Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
٢ - باب: في التوبة
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ حَدّاً فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ بِهِ وَلِيَّهَا فَقَالَ:
(أَحْسِنْ إِلَيْها فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِي بِهَا)) فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ وَّهِ فَشُدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا
عليه رجل فقال: يا أبا نجيد، والله إنه ليمنعني من عيادتك ما أرى بك فقال: يا أخي فلا
تجلس فوالله إن أحب ذلك إلي أحبه إلى الله تعالى. توفي بالبصرة سنة اثنتين وخمسين (أن
امرأة من جهينة) وفي رواية أخرى لمسلم: ((جاءت امرأة من غامد)) بغين معجمة، وميم ودال
مهملة. قال المصنف: وهي بطن من جهينة، وقال الحافظ ولي الدين العراقي في مبهماته :
اسمها خولة بنت خويلد وفيها نزلت آية الظهار، وفي كلام بعضهم، أن آية الظهار نزلت في
خولة بنت ثعلبة انتهى ملخصاً. وقال ابن النحوي في البدر المنير: اسم الغامدية سبيعة.
وقيل: أبية بنت فرج. حكاهما الخطيب في مبهماته وعدها أبو موسى الأصفهاني في
الصحابة (أتت رسول الله وَلير وهي حبلى من الزنى) من تعليلية، ويصح كونها ابتدائية
(فقالت: يا رسول الله أصبت حداً) أي: ما يلزم به الحد، فيكون مجازاً مرسلاً (فأقمه عليّ)
أي: لأطهر من تبعته في الآخرة، وفي مسلم أيضاً في حديث الغامدية: ((قالت: طهرني)) قال
المصنف: فيه دليل على أن الحد يكفر ذنب المعصية التي حد لها، وقد جاء ذلك صريحاً
في حديث عبادة بن الصامت وهو قوله بَّ: ((ومن فعل شيئاً من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو
كفارته)) ولا نعلم فيه خلافاً، وإنما لم تقنع بالتوبة مع أنها محصلة لغرضها من سقوط الإِثم،
بل اختارت الرجم لأن حصول البراءة به وسقوط الإِثم متيقن على حال، لا سيما وإقامته
الحد بأمره وَ له. وأما التوبة فتخشى ألا تكون نصوحاً. أو يختل بعض شروطها، فأرادت
حصول البراءة بطريق متيقن دون ما يطرقه الاحتمال انتهى ملخصاً (فدعا نبي الله (وَلية) عبر هنا
بنبي الله، وأولاً برسول الله، تفنناً في التعبير (وليها فقال أحسن إليها) أمره بذلك خوفاً عليها
من أن تحمل أقاربها الغيرة، ولحوق العار بهم على أن يؤذوها، ورحمة لها إذ تابت
ولحملها، فحرص عليه معها لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها، وإسماعها الكلام
المؤذي ونحو ذلك، فنهى عن ذلك كله لذلك (فإذا وضعت) حملها (فائتني بها) ففيه تأخير
حد الزنى عن الحامل إلى أن تضع، وتسقيه اللبأ، لئلا يموت الجنين، وهو مجمع عليه،
واختلف في اعتبار استغنائه عنها بلبن غيرها فالجمهور على اعتباره، فإن كان حدها الجلد،
لم تجلد حتى تضع بالإِجماع (ففعل) أي: ما أمره به (فأمر بها نبي الله وَ لاَةَ) أي: بأن تهيأ
للرجم لأنها كانت محصنة (فشدت عليها ثيابها) بالدال المهملة، كذا في نسخ الرياض قال
المصنف في شرح مسلم: فشكت عليها ثيابها، كذا هو في معظم النسخ، فشكت وفي
بعضها، فشدت، بالدال بدل الكاف، وهو بمعنى الأول اهـ. ولم يذكر عياض في مشاقة

١٤٢
كتاب: دليل الفالحين
ثُمَّ أَمْرَ بِهَا فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْها. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّ عَلَيْها يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ
زَنَتْ؟ قَالَ: ((لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةٌ لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِيْنَ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ
وَجَدْتَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِها لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ؟)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
غير الكاف قال أي: جمعت أطرافها لتستتر، وخللت عليها بعيدان اهـ. وقيل: معناه
أرسلت عليها ثيابها، والشك الاتصال، واللصوق، وإنما فعلت ذلك، لئلا ينكشف ثوبها في
تقلبها، وتكرر اضطرابها (ثم) بعد أن شدت ثيابها (أمر بها فرجمت) في عدم تعرضه
لحضوره وَلة، دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه لا يلزم الإِمام حضور الرجم، وكذا لا يلزم
الشهود إذا ثبت بشهادتهم، وقال أبو حنيفة وأحمد: يحضر الإِمام مطلقاً، ويبدأ بالرجم إن
ثبت بالإِقرار، وجاء عند النسائي: أنه يُّر حضر رجم الغامدية، ورماها بحجر. قالا:
وتحضر الشهود إن ثبت بشهادتهم، ويبدؤون بالرجم (ثم) بعد غسلها، وتكفينها (صلى)
النبي ◌َّ (عليها) فيه دليل لمذهب الشافعي وآخرين من أن الإِمام وأهل الفضل يصلون على
المرجوم كما يصلي عليه غيرهم، وما قيل من أن ذكر صلاته ويس ير ضعيف لكون أكثر الرواة
لم يذكرها، أو من إن صلى فيه مؤول بأنه أمر بها، أو أنه أريد به المعنى اللغوي أي: دعا،
ففاسد: لأن هذه الزيادة ثابتة في الصحيح، وزيادة الثقة مقبولة، والتأويل خلاف الأصل
لا يصار إليه إلا إذا اضطرت الأدلة لارتكابه، وليس هنا شيء من ذلك، فوجب حمله على
ظاهره (فقال له عمر: تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت) أي: أتصلي وهو استكشاف
لحكمة صلاته 18 عليها، مع أنه وقع منها أمر يقتضي إهمال أمرها، والإِعراض عنها، وليس
هو للإِنكار (فقال:) مبدياً لما خفي على عمر رضي الله تعالى عنه فإنه نظر إلى ما صدر منها
من الفعل القبيح، وهو الزنى، وغفل عما ختمت به أمرها، وهو التوبة النصوح فنبهه ◌َليل
عليه بقوله: (لقد تابت توبة) صحيحة نصوحاً (لو قسمت) بكمالها (بين سبعين) عاصياً (من
أهل المدينة) أي: المنافقين الذين بها، أي: لو تاب المنافقون الذين بها يومئذ توبة صحيحة
من نفاقهم كتوبتها (لوسعتهم) أي: لكفتهم في رفع آثامهم فإذا رفعت ذنب الكفر فما دونه
أولى، ولعل هذا حكمة قوله له من أهل المدينة: قال في البدر المنير: وعند الطبراني:
((لقد تابت توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم)) (وهل وجدت) شيئاً تبذله في مرضاة الله
(أفضل) أي: أعظم (من أن جادت بنفسها) ببذلها (لله) أي: لمرضاته (عز وجل. رواه
مسلم) ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وفي الحديث بيان عظم التوبة، وأنها تجب
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنى. (الحديث: ٢٤).

١٤٣
- باب: في التوبة
٢٣ - وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، قَالَ:
(لَوْ أَنَّ لابْنِ آدَمَ وَادِيَاً مِنْ ذَهَبِ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيانٍ، وَلَنْ يَمْلَأَ جَوْفَهُ
إِلَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
الذنب، وتلحق التائب بمن لم يقترف شيئاً من الذنوب، وتكون سبباً لحوزه أنواع الفضل.
٢٣ - (وعن ابن عباس وأنس بن مالك) تقدمت ترجمتهما في باب الإِخلاص (رضي الله
عنهم أن رسول الله وم سير قال: لو) ثبت (أن لابن آدم وادياً) مملوءاً (من ذهب أحب) وفي
نسخة لأحبَّ أي: من حرصه الذي هو طبعه (أن يكون له واديان) أي: آخران، كما هو
الأنسب بحرصه، ويحتمل أن يراد واديان بما كان له أولاً، فيكون المطلوب وادياً آخر.
والأول أظهر (ولن يملأ جوفه إلا التراب) أي: أنه لا يزال حريصاً على الدنيا حتى يموت،
ويمتلىء جوفه من تراب قبره، وهذا حكم غالب النوع الإِنساني الحرص على الدنيا، أما من
لطف به، وحفظ من ذلك ابتداء أو بالتوبة منه فمستثنى، كما قال: (ويتوب الله على من تاب)
أي: أن الله تعالى يقبل التوبة من الحرص المذموم، وغيره من المذمومات (متفق عليه) وفي
الجامع الصغير للحافظ السيوطى بعد ذكر الحديث بنحوه: أخرجه أحمد، والشيخان،
والترمذي عن أنس وأحمد، والشيخان عن ابن عباس، والبخاري: عن الزبير، وابن ماجه
عن أبي هريرة، وأحمد عن أبي واقد، والبزار عن بريدة، وأخرج أحمد، وابن حبان عن
جابر مرفوعاً: ((لو كان لابن آدم واد من نخل لتمنى مثله ثم لتمنى مثله حتى يتمنى أودية ولا
يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)) اهـ. وفي الديباج للحافظ السيوطي: ورد في حديث أن
الحديث المذكور كان في آخر سورة لم يكن، فأخرج أحمد، والترمذي، والحاكم،
وصححاه عن أبي بن كعب، أن رسول الله وسير قال: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ
لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب، قال فقرأ فيها: ((ولو أن ابن آدم سأل وادياً من مال
فأعطيه لسأل ثانياً، ولو سأل ثانياً فأعطيه لسأل ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم
إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وإن ذات الدين عند الله الحنيفية، غير المشركة ولا
اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل خيراً فلن يكفره)) اهـ.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد باب الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيسدد بعد ويقتل. (٢٩/٦،
٣٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثاً. (الحديث: ١١٦ و١١٧).

١٤٤
كتاب : دليل الفالحين
٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، قَالَ: ((يَضْحَكُ اللَّهُ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىَ إلى رَجُلَيْنٍ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلانِ الْجَنَّةَ: يُقَاتِلُ هُذَا فِي سَبِيلٍ
اللَّهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى القَاتِلِ فَيُسْلِمُ فَيُسْتَشْهَدُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٢٤ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه) تقدمت ترجمته في باب الإِخلاص (أن
رسول الله وَ ل قال: يضحك الله سبحانه إلى رجلين) قال القاضي عياض: الضحك في حقه
تعالى - لاستحالة قيام حقيقته بذاته سبحانه لكونه من أوصاف الحادث - مجاز عن الرضى
بفعلهما، والثواب عليه، وحمد فعلهما، ومحبته، وتلقي رسله له بذلك: لأن الضحك من
أحدنا إنما يكون عند موافقة ما يرضاه. وسروره بمن يلقاه. قال: ويحتمل أن يكون المراد
ضحك الملائكة الذين يوجهون لقبض روحهما وإدخالهما الجنة كما يقال: قتل السلطان
فلاناً أي: أمر به اهـ. (يقتل أحدهما) أي: الواحد منهما (الآخر) أي: صاحبه (ثم يدخلان
الجنة) ثم بين ذلك الإِجمال بقوله: (يقاتل هذا) يعني المسلم (في سبيل الله) لإعلاء
كلمة الله (فيقتل) أي: يقتله كافر (ثم) للترتيب في الأخبار، أو يراد بها مجرد الترتيب من غير
اعتبار انضمام التراخي إليه، فلا يعتبر تراخي إسلام الكافر عن قتله ذلك المسلم، بل
يحصل بإسلامه عقبه (يتوب الله على القاتل فيسلم فيستشهد) عطف الفعلين بالفاء إشارة إلى
حصول الهداية عقب تعلق العناية بالعبد من غير تراخ. إذ لا مانع لما أراده سبحانه، وإلى أنه
لم يمكث بعد إسلامه زمناً يقترف فيه شيئاً من موبقات الذنوب، بل عقب إسلامه استشهد
فعمل قليلاً، وحاز خيراً جليلاً، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ثم لا يلزم من تساويهما في
دخول الجنة تساويهما في المنزلة: فإن تفاوت مراتب الجنان على حسب تفاوت مراتب
الأعمال (متفق عليه). وفي ختم المصنف الباب بهذا الحديث إشارة إلى أن الإِنسان ينبغي
له أن يتوب من الذنب الذي اقترفه، وإن كان كبيرة، ولا يؤيسه ذلك من رحمة الله تعالى
فإن الله هو التواب الرحيم. والذنب وإن عظم قدره، كالكبائر، وكثر عدده إذا قوبل
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: الكافر يقتل المسلم ثم يسلم فيسدد بعد ويقتل.
(٦٩/٦، ٣٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة. (الحديث:
١٢٨).

١٤٥
٣ - باب: في الصبر
٣ - باب: في الصبر
قَالَ الله تَعَالَىَ(١): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾.
بفضل الله، وعفوه كان حقيراً يسيراً، قال تعالى: ﴿إن ربك واسع المغفرة﴾(٢) قال
الأبوصيري :
يا نفس لا تقنطي من زلة عظمت إن الكبائر في الغفران كاللمم
باب الصبر
أي: هذا باب بيان فضائل الصبر من الآيات، والأحاديث. قال الراغب في مفرداته :
الصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل، أو الشرع، أو على البعد عما يقتضيان حبسها عنه
اهـ. وقال ذو النون: هو التباعد عن المخالفات، والسكوت عند تجرع غصص البلية،
وإظهار الغنى عند حلول الفقر بساحة المعيشة. قال الراغب: وربما خولف بين أسمائه
بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان حبس النفس بمصيبة سمي صبراً لا غير، ويضاده الجزع،
وإن كان في محاربة سمي شجاعة. ويضاده الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة سمي رحب
الصدر. ويضاده الضجر، وإن كان في إمساك الكلام سمي كتماناً. ويضاده الهذر، وقد
سمى الله تعالى كل ذلك صبراً قال تعالى: ﴿اصبروا وصابروا﴾(٣) أي: احبسوا أنفسكم
على العبادة، وجاهدوا أهواءكم اهـ.
(قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اصبروا) على الطاعات، والمصائب وعن
المعاصي (وصابروا) الكفار أي: غالبوهم بالصبر، فلا يكونوا أشد صبراً منكم (ورابطوا)
أي: أقيموا على الجهاد، وفي تفسير الكواشي: قال ◌َّرَ: ((رباط يوم في سبيل الله خير من
الدنيا، وما عليها، والروحة يروحها العبد، أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها)) قال أبو سلمة:
لم يكن في زمان رسول الله ول غزو يرابط فيه، ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة.
(وقال تعالى: إنما يوفى الصابرون) (٤) على الطاعة، وما يبتلون به، وترك ذكر الفاعل
(١) سورة آل عمران، الآية: ٢٠٠.
(٢) سورة النجم، الآية: ٣٢.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٢٠٠.
(٤) هذه الآية ساقطة من نسخ الشرح. ع.

