Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ ١ - باب: في الإِخلاص وإحضار النية الْكَعْبَةَ فَإِذَا كانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ))، قَالَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ◌َيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهْم وَفِيْهِم أَسْوَاتُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ لها ألفا حديث ومائتان وعشرة، وقيل ألف وعشرة، اتفقا على مائة وأربعة وسبعين، وانفرد البخاري بأربعة وستين، ومسلم بثمانية وستين (قالت: قال رسول الله مَطاهر: يغزو جيش الكعبة) في رواية مسلم: عبث رسول الله صلي في منامه، فقلنا له: صنعت شيئاً لم تكن تفعله، قال: العجب أن أناساً من أمتي يؤمون هذا البيت لرجل من قريش. وزاد في رواية أخرى: أن أم سلمة قالت: ذلك أيام ابن الزبير، وفي أخرى: أن عبد الله بن صفوان أحد رواة الحديث عن أم سلمة قال: والله ما هو هذا الجيش. قال القرطبي: وقد ظهر ما قال فإن الجيش المرسل إلى ابن الزبير لم يخسف به اهـ قال العاقولي: والأولى إجراء الحديث على إطلاقه وعدم تقييده بأحد، والكعبة مأخوذة من كعبته ربعته، والكعبة كل بيت مربع. وكذا في القاموس، وفي كلامهم إن إبراهيم بنى الكعبة مربعة، ولا ينافيه اختلاف بعدما بين أركانها لأنه قليل لا ينافي التربيع، وهذا أعني كون سبب تسميتها كعبة تربيعها أوضح من جعل سببها ارتفاعها كما سمي كعب الرجل بذلك لارتفاعه وأصوب من جعله استدارتها إلا أن يريد قائله بالاستدارة التربيع مجازاً، أو يكون أخذ الاستدارة في الكعب سبباً لتسميته، لكنه مخالف لكلام أئمة اللغة (فإذا كانوا ببيداء) في رواية مسلم بالبيداء قال القرطبي: والبيداء أرض ملساء لا شيء فيها. وفي الصحاح: البيداء المفازة والجمع بيد، وهل هي بيداء المدينة أو لا؟ فيه خلاف (من الأرض) في محل الصفة لبيداء (يخسف بأولهم وآخرهم) زاد الترمذي في حديث ضعيف ولم ينج أوسطهم، وزاد مسلم في حديث حفصة: يخسف بأوسطهم ثم ينادي أولهم آخرهم، ثم يخسف بهم، فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم، واستغنى بهذا عن تكلف الجواب عن حكم الأوسط، بأن العرف يقضي بدخوله فيمن هلك ولكونه آخراً بالنسبة للأول، وأولاً بالنسبة للأخير فيدخل (قالت) عائشة متعجبة من وقوع العذاب على من لا إرادة له في القتال الذي هو سبب العقوبة (قلت يا رسول الله كيف يخسف بأولهم وآخرهم) أي: بجملتهم (وفيهم أسواقهم) كذا للبخاري بالمهملة والقاف جمع والمعنى أهل أسواقهم أو السوقة منهم (و) فيهم (من ليس منهم) أي: ممن خرج بقصد القتال، وإنما وافقهم في صحبة الطريق (قال) ## مجيباً عما سألت عنه بأن العذاب يقع عاماً لحضور آجالهم، ثم يبعثون على نياتهم. وقد روى الشيخان عن ابن عمر مرفوعاً رضي الله عنهما: ((إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على ٦٢ كتاب : دليل الفالحين قَالَ: ((يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُون عَلَى نِيَّاتهم)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيّ(١). ٣ - وَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَت قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلكِنْ نياتهم)) (يخسف بأولهم وآخرهم) أي: بجملة القوم تابعهم ومتبوعهم لشؤم الأشرار (ثم يبعثون) ويعاملون عند الحساب (على نيتهم) فيعامل كل بقصده من الخير، أو الشر. وفي الحديث أن من كثر سواد قوم في المعصية مختاراً أن العقوبة تلزمه معهم، وفيه إن الأعمال تعتبر بنية العامل، وفيه التحذير من مصاحبة أهل الظلم، ومجالستهم، وتكثير سوادهم إلا لمن اضطر إلى ذلك (متفق عليه) ورواه أيضاً غيرهما (وهذا) المذكور (لفظ البخاري) ولمسلم ألفاظ وهي بنحو ما ذكر، فمن ألفاظه. فقلنا: إن الطريق تجمع الناس. قال: ((نعم فيهم المستنصر لذلك)) أي للمقاتلة ((والمجبور)) بالجيم والموحدة أي المكره ((وابن السبيل)) أي سالك الطريق معهم وليس منهم. فقال ((يهلكون مهلكاً واحداً ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم)). ٣ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي ◌َّ: لا هجرة) أي: من مكة (بعد الفتح(١)) أي: فتحها. وجاء في حديث للبخاري مرفوعاً: ((لا هجرة بعد فتح مكة)) وكان في رمضان سنة ثمان من الهجرة، وذلك أن الهجرة أي: مفارقة دار الكفر إلى دار الإِسلام، كانت واجبة على من بمكة، فيجب على من أسلم بها أن يهاجر منها إلى المدينة، لكونها كانت دار كفر. فلما فتحت صارت دار إسلام، أما الهجرة من المواضع التي لا يتأتى إقامة أمر الدين فيها، فهي واجبة اتفاقاً، وعلى ذلك يحمل حديث: ((لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار)). قال الخطابي: كانت الهجرة على معنيين: أحدهما؛ إنهم إذا أسلموا، وأقاموا بين قومهم أوذوا، فأمروا بالهجرة ليسلم لهم دينهم، ويزول عنهم الأذى. والآخر؛ الهجرة من (١) أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: ما ذكر في الأسواق (٢٨٤/٤). وأخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: الخسف بالجيش الذي يؤم البيت (الحديث: ٨). (٢) قال العلماء: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة وأولوا هذا الحديث تأويلين: أحدهما، لا هجرة بعد فتح مكة لأنها صارت دار إسلام فلا يتصور منها الهجرة، والثاني وهو الأصح، أن الهجرة التي بها يمتاز أهلها امتيازاً ظاهراً انقطعت بفتح مكة ومضت لأهلها الذين هاجروا قبل فتحها، لأن الإِسلام قوي وعز بها عزاً ظاهراً. ٦٣ ١ - باب: في الإخلاص وإحضار النية جِهَادٌ وَنِيّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمَعْنَاهُ: لَ هِجْرَةَ مِنْ مَكّةَ لِأَنَّهَا صَارَتْ دَارَ إِسْلَامٍ(١). مكة إلى المدينة؛ لأن أهل الدين بالمدينة، كانوا قليلين ضعيفين، فكان الواجب على من أسلم، أن يهاجر إلى رسول الله وسلّ إن حدث حادث استعان بهم في ذلك، فلما فتحت مكة، استغنى عن ذلك إذا كان معظم الخوف من أهلها، فأمر المسلمون أن يقيموا في أوطانهم، ويكونوا على نية الجهاد، مستعدين لأن ينفروا إذا استنفروا، قال المصنف: يتضمن الحديث على هذا القول معجزة لرسول الله وب لير، وهي أن مكة تبقى دار إسلام لا يتصور منها الهجرة، قال: وقيل معنى الحديث لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح، قال تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ (٢) الآية اهـ. (ولكن جهاد ونية) قال الطيبي: كلمة لكن، تقتضي مخالفة ما بعدها لما قبلها، أي المفارقة عن الأوطان المسماة بالهجرة المطلقة انقطعت، لكن المفارقة بسبب الجهاد باقية مدى الدهر، وكذا المفارقة