم قال:) راداً عليه ما نسبه إليه من عدم العدل (فمن يعدل)
استفهام إنكار، فهو في معنى ما يعدل أحد (إذا لم يعدل الله ورسوله ثم قال) مبيناً أن الصفح
عن عثرات اللئام سنة قديمة في الأنبياء، والمرسلين عليهم الصلاة والسلام (يرحم الله موسى)
آتى به مع أن الأكثر من هديه وَّ في الدعاء - أي: عند ذكر أحد من الأنبياء كما قيده به
الدميري في الديباجة - أن يبدأ بنفسه فيقول مثلاً: غفر الله لنا ولفلان: اهتماماً بشأنه لأنه ذكر
في مقام المدحة له، والتأسي به (قد أوذي بأكثر من هذا) أي: من أذى السفهاء، والجهال
له وَلّ فقالوا أنه آدر(١)، وذلك منهم غاية العتو، ونهاية الاختلاق. قاله العراقي في شرح
التقريب (فصبر) على أذاهم، وقابل جهلهم بحلمه، وهو ثمّ المقتبس من مشكاته كل خلق
(١) أي كبير الأنثيين.

١٨٧
٣ - باب: في الصبر
(كَالصِّرْفِ)) هُوَ بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ: صِبْغٌ أَحْمَرُ(١).
٤٣ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: ((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ
الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى
يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َةَ: ((إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ
حسن (فقلت: لا جرم) مذهب الخليل، وسيبويه أنهما ركبا من لا وجرم وبنيا، والمعنى حق،
وما بعده رفع به على الفاعلية. وقال الكسائي معناها: لا صد ولا منع، فيكون جرم اسم لا ،
وهو مبني على الفتح، وقيل غير ذلك وعلى القول الأول، فالتقدير حق أن (لا أرفع إليه بعدها)
أي: هذه المرة (حديثاً) ((يقع من أولئك فيه نفثات ألسنتهم بما تخفيه صدورهم)) أي: مما
لا يعود بضرر على النبي وير، ولا على الإِسلام، وإنما رأى ذلك لأنه رأى أن كلامه حصل منه
بعض التعب للنبي وير حتى رأى أثر الغضب من تلك الحمرة في بشرته الشريفة، ومع ذلك
صفح عن ذلك القائل كيلا يقول الناس إن محمداً وَلي يقتل أصحابه (متفق عليه) رواه البخاري
في أبواب الخمس وفي الأنبياء، وفي الدعوات، وفي الأدب، ورواه مسلم في الزكاة (وقوله)
في الحديث (كالصرف هو بكسر الصاد المهملة) وسكون الراء آخره فاء (وهو صبغ أحمر) زاد
في شرح مسلم: يصبغ به الجلود قال ابن دريد، وقد يسمى الدم أيضاً صرفاً اهـ.
٤٣ - (وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله وَير: إذا أراد الله بعبده) المراد عقابه
(الخير عجل له) في جزاء سيئاته (العقوبة في الدنيا) ببلاء في نفسه، أو بموت صديقه، أو
بفقد ماله، ونحوه، فيكون ذلك إذا سلم من التبرم من الأقدار كفارة لجناياته فيوافي القيامة
وقد خلص من تبعة الذنب ودركه، فإن لم يكن من أرباب المخالفات، ونزل به بلاء، كان
زيادة في درجاته، وعليه يحمل حديث: ((أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل)).
(وإذا أراد الله بعبده) المذكور (الشر) من العقاب والعذاب (أمسك عنه) الأذى (بذنبه) الباء
بمعنى في، أو سببية، يعني أن تأخير ما ذكر عنه، وبقاءه في تبعات ذنبه من أسباب ذنبه،
ففيه استدراجه من حيث لا يشعر (حتى يوافي به) أي: بذنبه حاملاً له على كاهله (يوم
القيامة) فيجازى به، وأين جميع أهوال الدنيا، ومضايقها من ساعة من عذاب النار وما فيها
(١) أخرجه البخاري في كتاب: أبواب الخمس ((من أخبر صاحبه بما يقال فيه)) (٤٤/٨، ٤٥).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإِسلام وتصبر من قوي إيمانه (الحديث:
١٤٠).

١٨٨
كتاب: دليل الفالحين
تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْمَا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ)) رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ(١).
من الأغلال، والأنكال. وفي الحديث الحث على الصبر على ما تجري به الأقدار، وأنه خير
للناس في الحال، والمآل، فمن صبر فاز، ومن تبرم بالأقدار فقدر الله لا يرد، وفات المتبرم
أعالي الدرجات، وتكفير السيئات، والله ولي التوفيق.
(و)(٢) عن أنس (قال النبي وَّر:) مؤكداً لما دلّ عليه ما قبله مبيناً له (إن عظم) بكسر
المهملة، وفتح المعجمة في المعاني (الجزاء) أي: الثواب في الآخرة كائن (مع عظم
البلاء) فمن حل به خلاف ما يهواه الإِنسان بالطبع من الشدائد، فليفرح بها: لما فيها من
التخصيص وإجزال العطاء، فإن لم يكن من أهل مقام الرضا، فلا أقل من أن يكون من أهل
مقام الصبر (وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم) لأنه لو تركهم وزهرات الدنيا ربما
استغرقت فيها قلوبهم، فاشتغلوا بها عن مربوبهم، كما وقع ذلك للكفار، وأرباب الغفلات،
فمن أراد الله إقباله عليه قطع عنه العلائق وأنزل به أنواع البلايا لتقوده إلى الرجوع إلى مولاه
في كل ساعة وأي نعيم يوازي نعيم الشهود، وأي جحيم يساوي الغفلة والتبعيد (فمن
رضي) بما جرى به القدر، ولم يتبرم، ولم يتضجر (فله الرضا) بالاختصاص الإِلَّهي،
والفيض الرباني والثواب الجزيل، والأجر الجميل قال تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا
الإِحسان﴾(٣) (ومن سخط) من ذلك، وتبرم، من تلك المقادير جرى المقدور إذ لا مانع
لما أراد سبحانه (وله) أي: الساخط (السخط) بفتحتين، أو بضم فسكون، الانتقام أو
إرادته: لما فيه من معارضة الأقدار الإِلّهية، والاعتراض على الأحكام الربانية، وليس ذلك
من شأن العبيد، والله يفعل ما يريد (رواه الترمذي) في جامعه (وقال حديث حسن) هو
ما رواه العدل الضابط. غير تامهما، أو المستور، وانجبر وقد سلم من الشذوذ، والعلة، وفي
معنى حديث الباب، ما أخرجه الترمذي أيضاً عن جابر قال: قال رسول الله وَلير: ((يود أهل
العافية يوم القيامة حين يعطي أهل البلاء الثواب أن لو كانت جلودهم قرضت في الدنيا
بالمقاریض)».
