Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
٢٧٥ - باب: في تحريم الطعن في الأنساب
٢٧٥ - باب: في تحريم الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع
قال اللَّه تعالى(١): ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبوا فَقَدِ احْتَمَلُوا
بُهْتَاناً وإِثْماً مُبِيناً﴾
١٥٧٦ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: «اثْتَانِ فِي
النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرَ: الطِّعْنُ فِي النَّسَبِ، والنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢).
باب تحريم الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع
ولا نظر لطعن طاعن، فيما كان كذلك. (قال الله تعالى: والذين يؤذون المؤمنين
والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً) ولا شبهة في أن الطعن في
النسب، من أعظم أنواع الأذى فالآية تشمله شمولاً بيناً.
١٥٧٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صل﴿ اثنتان) مبتدأ، وساغ الابتداء
به لوصفه بقوله (في الناس هما) أي: الثنتان، وهو مبتدأ ثان (بهم) أي: فيهم (كفر) أي: إن
استحلا مع العلم بالتحريم. والإِجماع عليه (الطعن في النسب والنياحة) بكسر النون وتخفيف
التحتية، رفع الصوت بالبكاء (على الميت رواه مسلم) في كتاب الإِيمان. قال المصنف في
شرحه، فيه أقوال أصحها: أن معناها أنهما من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية، والثاني: أنه
يؤدي إلى الكفر، والثالث: أنه كفر النعمة والإِحسان، والرابع: أنه في المستحل. وفي
الحديث تغليظ تحريم النياحة والطعن في النسب، وقد جاء في كل واحد منهما نصوص
معروفة .
باب النهي عن الغش
بكسر الغين أي: ترك النصيحة والتزيين لغير المصلحة (والخداع) بكسر الخــ
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٥٨
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة (الحديث: ١٢١)

٤٢٢
١٦ -كتاب: الأمور المنهي عنها
٢٧٦ - باب: في النهي عن الغش والخداع
قال الله تعالى (١): ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا
بُهْتَاناً وإِثْماً مُبِيناً﴾.
١٥٧٧ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ قَالَ: ((مَنْ حَمْلَ
عَلَيْنا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، ومَنْ غَشِّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)) رواهُ مُسْلِمٌ. وفي رِوايَةٍ لَّهُ أنَّ
المعجمة مصدر خادعه. وفي القاموس: خدعه كمنعه خدعاً، ويكسر ختله، وأراد به
المكروه، من حيث لا يعلم والاسم الخديعة. (قال الله تعالى: والذين يؤذون المؤمنين
والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً) ومن أشد الإِيذاء الغش، لما فيه
من تزيين غير المصلحة، والخديعة لما فيها من إيصال الشر إليه من غير علمه.
١٥٧٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ومصير قال من حمل علينا السلاح) كناية
عن البغي، والخروج عن جماعة المسلمين وبيعتهم (فليس منا) أي: على هدينا ومن أهل
طريقتنا، وإلا فذلك لا يخرج عن الإِسلام، عن أهل الحق (ومن غشنا فليس منا) ومن الغش
خلط الجيد بالرديء، ومزج اللبن بالماء، وترويج النقد الزغل (رواه مسلم) وكذا رواه ابن
ماجه بجملته، وروى الجملة الأولى من الحديث مالك والشيخان والنسائي والحاكم في
المستدرك، من حديث ابن عمر، والأخيرة الترمذي من حديث أبي هريرة، ولكن قال:
((غش)) بلا ضمير. ورواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن مسعود بلفظ ((غشنا))
وزاد في آخره ((والمكر والخداع في النار)) كذا في الجامع الصغير. وفي الجامع الكبير روى
البخاري من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((من حمل علينا السلاح فليس منا
ولا راصد بطريق)). وقال في حديث: ((من حمل علينا السلاح فليس منا)) زيادة في مخرجيه
على من ذكر في الجامع الصغير. ورواه أبو داود والطيالسي وعبد بن حميد عن ابن عمر رواه
الشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي موسى، ورواه ابن نافع والطبراني عن سلمة بن
الأكوع والطبراني عن ابن الزبير (وفي رواية له) أي: مسلم (أن رسول الله وَالز مر على صبرة
طعام) بضم الصاد المهملة وسكون الموحدة، جمع صبر، كغرفة وغرف. وعن أبي زيد
اشتريت الشيء صبرة أي: بلا كيل ولا وزن. قال في المصباح نقلاً عن التهذيب للأزهري :
إذا أطلق أهل الحجاز لفظ الطعام، عنوا به البر خاصة. وفي العرف اسم لما يؤكل،
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٥٨

٤٢٣
٢٧٦ - باب: في النهي عن الغش والخداع
رسُولَ اللَّهِ وَهِ مَرَّ عَلى صُبْرَةٍ طَعامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيها فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقالَ:
(مَا هَذَا يا صَاحِبَ الطَّعامِ؟)) قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّماءُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((أَفَلَا جَعَلْتَهُ
فَوْقَ الطَّعامِ حَتَّى يَراهُ النَّاسُ! مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)(١).