بسبب نية خالصة لله تعالى كطلب العلم، والفرار بدينه، ونحوه، وقال المصنف: تحصيل الخير بسبب الهجرة قد انقطع بالفتح، ولكن حصلوه بالجهاد، والنية (وإذا استنفرتم) أي: طلبكم الإِمام للخروج إلى الجهاد، ويحتمل العموم أي: إذا استنفرتم إلى الجهاد، ونحوه (فانفروا) بكسر الفاء على الأفصح، ويجوز ضمها. وبالأول جاء القرآن: أي: اخرجوا (متفق عليه) ورواه أبو داود وروى بعضه الإِمام أحمد وابن حبان وأبو عوانة، والدارمي وابن الجارود، وقال الترمذي: إنه حسن صحيح. نقله العزبن فهد في الأربعين التي خرجها في الجهاد (ومعناه لا هجرة من مكة) أي: بعد الفتح واجبة: لأنها إنما وجبت منها أولاً لكونها كانت داراً للكفر، وقد زال بفتحها، فلا يجب منها (لأنها صارت دار إسلام) أو معناه كما يؤخذ من كلام الخطابي: لا هجرة إلى المدينة واجبة على من آمن، (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: لا هجرة بعد الفتح (الحديث: ٢٩١٢) وهو عن ابن عباس بلفظه . وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: تحريم رجوع المهاجر إلى استيطان وطنه (الحديث: ٨٦). وفي البخاري في الجهاد باب وجوب التنفير وباب (فضل الجهاد) وباب (لا هجرة بعد الفتح) وباب (إثم الغادر والفاجر ١٧٨/٧). وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: تحريم مكه وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشدُّ على الدوام، (الحديث: ٤٤٥). (٢) سورة الحديد، الآية: ١٠. ٦٤ كتاب : دليل الفالحين ٤ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَ فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: ((إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالاً مَا سِرْتُمْ مَسِيراً وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِياً وأمن على دينه بعد الفتح. لأنها إنما وجبت أولاً لكون المسلمين بالمدينة يومئذ كانوا قليلين، فكان الواجب على من أسلم الهجرة إلى رسول الله وَّ إعانة له، واستغني عن ذلك بعد فتح مكة؛ لأن معظم الخوف كان من أهلها . - (وعن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري) الخزرجي السلمي بفتح اللام لنسبته ٤ إلى سلمة بن سعد. روي عنه أنه قال: غزوت مع رسول اللّه ◌َّر تسع عشرة غزوة، ولم أشهد بدراً، ولا أحداً، منعني أبي، فلما قتل أبي لم أتخلف عن رسول الله وَّر في غزوة قط. وعنه قال: أنا وأبي وخالي من أصحاب العقبة وكان أبوه يومئذ أحد النقباء، وكان جابر من أصغر الصحابة سناً، وكان من ساداتهم وفضلائهم المتحفين بحب رسول الله رشالر، روي له عن رسول الله ور ألف وخمسمائة وأربعون حديثاً اتفقا منها على ستين، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم بمائة وستة وعشرين، توفي بالمدينة بعد أن كف بصره سنة ثلاث وسبعين وهو ابن أربعٍ وتسعين سنة، وصلى عليه أبان بن عثمان وكان والي المدينة وجابر آخر الصحابة موتاً بالمدينة (رضي الله عنهما) أشار إلى أنه ينبغي لكل من ذكر صحابياً أبوه صحابي، أي وقد ذكره، أن يقول رضي الله عنهما (قال: كنا مع رسول الله تَّ فِي غزاة) هي غزوة تبوك كما صرحت به رواية البخاري الآتية، وفي النهاية، غزا يغزو غزواً، فهو غاز، والغزوة المرة من الغزو والاسم الغزاة أي: بفتح الغين، وجمع الغازي غزاة بضمها. وغزى، وغزي، وغزاء كقضاة، وفسق، وحجيج وفساق اهـ. (فقال: إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً) أي: سيراً أو في مكان سير، فهو مصدر ميمي أو اسم مكان (ولا قطعتم وادياً) فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله﴾(١) إلى قوله: ﴿ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾(٢) (إلا كانوا معكم) أي: شركوكم في الأجر، كما في الرواية الثانية: ((وكان لهم مثل أجركم مضاعفاً)) لصحة نيتهم في مباشرة كل ما باشره إخوانهم المجاهدون (حبسهم) (١) سورة التوبة، الآية: ١٢٠. (٢) سورة التوبة، الآية: ١٢١. ٦٥ ١ - باب: في الإِخلاص وإحضار النية إلّا كَانُوا مَعَكُمْ حَبْسَهُمْ الْمَرَضُ. وفي رِوَايَةٍ: إلَّ شَرِكُوكُمْ فِي الأَجْرِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ((رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مَعَ النَّبِيِّ ◌َ، فَقَالَ: ((إِنَّ أَقْوَاماً خَلْفَنَا بِالْمَدِينَةِ مَا سَلَكْنَا شِعْباً أي: منعهم (المرض) فلصحة النية أعطاهم الله مثل أجر المباشر. كذا في المفهم (وفي رواية إلا شركوكم) بكسر الراء (في الأجر) بدل قوله: إلا كانوا معكم. قال العاقولي في شرح المصابيح: هذا دليل على أنهم شركاء في الأجر وعلى التساوي أيضاً، لأنه إذا قال الرجل لصاحبه، هذا لي ولك: حمل على المساواة، ولذلك تجعل الدار بينهما نصفين إلا أنه يستدل بقوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون﴾(١) الآية على ترجح جانب الغازي على جانب القاعد، فيحمل ذلك على القاعد من غير عذر، والتساوي المفهوم من الحديث على القاعد بعذر، فلا معارضة بين الآية والحديث. وسيأتي زيادة تحقيق في هذا المقام (رواه مسلم، ورواه البخاري عن أنس) عدل المصنف عن قوله: متفق عليه، مع أنهما روياه، لكن باختلاف يسير في لفظه، وذلك الاختلاف لا يضر في إطلاق الاتفاق، لاختلاف صحابي الحديث عندهما. وقد اختلف في مثل ذلك، هل هو مما اتفقا عليه، وبه قال الجوزي، وقال جمهور المحدثين: لا يطلق اتفاقهما إلا على ما اتفقا على إخراج إسناده، ومتنه معاً. نقله الحافظ ابن حجر في نكته على كتاب ابن الصلاح (قال رجعنا عن غزوة تبوك) بفتح الفوقية، وهي في طرف الشام من جهة القبلة، بينها وبين المدينة النبوية نحو أربع عشرة مرحلة، وكانت غزوته و ◌ّر تبوك في سنة تسع من الهجرة وهي آخر غزواته، قال الأزهري: أقام ◌َّ بتبوك بضعة عشر يوماً. والمشهور ترك صرف تبوك للتأنيث، والعلمية، وفي رواية في صحيح البخاري في حديث كعب بن مالك، أي الآتي في باب التوبة: ((لم يذكرني رسول الله وَّةُ حتى بلغ تبوكاً)) بالصرف في جميع النسخ باعتبار إرادة الموضع (مع النبي ◌َّ) أي: صحبته (فقال: إن أقواماً) أي: رجالاً: بدليل الرواية السابقة، ولأن القوم مختص بالرجال، قال تعالى: ﴿لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم، ولا نساء من نساء﴾ (٢) الآية، وقال الشاعر: أقوم آل حصن أم نساء. (خلفنا) بسكون اللام أي : وراءنا، وفي نسخة بتشديدها من التخليف أي: خلفنا خلفاً (بالمدينة) علم بالغلبة على دار هجرته 18 (ما سلكنا شعباً) بكسر الشين المعجمة. أي الطريق في الجبل كما قاله ابن (١) سورة النساء، الآية: ٩٥. (٢) سورة الحجرات، الآية: ١١. ٦٦ كتاب : دليل الفالحين وَلَ وَادِياً إلّ وَهُمْ مَعَنَا، حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ))(١). ٥ - وَعَنْ أَبِي يَزِيدَ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَخْنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَهُوَ وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ صَحَابِيُّونَ، قَالَ: كَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيَرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ في المَسْجِدِ فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَالَ: واللَّهِ مَا إِيَّك أَرَدْتُ فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولٍ السكيت، وقيل: الفرجة النافذة بين الجبلين (ولا وادياً) هو الموضع الذي يسيل فيه الماء كذا في مفردات الراغب (إلا وهم معنا) بفتح العين، والجملة حالية (حبسهم العذر) استئناف بياني جواباً عن السؤال المقدر من حصول مثل ثواب المجاهد لهم مع قعودهم، وقد جاء السؤال مصرحاً به في رواية أبي داود عن أنس ولفظها: أن النبي ◌َّ قال: ((لقد تركتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم)) قالوا: ((يا رسول الله وكيف يكونون معنا، وهم بالمدينة))؟ قال ومثل: ((حبسهم العذر)) والعذر بضم المهملة، وصف يعرض للمكلف يناسب التسهيل عليه. - (وعن أبي يزيد معن) بفتح الميم، وسكون المهملة آخره نون (بن يزيد بن الأخنس) بمعجمة فنون فمهملة (رضي الله عنهم) أتى بضمير الجمع، وعلل الإِتيان به كذلك بقوله: (هو وأبوه وجده صحابيون) أي: وما كان كذلك فينبغي أن يؤتى عند ذكرهم بالترضي عليهم بصيغة الجمع. والصحابي على الصحيح، من اجتمع بالنبي ◌َّ حال حياته مؤمناً به، ولو لحظة، ومات على الإِيمان. قيل وقد شهدت الثلاثة بدراً، قال الكرماني: ولم يتفق ذلك لغيرهم، وقيل لم يشهدها معن، نزل معن الكوفة، ثم مصر، ثم الشام، وقتل بمرج راهط سنة أربع وستين في دولة مروان. ذكره ابن الجوزي في التلقيح فيمن له عن رسول الله ل خمسة أحاديث، وقال: قال البرقي له حديثان اهـ. انفرد البخاري بالرواية عنه عن مسلم للحديث الآتي وروى عنه أبو داود (قال) أي: معن من جملة حديث (كان أبي) الأولى ((وكان أبي)) بالواو تنبيهاً على أنه بعض حديث (يزيد) بالرفع عطف بيان لأبي أو بدل منه (أخرج دنانير يتصدق بها) ظاهره صدقة تطوع (فوضعها عند رجل في المسجد) أي: وأذن له أن يتصدق بها على المحتاج إليها (فجئت) الرجل (فأخذتها) أي: باختيار منه (فأتيته) أي: أبي (بها) أي: مصاحباً لها (فقال والله ما إياك أردت) بهذه الدنانير المتصدق (١) أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: نزول النبي ◌َّر الحجر، ٩٦/٨ وأخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر (الحديث: ١٥٩). ٦٧ ١ - باب: في الإِخلاص وإحضار النية اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ: ((لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١) ٦ - وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ عَبْدَ مَنَّافٍ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كَلَبِ بْنِ مُرَّةً بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ الْقُرَشِيِّ الزُّهْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَحَدِ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ بها (فخاصمته) منتهياً (إلى رسول الله صل﴿ فقال) وَّ (لك ما نويت) أي: ثوابه (يا يزيد) لأنك نويت التصدق بها على محتاج، وابنك محتاج وإن لم تنوه (ولك ما أخذت يا معن) لكونك قبضتها قبضاً صحيحاً (رواه البخاري). - (وعن أبي إسحاق سعد ابن أبي وقاص) بتشديد القاف آخره مهملة (مالك) بالجر على العطف على أبي، أو بدلاً منه، ويجوز قطعه عنه مرفوعاً بتقدير هو، ومنصوباً بتقدير أعني (بن أهيب) بضم الهمزة، وفتح الهاء، وسكون التحتية (بن عبد مناف) بفتح الميم (بن زهرة) بضم الزاي (بن كلاب) بكسر الكاف. يحتمل أن يكون منقولاً عن جمع كلب، وأن يكون منقولاً عن مصدر كالب. وفي المواهب اللدنية سئل أعرابي: لم تسمون أبناءكم بشر الأسماء نحو كلب ذئب، وعبيدكم بأحسنها نحو مرزوق رباح فقال: إنا نسمي أبناءنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا يريد أن الأبناء عدة للأعداء، وسهام في نحورهم، فاختاروا لهم هذه الأسماء وكلاب هذا تجتمع فيه نسب أبي النبي ◌َّرَ، وأمه. واسم كلاب، حكيم. وقيل: عروة (بن مرة) بضم الميم، وتشديد الراء (بن كعب) وهو أول من جمع يوم العروبة، كانت تجتمع إليه قريش في هذا اليوم فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي وسلم ويعلمهم أنه من ولده، ويأمرهم باتباعه، والإيمان به (بن لؤي) بضم اللام، وفتح الهمزة، وتقدم ما يتعلق به أول الباب (بن غالب القرشي الزهري رضي الله عنه) أسلم سعد قدیماً، وسبب إسلامه مذکور في شرح الأذكار، وكان من المهاجرين الأولين شهد بدراً، وما بعدها، وكان يقال له فارس الإِسلام (وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة) رضي الله عنهم وقد جمع أسماءهم غير واحد كالحافظ زين الدين العراقي فقال: ومنزلة من بشروا بجنان وأفضل أصحاب النبي مكانة علي ابن عوف طلحة العمران سعيد زبير سعد عثمان عامر وأحد الستة أصحاب الشورى كان يحرس النبي في مغازيه، وجمع له النبي وَلو (١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر (الحديث: ٢٣١/٣ و٢٣٢) ٦٨ كتاب: دليل الفالحين لَهُمْ بِالجَنَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَالَ: جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ :﴿ يَعُودُني عامَ حَجَّةٍ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعِ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الْوَجَعِ مَا تَرَى وَأَنَا ذُومَالٍ ولَ يَرِثُنِي إِلَّ ابْنَةٌ لِي أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: أبويه فقال: ((فداك أبي وأمي أيها الغلام الحرور. اللهم سدد رميته وأجب دعوته)). ثم قال لهم: هذا خالي فليأت كل رجل بخاله. وفي هذا المقام في شرح الأذكار بسط فراجعه ودعا له النبي سير بالشفاء، من جرح كان به فشفي. وهو أول من أراق دماً في الإِسلام وأول من رمى بسهم في سبيل الله وأخباره في الشجاعة والشدة في دين الله واتباع السنة، والزهد والورع وإجابة الدعوة، والصدق، والتواضع شهيرة، روي له عن النبي ويّز مائتان وسبعون حديثاً. وفي التلقيح لابن الجوزي، مائتان وإحدى وسبعون حديثاً. وقال أبو نعيم: أسند مائة حديث ونيفاً سوى الطرق. وقال البرقي: الذي حفظ عنه نحو من سبعين حديثاً اهـ. اتفقا على خمسة عشر حديثاً، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بثمانية