١٤٦
كتاب: دليل الفالحين
وَقَالَ تَعَالَىَ(١): ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ
الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَىَ (٢): ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذُلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾
وَقَالَ تَعَالَىَ (٤): ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
وَقَالَ تَعَالَىَ (٥): ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ والصَّابِرِينَ﴾ .
للعلم به سبحانه (أجرهم بغير حساب) أي: بغير مكيال، ولا وزن، قال أبو عثمان
المغربي : لا جزاء فوق جزاء الصبر، قال الكواشي في التفسير الكبير: المراد كل صابر على
ترك أهل، ووطن، وعلى كل مكروه يعرض له لأجل الله، قال علي رضي الله عنه: كل مطيع
يكال له كيلاً، ويوزن له وزناً، إلا الصابرون فإنه يحثي لهم حثياً.
(وقال تعالى: ولمن صبر) فلم ينتصر لنفسه بعد ظلمها (وغفر) تجاوز عن ظالمه (إن
ذلك) المذكور من الصبر، والفقر (لمن عزم الأمور) أي: منه(٦) فحذف للعلم به، كحذفه
من قولهم: السمن منوان بدرهم، والمعنى من الأمور التي أمر الله تعالى بها، وقال بعضهم:
الصبر على المكاره من علامات الأنبياء، فمن صبر على مكروه أو مصيبة، ولم يجزع
أورثه الله حالة الرضى، وهي من أجل الأحوال، ومن جزع من المصائب، وشكا، وكله الله
إلی نفسه، ولم تنفعه شكواه.
(وقال تعالى: واستعينوا) أي: اطلبوا المعونة على أموركم (بالصبر) أي: الحبس
للنفس على ما تكره (والصلاة) أفردها بالذكر تعظيماً لشأنها، وفي الحديث: ((كان ◌َّ
إذا حزبه (٧) أمر بادر إلى الصلاة)) وقيل: الخطاب لليهود لما عاقهم عن الإِيمان الشره، وحب
الرياسة، أمروا بالصبر، وهو الصوم لأنه يكسر الشهوة والصلاة لأنها تورث الخشوع وتنفي
الكبر.
(وقال تعالى: ولنبلونكم) اللام فيه مؤذنة بقسم قبله، أي: والله لنختبرنكم بأن نأمركم
(١) سورة البقرة، الآية: ١٥٥.
(٢) سورة الزمر، الآية: ١٠.
(٣) سورة الشورى، الآية: ٤٣ .
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٥٣. (٧) بفتحات: أي نابه ألم شديد.
(٥) سورة محمد، الآية: ٣١.
(٦) أي ممن صبر وغفر. ع.

١٤٧
٣ - باب: في الصبر
والآيات في الأمرِ بِالصَّبْرِ وَبَيَانِ فَضْلِهِ كَثِيرَةٌ مَعْروفَةٌ .
٢٥ - وَعَنْ أَبِي مَالِكِ الْحَارِثِ بْنِ عَاصِمِ الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: الطَّهُورُ شَطْرُ الإِيمانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلُّ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ،
بالجهاد، ومشاق الدين فيظهر لنا منكم الطائع، والعاصي (حتى نعلم المجاهدين منكم
والصابرين) المراد بالعلم هنا لازمه من الوجود، والمعنى حتى نتبين المجاهد والصابر على
دینه من غيره أو حتى نعلم علم ظهور.
(والآيات) القرآنية (في الأمر بالصبر و) في (بيان فضله كثيرة) اهتماماً بشأنه
(معروفة).
٢٥ - (وعن أبي مالك الحارث بن عاصم) هذا أحد أقوال عشرة في اسمه. وقيل:
كعب بن عاصم. وقيل: كعب بن كعب. وقيل: عبيد. وقيل: عبيد الله. وقيل: عمرو. قال
الحافظ ابن حجر العسقلاني في أمالي الأذكار: التحقيق أن أبا مالك الأشعري ثلاثة؛
الحارث بن الحارث، وكعب بن عاصم، وهما مشهوران باسمهما، والثالث هو المختلف
في اسمه، وأكثر ما يرد في الروايات بكنيته وهو راوي الحديث اهـ. (الأشعري) نسبة إلى
الأشعر قبيلة مشهورة من اليمن، والأشعر هو ثبت بن أدد بن زيد بن يشجب، وقيل له الأشعر
لأن أمه ولدته، والشعر على بدنه. قدم أبو مالك(رضي الله عنه) مع الأشعريين على
النبي ◌َّر، ويعد في الشاميين، توفي في خلافة عمر بالطاعون، وطعن هو، ومعاذ، وأبو
عبيدة، وشرحبيل بن عتبة في يوم واحد. روي له عن رسول اللّه وَّ، سبعة وعشرون حديثاً.
روى عنه مسلم حديثين: هذا الحديث، وبدأ به كتاب الطهارة من صحيحه، وحديث:
((أربع في أمتي من أمر الجاهلية)) وروى له البخاري على الشك فقال: عن أبي مالك، أو
أبي عامر: وروى عنه أصحاب السنن الأربع (قال: قال رسول الله وَّ: الطهور) قال
المصنف بالضم على المختار، وهو قول الأكثر اهـ. والمراد به بالضم الفعل، وبالفتح
الاسم، كالسحور بالفتح اسم لما يتسحر به، وقال الخليل والأزهري بالفتح فيهما بل أنكر
الخليل الضم، وحكى صاحب المطالع الضم فيهما، وقال القرطبي: إنما روي بالفتح إما
على قول الخليل، أو على تقدير مضاف أي: استعمال الطهور. واشتقاقه من الطهارة، وهي
لغة النظافة حسية كانت، أو معنوية. قال جماعة من أهل اللغة: هي حقيقة في الصورية
مجاز في المعنوية، وقيل: يمكن أن يقال: إنها حقيقة في القدر المشترك لرجحانه على
المجاز، والاشتراك. وشرعاً، فعل ما يترتب عليه إباحة، أو ثواب مجرد (شطر) أي: نصف

١٤٨
كتاب: دليل الفالحين
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلاَن أَوْ تَمْلَا مَا بَيْنَ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ، والصَّلَةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ
(الإِيمان) أي: ينتهي تضعيف أجره إلى نصف أجر الإِيمان، فالمراد بالإِيمان حقيقته،
واعترض بأن الصلاة أفضل من الوضوء، ولم يرد فيها ذلك، وأجيب بالتزامه، وإن لم يرد،
ومفهوم الاسم ضعيف، وقيل: المراد من الإِيمان الصلاة مثل: ﴿وما كان الله ليضيع
إيمانكم﴾(١) وهي لا تصح إلا بطهر، فكان كالشطر، ورجحه المصنف بأنه أقرب الأقوال،
وأيده بعض محققي المتأخرين، وأجاب عما اعترض به عليه بكلام ذكرته في شرح الأذكار
(والحمد لله) أي: هذه الجملة بخصوصها لأنها أفضل صيغ الحمد، ولذا بدىء بها الكتاب
العزيز، أو هي وما يؤدي مؤداها من الثناء على الله سبحانه وتعالى بصفات كماله، ورجح
بعضهم الأخير (بملأ) بالفوقية، أي: هذه الكلمة بالمعنى اللغوي، أو الجملة لو جسمت،
أو بالتحتية أي: يملأ هذا المبنى، وكذا ما أفاد مفاده لو كان جسماً (الميزان) باعتبار ثواب
التلفظ بذلك مع استحضار معناه أي: الثناء على الله بالجميل الاختياري، والإِذعان له،
والميزان المراد منه حقيقته أي: ما توزن به الأعمال: إما بأن تجسم، أو توزن صحائفها
فتطيش بالسيئة وتثقل بالحسنة. وإنما ملأ ثواب هذه الجملة كفة الميزان مع سعتها المفرطة،
لأن معاني الباقيات الصالحات في ضمنها، ذكره العلائي في الجزء الذي ألفه في شرح هذا
الحديث، ولذلك قال رضي الله عنه: لو شئت أن أوقر بعيراً منها لفعلت، وذلك لأن الثناء
تارة يكون بإثبات الكمال، وتارة بنفي النقص، وتارة بالاعتراف بالعجز عن الإِدراك، وتارة
بالتفرد بأعلى المراتب. والألف واللام في الحمد، لاستغراق جنس المدح والحمد مما
علمناه وجهلناه، وإنما يستحق الإِلَهية من اتصف بذلك، فاندرج الجميع تحت الحمد لله،
ذكره العلائي في أثناء كلام له (وسبحان الله) منصوب على المصدر وقيل: اسم مصدر وقال
الزمخشري: هو علم على التسبيح وانتصب بفعل مضمر، أي : اسبحه سبحان ثم نزل منزلة
الفعل فسد مسده اهـ. وظاهره أنه علم أضيف، أو قطع عنها، وأن إضافته للبيان
لا للتعريف، كزيد الخيل، وهذا ظاهر قول الأخفش إنه معرفة وضع لهذا المعنى، ولذا
امتنع صرفه للعلميّة وزيادة الألف والنون والمحققون على أن تعريفه بالإِضافة والتسبيح
تنزيه الله عن السوء، والنقائص، وتبعيده منها (والحمد لله) معطوف على ما قبله أي: هاتان
الكلمتان (تملآن) بالفوقية (أو) شك من الراوي (يملأ) بالتحتية أي: المذكور منهما، أو
(١) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.