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد باب ما جاء في الصبر على البلاء (الحديث: ٢٣٩٨).
(٢) ظاهر المتن أن هذا قطعة مما قبله وظاهر الشرح أنه حديث مستقل وهو الذي في المنذري لكن فيه ومن
سخط فله السخط، وليس فيه لفظ ((جرى المقدور)). ش.
(٣) سورة الرحمن، الآية: ٦٠.

١٨٩
٣ - باب: في الصبر
٤٤ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
يَشْتَكِي، فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ فَقُبِضَ الصَّبِيُّ. فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: مَا فَعَلَ ابْنِي؟
قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ، وَهِيَ أُمُّ الصَّبِيِّ: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ، فَقَرَّبَتْ لَهُ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى ثُمَّ
أَصَابَ مِنْهَا، فَلَّمَّا فَرَغَ قَالَتْ: وَارُوا الصَّبِيَّ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ أَتَى
رَسُولَ اللّهِ وَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ((أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِْ
٤٤ - (وعن أنس) الأخصر وعنه (رضي الله عنه قال: كان ابن) هو الذي قال له هلهو: ((يا
أبا عمير. ما فعل النغير)) وحديثه ذلك عند الترمذي في شمائله. قيل كناه وق لقه بما ذكر إشارة
إلى قصر عمره. وعند ابن ماجه حديث في قصة تزويج أم سليم بأبي طلحة بشرط أن يسلم
وقال فيه: ((فحملت فولدت غلاماً صبيحاً، فكان أبو طلحة يحبه حباً شديداً، فعاش حتى
تحرك، فمرض، فحزن أبو طلحة عليه حزناً شديداً حتى تضعضع، وأبو طلحة يغدو،
ويروح على رسول الله وَّر فراح روحة فمات الصبي)) (لأبي طلحة) اسمه زيد بن سهل
الأنصاري والابن أخ لأنس من أمه أم سليم(١) (رضي الله عنه) الأولى رضي الله عنهما لأنه ذكر
صحابیان الابن، وأبوه (یشتكي) أي: مریض، وليس المراد أنه صدرت منه شکوی لکن لما
كان المريض يحصل منه ذلك، استعمل في كل مريض (فخرج أبو طلحة) أي: إلى
النبي وَّ (فقبض) بالبناء للمجهول (الصبي) زاد الإسماعيلي في روايته: فأمرت أمه أنساً.
أن يدعو أبا طلحة، وألا يحبره بموت ابنه (فلما رجع أبو طلحة) إلى بيته جاء في رواية
الإسماعيلي: وكان أبو طلحة صائماً (قال: ما فعل ابني) أي: ما قام به من صحة، أو زيادة
مرض (فقالت أم سليم:) بضم المهملة مصغراً واختلف في اسمها فقيل: سهلة. وقيل:
رميثة ومليكة، والغميضاء، والرميصاء (وهي أم الصبي) جملة معترضة (هو أسكن ما كان)
أي: أسكن أكوانه فإنه كان في القلق، والاضطراب للنزع فذهب ذلك حينئذ، وظن أبو
طلحة أنها أرادت هو أسكن من الألم لحصول العافية وفي عبارتها التوجيه (فقربت له
العشاء) بفتح المهملة ممدوداً الطعام الذي يؤكل عند العشاء. وهو ما بين المغرب والعتمة
(فتعشى ثم أصاب منها) أي: جامعها وفي رواية تأتي أنها تصنعت له أحسن ما كانت تصنع
قبل ذلك فوقع بها (فلما فرغ) من حاجته (قالت واروا) أي: استروا (الصبي) بالدفن (فلما
أصبح أبو طلحة أتى رسول الله صلير فأخبره) أي: بما عدا الجماع، بدليل قوله: (فقال:
(١) أي أن أم سليم هي أم أنس بن مالك فأولادها من أبي طلحة إخوة أنس بن مالك لأمه رضي الله عنهم.
ش.

١٩٠
كتاب: دليل الفالحين
لَهُمَا)) فَوَلَدَتْ غُلامَاً، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ النَّبِيَّ ◌َ وَبَعَثَ مَعَهُ
بِتَمَرَاتٍ. فَقَالَ: ((أَمَعَهُ شَيْءٌ))؟ قَالَ: نَعَمْ تَمَرَاتٌ، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ◌َ﴿ فَمَضَغَهَا ثُمَّ
أَخَذَهَا مِنْ فِيْهِ فَجَعَلَهَا فِي فِي الصَّبِيِّ ثُمَّ حَنَّكَهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ(١).
وفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَيْتُ تِسْعَةَ أَوْلَادٍ
اعرستم الليلة) المراد منه هنا الوطء، وسماه إعراساً لأنه من توابع الأعراس، ولا يقال فيه
بالتشديد كذا في النهاية وهمزة الاستفهام مقدرة (قال: نعم) بفتح أولیه وسکون ثالثه وبکسر
ثانيه في لغة كنانة وقد تبدل عينه حاء حكاه النضر بن شميل، وهي من حروف الجواب،
لتصديق مخبر أو إعلام مستخبر، أو وعد طالب (قال: اللهم) أي: يا الله (بارك لهما) دعا
لهما بالبركة وهي النماء، والزيادة (فولدت) من ذلك الوطء المدعو بالبركة فيه (غلاماً) هو
عبد الله. قال أنس (فقال لي أبو طلحة: احمله حتى تأتي به النبي ◌َّ) ليحل نظره الشريف
عليه (وبعث معه بتمرات) بفتح الميم، ليحكنه بها. والتحنيك بالتمر تفاؤل بالإِيمان: لأنها
ثمرة الشجرة التي شبهها رسول الله وَّل بالمؤمن، ولحلاوتها أيضاً (فقال:) أي: النبي وَل
وفي الكلام حذف تقديره فحملته حتى أتيت به النبي ◌ّ فقال: (أمعه شيء) أي: يحنك به
(قال:) أنس (نعم) بفتحتين فسكون (تمرات) مبتدأ خبره محذوف اكتفاء بذكره في السؤال
أي: معه تمرات (فأخذها النبي ◌َّ ر فمضغها) لتختلط بريقه الشريف، ويقدر الصبي على
إساغتها، فيكون أول ما يدخل جوفه الممتضع بريق المصطفى وَطير، فيسعد ويبارك فيه (ثم
أخذها) أي: التمرات الممضوغات (من فيه فجعلها في في الصبي) أي: في فمه، ولا يخفى
ما فيه من الجناس التام (ثم حنكه) في الصحاح: حنكت الصبي وحنكته إذا مضغت تمراً، أو
غيره ثم دلكته بحنكه، والصبي محنوك ومحنك اهـ (وسماه عبد الله) أي: وضع له هذا
الاسم ففيه فضل التسمية بذلك (متفق عليه) في فتح الباري: وأخرجه ابن حبان والطيالسي
هذا ما اتفقا عليه (و) زاد (في رواية للبخاري قال) سفيان (ابن عيينة) بضم المهملة
وبكسرها، اتباعاً للياء بعدها وفتح التحتية الأولى وسكون الثانية، الهلالي قرين الإِمام
مالك بن تابعي التابعين (فقال رجل من الأنصار:) هو عبابة بن رفاعة كما أخرجه سعد بن
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: من لم يظهر حزنه عند المصيبة وفي العقيقة، باب: تسمية
المولود (١٣٥/٣، ١٣٧).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإِسلام وتصبر من قوي إيمانه
(الحديث: ١٤٠).

١٩١
٣ - باب: في الصبر
كُلُّهُمْ قَدْ قَرَؤُ وا الْقُرْآنَ (يَعْنِي مِنْ أَوْلَادِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَوْلُودِ)، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : مَاتَ
ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ لِأَهْلِهَا: لَا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِابْنِهِ حَتَّى أَكُونَ
أَنَا أُحَدِّثُهُ. فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً فَأَكَلَ وَشَرِبَ، ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَتْ
تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ فَوَقَعَ بِهَا، فَلَمَّا أَنْ رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ وَأَصَابَ مِنْهَا قَالَتْ:
منصور ومدد بن سعد وغيرهم، وسبق أن الأنصار لفظ إسلامي صار علماً على أولاد الأوس،
والخزرج الذين نصروا النبي وب لر والإِسلام (فرأيت تسعة أولاد كلهم) بالرفع مبتدأ خبره
جملة (قد قرءوا القرآن) ويجوز أن يكون كل تأكيد تسعة، وأتى بها لئلا يتوهم أنه رأى بعضاً
دون بعض. وحينئذ فجملة قرءوا القرآن حالية (يعني) هذا لفظ أحد الرواة عن سفيان، لبيان
أن الأولاد المرئيين (من أولاد عبد الله) بن أبي طلحة (المولود) من تلك الإِصابة المدعو لها
بالبركة، ووقع في رواية عن سفيان أنهم سبعة بتقديم السين. قال في فتح الباري وقيل: إن
في إحداهما تصحيفاً، أو أن المراد بالسبعة من ختم القرآن كله، وبالتسعة من قرأ معظمه،
وله(١) من الولد فيما ذكر ابن سعد وغيره من علماء الأنساب، إسحاق، وإسماعيل،
وعبد الله، ويعقوب، وعمر، والقاسم، وعمارة، وإبراهيم، وعمير، وزيد ومحمد، وأربع
من البنات، ويؤخذ من قول سفيان المذكور أن في قوله ﴿ لكما تجوزا: لأن ظاهره أنها في
ولدهما من غير واسطة، وإنما المراد من أولاد ولدهما المدعو له بالبركة، وهو عبد اللّه اهـ.
(وفي رواية أخرى لمسلم) في صحيحه (مات ابن لأبي طلحة من أم سليم) الظرف الأول
صفة لابن، والثاني محتمل لها والحالية (فقالت لأهلها:) أي: لقرابتها الذين عندها،
وشعروا بوفاة ابنها (لا تحدثوا أبا طلحة) عند مجيئه المنزل (بـ) وفاة (ابنه) لئلا يتنغص
عيشه، وهو صائم فلا ينال حاجته من الطعام (حتى) تعليلية، أو غائية (أكون أنا) تأكيد
للضمير المستكن (أحدثه، فجاء فقربت إليه عشاء) عبر هنا بإلى لأنه منتهى التقريب، وفيما
تقدم باللام إشارة إلى أنه مقصود بذلك العشاء مهيأ له كما أشار البيضاوي إلى نحوه في
سورة يونس في تعدية يهدي بإلى تارة، وباللام أخرى (فأكل وشرب ثم تصنعت له) بتحسين
الهيئة بالحلي، ونحوه (أحسن ما كانت تصنع) بنصب أحسن مفعول مطلق وأصل تصنع
تتصنع فأدغمت إحدى التائين في الصاد المهملة هذا إن قرىء بتشديدها، فإن كانت
مخففة، فإحدى التائين محذوفة دفعاً للثقل (قبل ذلك) الوقت وهذا يدل على كمال يقينها،
وقوة صبرها (فوقع بها) أي: جامعها (فلما إن) زائدة (رأت أنه قد شبع) من الطعام (وأصاب
منها) بالجماع (قالت:) منبهة له على أنه لا ينبغي له الحزن على موت ولده عند اطلاعه
(١) أي لعبد الله. ش.