عشر. توفي في قصره بالعقيق على سبعة أميال من المدينة، وحمل على أعناق الرجال إلى المدينة وصلى عليه والي المدينة مروان بن الحكم، وأزواج النبي ◌َ ◌ّار، قيل: وكان آخر المهاجرين موتاً بالمدينة، ولما حضرته الوفاة دعا بخلق جيبة له فقال: كفنوني فيها فإني كنت لقيت المشركين فيها يوم بدر، وكنت أخبؤها لهذا اليوم. وكانت وفاته سنة ثمان، أو خمس وخمسين، وله بضع وستون أو سبعون، أو ثمانون، أو تسعون سنة (قال: جاءني رسول الله وَ﴾ يعودني) فيه عيادة الكبير أتباعه، ففيه التواضع ولين الجانب (عام حجة الوداع) سميت بذلك لأنه ◌َالز، ودعهم فيها، وهو بكسر الواو، ويجوز فتحها، وتسمى بحجة البلاغ، لأنه وَّرَ قال لهم فيها: هل بلغت، وبحجة الإِسلام، لأنها الحجة التي حج فيها المسلمون، وليس فيها مشرك (من وجع اشتد بي) وفي رواية لهما أشفيت منه على الموت، أي: قاربته وأشرفت عليه (فقلت: يا رسول الله) إني (قد بلغ بي من الوجع ما ترى) فيه جواز ذكر المريض ما يجده، لغرض صحيح، من نحو مداواة، أو دعاء صالح، أو وصية، أو استفتاء عن حالة، وكراهة ذلك محمولة على ما كان على وجه التسخط، ونحوه لكونه قادحاً في أجر مرضه (وأنا ذو مال) فيه دليل على إباحة جمع المال، لأن هذه الصيغة لا تستعمل في العرف إلا لمال كثير (ولا يرثني) من الولد، أو خواص الورثة، وإلا فقد كان له عصبة، وقيل معناه لا يرثني من أصحاب الفروض (إلا ابنة لي) اسمها عائشة، ولم يكن له إذ ذاك سواها، ثم جاء له بعد ذلك أولاد. وتعقب الحافظ ذلك في الفتح، ثم قال: والظاهر أن البنت المشار إليها هي أم الحكم الكبرى، وأمها بنت شهاب بن عبد الله بن الحارث، قال ٦٩ ١ - باب: في الإخلاص وإحضار النية فالشَّطْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَ ، قُلْتُ: فالثُّلُثُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ أوْ كبير، إِنَّكَ أَنْ تذر وَرَثْتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرْهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّقُونَ النَّاسَ؛ وإنّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً الحافظ: ولم أر من حرر ذلك (أفأتصدق بثلثي مالي) يحتمل أنه أراد بالصدقة الوصية، ويحتمل أنه أراد الصدقة المنجزة، وحكمهما سواء عندنا وعند العلماء كافة، لا ينفذ منهما ما زاد على ثلث التركة، إلا برضى الوارث (قال: لا. قلت: فالشطر) أي: فالنصف بالرفع على الابتداء أي: أتصدق به، أو على أنه فاعل لفعل مقدر أي: أفيجوز الشطر؟ وقال في فتح الباري: هو بالنصب على تقدير فعل أي: أسمي، أو أعين الشطر. ثم قال: ويجوز الرفع (قال لا قلت فالثلث) بالرفع، أو النصب (قال) وَل ﴿ (الثلث) بالرفع على تقدير أنه فاعل فعل محذوف، أي: يكفيك الثلث، أو خبر مبتدأ محذوف أي: المشروع الثلث، أو مبتدأ حذف خبره أي: الثلث كافيك، وبالنصب على الإِغراء أو بفعل مضمر، أي: أعط الثلث (والثلث كثير) بمثلثة وعليه اقتصر الشيخ زكريا في تحفة القاري على البخاري (أو كبير) أي: بموحدة وقد حكاه مع ما قبله المصنف في شرح مسلم روايتين قال: وكلاهما صحیح، قال في فتح الباري: المحفوظ في أكثر رواياته بالمثلثة ومعناه كثير بالنسبة إلى ما دونه قال: وهذا محتمل أن يكون مسوقاً لبيان جواز التصدق بالثلث، وأن الأولى النقص عنه، وهو ما يتبادر إلى الفهم، ومحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث من الأكمل. أي: كثير أجره، أو كثير غير قليل. قال الشافعي: وهذا أولى معانيه. يعني أن الكثرة أمر نسبي اهـ. (إنك) يجوز فتح الهمزة وهو أوضح؛ لأنه علة لما تضمنه. قوله والثلث كثير من أنه لا ينبغي أن يوصى بالثلث بل ينقص عنه شيئاً قليلاً، ويجوز كسرها استئنافاً. وفيه الإِشارة إلى تلك العلة أيضاً (أن تذر ورثتك أغنياء) بفتح همزة أن، أي: لأن تذر فمحله جر، أو نصب على الخلاف في ذلك، أو هو مبتدأ فمحله رفع وخبره (خير) وعلى الأول، فهو خبر لأن ويجوز كسر همزة إن. وصحت به الرواية قال ابن الجوزي: سمعناه من رواة الحديث بالكسر، فإن فيه شرطية. وجوابها جملة صدرها مع فاء الجواب محذوف، أي: فهو خيرٌ وبصحة الرواية اندفع ما قيل حذف ذلك ضرورة (من أن تذرهم) أي: تتركهم عالة بتخفيف اللام فقراء (يتكففون الناس) أي: يسألونهم ما في أكفهم، ففي الحديث حث على صلة الأرحام والإِحسان إلى الأقارب، والشفقة على الورثة، وأن صلة القريب الأقرب أفضل من الأبعد (وإنك لن تنفق نفقة) معطوف على قوله إنك إن تذر إلى آخره وهما علة للنهي عن الوصية ٧٠ كتاب: دليل الفالحين تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّه إلّ أُجِرْتَ عَلَيْها حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيٍّ أَمْرَأَتِكَ))، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: إِنَّكَ لَنْ بأكثر من الثلث، كأنه قال: لا تفعل لأنك إن مت تركت ورثتك أغنياء، وهو خير لك وإن عشت تصدقت، وأنفقت، فالأجر حاصل لك في الحالين، وعبر بتنفق، مع أن اشتراط. الإِخلاص لا يختص به، بل يجري في كل تصرف مالي، أو فعلي تفاؤلاً: فإن الإِنفاق إنما يقال فيما صرف في الخير، وغيره يقال فيه حسنى وصنيع. وقال ابن أبي جمرة : نبه بالنفقة على ما سواها من عمل البر (تبتغي بها وجه الله) أي: ذاته وحده كما دلّ عليه السياق (إلا أجرت) بالبناء للمجهول أي: أجرك الله (عليها) وفي نسخة بها لأنه من العمل الصالح (حتى ما تجعل في في امرأتك) حتى عاطفة، وما اسم موصول في محل نصب عطفاً على نفقة، ويجوز الرفع على أنه مبتدأ، أي: إلا أجرت بالنفقة التي تبتغي بها وجه الله حتى بالشيء الذي تجعله في فم امرأتك. ففي الحديث إن الأعمال بالنيات وإنما يثاب على عمله بنيته، وأن الإِنفاق على العيال يثاب عليه إذا قصد وجه الله تعالى به، وفيه أن المباح إذا قصد به وجه الله صار طاعة ويثاب عليه: إذ وضع اللقمة في فم امرأته إنما يكون في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح، فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة وأمور الآخرة، ومع ذلك فقد أخبر الشارع بأن ذلك يؤجر عليه بالقصد الجميل، فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر إذا قصد به وجه الله. ويؤخذ منه أن الإنسان إذا فعل مباحاً من أكل، أو شرب، وقصد به وجه الله، كالاستعانة بذلك على الطاعة، وبالنوم على قيام الليل يثاب عليه، ووجه عطف جمله ((وإنك لن تنفق الخ)) على ((إنك)) الأولى بيان سبب استكثار الثلث ببيان ما يتعلق به في الدنيا، والآخرة، أي: لا تستقل الثلث فإنك إذا أخرجته أثبت الثواب العظيم، وأبقيت لورثتك ما يصونون به وجوههم عن ذل السؤال، ومع ذلك