١٤٩
٣ - باب: في الصبر
أجرهما وقيل: ويحتمل أن يراد أحدهما فيكون المشكوك فيه أنهما معاً يملآن ما بين
السموات والأرض، أو أحدهما أو بالفوقية، أي: الكلمة الشاملة لهما وقال العاقولي في
شرح المصابيح: يروى بالمثناة الفوقية (ما بين) طبقات (السموات) السبع، وفي السلاح
((السماء)) بالإِفراد، وعزاه لمسلم، وكأنه باعتبار أصله(١)، وإلا فالذي عندي بأصل مصحح
((السموات)) بالجمع، وكذا هو في الكتب الحديثية (والأرض) أفرده، والمراد به الجمع
أي: الأرضون، ولعل ذلك لأن طباق الأرض متلاصقة لاخلاء بينها، بخلاف طباق
السموات. قال البيضاوي في التفسير: إنما جمع السموات، وأفرد الأرض لأنها طبقات
متفاصلة بالذات مختلفة في الحقيقة بخلاف الأرضين اهـ. وإنما ملأ ثواب ما ذكر ما بين
المذكورات التي لا يحيط بسعتها إلا خالقها سبحانه. لأن العالم كله شاهد بأن الله هو
خالقه، والقائم بتدبيره، وبأنه لا يجوز أن يكون له فيه شريك، ولا معين. وبأنه واجب
الاتصاف بصفات الكمال، منزه عن مشابهة المحدثات، إذ الإِلَهية إنما تتم بذلك قيل: وإلى
هذه الشهادة يشير قوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾(٢) فسبحان الله،
والحمد لله يتضمنان إثبات الرب الواحد، وجميع صفات الجلال، والكمال له، ونفي جميع
النقائص عنه، فكأن قائلها شاهد لله بذلك، وعلى جميع العالم بأنه مربوب مخلوق في
قهره، وتدبيره، لا منعم عليه، ولا قادر، ولا مالك بالحقيقة سواه، فله من الأجر بقدر
ما شهد به من الحق فملأ أجرهما ما بين السموات والأرض نقله العلائي عن ابن برجان في
الكلام على لا إله إلا الله قال العلائي: ويصح نقله إلى هنا (والصلاة) سيأتي معناها لغة،
وشرعاً إن شاء الله تعالى (نور) أي: محسوس أي: أن الصلاة نفسها، تضيء لصاحبها في
ظلمات الموقف بين يديه، ولم يجىء في فعل متعبد به أنه نور في نفسه سوى الصلاة،
فالظاهر أن هذا النور خاص بها، وأصرح منه ما لأحمد بسند صالح عن ابن عمر: قال ◌َّ:
((من حافظ على الصلاة كانت له نوراً، وبرهاناً، ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها،
لم تكن له نوراً ولا برهاناً، ولا نجاة يوم القيامة وكان مع قارون، وفرعون، وهامان وأبي بن
خلف)) وقيل: النور أجرها لا هي فتكون على تقدير مضاف، وقيل نور ظاهر على وجه
المؤمن يوم القيامة، فالمراد: بها أي: بسببها يعلو النور، وجه المؤمن بالإِسناد مجازي من
(١) أي الأصل الذي عنده من مسلم. ع.
(٢) سورة الإِسراء، الآية: ٤٤.

١٥٠
كتاب: دليل الفالحين
بُرْهانٌ، وَالصَّبْرُ ضِياءٌ، وَالقُرآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعَ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُها
الإِسناد للسبب، وقيل: النور معنوي لأنها تنهى عن الفحشاء، والمنكر وتهدي إلى الصواب
فتصد عن المهالك، وتوصل إلى طريق السلامة، كما يستضاء بالنور، وقيل: نور القلب
بسببها لاشتمالها على ما لم يجتمع في غيرها من أعمال القلوب، والألسن والجوارح فرضاً
ونفلاً، فالصلاة الكاملة يحصل بها من النور الإِلَهي في القلب ما لا يعبر عنه، قيل: ويمكن
حمل النور على جميع ما تقدم من حقيقة اللفظ، ومجازه على قاعدة الشافعي (والصدقة
برهان) أي: حجة على إيمان مؤديها، وقيل على أنه ليس من المنافقين الذين يلمزون
المطوعين من المؤمنين في الصدقات، وقيل: على حبه الله، ورسوله فإنه آثر رضاهما على
المال الذي جبل على حبه، وقيل: برهان له يوم القيامة، إذا سئل عن ماله فيم أنفقه يقول
تصدقت به، وقال صاحب التحرير: يجوز أن المتصدق يوسم يوم القيامة بسيمى يعرف بها،
فتكون برهاناً له على حاله، ولا يسأل عن مصرف ماله، وأيد بحديث أبي داود عن عقبة بن
عامر مرفوعاً: ((كل امرىء في ظل صدقته يوم القيامة حتى يقضى بين الناس)) فيكون هذا
الظل برهاناً على صدق إيمانه، أو على إخلاصه (والصبر ضياء) قيل: المراد هنا بالصبر
الأعم من الصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى المكاره، ومنه الصوم، وقيل: المراد
به صبر خاص، وهو الصوم. ورجحه صاحب مطالع الأنوار بأنه صرح به في رواية، ورجحه
غيره باقترانه بالصلاة، والصدقة(١) فكشفها وبين خصوصياتها(٢) وأن من استجمعها حصل له
نور في بياض انتشر له ضياء وهو من الإضاءة انتشار النور، وهذا أكمل أحوال النور قال
تعالى: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً﴾(٣) وقال القرطبي: إن فسر الصبر
بالصوم، فالضياء النور، وإن اختلف لفظهما، وإن فسر بالأعم، فهو إضاءة عواقب الأحوال،
وحسنها في المآل اهـ. قال الفاكهاني: ولم أرَ من فرق بين الضياء، والنور، وقد فسر
صاحب الصحاح النور بالضياء، والضياء بالنور، ورد بأن كون الضياء، هو النور، لأنه
خصوصية في النور، وزائد عليه وأبلغ منه، قال: والحاصل أن النور الحادث، قد يخلق
كامل الضياء، كالشمس ودون ذلك، كالقمر، وإنما سوى القرطبي بينهما، لئلا يلزم تفضيل
الصوم على الصلاة وليس بلازم لأن مناط الفضل ليس منحصراً، بل له أسباب كثيرة،
واعتبارات متنوعة، فيكون المفضول فاضلاً في وقت، وبالعكس اهـ. (والقرآن) أي:
(١، ٢) يظهر أن في هذين الموضعين سقطاً ولم نعثر عليه في الأصول الأربع بيدنا فليحرر. ع.
(٣) سورة يونس، الآية: ٥.