١٥٧٨ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ :﴿ قَالَ: ((لا تَنَاجَشُوا)» مُتْفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
١٥٧٩ - وعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النّبِيِّ : ﴿ نَهى عَنِ النَّجَشِ
كالشراب لما يشرب (فأدخل يده فيها فنالت) أي: أصابت (أصابعه بللاً) مستوراً بالطعام
اليابس (فقال ما هذا) أي: البلل المنبىء غالباً عن الغش. (يا صاحب الطعام) يحتمل أن
ترك نداءه باسمه، لعدم العلم به؛ أو أنه للتسجيل عليه، بإضافته إلى ما غش به زيادة في
زجره وتنكيله (قال أصابته السماء) أي: المطر لأنه ينزل منها، فهو من مجاز التعبير، بالمحل
عن الحال فيه وقوله: (يا رسول الله) أتى به تيمناً وتلذذاً به (قال) أسترت ما ابتل غشاً (أفلا
جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس) فتسلم من الغش الذي هو أقبح الأوصاف، القاطعة
لرحم الإِسلام، الموجبة لكون المسلم للمسلم، كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ومن قطع رحم
الإِسلام خشي عليه الخروج من عدادهم، كما ينشأ عن ذلك ما هو مقرر في شرعنا (من
غشنا فليس منا) المراد بالغش هنا، كتم عيب المبيع أو الثمن، والمراد بعيبه هنا: كل وصف
يعلم من حال آخذه، أنه لو اطلع عليه لم يأخذه بذلك الثمن، الذي يريد بدله فيه.
١٥٧٨ - (وعنه) رضي الله عنه (أن رسول الله وَ لقل قال لا تناجشوا) الأولى ولا تناجشوا،
ليعلم أنه بعض من حديث (متفق عليه) تقدم قريباً.
١٥٧٩ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله وَ لقر نهى عن النجش) بفتح فسكون
أو بفتحتين، في المصباح نجش الرجل نجشاً، من باب قتل، إذا زاد في سلعته أكثر من
ثمنها، وليس قصده أن يشتريها، بل يغر غيره فيوقعه فيها، وكذا في النكاح. وغيره النجش
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: قول النبي ◌َّ﴾ ((من غشنا فليس منا))، (الحديث: ١٦٤).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: أبواب متفرقة كالنكاح والوصايا والإكراه والمظالم (٤٠٤/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه وسومه ... (الحديث: ١١).
رم

٤٢٤
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
مُتْفَقٌ عَلَيْهِ(١).
١٥٨٠ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ لرسُولِ اللَّهِ :﴿ أَنَّهُ يُخْدَعُ في
الْبُيوعِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((مَنْ بايَعْتَ فَقُلْ لا خِلاَبَةَ)) مُتَفَقَّ عَلَيْهِ. و((الْخِلَابَةُ))
بخاءٍ معجمَةٍ مَكْسورةٍ وباءٍ مُوحِّدَةٍ وهِيَ : الْخَديعَةُ(٢).
١٥٨١ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: ((مَنْ خَبَّبَ
زَوْجَةَ امْرِئٍ أَوْ مَمْلوکَهُ فَلَيْسَ مِنَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. ((خَبَّبَ» بخاءٍ معجمةٍ ثُمَّباءٍ
بفتحتين، وأصل النجش الاستتار، لأنه يستر قصده؛ (متفق عليه) ورواه النسائي وابن ماجه .