تكون قد تداركت به ما فرطت، كما في حديث: ((إن الله أعطى عبده ثلث ماله في آخر عمره ليتدارك به ما فرط منه)) (قال: فقلت: يا رسول الله أخلف) بضم الهمزة، وفتح اللام المشددة. وفي نسخة من البخاري أأخلف بهمزة الاستفهام أي: أأخلف في مكة (بعد أصحابي) أي: بعد انصرافهم معك. قال القاضي عياض: قاله إما إشفاقاً من موته بمكة، لكونه هاجر منها، وتركها للَّه فخشي أن يقدح ذلك في هجرته، أو في ثوابه، أو خشي بقاءه بمكة بعد انصراف النبي ◌َّر، وأصحابه إلى المدينة، وتخلفه عنهم بسبب المرض، وكانوا يكرهون الرجوع فيما تركوه للَّه، ولذا جاء في رواية أخرى: أخلف عن هجرتي قال القاضي: قيل كان حكم الهجرة باقياً بعد الفتح لهذا الحديث، وقيل: إنما كان ذلك لمن هاجر قبل الفتح اهـ. (فقال إنك لن تخلف) أي: ٧١ ١ - باب: في الإخلاص وإحضار النية تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلَا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إلّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةُ، وَلَعَلّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللّهُمَّ أَمْضٍ لِأَصْحَابِي مِجْرَتَهُمْ وَلا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لكنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةً!)) يَرْئِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ مِ أَنْ بأن يطول عمرك، وبقاؤك في الحياة بعد جماعات من أصحابك (فتعمل عملاً تبتغي) تقصد (به وجه الله) وحده أي: ذاته (إلا ازددت به درجة) في الجنة (ورفعة) بكسر الراء، ففي هذا فضيلة طول العمر، للازدياد من العمل الصالح، والحث على إرادة وجه الله تعالى بالأعمال (ولعلك أن تخلف) بأن یطول عمرك (حتی ینتفع بك أقوام) في دينهم ودنياهم (ويضر بك آخرون) هذا من جملة إخباره وَّ بالمغيبات، فإنه عاش حتى فتح العراق، وغيره وانتفع به قوم في دينهم، ودنياهم، وتضرر به الكفار في دينهم، ودنياهم، فإنهم قتلوا إلى جهنم وسبيت نساؤهم، وأولادهم، وغنمت أموالهم، وديارهم، وولي العراق فاهتدى على يديه خلائق، وتضرر به خلائق بإقامته الحق فيهم من كفار ونحوهم (اللهم) أصله يا الله، فحذف حرف النداء وعوض عنه الميم ولهذا امتنع الجمع بينهما في الاختيار، وبسطت الكلام في تحقيق هذه الكلمة في شرح الأذكار. قيل وهو الاسم الأعظم (أمض) بفتح الهمزة أي: أتمم (لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم) قال القاضي عياض: استدل به بعضهم على أن بقاء المهاجر بمكة كيف كان قادح في هجرته، ولا دليل فيه عندي؛ لأنه يحتمل أنه دعا لهم دعاء عاماً، وتقدم معنى ذلك (لكن البائس) بموحدة وبالمد أي الذي آثر البؤس أي : شدة الفقر، والقلة (سعد بن خولة) بفتح الخاء المعجمة، وهو زوج سبيعة الأسلمية (يرثي له) أي: يرق له، ويترحم له رسول الله وَّ ر (أن) بفتح الهمزة أي: لأنه (مات بمكة) وهي الأرض التي هاجر منها. قال العلماء: انتهى كلام النبي ويّ إلى قوله: لكن البائس سعد بن خولة، وما بعده مدرج من الراوي: قيل من سعد، وقد جاء مفسراً في بعض الروايات، وقيل: أكثر ما جاء من كلام الزهري. واختلف في قصة سعد بن خولة: فقيل: لم يهاجر من مكة حتى مات بها، وقيل: إنه هاجر، وشهد بدراً، ثم انصرف إلى مكة، ومات بها، وقيل: هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدراً، وغيرها، وتوفي بمكة في حجة الوداع سنة عشر، وقيل: توفي بمكة سنة سبع في الهدنة، خرج مختاراً من المدينة إلى مكة. فعلى القول الأول سبب بؤسه عدم هجرته، وعلى الثاني والأخير سبب بؤسه سقوط هجرته لرجوعه مختاراً وموته بها، وعلى القول الثالث سبب بؤسه موته بمكة على أي حال کان وإن لم يكن باختياره لما فاته من الأجر الكامل بالموت في دار هجرته، والغربة عن وطنه الذي هجره لله ٧٢ كتاب : دليل الفالحين مَاتَ بِمَكَّةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ صَخْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَامِكُمْ ولا إلى. تعالى. ذكره المصنف في شرح مسلم (متفق عليه) ورواه مالك في الموطأ، وأبو داود، والترمذي، والنسائي كذا في جامع الأصول لابن الأثير. - (وعن أبي هريرة) جره بالكسرة، هو الأصل، وصوبه جماعة لأنه جزء علم واختار ٧ آخرون منع صرفه، كما هو شائع على ألسنة العلماء من المحدثين، وغيرهم: لأن الكل صار كالكلمة الواحدة، واعترض بأنه يلزم عليه رعاية الأصل والحال معاً في كلمة واحدة، بل في لفظ هريرة إذا وقعت فاعلاً مثلاً: فإنها تعرب إعراب المضاف إليه نظراً للأصل، وتمنع من الصرف نظراً للحال، ونظيره حفيّ، وأجيب بأن الممتنع رعايتهما من جهة واحدة، لا من جهتين كما هنا، وكأن الحامل عليه الخفة واشتهار هذه الكنية، حتى نسي الاسم الأصلي بحيث اختلفوا فيه. وفي اسم أبيه على خمسة وثلاثين قولاً، أصحها عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه. وسبب تكنيته بذلك. ما رواه ابن عبد البر عنه أنه قال: ((كنت أحمل يوماً هرة في كمي فرآني النبي # فقال: ما هذه، فقلت: هرة. فقال: يا أبا هريرة)) وفي رواية إسحاق: ((وجدت هرة حملتها في كمي فقيل لي: ما هذه، فقلت: هرة فقيل: أنت أبو هريرة)) ورجح بعضهم الأول، وقيل غير ذلك. أسلم عام خيبر وشهدها مع رسول الله وَّر، ثم لازمه الملازمة التامة رغبة في العلم راضياً بشبع بطنه، وكان يدور معه حيثما دار، ومن ثم كان أحفظ الصحابة، وقد شهد له وسلم أنه حريص على العلم والحديث. يروي عنه كما قال البخاري أكثر من ثمانمائة ما بين صحابي، وتابعي، وله خمسة آلاف حديث، وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثاً، اتفقا منها على ثلاثمائة، وانفرد البخاري بثلاثة وسبعين، وكان ملازماً لسكنى المدينة وبها توفي في سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين عن ثمان وسبعين سنة ودفن بالبقيع. وما اشتهر أن قبره بقرب عسقلان، لا أصل له، إنما ذاك صحابي اسمه حيدرة (قال: قال رسول الله وَله: إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: رثاء النبي ◌َّ ه سعد بن خولة وفي الوصايا باب: أن يترك ورثته أغنياء. (١٣٢/٣). وأخرجه مسلم في كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث (الحديث: ٥). ٧٣ ١ - باب: في الإِخلاص وإحضار النية صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ٨ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ قَيْسٍ صوركم) أي: لا يثيبكم عليها، ولا يقربكم منه ذلك كما قال تعالى: ﴿وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحاً﴾(٢) الآية. فمعنى نظر الله هنا مجازاته، وإثابته، وهذا بعينه يأتي في قوله تعالى: ﴿ولا