١٥١
٣ - باب: في الصبر
أَوْ مُوبِقُهَا،
كلام الله المنزل على حبيبه وَالر بقصد الإعجاز المتعبد بتلاوته (حجة لك) إن امتثلت أوامره
واجتنبت نواهيه، فتحتج به في المواقف التي تسأل فيها عنه كمسائل الملكين في القبر،
وكالمسألة عند الميزان، وعند الصراط (أو) حجة (عليك) إن لم تمتثل أوامره، ولم تجتنب
نواهيه، وقيل: حجة لك في الدنيا على المطالب الشرعية، والأحكام أو حجة عليك
لخصمك المحق، فالمرجع إليه عند التنازع، وهو دال على اتباع السنة وهي على حجية
القياس، والكتاب والسنة دالان على حجية الإِجماع، فصار القرآن مرجع جميع الأحكام
لكن بواسطة تارة وبغيرها أخرى، قال الفاكهاني: والأول أظهر، وقال العلائي: والآثار
شاهدة به. ثم ساق أحاديث منها للبيهقي بسند غريب عن جابر مرفوعاً: ((القرآن شافع
مشفع، وما حل مصدق، فمن جعله إمامه ساقه إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار))
ومنها عن أبي أمامة مرفوعاً: ((اقرءوا القرآن فإنه يأتي شفيعاً لصاحبه يوم القيامة)) قال العلائي
بعد إيراده جملة من الأحاديث، ورجح الزملكاني القول بذلك لهذه الآثار، والحمل على
مقتضى القولين أولى تكثيراً للفائدة ثم لما بين فضل هذه القربات، ورغب فيها وكان إعمال
النفس لها يقتضي سعياً أتبع ذلك بأن أحداً لا يترك نفسه هملا باطلة بل لا بد له من عمل
يغدو له فقال (كل الناس يغدو) أي: يبكر في مصالحه (فبائع نفسه) من الله (فمعتقها) من
العذاب وناهيك بها صفة اغتنام، إذ كان الثمن فيها دار السلام، والنظر إلى وجه الملك
العلام، قال الله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾(١) الآية. وهؤلاء
سعوا في خلاص نفوسهم، وتوجهوا بقلبهم إلى ربهم، وطلب ما عنده (أو) بائع نفسه لغير
ربه من هواه، أو الشيطان فهو (موبقها) أي: مهلكها بالطرد عن ساحة الرضوان، وبالبعد،
والحرمان، نعوذ بالله من سخطه، وأليم عقابه، ويحتمل أن يكون المراد ببائع مشتر، أي :
كلهم يسعى فمنهم من يشتري نفسه بالأعمال الصالحة فيعتقها من العذاب ومنهم من
يعرضها للعذاب باكتساب المآثم فيوبقها، ورجح بأن نفسه ليست ملكه فيبيعها، بل
مملوكة لله مرتهنة بأعمالها حتى يخلصها، واختار القاضي عياض حمله على المعنيين أي :
من اشتراها بالأعمال الصالحة أعتقها، ومن باعها في الأعمال السيئة أوبقها، كما قيل في :
﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون﴾(٢) وهذا على قاعدة الشافعي في حمل
(١) سورة التوبة، الآية: ١١١.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٠٢.

١٥٢
كتاب: دليل الفالحين
رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١) .
٢٦ - وَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ ناساً
المشترك على معنييه ورد كل جملة إلى معنى، وهو نوع من الإِيجاز بديع عند أرباب البيان،
لخصت معظم ما ذكرته في هذا الحديث من شرحه فقط للعلامة العلائي (رواه مسلم) ورواه
أحمد، والدارمي في مسنده وأبو عوانة في صحيحه، والترمذي في الدعوات من جامعه
وقال: إنه حسن صحيح، والنسائي في عمل اليوم والليلة، وسها ابن عساكر، وتبعه المزي
فأغفلا في أطرافهما عن عزو هذا الحديث للترمذي، وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير،
ووقع في رواية أبي سلام عن أبي مالك الأشعري اختلاف. فمن ذكرناهم رووه عنه عن أبي
مالك بلا واسطة، ورواه ابن ماجه، وآخرون عنه عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك قال
الحافظ السخاوي في تخريج الأربعين للمصنف بعد كلام طويل نقله في ذلك عن شيخه
الحافظ: وبالجملة فالطريق الأولى (٢) أعني كون أبي سلام سمعه من كل منهما، وكون
الصحابي في الطريقين واحداً. أولى .
٢٦ - (وعن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله عنه) الأولى عنهما لما
سبق في ترجمته، في باب التوبة من أنه وأباه كانا صحابيين (أن ناساً) في تفسير البيضاوي
أصله أناس لقولهم: إنسان، وأنس وأناسي، فحذفت الهمزة حذفها في لوقه(٣)، وعوض
عنها حرف التعريف، ولذا لا يكاد يجمع بينهما، مأخوذ من أنس بوزن فرح لأنهم يستأنسون
بأمثالهم، أو من آنس (٤) لأنهم ظاهرون مبصرون اهـ. وقيل: مقلوب نسي، وقيل: مأخوذ
من ناس ينوس إذا اضطرب وتحرك، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: لم يتعين لي
أسماؤهم إلا أن النسائي روى عن أبي سعيد ما يدل على أنه منهم، وذلك أنه قال:
((سرحتني أمي إلى النبي ◌َّله. يعني لأسأله من حاجة شديدة. فأتيته وقعدت فاستقبلني
وقال: من استغنى أغناه الله)) الحديث وزاد فيه: ((ومن سأل وله أوقية فقد ألحف، فقلت:
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء. (الحديث: ١).
(٢) بضم الهمزة وقوله أولى بفتح الهمزة خبر وما بينهما اعتراض.
(٣) بضم اللام وقد تسبق بهمزة مفتوحة طعام طيب أو زبد برطب. ع.
(٤) بمعنى أبصر كقوله تعالى: ﴿آنس من جانب الطورناراً﴾. ش.

١٥٣
٣ - باب: في الصبر
مِنَ الأنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ فَأَعطاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ؛ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ،
فَقَالَ لَهُمْ حِيْنَ أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِيَدِهِ: ((مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرِ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ
يَسْتَعْفِفْ يُعِقَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبَّرْهُ اللَّهُ؛ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ
ناقتي خير من أوقية فرجعت ولم أسأله)) اهـ. (من الأنصار) بفتح الهمزة اسم إسلامي علم
بالغلبة على أولاد الأوس، والخزرج سموا به لنصرتهم رسول الله وصلة ، ودينه (سألوا
رسول الله ( 18) حذف المفعول الثاني، لعدم تعلق الغرض به (فأعطاهم) أي: عقب سؤالهم
ولم يتوان لما جبل عليه من مكارم الأخلاق، والسماحة (ثم سألوه فأعطاهم) فتكرر منهم
السؤال مرتين ومنه الإِعطاء عقب كل مرة (حتى نفد) بكسر الفاء، وبالدال المهملة ففي
الصحاح نفد الشيء ينفد نفاداً فني (ما عنده) أي: ذهب بالإِنفاق جميع ما عنده (فقال) عقب
نفاده تنفيراً لهم من الاستكثار مما زاد على الحاجة من الدنيا، وتحريضاً على القناعة، وحثاً
على الاستعفاف، واللام في (لهم) هي لام المبالغة (حين أنفق) هو مختص بإخراج الشيء
في الخير (كل شيء) معد للإنفاق كائن (بيده: ما يكن) كذا هو بالجزم فيما وقفت عليه من
نسخ مصححة من الرياض، وهو كذلك في أصل مصحح عندي من صحيح مسلم فتكون
ما شرطية، وفي البخاري ((ما يكون)) بالرفع قال الشيخ زكريا: فما موصول متضمن معنى
الشرط، وجوابه على الوجهين قوله فلن أدخره (عندي من) بيانية (خير فلن أدخره) بتشديد
الدال المهملة، وجاء إعجامها مدغماً، وغير مدغم، وأصله ادتخر فقلبت التاء دالاً على
اللغة الأولى، وذالاً على اللغة الثانية، والمعنى: لا أجعله ذخيرة لغيركم معرضاً عنكم، أو
فلا أخبؤه وأمنعكم إياه (ومن يستعفف) بفك الإدغام، فالفعل مجزوم بالسكون لفظاً، أي:
من طلب العفة عن سؤال الناس، والاستشراف إلى ما في أيديهم (يعفه الله) أي: يرزقه
العفة، فيصير عفيفاً قنوعاً، وفي النهاية: وقيل الاستعفاف الصبر، والنزاهة عن الشيء يقال:
عف يعف عفة، فهو عفيف وهو بفتح الفاء لأنها أخف الحركات، أو بكسرها لأنها الأصل في
التخلص من التقاء الساكنين (ومن يستغن) أي: يظهر الغناء بالتعفف عما في أيدي الناس
(يغنه الله) أي: يجعله غني النفس، ولا غناء إلا غناؤها (ومن يتصبر) أي: يتكلف الصبر
على ضيق العيش، وغيره من مكاره الدنيا بأن يتجرع مرارة ذلك، ولا يشكو لغير مولاه
(يصبره الله) أي: يعطيه من حقائق الصبر الموصلة للرضى ما يهون عليه كل مشق ومكدر،
ولشرف مقام الصبر وعلوه لأنه جامع لمكارم الأخلاق ومعالي الصفات فلا ينال شيئاً منها إلا
من تحلى به عقبه بقوله: (وما أعطي أحد عطاء) مفعول ثان لأعطي أي: ما أعطي أحد من

١٥٤
كتاب: دليل الفالحين
عَطَاءَ خَيْرَاً وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٢٧ - وَعَنْ أَبِي يَحْيَى صُهَيْبٍ بْنِ سِنَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قَالَ
خلق ولا مقام (خيراً) كذا هو بالنصب في النسخ وفي البخاري: هو خير، وفي مسلم: خير،
بحذف هو في رواية، وفي رواية بنصب خير (وأوسع من الصبر) قال الشيخ زكريا: خيراً هنا
ليس بأفعل تفضيل بل هو كقوله تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً﴾ (٢) ) هـ.
ومعنى كونه أوسع أن به تتسع المعارف، والمشاهد، والمقاصد، فإن قلت: مقام الرضى
أفضل منه كما صرحوا به. قلت: هو غايته لأنه لا يعتد به إلا معه فليس أجنبياً عنه إذ الصبر
من غير رضى مقام ناقص جداً (متفق عليه) وكذا أخرجه أصحاب السنن الأربع، وزاد
رزين: ((وقد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه)) وهذه الزيادة أخرجها مسلم،
والترمذي من رواية عمرو بن العاص كذا في التيسير للديبع.
٢٧ - (وعن أبي يحيى صهيب) بضم المهملة، وفتح الهاء بعدها تحتية ساكنة، فموحدة
(ابن سنان) بكسر المهملة، ونونين بينهما ألف ابن مالك بن عبد عمرو بن عقيل بن عامر بن
جندلة بن جذيمة بن كعب بن سعد بن أسلم بن أوس مناة بن النمر بن قاسط بن هنساء بن
أقصى بن دُعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار الربعي النمري. كذا نسبه الكلبي وأبو
نعيم، وصدر به ابن الأثير في أسد الغابة ثم حكي في نسبه قولين آخرين. كناه وكلّ بأبي
يحيى، وإنما قيل له الرومي لأن الروم سبوه صغيراً فابتاعه منهم كلب، ثم قدموا به مكة
فشراه عبد الله بن جدعان منهم فأعتقه، وأقام معه إلى أن هلك عبد الله، وقيل: إنه هرب من
الروم لما كبر وعقل فقدم مكة وحالف ابن جذعان، ولما بعث النبي # أسلم، وكان من
السابقين إلى الإِسلام. قال الواقدي: أسلم هو وعمار في يوم واحد، وكان إسلامهما بعد
بضعة وثلاثين رجلاً، وكان من المستضعفين بمكة الذين عذبوا، وقدم المدينة مع علي بن
أبي طالب في النصف من ربيع الأول، والنبي م # في قباء لم يرمِ أي: لم يبرح من مكانه
بعد، وآخى النبيٍ وَّه بينه، وبين الحارث بن الصمة، شهد المشاهد كلها مع النبي (وَلّ،
وعن أنس مرفوعاً: ((السباق أربعة: أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق
(١) أخرجه البخاري في الزكاة باب الاستعفاف عن المسألة (٢٦٥/٣) و(٢٦٠/١١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل التعفف والصبر (الحديث: ١٢٤).
(٢) سورة الفرقان، الآية: ٢٤.

١٥٥
٣ - باب: في الصبر
رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: (عَجْباً لِأمْرِ الْمُؤْمِنِ! إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إلَّا
لِلْمُؤْمِنٍ: إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبْرَ فَكَانَ خَيْراً
له)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
فارس وبلال سابق الحبش)) وكان عمر محباً لصهيب حسن الظن به حتى أنه لما ضرب
أوصى أن يصلي عليه صهيب وأن يصلي بالمسلمين حتى يتفق أهل الشورى على شخص.
روي له عن رسول الله ور ثلاثون حديثاً. أخرج له مسلم ثلاثة أحاديث، ولم يخرج له
البخاري شيئاً. توفي بالمدينة سنة ثمان وثلاثين. وقيل: تسع وثلاثين وهو ابن ثلاث وسبعين
سنة ودفن بالمدينة (رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلير: عجباً) مفعول مطلق أي: أعجب
عجباً، وتعجب ابن آدم من الشيء إذا عظم موقعه عنده وخفي عليه سببه كما في النهاية
(لأمر المؤمن) أي: الكامل وهو العالم بالله الراضي بأحكامه العامل على تصديق موعوده
(أن أمره) أي: شأنه (كله) بالنصب تأكيد، وبالرفع مبتدأ خبره (له خير) والجملة خبر إن
(وليس ذلك) الخير في كل شأن (لأحد إلا للمؤمن) الكامل، ووضع الظاهر موضع
المضمر، دفعا للوهم وليشعر بالعلية أي: أن إيمانه الكامل سبب خيريته في كل حال (إن
أصابته سراء) بفتح السين، وتشديد الراء المهملتين أي: ما يسره (شكر) أي: عرف قدر
نعمة مولاه، فشكره (فكان) شكره (خيراً له) من السراء التي نالها لكونه ثواباً أخروياً (وإن
أصابته ضراء) أي: ما يضره في بدنه، أو ما يتعلق به من أهل، أو ولد، أو مال (صبر)
واحتسب ذلك عند الله رجاء ثوابه ورضي به نظراً لكونه فعل مولاه الذي هو أرحم به (فكان)
صبره في الضراء (خيراً له) لأنه حصل له بذلك خير الدارين، أما غير كامل الإِيمان فإنه
يتضجر ويتسخط من المصيبة، فيجتمع عليه نصبها، ووزر سخطه، ولا يعرف للنعمة قدرها
فلا يقوم بحقها، ولا يشكرها فتنقلب النعمة في حقه نقمة، وينعكس عليه الحال نعوذ بالله
من النقصان بعد الزيادة، ومن الحور بعد الكور(٢) (رواه مسلم) وكذا رواه الإِمام أحمد من
حديث صهيب أيضاً كما في الجامع الصغير.
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: المؤمن أمره كله خير. (الحديث: ٦٤).
(٢) قال ابن مالك في شرح المشارق الحور بفتح الحاء المهملة وسكون الواو بمعنى النقض. بعد الكور.
بفتح الكاف وبالراء المهملة وهو لف العمامة يقال كار عمامته إذا لفها وحارها إذا نقضها يعني نعوذ بك
من أن تفسد أمورنا بعد صلاحها واستقامتها. ع.