١٥٨٠ - (وعنه قال ذكر رجل) وهو حبان بفتح الحاء ابن منقذ (لرسول الله و قر أنه يخدع)
بصيغة المجهول أي: يغبن (في البيوع) أي: يغلب فيها لعدم فطانته للدسائس فيها (فقال
رسول الله ◌َ ل: من بايعت فقل لا خلابة. متفق عليه) قال في الوشيح: زاد الدارقطني
والبيهقي ((ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال فإن رضيتها فأمسك)). فبقي حتى
أدرك زمن عثمان، فكان إذا اشترى شيئاً فقيل له إنك غبنت فيه، رجع فيشهد له الرجل من
الصحابة، أن النبي ( قد جعله بالخيار ثلاثاً، فيرد له دراهمه اهـ. (والخلابة بخاء
مكسورة وبالموحدة) حقيقة اسم مصدر، من خلب من باب قتل وضرب إذا خدعه، ولذا
قال المصنف إنها (الخديعة)
١٥٨١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صل: من خبب زوجة امرىء)
أفسدها عليه، أو أوقع بينهما الشقاق والتنافر، فحملها على الخروج عن طاعته (أو مملوكه)
ذكراً كان أو أنثى (فليس منا) أي: على هدينا، لأن شأن المؤمن التعاون والتناصر؛ وهذا
بخلافه (رواه أبو داود) ورواه أحمد والدارقطني من حديث أبي هريرة ((من خبب خادماً على
أهلها فليس منا، ومن أقسر امرأة على زوجها فليس منا)). ورواه الشيرازي في الألقاب من
حديث ابن عمر بلفظ ((من خبب عبداً على مولاه فليس منا)). كذا في الجامع الكبير (خبب
(١) أخرجه البخاري في كتاب: البيوع باب النجش (٢٩٨/٤)
وأخرجه مسلم في كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه ... (الحديث: ١٣).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: ما يكره من الخداع (٢٨٣/٤)
وأخرجه مسلم في كتاب: البيوع، باب: من يخدع في البيع، (الحديث: ٤٨).

٤٢٥
٢٧٧ - باب: في تحريم الغدر
مُؤَخَّدَةٍ مكرَّرَةٍ: أَيْ أَفْسَدَهُ وخَدعَهُ(١)
٢٧٧ - باب: في تحريم الغدر
قال الله تعالى (٢): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا أوْفُوا بِالْعُقودِ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿وَأَوْفُوا بِالعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤولاً﴾.
١٥٨٢ - وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَه
قَالَ: ((أَرْبَعْ مَنْ كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقاً خَالِصاً، ومَنْ كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَ فِيهِ
خَصْلَةٌ مِنَ النَّفاقِ حَتَّى يَدعَها: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ،
بخاء معجمة) مفتوحة (ثم باء موحدة مكررة) بصيغة المضعف (أي: أفسده وخدعه)
الأنسب حذف الضمير، لأنه لم يذكر مع الفعل مفعوله، إنما هو بصدد بيان معنى الفعل.
باب تحريم الغدر
بفتح المعجمة وسكون المهملة وبالراء. قال في المصباح: هو نقض العهد. (قال الله
تعالى: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) أي: العهود وهو ما عهد في القرآن كله (وقال
تعالى: وأوفوا بالعهد) الذي تعاهدون عليه، العقود التي تعاملونهم، أو بما عهد
إليكم الله من التكاليف (إن العهد كان مسؤولاً) عنه أو مطلوباً من المعاهد، ألا يضيعه،
وتقدم ذكر بعض فوائدها، في باب الوفاء بالعهد، وكذا تقدم فيه الكلام، على الحديث
بعده .
١٥٨٢ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله بصير قال: أربع)
أي: من الخصال (من کن فیه کان منافقاً) نفاق العمل (خالصاً) فیه وبما قدرناه، لا یشکل
بوجودها في بعض المؤمنين (ومن كانت فيه خصلة) بفتح المعجمة وسكون المهملة أي:
واحدة (منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها) والمراد من الحديث، الإِخبار بأن هذه
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: فيمن خبب مملوكاً على مولاه، (الحديث: ٥١٧٠).