1

١٩٢
كتاب: دليل الفالحين
يَا أَبَا طَلْحَةَ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمَاً أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ أَلَهُمْ أَنْ
يَمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ: لَا، فَقَالَتْ فَاحْتَسِبْ ابْنَكَ، قَالَ: فَغَضِبَ ثُمَّ قَالَ: تَرَكْتِي حَتَّى إِذَا
تَلَطَّخْتُ ثُمَّ أَخْبَرْتِي بِابْنِي! فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتِى رَسُولَ اللَّهِوَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: (بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا)) قَالَ: فَحَمَلَتْ، قَالَ: وَكَانَ
رَسُولُ اللَّهِ فِي سَفَرٍ وَهِيَ مَعَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِذَا أَتَى الْمَدِينَةَ مِنْ سَفَرٍ
لَ يَطْرُقُهَا طُرُوقاً، فَدَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ، فَاحْتَبَسَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَةَ:
عليه لأنه وديعة بصدد الاسترداد (يا أبا طلحة أرأيت) أخبرني (لو) ثبت (أن قوماً) هو في
الأصل جماعة الرجال، والأكثر في استعمال الشرع أن يراد به ما يشملهم، والنساء قاله
الراغب في مفرداته (أعاروا عاريتهم) مفعول ثان لأعار (أهل بيت) مفعوله الأول (فطلبوا
عاريتهم ألهم) أي: لأهل البيت المستعيرين، والظرف خبر مقدم مبتدؤه (أن يمنعوهم) أي :
منعهم ويصح أن تعرب أن، ومدخولها فاعلاً للظرف، لاعتماده على الاستفهام (قال لا)
أي: ليس لهم منعهم لأن الإِعارة إباحة منافع المعار، والمعار باق على ملك المعير فله
استرداده متى شاء (قالت فاحتسب ابنك) أي: أطلب ثواب ابنك، وأجر مصيبتك فيه
من اللّه، ولا تدنسها بما يحبط الثواب فإنه كان عندك عارية استرده مالكه (قال:) أنس
(فغضب) أبو طلحة (وقال:) لأم سليم (تركتني) بكسر التاء للمخاطبة (حتى إذا) وقتية
(تلطخت) بفتح الفوقية، واللام وتشديد الطاء المهملة وسكون المعجمة، أي: تقدرت
بالجماع يقال: رجل لطخ، أي: قذر (ثم أخبرتني) بكسر التاء (با بني) أي: بموته (فانطلق)
يمشي (حتى أتى رسول الله ول﴿ فذكر له ذلك) أي: المذكور من فعل أم سليم الدال على
كمال يقينها، وحسن صبرها مما يعجز عنه كثير من الرجال (فقال النبي وَّ:) داعياً لهما بما
يعود نفعه عليهما لجميل فعلهما (بارك الله لكما في ليلتكما) أي: فيما فعلتماه فيها من
الإِعراس، بأن يجعله نتاجاً طيباً وثمرة حسنة (قال) أنس (فحملت) أم سليم إجابة لدعائه وَيه
بالبركة بما كان منه قوم صالحون كما تقدم عن ابن عيينة (قال:) أنس (وكان رسول الله وال
في سفر وهي معه، وكان رسول الله مثل﴿ إذا أتى المدينة من سفر) بفتح أوليه سمي بذلك؛
لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، وسفره مّه من المدينة إنما كان لأداء النسك، أو الجهاد
(لا يطرقها) بضم الراء (طروقاً) بضم أوليه المهملين أي: لا يأتيها ليلاً، وكل آت بالليل
طارق، ونهي عن طروق المسافر أهله ليلاً، لئلا يرى منهم ما قد يكره وأيضاً فإذا وصلوا البلد
نهاراً وسمع بهم أهلهم تصنعت المرأة لبعلها فيراها بمنظر حسن، بخلاف ما إذا فجأها وهي

١٩٣
٣ - باب: في الصبر
وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ بَ، قَالَ: يَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ يَا رَبِّ أَنَّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ
أَخْرُجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ إِذَا خَرَجَ وَأَدْخُلَ مَعَهُ إِذَا دَخَلَ، وَقَدْ آْتُبِسْتُ بِمَا تَرَى،
تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمِ: يَا أَبَا طَلْحَةَ مَا أَجِدُ الَّذِي كُنْتُ أَجِدُ، انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا وَضَرَبَهَا
الْمَخَاضُ حِينَ قَدِمَا فَوَلَدَتْ غُلَمَاً، فَقَالَتْ لِي أُمِّي: يا أَنَسُ لَا يُرْضِعُهُ أَحَدٌ حَتَّى
شعثة ربما كان رؤياها كذلك سبباً لفراقه لها وهذا إذا لم يترقب أهله قدومه عليهم ليلاً، وإلا
كان بلغهم خبر قدومه من أول النهار فلا بأس بالطروق حينئذ (فدنوا) قربوا (من المدينة
فضربها المخاض) بفتح الميم، وقرىء بكسرها في الشواذ وهو وجع الولادة (فاحتبس عليها
أبو طلحة) أي: حبس نفسه عليها لاشتغاله بشأنها(وانطلق رسول الله (وَّية) في مسيره إلى
المدينة (قال:) أنس (يقول أبو طلحة:) أتى بلفظ المضارع لحكاية الحال الماضية، إشارة