١٥٦
كتاب : دليل الفالحين
٢٨ - وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ وَهِ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ الْكَرْبُ.
فَقَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَاكَرْبَ أَبَتَاهُ! فَقَالَ: ((لَيْسَ عَلَى أَبِيْكِ كَرْبٌ بَعْدَ
الْيَوْمِ) فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ! أَجَابَ رَبَاَّ دَعَاهُ. يَا أَبَتَاهُ، جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ.
٢٨ - (وعن أنس رضي الله عنه) تقدمت ترجمته (قال لما ثقل النبي ◌َّة) بضم القاف من
شدة المرض، ورواه الديبع في التيسير بلفظ: لما احتضر بالبناء للمجهول من الاحتضار
لكن في أصله جامع الأصول كما هنا، ولعل ما عند الديبع لفظ النسائي (جعل) من أفعال
الشروع (يتغشاه) أي: يغشاه (الكرب) على وزن الضرب أي: الشدة من سكرات الموت
لعلو درجته، وشرف رتبته. وفي الحديث: ((أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل
فالأمثل)) وقد أفرد بعض العارفين(١) في هذا المعنى مؤلفاً سماه: ((القول الأجل في حكمة
كرب المصطفى عند حلول الأجل)) وقد أوردته بجملته في شرح الأذكار (فقالت فاطمة
رضي الله عنها: وا) للندبة (كرب أبتاه) قالته لما رأته حل به مصر، فتألم قلبها، وباح بما فيه
لسانها مع كمال صبرها، ورضاها بفعل ربها ومثل ذلك لا يقدح في الكمال، ففي الحديث:
((العين تدمع، والقلب يجزع ولا نقول إلا ما يرضي الرب)) وهذا محمول على أنها لم ترفع
صوتها بذلك وإلا لكان ينهاها، ثم عند النسائي عن ثابت(٢) بدل ((واکرب أبتاه)) واکرباه،
والأول أصوب لقوله في نفس الخبر (فقال) أي: النبي وَّر (ليس على أبيك) أتى بالمظهر
إيماء إلى أن سبب صدور ما تقدم من السيدة فاطمة هو البعضية، وكونه ويلير أصلاً لها (كرب
بعد اليوم) أي: لا يصيبه نصب، ولا وصب يجد له ألماً بعد اليوم لأنه ينتقل من دار الأكدار
إلى دار الآخرة، والسلامة الدائمة، إلى ما لا يعلم بأدناه من العطايا السنية، والمراتب العلية
فضلاً عن أعلاه، إلا من منحه وأولاه، وقد ورد: ((لا راحة للمؤمن دون لقاء ربه)) فكيف بسيد
السادات فقد انتقل لمحل قرة عينه، وراحة نفسه، ودوام أنسه (فلما مات قالت:) فاطمة (يا)
حرف ندبة (أبتاه) بإسكان الهاء. وأصله يا أبي فأبدلت الفوقية من التحتية لأنهما من الحروف
الزوائد، والألف هي التي تلحق آخر الاسم عند الندبة، وكذا الهاء وتسمى هاء السكت
لحقت آخر المندوب للوقف عليها ورأيته بضم الهاء في نسخ الرياض ولم يظهر لي وجهه
لأن الهاء لا تلحق المندوب إلا في الوقف، وهي فيه ساكنة وتحذف وصلاً، فالظاهر أن
(١) هو الشيخ شمس الدين أحمد بن أبي الحسن البكري. ش.
(٢) في الشمائل: عن ثابت عن أنس. ش.

١٥٧
٣ - باب: في الصبر
يَا أَبَتَاهُ، إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهُ. فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَا أَنَسُ! كَيْفَ
طَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ الْتُّرابَ؟!
الضبط المذكور من بعض الكتاب (أجاب رباً دعاه (١)) إلى لقاه (يا أبتاه من) أي: الذي
وحكى الطيبي عن نسخة من المصابيح كسر الميم على أنها حرف جر والأول أولى وفي
نسخة من الرياض حذف من (جنة الفردوس) مبتدأ، والفردوس بستان يجمع كل ما في
البساتين من شجر، وزهر، ونباق، قيل وهي رومية معربة، كذا في تحفة القاري. وفي
الجامع الصغير حديث: ((إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنه سر الجنة)) رواه الطبراني
عن العرباض مرفوعاً والسر بالضم الوسط بمعنى الخيار لما في حديث آخر عند البخاري في
كتاب الجهاد: ((أنه وسط الجنة، وأنه أعلى الجنة، وأن سقفه عرش الرحمن)) وخبر المبتدأ
قوله (مأواه) أي: منزله، وعلى كسر الميم فهو مبتدأ خبره الظرف قبله (يا أبتاه إلى جبريل)
بكسر الجيم والراء، وإسكان الموحدة والتحتية بعدها لام. وهو اسم عبراني قيل: معناه
عبد الرحمن. وقيل: عبد الله. وفي جبريل أحد عشر لغة ذكرتها في أوائل شرح الأذكار.
والظرف متعلق بقوله: (ننعاه) أي: نرفع خبره إليه: لأن الإِنسان يذكر ما ينزل به من الأحوال
الأحبابه على وجه الإِخبار عما نزل. ولا يضر في الكمال إذا لم يكن فيه تسخط من القدر
الإِلَهي ولا تجزع بحال، قال العلقمي نقلاً عن الحافظ: زاد الطبراني في هذا الحديث: ((يا
أبتاه من ربه ما أدناه)) ويؤخذ من الحديث جواز التوجع للميت عند احتضاره مثل قول فاطمة:
((واكرب أبتاه)) وأنه ليس من النياحة: لأنه وسلّ أقرها على ذلك. وأما قولها بعد أن قبض:
((واأبتاه الخ)) فيؤخذ منه أن تلك الألفاظ إذا كان الميت متصفاً بها لا يمنع ذكره بها بعد موته،
بخلاف ما إذا كانت فيه ظاهراً وهو في الباطن بخلاف ذلك أو لا يتحقق اتصافه بها فيدخل
المنع اهـ. (فلما دفن) بالبناء للمجهول (قالت فاطمة رضي الله عنها:) جملة دعائية
مستأنفة، وعبر عنه بالماضي تفاؤلاً بتحققه، وأعاد ذكرها لطول الكلام بينه وبين ذكرها أولاً
ونظيره قوله تعالى: ﴿أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون﴾(٢) (يا أنس أطابت
أنفسكم) وعند الديبع: كيف طابت أنفسكم (أن تحثوا) أي: بأن تحثوا (على) قبر
(رسول الله ( * التراب) قال الحافظ: أشارت بذلك إلى عتابهم على إقدامهم على ذلك لأنه
يدل على خلاف ما عرفته فیھم من رقة قلوبهم، وشدة محبتهم له، وسکت أنس عن جوابها
(١) الألف مبدلة من ياء المتكلم والمعنى أجاب ربي دعاه. ع.
(٢) سورة المؤمنون، الآية: ٣٥.

١٥٨
كتاب : دليل الفالحين
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٢٩ - وَعَنْ أَبِي زَيْدٍ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللّهِ وَ ◌ّهِ وَحِبِّهِ وَابْنِ حِبِّهِ رَضِيَ
رعاية لها. ولسان حاله يقول: لم تطب أنفسنا بذلك إلا أنا قهرنا على فعله امتثالاً لأمره اهـ.
وروي أنها أنشدت:
ألا يشم مدى الزمان غواليا
ماذا على من شم تربة أحمد
صبت على الأيام عدن لياليا
صبت علي مصائب لو أنها
(رواه البخاري) في آخر المغازي من صحيحه، وكذا رواه النسائي، وابن ماجه في
الجنائز، وأخرجه ابن ماجه أيضاً، والترمذي في الشمائل بلفظ: ((لما وجد رسول الله وَ ظله من
کرب الموت ما وجد قالت فاطمة واكرب أبتاه)) الحديث كذا في الأطراف، ومناسبة إيراده في
باب الصبر صبره # على ما هو فيه من سكرات الموت، وشدائده، ورضاه بذلك، وتسکین
ما نزل بالسيدة فاطمة من مشاهدة ذلك بقوله: لا كرب على أبيك بعد اليوم. أي: فهذا التعب
الشديد يحتمل لقصر زمانه، بل هو محبوب، لكونه فعل الله سبحانه، ولما يترتب عليه من
الوصول إلى منازل الأحباب، ونزل الكريم التي أعدها لنبينه، فلا يعلم أدناها فضلاً عن أعلاها
غير من أولاه إياها.
٢٩ - (وعن أبي زيد) وقيل: كنيته أبو محمد، وقيل أبو يزيد. وقيل أبو خارجة (أسامة) بضم
الهمزة بعدها سين مهملة (ابن زيد بن حارثة) بمهملتين بينهما ألف وبعد الثانية مثلثة ابن
شراحيل بن كعب بن عبد العزيز بن زيد بن امرىء القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن
عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب
الكلبي نسبا، الهاشمي ولاء، كما قال المصنف: (مولى رسول الله وَله) ولاء عتاقة منه وَله
على أبيه، وسرى منه لابنه (وحبه وابن حبه) بكسر الحاء فيهما أي: حبيبه. في الصحاح:
الحب الحبيب مثل خدن وخدين اهـ. روى ابن عبد البرأن النبي وَ إ قال: ((إن أسامة لأحب
الناس إلي. أو من أحب الناس إلي، وإني لأرجو أن يكون من صالحيكم فاستوصوا به خيراً))
وفي أسد الغابة: أن عمر رضي الله عنه لما فرض للعطاء جعل لابنه عبد الله ألفين ولأسامة
خمسة آلاف. فقال له في ذلك عبد الله فقال عمر: فضلته لأنه كان أحب إلى رسول الله وَلفته
منك وكان أبوه أحب إليه من أبيك. زاد صاحب الشفاء فقدمت حب رسول الله وَّ ر (رضي الله
(١) أخرجه البخاري في كتاب: المغازي في آخر المغازي، باب: مرض النبي ◌َّا (١١٣/٨).