ينظر إليهم﴾(٣) وإلا فنظره تعالى الذي هو رؤيته للموجودات واطلاعه عليها لا يخص موجوداً دون موجود، بل يعم جميع الأشياء، إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء. والحاصل أن الإِثابة، والتقريب ليسا باعتبار الأعمال الظاهرة وإنما هي باعتبار ما في القلب كما قال: (وإنما ينظر إلى قلوبكم) وفي الحديث الاعتناء بحال القلب، وصفاته بتحقيق علومه، وتصحيح مقاصده، وعزومه، وتطهيره عن كل وصف مذموم، وتحليته بكل نعت محمود، فإنه لما كان القلب محل نظر الرب حق على العالم بقدر اطلاع الله تعالى على قلبه أن يفتش عن صفات قلبه، وأحواله لا مكان أن يكون فيه وصف مذموم يمقته الله بسببه. وفيه أن الاعتناء بإصلاح القلب، وبصفاته مقدم على عمل الجوارح: لأن عمل القلب هو المصحح للأعمال الشرعية. إذ لا يصح عمل شرعي إلا من مؤمن عالم بمن كلفه، مخلص له فيما يعمله، ثم لا يكمل إلا بمراقبته تعالى فيه المعبر عنها بالإِحسان، وحيث كان عمل القلب مصححاً للعمل الظاهر، وعمل القلب غيب عنا، فلا يقطع لذي عمل صالح بالخير: فلعل الله تعالى يعلم من قلبه وصفاً مذموماً لا يصح معه ذلك العمل، ولا لذي معصية بالشر: فلعله سبحانه يعلم من قلبه وصفاً محموداً يغفر له بسببه، والأعمال أمارات ظنية، لا أدلة قطعية، ويترتب على ذلك عدم الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالاً صالحة، وعدم الاحتقار لمسلم رأينا عليه أفعالاً سيئة، بل تحتقر تلك الحالة السيئة لا تلك الذات المسيئة فتدبر هذا فإنه نظر دقيق. لخص من المفهم للقرطبي (رواه مسلم) وابن ماجه أيضاً. ٨ - (وعن أبي موسى عبد الله) بالجر عطف بيان، أو بدل من أبي موسى (بن قيس) (١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله. (الحديث: ٣٣ و٣٤) (٢) سورة سبأ، الآية: ٣٧. (٣) سورة آل عمران، الآية: ٧٧ . ٧٤ كتاب : دليل الفالحين الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِنَّهَ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً أَيُّ ذلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (( مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). بفتح القاف، وسكون التحتية آخره مهملة (الأشعري) نسبة إلى الأشعر قبيلة مشهورة باليمن. والأشعر هو مرة بن أدد بن زيد بن يشخب. وإنما قيل له: الأشعر لأن أمه ولدته والشعر على بدنه كذا في لب الباب. قدم أبو موسى (رضي الله عنه) مكة على النبي ◌ّ قبل الهجرة، فأسلم ثم هاجر، وقدم المدينة مع جعفر وأصحاب السفينة بعد خيبر، وأسهم لهم ي منها كمن حضرها، وقال: لكم أهل السفينة هجرتان، وكان لأبي موسى ثلاث هجر: إلى مكة، ثم إلى الحبشة، ثم إلى المدينة. ولاه وَّل على زبيد، وعدن، وساحل اليمن، وكان ◌َّلل يكرمه ويبجله، وقال له: ((لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)) وولاه الولايات، وقد ذكرت جملة من أحواله في باب فضل الذكر من شرح الأذكار. روي له عن رسول الله * ثلاثمائة وستون حديثاً، اتفقا منها على تسعة وأربعين حديثاً، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة عشر. توفي بمكة وقيل بالكوفة سنة اثنتين أو أربع وأربعين عن ستين سنة (قال: سئل) بالبناء للمجهول، والسائل هو لاحق بن ضمرة الباهلي كما في تحفة القاري (رسول الله يل عن الرجل يقاتل) في محل الصفة، أو الحال من الرجل: لأن أل فيه جنسية، فهو نظير قوله تعالى: ﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾(٢) وقال الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت لا يعنيني (شجاعة) هي الإقدام على العدو عن روية قال الشاعر: (١) أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: من سأل وهو قائم عالماً جالساً (١٩٧/١) و(٢١/٦ و٢٢). وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، (الحديث: ١٥٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، (الحديث: ١٤٩). (٢) سورة يس، الآية: ٣٧ ٧٥ ١ - باب: في الإخلاص وإحضار النية ٥ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ نُفَيِعِ بْنِ الحَارِثِ الثَّقَفيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ قال: إِذَا الْتَّقَى هو أول وهي المحل الثاني الرأي قبل شجاعة الشجعان (و) سئل عن الرجل (يقاتل حمية) بتشديد التحتية أي: أنفة وغيرة، ومحاماة عن عشيرته (و) سئل عن الرجل (يقاتل رياء) أي: ليرى الناس قتاله، ومثله القتال سمعة أي: ليسمع الناس. وقوله: ((شجاعة)) بالنصب، وكذا المذكورات في الجمل المعطوفة بعده وقد جاء في رواية ((سئل عن الرجل يقاتل للذكر)) الحديث أي لأن يذكر بالشجاعة أي ملاحظة النظر الخلق ليمدحوه، ويقبلوا عليه فشجاعة وكذا المنصوبات في الجمل المعطوفة بعده مفعول له (أي ذلك) بالرفع مبتدأ، وهو اسم استفهام وخبره (في سبيل الله) أي: كائن في طاعته (فقال رسول الله ومله: من قاتل لتكون كلمة الله) أي: دين الإِسلام، فإن الإِسلام ظهر بكلام الله الذي أظهره على لسان رسوله #، وقيل المراد من كلمة الله دعوته إلى الإِسلام (هي العليا فهو في سبيل الله) يدخل في الحديث من قاتل لطلب ثواب الآخرة، أو رضى الله لأنه من إعلاء كلمة الله. وحاصل الجواب إن القتال في سبيل الله قتال منشؤه القوة العقلية، لا القوة الغضبية، أو الشهوانية. قال المصنف في الحديث بيان إن الأعمال إنما تحسب بالنيات الصالحة، وإن الفضل الوارد في المجاهدين يختص بمن قاتل لإعلاء كلمة الله (متفق عليه) ورواه أبو داود والنسائي، والترمذي - (وعن أبي بكرة) بسكون الكاف، كني بذلك لأنه تُدلى ببكرة من حصن الطائف إلى النبي - لما حاصر الطائف ثالث ثلاثة وعشرين من عبيد أهل الطائف (نفيع) بضم النون، وفتح الفاء، وسكون التحتية آخره مهملة، عطف بيان، أو بدل من أبي بكرة، وقيل اسمه مسروح بمهملات. وقيل اسم أبيه ذلك (بن الحارث) بن كلدة بفتحتين (الثقفي) نسبة لثقيف بوزن رغيف كان أبو بكرة (رضي الله عنه) من ذوي المزايا من أصحاب رسول الله وله نزل البصرة وشهد وقعة الجمل، ولم يقاتل فيها، واجتنب حروب الصحابة، روي له عن رسول الله الله مائة واثنان وثلاثون حديثا، اتفقا على ثمانية منها، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بواحد. توفي بالبصرة سنة إحدى أو اثنتين وخمسين (إن النبي ◌َّ قال: إذا التقى ٧٦ كتاب: دليل الفالحين الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النّارِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلِ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: ((إِنَّه كَانَ حَرِيصَاً عَلَى قَتْلِ صَاحِبِه)) مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(١). ١٠ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قَالَ رسولُ اللَّهِوَهِ: ((صَلَةُ الرَّجُلِ جَمَاعَةً تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِى سُوقِهِ وَبَيْتِهِ المسلمان بسيفيهما) قاصداً كل منهما إتلاف صاحبه (فالقاتل) بسبب مباشرته قتل صاحبه (والمقتول) لحرصه على ذلك كائنان (في النار) أي: إن لم يعف اللّه عنهما (قلت: يا رسول الله هذا القاتل) أي: حكمة دخوله النار إن لم يعف الله عنه ظاهرة لأنه ظلم أخاه، (فما بال المقتول) المظلوم (قال إنه) أي: المقتول (كان) عاصياً لأنه كان (حريصاً على قتل صاحبه) ففي الحديث العقاب على من عزم على المعصية بقلبه، ووطن نفسه عليها، ويحمل ما جاء في الأحاديث من العفو عن الخواطر على غير ذلك بأن مر ذلك بفكره من غير استقرار، ويسمى هماً، ثم المعصية التي عزم عليها كما ذكر تكتب سيئة، ويؤآخذ بها إن لم يعملها فإن عملها، كتبت معصية ثانية، وإن تركها خوفاً من الله تعالى كتبت حسنة، وتمسك أبو بكرة بهذا الحديث في ترك القتال في الفتنة حتى نقل عنه أنه قال: لو دخل عليّ أحد حتى يقتلني لم أمنعه (متفق عليه) قال في الجامع الصغير: ورواه أحمد، وأبو داود والنسائي، عن أبي بكرة ورواه ابن ماجه عن أبي موسى . ١٠ - (وعن أبي هريرة) سبقت ترجمته (رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَليل: صلاة الرجل جماعة) أي: في المسجد (تزيد على صلاته) أي: الرجل (في سوقه) سميت بذلك لأن الناس يسوقون إليها بضائعهم، أو لأنهم يقفون فيها على ساق (و) تزيد على صلاته في (بيته) جماعة كانت، أو فرادى. صرح به الحافظ في الفتح، لكن قال المصنف: الصواب أن المراد منه صلاته في بيته وسوقه منفرداً، وقيل فيه غير هذا وهو قول باطل اهـ. وقال الحافظ: مقتضى الحديث أن الصلاة في المسجد جماعة تزيد على الصلاة في البيت جماعة وفرادى. قال ابن دقيق العيد: والذي يظهر لي أن المراد بمقابل الجماعة في المسجد، الصلاة في غيره منفرداً، لكنه خرج مخرج الغالب في أن من لم يحضر الجماعة (١) أخرجه البخاري في كتاب: الديات، باب: سؤال القاتل حتى يقر والإِقرار في الحديث ١٢ / ١٧٣ . وأخرجه مسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: إذا تواجه المسلمان بسيفهما (الحديث: ١٤). ٧٧ ١ - باب: في الإِخلاص وإحضار النية بِضْعاً وَعِشْرِينَ دَرَجَةً؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لَا يُرِيدُ إلّ الصَّلَةَ لَا يَنْهَزُهُ إلّ الصَّلاَةَ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةٌ في المسجد صلى منفرداً. قال: وبهذا يرتفع إشكال من استشكل تسوية الصلاة في البيت والسوق، اهـ (١). ولا يلزم من حمل الحديث على ظاهره، التسوية المذكورة: إذ لا يلزم من استوائهما في المفضولية عن المسجد ألا يكون أحدهما أفضل من الآخر وكذا لا يلزم منه أن تكون الصلاة جماعة في البيت، والسوق لا فضل فيها على الصلاة منفرداً بل الظاهر أن التضعيف المذكور يختص بالجماعة في المسجد، والصلاة في البيت مطلقاً أولى منها في السوق كذلك: لما ورد من كون الأسواق محلًا للشياطين والصلاة جماعة في السوق، والبيت أفضل من الانفراد (بضعاً) بكسر الباء وفتحها، وهو من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: من ثلاث إلى تسع، وقيل غير ذلك، والصحيح الأول. والمراد منه خمس، أو ست، أو سبع كما جاء مبيناً في روايات في الصحيح (وعشرين درجة) أي: يزيد ثواب الصلاة في الجماعة في المسجد على الصلاة في البيت والسوق هذا القدر، فيحصل له بالصلاة في المسجد ثواب أزيد من ثواب ما لو صلى تلك الصلاة بعينها منفرداً فيها بضعاً وعشرين درجة، كما ذكره ابن دقيق العيد وغيره. قال ابن الأثير: إنما قال درجة لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع وإن تلك فوق هذه بكذا درجة لأن الدرجات إلى جهة فوق (وذلك) إشارة إلى أن الأمور المذكورة بعد علة التضعيف، والتقدير ((وذلك لأنه)) فكأنه يقول سبب التضعيف المذكور (أن أحدهم) أي: الواحد من الرجال المدلول عليه بلفظ الرجل فأل فيه استغراقية (إذا توضأ فأحسن الوضوء) بضم الواو أي: أسبغه وأتى بسننه وآدابه (ثم أتى المسجد) حال كونه (لا يريد) من إتيانه إياه (إلا الصلاة) أي: ثواب الصلاة في جماعة، فأل فيه عهدية، وأوقع الفعل على الصلاة لأنها سبب، وليس مفهوم ((ثم)) وهو المهلة، والتراخي مراداً بل المبادرة أولى لقوله تعالى: ﴿أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾(٢). وفي الحديث إشارة إلى اعتبار الإِخلاص (لا ينهزه إلا الصلاة) هو بمعنى ما قبله (لم يخط) بفتح التحتية وضم الطاء المهملة (خطوة) قال الحافظ في الفتح: ضبطناه بضم أوله، (١) أي انتهى كلام ابن دقيق العيد، وقوله: ((ولا يلزم الخ)) بقية كلام الحافظ يريد بذلك أن الإِشكال مرتفع ولو أبقى الكلام على ظاهره راجع وتأمل. ش. (٢) سورة المؤمنون، الآية: ٦١ . ٧٨ كتاب : دليل الفالحين إِلَّ رُفِعَ بِهَا دَرَجَةً وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً حَتَّى يَدْخُلَ - الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي الصَّلَةِ مَا كَانَتِ الصَّلَةُ هِيَ تَحْبِسُهُ، وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الّذي صَلَّى فِيهِ يَقُولُونَ: اللّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، ويجوز الفتح. قال الجوهري: الخطوة بالضم ما بين القدمين، وبالفتح المرة الواحدة. وجزم اليعمري إنها هنا بالفتح، وقال القرطبي: إنها في رواية مسلم بالضم (إلا رفع) بالبناء المجهول، ونائب الفاعل ضمير يعود إلى الرجل (بها) أي: بسببها و (درجة) منصوب على الظرفية، والدرجة بفتح الدال المرتبة، والمنزلة ثم يحتمل أن تكون حسية في الجنة، وأن تكون معنوية بمعنى ارتفاع رتبته (وحط) أي: وضع (عنه) أي: عن الرجل المذكور بأن يمحي من صحيفته (بها) أي: بسببها (خطيئة) أي: ذنب (حتى) غاية لما قبله أي: إلى أن (يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد) منتظراً للصلاة. بالنصب على الظرفية على سبيل التوسع، وإلا فحقه ألا ينصب عليها: لأنه اسم مكان مختص (كان) الرجل (في الصلاة) أي: في ثوابها. وهذا مجاز فإن الصلاة، أو ثوابها ليس ظرفاً (ما كانت الصلاة تحبيسه) ((ما)) فيه مصدرية ظرفية ثم محله ما لم يصرف جلوسه في مصلاه لغرض آخر، وهل يحصل الثواب المذكور لمن نوى إيقاع الصلاة في المسجد جماعة، وإن لم يوقعها فيه أم لا؟ قال القلقشندي: الظاهر الثاني، وقضية ما تقدم في حديث المتخلفين عن تبوك من المعذورين من قول القرطبي إنهم يثابون كالمباشر لصدق نيتهم أن يحصل له الثواب عند صدق النية (والملائكة) قيل: هم أجسام نورانية لطيفة قادرة على التشكل وقيل غير ذلك. وهل هي متحيزة، أو لا، وهل يستقل العقل بمعرفتها، أو لا؟ فيه خلاف تحقيقه في علم الكلام (يصلون على أحدكم) أي: يدعون له. وقابل صلاة الجماعة بصلاة الملائكة، ليتناسب العمل، والثواب. وهؤلاء الملائكة يجوز أن يكونوا الحفظة، ويجوز أن يكونوا غيرهم (ما) مصدرية ظرفية أيضاً (دام في مجلسه) أي: مدة دوام كونه في مجلسه (الذي صلى فيه) أي: صلاة تامة كما قال ابن أبي جمرة. قال القلقشندي: والمراد ما دام فيه ينتظر الصلاة، وقد ورد كذلك صريحاً عند مسلم، ومقتضى هذا أنه إذا انصرف عن مصلاه إلى موضع آخر في المسجد، أو غيره، وهو ينتظر الصلاة أنه ينقطع ذلك، وليس مراداً كما نبّه عليه الحافظ في الفتح، فقال الباجي: المنتظر في غير مصلاه من المسجد، يكون في صلاة كالمنتظر في مصلاه، غير أن المنتظر في مصلاه يختص بصلاة الملائكة عليه (يقولون) بيان ليصلون (اللهم ارحمه اللهم اغفر له اللهم تب عليه) فعلم أن المراد بصلاتهم الدعاء، لا الاستغفار ٧٩ ١ - باب: في الإخلاص وإحضار النية اللّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ قَوْلُهُ وَّةٍ: ((يَنْهَزُ)) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ والهَاءِ وبالزّاي: أَيْ يُخْرِجُهُ وَيُنْهِضُهُ(١) ١١ - وَعَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فقط. واستدل بالحديث على أفضلية الصلاة على غيرها من الأعمال كما ذكر من دعاء الملائكة للمصلي، وعلى تفضيل صالحي الناس على الملائكة لأنهم يكونون في تحصيل الدرجات بعبادتهم، والملائكة مشغولون بالاستغفار والدعاء لهم (ما لم يؤذ فيه ما لم يحدث فيه(٢١) بسكون المهملة كما قاله الداودي. قال: وضبطها بعضهم بفتحها، وأراد بغير ذكر الله. قيل: والمراد بالحدث في الحديث الذي ذكره البخاري، الريح كما فسره أبو هريرة راوي الحديث، وقيل: المراد أعم من ذلك ويؤيده رواية مسلم هذه الجامعة بين الأذى، والحدث إن لم يكن الثاني تفسيراً للأول، فإن كان تفسيراً له، يؤخذ منه أن اجتناب حدث اللسان واليد من باب أولى فيهما، ويؤخذ منه أن الحدث يقطع ذلك، ولو استمر جالساً في مصلاه، وتأول أكثر العلماء الأذى بالغيبة، والضرب، فإن ذلك أعظم من أذى الحدث (متفق عليه وهذا لفظ مسلم) ورواه مالك، وأحمد، وأبو داود، والترمذي والنسائي مقطعاً، وكذا ابن ماجه والإِسماعيلي وأبو عوانة، وابن الجارود مختصراً البرقاني وأبو نعيم والبيهقي، وغيرهم، كذا في شرح عمدة الأحكام للقلقشندي (قوله (*) كما في نسخة (ينهزه: هو بفتح الياء والهاء) وحكي ضم الياء، وكسر الهاء (وبالزاي أي يخرجه وينهضه) وفي النهاية النهر الدفع يقال: نهزت الرجل، أنهزه أي: إذا دفعته، ونهز رأسه، إذا حركه. ١١ - (وعن أبي العباس عبد الله بن عباس) عم رسول الله وَّد (بن عبد المطلب رضي الله عنهما) ولد قبل الهجرة بثلاث سنين بالشعب، وبنو هاشم محصورون فيه قبل خروجهم منه (١) أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في مسجد السوق وفي كتاب الأذان: (باب فضل صلاة الجماعة) (٢٨٥/٤). وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة (الحديث: ٢٧٢) (٢) قوله: ((ما لم يؤذ الخ)) شرط للأمرين المذكورين وهما كونه في صلاة وكون الملائكة يصلون عليه وفي صحيح البخاري ((ما لم يؤذ بحدث)) قال الكرماني قوله ((ما لم يؤذ)) أي: الملائكة بالحدث ولفظ يحدث من باب الأفعال مجزوم بأنه بدل يؤذ أو مرفوع بأنه استئناف. وفي بعضها ((بحدث)) بلفظ الجار والمجرور متعلقاً بيؤذ. وفي بعضها (ما لم يحدث)) بطرح لفظ يؤذ من باب الأفعال أي ما لم ينقض الوضوء ومن باب التفعيل أي ما لم يتكلم بكلام الدنيا. ش. ٨٠ كتاب : دليل الفالحين عَنَ رَسُولِ اللّهِ ﴿ل فِيْمَا يَرْوِي عَنْ رَبِهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ تَعالَى كَتَبَ بيسير. وتوفي رسول الله وَلاير، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل ابن خمس عشرة، وقيل ابن عشر، ويؤيد الأول ما صح عنه من قوله في حجة الوداع: وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام. وصح أنه وَّير دعا له بقوله: ((اللهم فقهه في الدين وعلمه الحكمة والتأويل اللهم علمه تأويل القرآن. اللهم بارك فيه وانشر منه واجعله من عبادك الصالحين. اللهم زده علماً وفقهاً)) وثبت عنه أنه قال: ((رأيت جبريل مرتين)) وهذا سبب عماه في آخر عمره، وفضائله شهيرة، ومناقبه كثيرة. أوردت جملة صالحة منها في كتاب فضل زمزم. روي له ألف حديث وستمائة وستون حديثاً، اتفقا منها على خمسة وتسعين، وانفرد البخاري بثمانية وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين. مات بالطائف ودفن بها سنة ثمان وخمسين في خلافة ابن الزبير، وقيل سنة تسع، وصلى عليه محمد ابن الحنفية وقال: مات رباني هذه الأمة (عن رسول الله صلير فيما يرويه) أي: روي عن أبي العباس أنه روى عن النبي ◌ّ ما يأتي حال كونه مندرجاً في الأحاديث القدسية وهي التي يرويها (عن ربه، تبارك) قال البيضاوي: أي تكاثر خيره من البركة، وهي كثرة الخير، أو تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله: فإن البركة تتضمن معنى الزيادة، وقيل دام من بروك الطير على الماء، ومنه البركة لدوام الماء فيها، وهو لا يتصرف فيه، ولا يستعمل إلا لله تعالى اهـ. وعلى الثاني مما قاله فيكون قوله: (وتعالى) أي: تنزه عما لا يليق به، مما يقوله الجاحدون والمبطلون إطناباً. ثم هذه عبارة السلف في رواية الأحاديث القدسية، فلذا آثرها المصنف، ولهم في ذلك عبارة أخرى وهي أن يقال: قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول الله رار. والمعنى واحد، وقد ذكرت ما افترق فيه القرآن، والحديث القدسي في شرح الأذكار، وسيأتي بعضه في باب الصبر، وقيل ليس من الأحاديث القدسية بل المراد فيما يرويه عن فضل ربه، أو حكمه، أو نحو ذلك، وتعقب ذلك الجزم بأن كلا الأمرين محتمل، والأقرب إلى السياق وإلى اصطلاح السلف المذكور في رواية الأحاديث القدسية أنه منها، وقد جاء في بعض طرق الصحيحين ما يصرح بأنه منها وهو: يقول الله عز وجل: ((إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها، فاكتبوها عليه بمثلها، وإن تركها لأجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها، فاكتبوها له حسنة، وإذا عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة، فأنا أغفرها له ما لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها عليه بمثلها (قال) أي: النبي وَلَرَ، ويصح عوده إلى الله، وعليه فيكون من الإظهار في محل الإضمار قوله: (إن الله كتب