لكمال استحضاره للقصة، وإتقانه لها (إنك لتعلم يا رب) بكسر الباء دليلاً على التحتية،
ويجوز فتحها على أن المحذوفة الألف المنقلبة عن الياء، وضمها بناء على قطعه عن
الإِضافة، وجملة النداء معترضة بين الفعل، وما سد مسد مفعوليه وهو قوله: (إنه يعجبني)
بضم التحتية (أن أخرج مع رسول الله ( ( إذا خرج) من المدينة لسفر (وأدخل معه)
المدينة، وهو بالنصب عطف على أخرج (إذا دخل) أي: دخلها فالمفعول محذوف، لدلالة
السياق عليه (وقد احتبست) أي: منعت من الدخول (بما ترى) مما نزل بأم سليم،
فأجاب الله دعوته، وكشف كربته (قال: ) أنس مخبراً عن ذلك (تقول أم سليم) أي: قالت أم
سليم وعدل عنه إلى المضارع لما ذكر آنفاً (يا أبا طلحة: ما أجد الذي كنت أجد) العائد
محذوف التقدير أجده أي ما أجد ألم الوضع الذي كنت أجده قبل (انطلق) أمر له لأن سبب
التخلف زال (قال:) أنس (فانطلقنا وضربها المخاض حين قدما) بكسر الدال أي: وقت
قدوم أبي طلحة، وأم سليم المدينة مع المصطفى وَّ (فولدت غلاماً) هو المسمى بعبد الله
(فقالت لي أمي:) أم سليم، أم عبد الله المذكور فهو أخو أنس لأمه كما تقدم (يا أنس
لا يرضعه) بضم التحتية وسكون المهملة على أن لا ناهية (أحد) أي: ليكون أول شيء يشق
جوفه، ويدخل أمعاءه الممزوج بريق المصطفى وَّ، فيعود عليه بخير الدارين، كما ظهر
أثره في هذا الغلام بتكثير بنيه الصالحين الأتقياء الفالحين(١) قال الشاعر:
وأجلهن نجابة الأولاد
نعم الإِلَّه على العباد كثيرة.
(١) الفلاح الفوز وهو من ((أفلح)) الرباعي فاسم الفاعل منه ((مفلح)) لا فالح ولعل الشارع آثر التعبير به
لشھرته . ع.

١٩٤
كتاب : دليل الفالحين
تَغْدُوَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ احْتَمَلْتُهُ فَانْطَلَقَتُ بِهِ إِلَى
رَسُولِ اللهِ نَّهِ. وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيْثِ.
٤٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((لَيْسَ الشَّدِيدُ
بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الذَّي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. و((الصُّرَعَةُ))
(حتى تغدو به) وتعرضه (على رسول الله وَ لا) والغدو سير أول النهار، والرواح السير
بعد الزوال. هذا هو الأصل فيهما، وقد يتجوز في ذلك ومنه حديث: ((من راح إلى الجمعة
في الساعة الأولى)) على أحد الأقوال فيه وعدي بعلى إشارة إلى أن القصد من الوصول به
إليه عرضه عليه، ليحل عليه نظره السعيد، فيفوز بالخير المديد وقد حقق الله ما أرادت (فلما
أصبح) أي: دخل وقت الصباح ومنه قوله تعالى: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين
تصبحون﴾(١) (احتملته فانطلقت) أمشي (به) منتهياً (إلى رسول الله وَطلاقه. وذكر تمام الحديث)
وفيه نحو مما في حديث البخاري السابق أنه حنكه بالتمر، وسماه عبد الله، قال في فتح
الباري: وفي الحديث فوائد: جواز الآخذ بالشدة، وترك الرخصة مع القدرة عليها، والتسلية
عن المصائب وتزين المرأة لزوجها، وتعرضها لطلب الجماع منه، واجتهادها في عمل
مصالحه ومشروعية المعاريض الموهمة إذا دعت الضرورة إليها، ولم يترتب عليها إبطال حق
مسلم. والحامل لأم سليم عليه، المبالغة في الصبر، والتسليم لأمر الله تعالى، ورجاء
إخلافه عليها ما فات منها: إذ لو أعلمت أبا طلحة بالأمر في أول الحال تنكد عليه وقته، ولم
تبلغ الغرض الذي أرادته فلما علم الله تعالى صدق نيتها، بلغها مناها، وأصلح لها ذريتها،
وفيه إجابة دعوة النبي وَّ، وإن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه. وكان لأم سليم من قوة
القلب، وثبات الجنان، الغاية القصوى، فكانت تشهد الحرب وتداوي الجرحى اهـ.
٤٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله مَّل قال: ليس الشديد) المحمودة
شديديته شرعاً (بالصرعة إنما الشديد) الممدوحة شديديته شرعاً (الذي يملك نفسه) من
الوقوع في المنهيات (عند) وجود (الغضب) وقيامه به، وذلك إنما يكون لمن راض نفسه
بسياسة الاتباع، واقتدى بالمصطفى في سائر الأحوال، فلم يحمله الغضب على الوقوع في
أسباب الهلاك في دينه، والغضب بالتحريك لغة ضد الرضا، وسببه حصول مخالف لمراد
الإِنسان ممن هو دونه، وتحت يده فيحصل منه تلك الحالة المقتضية لفعل ما لا يجوز من
(١) سورة الروم، الآية: ١٧ .

١٩٥
٣ - باب: في الصبر
بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَأَصْلُهُ عِنْدَ الْعَرَبِ: مَنْ يَصْرَعُ النَّاسَ كَثِيراً (١).