(٢) سورة المائدة، الآية: ١
(٣) سورة الإِسراء، الآية: ٣٤.

٤٢٦
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
وإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
١٥٨٣ - وعَنِ ابنِ مَسْعودٍ وابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالوا: قَالَ
النَّبِيُّ ◌َ﴿: ((لِكُلٍ غَادِرٍ لِواءٌ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُقالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلانٍ)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ(٢).
١٥٨٤ - وعَنْ أَبي سَعيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ :﴿ قَالَ: ((لِكُلِّ
غَادِرٍ لِواءٌ عِنْدَ أُسْتِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرٍ غَدْرِهِ، أَلا ولا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْراً مِنْ
حقها أن تكون قائمة بالمنافق، كما هو شأنهم، فينبغي للمؤمن التباعد منها والتنزه عنها (إذا
ائتمن) بصيغة المجهول (خان) أي: في الأمانة (وإذا حدث كذب) أي: أخبر بما لا يطابق
الواقع (وإذا عاهد غدر) أي: نقض عهده (وإذا خاصم فجر) أي: دفع الحق ولم ينقد إليه،
وخرج عنه بالإِيمان الكاذبة، والقول الباطل (متفق عليه).
١٥٨٣ - (وعن ابن مسعود وابن عمر وأنس رضي الله عنهم قالوا قال النبي ◌َّل: لكل غادر
لواء يوم القيامة) ينشر زيادة في فضيحته، وشناعة أمره، وشهرته بذلك، في ذلك الملأ العام
(يقال هذه غدرة) بفتح المعجمة، المرة من الغدر (فلان، متفق عليه) ظاهر كلام المصنف
متفق عليه، عند كل من الثلاثة، لكن في الجامع الصغير أنه كذلك من حديث أنس، ولفظه
رواه أحمد والشيخان عن أنس وأحمد، ومسلم عن ابن مسعود، ومسلم عن ابن عمر.
١٥٨٤ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صل قال: لكل غاد لواء عند استه)
بوصل الهمزة وسكون المهملة بعدها فوقية أي : دبره (يوم القيامة يرفع له) في ذلك الموقف
(بقدر غدره) ليكون التشهير بقدر الجرم (ألا) بتخفيف اللام (ولا غادر أعظم غدراً من أمير
عامة) قال المصنف، قال: أهل اللغة: اللواء الراية العظيمة، لا يمسكها إلا صاحب جيش
الحرب، أو صاحب دعوة الجيش، ويكون الناس تبعاً له، قالوا فمعنى لكل غادر لواء أي :
علامة يشهر بها في الناس، لأن موضع اللواء الشهرة، وكانت العرب تنصب الألوية في
الأسواق، الحفلة لغدر الغادر، ليشتهر بذلك. وأما الغادر فهو الذي يعاهد، ولا يفي. يقال
غدر يغدر من باب ضرب. وفي هذه الأحاديث بيان غلظ تحريم الغدر، ولا سيما من
(١) سبق تخريجه أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، باب: علامات المنافق (٨٤/١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان خصال المنافق، (الحديث: ١٠٦).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: إثم الغادر (٤٦٤/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: تحريم الغدر، (الحديث: ٩ و١٣، و١٤ و١٥).

٤٢٧
٢٧٧ - باب: في تحريم الغدر
أَمِيرٍ عَامَّةٍ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
١٥٨٥ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النّبِيِّ :﴿ قَالَ: ((قَالَ اللَّهُ تَعالَى:
(ثَلاثَةُ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرَّا فَأَكَلَ
ثَمْنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» رَوَاهُ
صاحب الولاية العامة، لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير؛ وقيل لأنه غير مضطر إلى
الغدر، لقدرته على الوفاء. والمشهور أن هذا وارد في ذم الإِمام الغادر. وذكر القاضي فيه
احتمالين، وهذا أحدهما. والثاني: أن يكون لذم غدر الرعية بالإِمام، ولا يشقون عليه
العصا، ولا يتعرضون لما يخاف حصول فتنه بسببه. والأول هو الصحيح اهـ. وفي حمله
اللواء على الكناية عن الشهرة، صرف اللفظ عن ظاهره، بلا صارف والله أعلم (رواه
مسلم).