١٥٩
٣ - باب: في الصبر
اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: أَرْسَلَتْ بِنْتُ النّبِيِّ ◌َّهِ أَنَّ ابْنِي قَدِ احْتُضِرَ فَاشْهَدْنا. فَأَرْسَلَ يُقْرِىءُ
السَّلاَمَ وَيَقُولُ: ((إنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى،
عنهما) الأولى رضي الله عنهم لأن حارثة: والد زيد صحابي أيضاً، وفي أسد الغابة روى
أسامة بن زيد بن حارثة: ((أن النبي ◌ّير دعا حارثة إلى الإِسلام فشهد أن لا إله إلا الله وأن
محمداً رسول الله (وَ)) أخرجه ابن مندة، وأبو نعيم اهـ. وأم أسامة هي بركة الحبشية أم أيمن
مولاة رسول الله وَّله، وحاضنته فأيمن أخو أسامة لأمه، وأمر ◌َ لل أسامة على جيش فيهم عمر بن
الخطاب، وأمره بالمسير إلى الشأم، فلما اشتد المرض بالنبي ولو، أوصى أن يسير جيش
أسامة، فساروا بعد موته وقول ابن منده: ((إن النبي ◌ّير أمر أسامة في غزوة مؤتة)) غلط. روي له
عن رسول الله وَلقر مائة وثمانية وعشرون حديثاً، أخرج له منها في الصحيحين سبعة عشر
حديثاً، اتفقا منها على خمسة عشر، وانفرد البخاري بحديثين، توفي بالجرف بعد قتل عثمان
وحمل إلى المدينة. قال أبو عمر: الأصح عندي أنه توفي في سنة أربع وخمسين. وقيل: سنة
ثمان. وقيل: سنة تسع وخمسين (قال) أسامة (أرسلت بنت رسول الله (وَلايز) هي زينب كما في
مصنف ابن أبي شيبة إليه (إن ابني) الذي استظهره الحافظ ابن حجر في فتح الباري وقال: إنه
الصواب. أن المراد منه أمامة بنت زينب كما ثبت في مسند الإمام أحمد بسند الحديث
المذكور عند البخاري، ولفظه: أتى النبي وَلقر بأمامة بنت زينب. ولا يشكل عليه أن أمامة
عاشت بعده پيچ حتى تزوجها علي بن أبي طالب وقتل معها، لأنه ليس في حديث الباب ما يدل
على أنها قبضت حينئذ قال الحافظ ابن حجر: ولعل الله أكرم نبيه لامتثاله لأمر ربه وصبر ابنته،
ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة والشفقة بأن عافى ابنة ابنته في ذلك الوقت فعاشت تلك
المدة وهذا ينبغي أن يذكر في دلائل النبوة ا هـ. وعلى كونه صبياً ذكراً، فيحتمل أنه ولد زينب،
واسمه علي، أو عبد الله بن عثمان بن رقية، أو محسن بن علي بن فاطمة. قال الحافظ:
وهذا أعني تقدير كونه ذكراً أقرب (قد احتضر) بالبناء للمجهول أي: حضرته مقدمات الموت
(فاشهدنا) أي: أحضرنا (فأرسل يقرىء السلام) بضم أوله وهو مهموز والجملة المضارعية
حال من فاعل أرسل (ويقول: إن لله ما أخذ) فلا ينبغي الجزع من أخذه؛ لأن صاحب الحق إذا
أخذ حقه لا يجزع منه، وقدم ذكر الأخذ على الإِعطاء وإن كان متأخراً في الواقع، اهتماماً بما
يقتضيه المقام (وله ما أعطى) يعني أن الله تعالى إذا أعطى عباده شيئاً، فلا يخرج بذلك
الإِعطاء عن ملكه بل هو باق عليه، بخلاف إعطاء المخلوق لمثله قيل: ويحتمل أن يراد بقوله:
(ما أعطى)) ما أعطاه من الثواب على المصيبة، أو الحياة لمن بقي بعد الموت، أو ما هو أعم

١٦٠
كتاب : دليل الفالحين
وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ))، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ
تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ ومَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ
جَبَلٍ وَأَبِيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَرُفِعَ إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ وَ الصَّبِيُّ، فَقْعَدَهُ فِي حِجْرِهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. فَقَالَ سَعْدُ:
من ذلك، وما، في الموضعين مصدرية أي: لله الأخذ والإِعطاء، ويحتمل أن تكون موصولاً
اسمياً فيكون العائد محذوفاً أي: ما أخذه وما أعطاه (وكل شيء) بالرفع جملة ابتدائية معطوفة
على الجملة قبلها، ويجوز النصب عطفاً على اسم إن، فيستحب التأكيد عليه، وقوله كل شيء
أي: من الأخذ، والإِعطاء، أو الأنفس، أو ما هو أعم من ذلك (عنده) والمراد منه عندية العلم
مجازاً للملازمة بينهما (بأجل مسمى) أي: معلوم مقدر، فمحال أن يتقدم عليه، أو يتأخر عنه
والأجل يطلق على الجزء الأخير، وعلى مجموع العمر (فلتصبر) على مقادير الله (ولتحتسب)
أي: تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها ليحسب لها ذلك من عملها الصالح (فأرسلت إليه)
أي: عقب مجيء رسول الله وَلير إليها، كما يدل عليه العطف بالفاء التعقيبية (تقسم عليه
ليأتينها) جاء في حديث عبد الرحمن بن عوف: أنها راجعته مرتين، وأنه قام في ثالث مرة
وكأنها ألحت في ذلك لما ترجوه من دفع ما تجده من الألم عند حضوره ببركة حضوره وَّار، وقد
حقق الله رجاءها، وكان امتناعه هر أولاً للمبالغة في إظهار التسليم لأمر الله، ولبيان الجواز في
أن من دعي لمثل ذلك، لا تجب عليه الإِجابة بخلاف الوليمة (فقام ومعه سعد بن عبادة
ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال رضي الله عنهم) الجملة حال من. فاعل
قام، وجملة رضي الله عنهم مستأنفة، وقد سمي منهم غير من ذكر في غير هذه الرواية عبادة بن
الصامت، وأسامة راوي الحديث، وعبد الرحمن بن عوف (فرفع) بالراء مبني للمجهول وفي
الكلام حذف دل عليه المقام. إذ تقدير الكلام، فمشوا إلى أن وصلوا إلى بيتها واستأذنوا فأذن
لهم، فدخلوا فرفع (إلى رسول الله وَّر الصبي فأقعده) أي: وضعه (في حجره) بفتح الحاء
وكسرها، وسكون الجيم، الحضن (ونفسه تقعقع) بفتح التاء والقافين أي: تضطرب،
وتتحرك. زاد في رواية للبخاري كأنها شن وفي لفظ آخر كأنها في شنة(١) (ففاضت عيناه) أي:
النبي ◌َّر. وجاء التصريح به في رواية شعبة (فقال سعد:) أي: ابن عبادة مستبعداً ما رآه منه،
(١) في المختار، الشن والشنة أي بفتح الشين القربة الخلق اهـ. وفي شرح مسلم للمصنف: الشنة القربة
البالية، ومعناه لها صوت وحشرجة كصوت الماء إذا ألقي في القربة البالية اهـ.