٤٦ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ النَّبِيِّ نَ
وَرَجُلَانِ يَسْتَبَّانِ وَأَحَدُهُمَا قَدِ احْمَرَّ
قتل، أو ضرب، أو سب. فمن حفظ نفسه عن ذلك وقادها بزمام الشريعة، وكظم غيظه،
وعفا، فاز بالدرجة العليا، وكان محموداً شرعاً، وإن انتقم يقدر ما أذن فيه الشرع من التأديب
فلا بأس (متفق عليه) ورواه الإِمام أحمد من حديث أبي هريرة أيضاً (الصرعة بضم الصاد
وفتح الراء) المهملتين بعدهما مهملة مفتوحة (وأصله عند العرب من يصرع الناس كثيراً)
فإن ((فعلة)) بضم ففتح لمن يكثر منه الفعل و ((فعلة)) بضم فسكون لمن يعتاد فعل ذلك الشيء
به. فضحكة بوزن همزة بمعنى الفاعل لمن يكثر الضحك من الناس، وضحكة بوزن ركبة
بمعنى المفعول لمن يكثر ضحك الناس عليه وسخريتهم به ذكره الكرماني. وقد بسطت
ذلك في شرح الأذكار. وفي الحديث أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو. وقد ورد
أنه و ◌ّ قال لأصحابه لما عادوا من بعض الغزوات: ((رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد
الأکبر)».
٤٦ - (وعن سليمان بن صرد) زاد في الأذكار فقال الصحابي (رضي الله عنه) وصرد بضم
ففتح لأوليه، وجميع حروفه مهملة وهو خزاعي. كان اسم سليمان في الجاهلية ((يسار))
فسماه # «سليمان)) وكان خيراً ديناً فاضلاً ذا دين وعبادة، وشرف في قومه. نزل الكوفة أول
ما كوفها سعد، وقتل في حرب بينت سببه في شرح الأذكار. وحمل رأسه إلى مروان بن
الحكم بالشام. وكان عمره حين قتل ثلاثاً وتسعين سنة. روي له عن رسول الله صلير، خمسة
عشر حديثاً اتفقا منها على هذا الحديث، وانفرد البخاري عنه بحديث واحد هو قوله زياد :
((اليوم نغزوهم ولا يغزونا)) فليس له في الصحيحين سوى حديثين، وخرج عنه أصحاب
السنن الأربع (قال كنت جالساً مع النبي ◌َّر ورجلان يستبان) بفتح التحتية وسكون المهملة
وفتح الفوقية وتشديد الموحدة افتعال من السب أي: يسب كل منهما صاحبه (وأحدهما) قال
ابن حجر الهيتمي: قيل إنه معاذ، فإن صح وأنه ابن جبل تعين تأويل ما وقع منه من قوله:
((هل بي من جنون)) على أنه قاله من سورة الغضب من غير تأمل، قيل وهو الذي قال
للنبي وَلجر: ((أوصني)) الحديث الآتي، ففيه أن معاذاً كان عنده سورة من الغضب (قد احمر)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: الحذر من الغضب (٤٣١/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في الصبر على البلاء. (الحديث: ٢٣٩٦).

١٩٦
كتاب : دليل الفالحين
وَجْهُهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا
يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ))، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ
النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ(١).
٤٧ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ رَضِيَ
بتشديد الراء (وجهه وانتفخت أوداجه) في النهاية: الأوداج ما أحاط بالعنق من العروق التي
يقطعها الذابح وأحدها ودج، وقيل: الودجان عرقان غليظان عن جانبي ثغرة النحر، ومنه
الحديث اهـ. (فقال رسول الله وير: إني لأعلم كلمة) المراد منها معناها اللغوي، وهي
الجمل المفيدة (لو قالها) بصدق ويقين، ويحتمل أنه ور علم أن ذلك الرجل لو قالها مطلقاً
(لذهب عنه ما يجد) من شدة الغضب ببركة الكلمات وتأثير همته الشريفة في دفع ذلك عنه.
ثم هذا الحديث الشريف مستمد من قوله تعالى: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ
بالله إنه سميع عليم﴾ (٢) (لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد) من شدة
الغضب، وشره، والجملة بيان لما قبلها، وأعوذ معناه: ألجأ، وأعتصم، والشيطان العاتي
المتمرد من شاط احترق، أو من شطن بعد، والرجيم فعيل بمعنى مفعول أي: المبعد من
رحمة الله، واللام محذوفة من ((لذهب)) تفنناً في التعبير (فقالوا له:) أي: قال الصحابة
لذلك الرجل المغضب (إن النبي ◌َّ قال: تعوذ بالله من الشيطان الرجيم) هذا منهم رواية
للحديث بالمعنى، لا بخصوص اللفظ والمبنى، ففيه نص على جواز ذلك للعارف به وفي
الحديث تتمة سكت عنها المصنف هنا وهي إنه لما قيل له ذلك قال: ((وهل بي من جنون)»
وفيه أن الغضب إنما يثير ناره، ويشعل لهبه الشيطان لما يترتب عليه من الضرائر في الدين،
والدنيا فلذا كان دواؤه قطع سبب مادته، وهو وسواس الشيطان الرجيم بالاستعاذة منه (متفق
عليه) ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وفي رواية لأبي داود، والترمذي، والنسائي من
حديث معاذ: ((اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم)) كذا في سلاح المؤمن.
٤٧ - (وعن معاذ) بضم الميم بعدها مهملة (ابن أنس رضي الله عنه) هو الجهني سكن
(١) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده (٢٤٢/٦). وفي الأدب، باب:
ما ينتهي من السباب واللعن وفي الحذر من الغضب.
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء
يذهب الغضب. (الحديث: ١١٠).
(٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٠.

١٩٧
٣ - باب: في الصبر
اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِّ وَ قَالَ: ((مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ
عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وَالتِّرْ مِذِيُّ وَقَالِ حَدِيثٌ حَسَنٌ(١).
مصر روى عنه ابنه سهل، له نسخة كبيرة عند ابنه سهل (٢) أورد منها أحمد بن حنبل في
مسنده، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، والأئمة بعدهم في كتبهم. روي له
عن رسول الله ◌َّ ثلاثون حديثاً (أن النبي ◌َّر قال: من كظم غيظاً) تجرعه، واحتمل سببه،
وصبر عليه، والغيظ تغير الإِنسان عند احتداده، وظاهر عموم تنكير غيظاً حصول الثواب على
كظم الغيظ مع القدرة على انقاذه، وإن قل (وهو قادر على أن ينفذه) بضم التحتية أي :
يقضي ويعمل بما يدعوه إليه من ضرب المغتاظ منه، أو قتله، أو نحوه لسطوته على المغتاظ
منه بملك، أو نحوه وهو قيد في حصول ثواب كظم الغيظ المذكور (دعاه الله سبحانه) تنزيهاً
له عما لا يليق بشأنه (وتعالى) عن ذلك فهو كالإطناب كما سبق (على رؤوس الخلائق)
تنويهاً بشأنه، وإعلاماً بعلو مكانه (يوم القيامة) ظرف لدعاه (حتى يخيره) بضم التحتية
الأولى، وتشديد الثانية (من الحور) بضم المهملة وسكون الواو آخره راء أي: شديدات
سواد العيون، وبياضها (العين) ضخام العيون كسرت عينه بدل ضمها لمجانسة الياء، مفرده
عيناء كحمراء (ما شاء) مفعول ثان ليخير (رواه أبو داود والترمذي) ورواه ابن ماجه (وقال:)
يعني الترمذي (حديث حسن) وعند ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الغضب من حديث أبي
هريرة مرفوعاً: ((من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً) وعنده أيضاً من
حديث ابن عمر: ((من كف غضبه ستر الله عورته)) اهـ. وقد روي أن الحسين بن علي
رضي الله عنهما كان له عبد يقوم بخدمته، ويقرب إليه طهره، فقرب إليه طهره ذات يوم في
كوز، فلما فرغ الحسين من طهوره رفع العبد الكوز من بين يديه فأصاب فم الكوز رباعية
الحسين، فكسرها، فنظر إليه الحسين، فقال: ((والكاظمين الغيظ)) قال: ((قد كظمت غيظي))
فقال: ((والعافين عن الناس)) قال: ((قد عفوت عنك)) قال: ((والله يحب المحسنين)) قال:
((اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى)) قال: وما جواز(٣) عتقي. قال: السيف، والدرقة فإني لا
أعلم في البيت غيرهما.
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: من كظم غيظاً. (الحديث: ٤٧٧٧).
وأخرجه الترمذي في كتاب: البروالصلة، باب: من كظم غيظاً. (الحديث: ٢٠٢١).
(٢) كذا بالأصول. ع.
(٣) أي جائزة. ش.

١٩٨
كتاب : دليل الفالحين
٤٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ وَ أَوْصِنِي، قَالَ:
(لَ تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِراراً، قالَ: لا تَغْضَبْ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
كـ
٤٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً) قال الشيخ زكريا في تحفة القاري: هو
جارية بالجيم، ابن قدامة، ومنه أخذ جمع أنه صحابي، واعتمده الحافظ ابن حجر وقيل:
إنه تابعي، وإن ما جاء في رواية خرجها أحمد عنه أنه سأل النبي ◌َّرَ وهم، وقيل: إنه
سفيان بن عبد الله الثقفي، فقد ورد عنه أنه سأل النبي ◌َّر فأجابه بذلك فردد عليه مراراً يسأله
عن ذلك يقول له نبي الله: لا تغضب. رواه العراقي في أماليه وقال: إنه حسن من هذا
الوجه، قال: والحديث صحيح من وجه آخر يعني به حديث البخاري هذا. قال: وإنما
أوردته من حديث سفيان لفائدة كونه هو السائل، قال: وقد روينا في أحاديث عن ابن عمر
وعبد الله بن عمرو، وأبي الدرداء، وجارية بن قدامة أن كلّ منهم سأل النبي ◌َّ عن ذلك
فقال له: لا تغضب اهـ. وجاء عن جابر وجارية كذلك، وتقدم عن شرح المشكاة لابن
حجر أنه معاذ بن جبل، فلعله صدر من كل منهم (قال للنبي ◌َّر: أوصني) توصية جامعة
لخير الدارين، كما يدل عليه التعميم بحذف المفعول، وجاء في رواية عن أبي سعيد
الخدري وأبي هريرة: ((أخبرني بعمل يدخلني الجنة ولا تكثر علي لعلي أعقله)) (قال:
لا تغضب) لما كان الغضب من نزعات الشيطان، ولذا يخرج الإِنسان عن اعتداله، فيتكلم
بالباطل، ويفعل المذموم قال له لما قال أوصني: لا تغضب (فردد) السائل قوله أوصني
(مراراً قال:) له وَ لير في جواب كل مرة (لا تغضب) ولم يزد عليه ففيه دليل على عظم مفسدة
الغضب، وما ينشأ منه، وعند الخرائطي زيادة: ((قال الرجل السائل ففكرت حين قال
رسول الله ژ ما قال فإذا الغضب يجمع الشر کله)) (رواه البخاري) في صحيحه من حديث
أبي هريرة وكذا رواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، ورواه المحاملي
عن أبي سعيد وأبي هريرة، ورواه ابن حبان في روضة العقلاء له عن أبي هريرة، أو جابر
ورواية البخاري المذكورة رافعة للشك، ورواه مسدد في مسنده عن أبي سعيد من غير تردد،
وحديث أبي هريرة صحيح، وهو من إفراد البخاري أي: بالنسبة لمسلم، وأصح من حديث
أبي سعيد، وروي من حديث جابر، وابن عمر، وابن عمرو، وأبي الدرداء، وجارية بن
قدامة، وطرق الحديث استوعب جملة منها السخاوي في تخريج الأربعين التي جمعها
المؤلف نفع الله به يأتي نقلها عنه ملخصاً في باب الحلم.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: الحذر من الغضب (٤٣١/١٠).

١٩٩
٣ - باب: في الصبر
٤٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِهِ: ((مَا يَزَالُ البَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ
وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ)) رَوَاهُ
التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١).
٥٠ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فَنَزَلَ عَلَى
ابْنِ أَخِهِ الحُرِّبْنِ قَيْسٍ،
٤٩ - (وعن أبي هريرة) الأخصر وعنه (رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَليل ما يزال
البلاء) بالمصائب، والمتاعب نازلاً (بالمؤمن والمؤمنة في نفسه) بالمرض، والفقر،
والغربة، التي هي في الظاهر كربة، وإن نظرت إليها وأنها واردة إليك من أرحم الراحمين،
انقلبت من كونها محنة، إلى كونها منحة (وولده) بالموت، والمرض أو عدم الاستقامة، أو
نحوه مما يؤلم الوالد بحسب الطبع البشري (وماله) بالتلف ببعض الأسباب من حرق، أو
سرقة، أو نحو ذلك (حتى) غاية لنزول البلاء بأرباب الإِيمان، أي: إن البلاء لا يزال
بالإِنسان - أي: الصابر كما يدل عليه لفظ المؤمن والمؤمنة، المحمول على الفرد الكامل -
إلى أن يغفر الله له به الخطايا فـ (يلقى) أي: المبتلى ليشمل كلا منها (الله تعالى) ولقاء الله
كناية عن الموت (وما عليه خطيئة) أي: ذنب جملة حالية، وقوله خطيئة ظاهر عمومه شمول
الكبائر، والتبعات، فإن ثبت ذلك وأنه مراد، فذلك من محض فضل الكريم الجواد: إذ
صالح العمل، ومنه الصبر والاحتساب إنما يكفر الصغائر المتعلقة بحقوق اللّه تعالى (رواه
الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) يحتمل أن يكون على تقدير واو العطف إن كان له
إسنادان، أحدهما صحيح، والآخر حسن، وأن يكون على تقدير، أو إن كان سنده فرداً،
واختلف في حاله، وقد تقدم بسط في هذا المقام في باب التوبة والحديث رواه أيضاً مالك.
٥٠ - (وعن) عبد الله (بن عباس رضي الله عنهما قال: قدم) بكسر الدال (عيينة) بضم
أوله المهمل وفتح التحتية الأولى وسكون الثانية بعدها نون فهاء (ابن حصن) بكسر فسكون
لأوليه المهملين الفزاري أسلم يوم الفتح وقيل: قبله. وكان من المؤلفة قلوبهم، ومن
الأعراب الجفاة ارتد وأتي به أسيراً إلى الصديق فأسلم فأطلقه فقدم ابن حصن المدينة (فنزل
على ابن أخيه الجر) بضم الحاء وتشديد الراء المهملتين (ابن قيس) ابن حصن الفزاري،
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في الصبر على البلاء (الحديث: ٢٣٩٩).

٢٠٠
كتاب: دليل الفالحين
وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ
مَجْلِسٍ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولاً كَانوا أَوْ شُبَّاناً، فَقَالَ عُبَيْنَةُ
لابْنِ أَخِيْهِ: يَا ابْنَ أَخِي، لَكَ وَجْهُ عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ، فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ
لَهُ عُمَرُ، فَلَمَّا دَخَلَ، قَالَ: هِيَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِيْنَا الجَزْلَ، وَلاَ تَحْكُمُ
صحابي، وهو الذي تمارى مع ابن عباس في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إليه
فقال ابن عباس: هو الخضر فسأل عنه أبياً فذكر فيه خبراً مرفوعاً كما قال ابن عباس وقد
أخرجه كذلك البخاري في كتاب العلم من صحيحه (وكان) الحر (من النفر) بفتح أوليه
الناس كلهم، أو ما دون العشرة من الرجال. وجمعه أنفار كذا في مختصر القاموس (الذين
يدنيهم) بضم أوله أي: يقربهم (عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه) لكونه من الفقهاء القراء
(وكان القراء) جمع قارىء، والمراد منهم القارىء للقرآن المتفهم لمعانيه. فإن عادتهم
حينئذ كانت كذلك، حتى لقد قرأ عمر رضي الله عنه البقرة في سبع سنين لذلك (أصحاب)
أي: ملازمي (مجلس عمر رضي الله عنه) لينبهوه إذا سها، ويذكروه إذا نسي (ومشاوريه)
يحتمل أن يكون بالفوقية بعد الراء المهملة فيكون معطوفاً على مجلس، ويحتمل أن يكون
بالتحتية جمع مذكر سالم فيكون معطوفاً على أصحاب (كهولاً كانوا أو شباناً) الكهل الذي
جاوز الثلاثين، ووخطه الشيب، وقال ابن فارس: قال المبرد هو ابن ثلاث وثلاثين سنة،
وفي تحفة القاري: سن الشباب خمس وثلاثون سنة، وسن الكهولة خمسون سنة، وسن
الشيخوخة ستون سنة اهـ. وبه يعلم أن الثلاث والثلاثين ابتداء الكهولة، وتستمر إلى
الخمسين، وما قبل ذلك من بعد البلوغ فسن الشباب، والشبان بضم المعجمة وتشديد
الموحدة آخره نون جمع شاب، وفي نسخة بفتح أوليه وآخره موحدة أيضاً (فقال عيينة لابن
أخيه: يابن أخي لك وجه) أي: جاه (عند هذا الأمير) أي: عمر بن الخطاب رضي الله عنه
(فاستأذن لي) أمر أي: اسأل لي الأذن في الدخول (عليه فاستأذن) أي: الحر لعيينة (فأذن
عمر له) أي: لعيينة في الوصول إليه (فلما دخل) معطوف على مقدر أي: فدخل فلما دخل
(قال: هي) بكسر الهاء وسكون التحتية كلمة تهديد وقيل: هي ضمير وثم محذوف أي: هي
داهية، وفي البخاري هيه بهاء السكت في آخره، وفي أخرى منه إيه بالهمز بدل الهاء. وهما
بمعنى كما قال ابن الأثير فمعناهما بلا تنوين: زدني من الحديث المعهود، وبالتنوين من أي
حديث كان (يا بن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل) بالنصب مفعول به، أو مطلق، أي:
ما تعطينا الشيء الكثير أو العطاء الكثير، وأصل الجزل ما عظم من الحطب. وكأنه أراد أنه