١٥٨٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وسلّ قال: قال الله تعالى ثلاثة) أي: من
الأوصاف، أو أوصاف ثلاثة (أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع
حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه، ولم يعطه أجره) قال الشيخ تقي الدين
السبكي: الحكمة في كون الله تعالى خصمهم، أنهم جنوا على حقه سبحانه وتعالى، فإن
الذي أعطي به ثم غدر، جنى على عهد الله بالخيانة والنقض وعدم الوفاء، ومن حق الله أن
يوفي بعهده. والذي باع حراً وأكل ثمنه جنى على حق الله، فإن حقه في الحر إقامته على
عبادته، التي خلق الجن والإِنس لها. قال الله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا
ليعبدون﴾(٢) فمن استرق حراً فقد عطل عليه العبادات المختصة بالأحرار، كالجمعة والحج
والجهاد والصدقة وغيرها، وكثير من النوافل المعارضة لخدمة السيد، فقد ناقض حكم الله
في الوجود، ومقصوده عن عباده، فلذا عظمت الجريمة، والرجل الذي استأجر أجيراً،
بمنزلة من استعبد الحر، وعطله عن كثير من نوافل العبادات، فشابه الذي باع حراً وأكل
ثمنه، فلذا عظم ذنبه اهـ. ملخصاً. وقال ابن بطال قوله: ((أعطى بي ثم غدر)) يريد نقض
العهد الذي عاهد الله عليه، وقوله: ((وأكل ثمنه)). انتفع به على أي وجه كان، وذكر الأكل
لأنه أخص المنافع؛ كما في قوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً﴾(٣) (رواه
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: تحريم الغدر، (الحديث: ١٦).
(٢) سورة الذاريات، الآية: ٥٦.
(٣) سورة النساء، الآية: ١٠.

٤٢٨
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
االْبُخَارِيُّ(١)
٢٧٨ - باب: في النهي عن المنِّ بالعطية ونحوها
قال اللَّه تعالى(٢): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا لا تُبْطِلوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنُّ والأُذَى﴾
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعونَ مَا أَنْفَقوا مُنَّاً
وَلاَ أَذَّى﴾ .
١٥٨٦ _ وعَنْ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ : ﴿ قَالَ: «ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ
يَوْمَ الْقِيامَةِ ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ولا يُزِكِيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) قَالَ: فَقْرَأَها رَسُولُ اللَّهِ إِل
ثَلاثَ مِرارٍ. قَالَ أَبُو فَرِّ خَابُوا وَخَسِروا! مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الْمُسْبِلُ،
البخاري).
باب النهي عن المن بالعطية
أي: ذكرها وتعدادها على المعطي (ونحوها) من سائر الخيرات المفعولة لله تعالى.
(قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم) أي: ثوابها (بالمن) تعداد النعمة
على المنعم عليه (والأذى) كالتعبير بالسؤال والحاجة (وقال تعالى: الذين ينفقون أموالهم
في سبيل الله) أي: في الجهاد أو في مطلق التقرب إليه سبحانه (ثم لا يتبعون ما أنفقوا
منا) على المنفق عليه، بقولهم مثلاً، قد أحسنت إليه وجبرت حاله (ولا أذى) له بذكر
ذلك إلى من لا يحب وقوفه عليه ونحوه .
١٥٨٦ - (وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي ◌َّر قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة)
كناية عن الغضب، أو لا يكلمهم بما يسرهم (ولا ينظر إليهم) نظر رحمة (ولا يزكيهم ولهم
عذاب أليم) تأكيد وهو مفعول مطلق (قال فقرأها رسول الله بَّر ثلاث مرار قال أبو ذر خابوا
وخسروا) من الخيبة، وهي الحرمان والخسارة من النعيم الأخروي (من هم يا رسول الله قال
المسبل) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الموحدة، أي: المرخي ثوبه خيلاء (والمنان)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: إثم من باع حراً (٣٤٦/٤، ٣٤٧).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٦٤.
(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٦٢.

٤٢٩
٢٧٩ - باب: في النهي عن الافتخار والبغي
والْمَنَّانُ، والْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكاذِبِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وفي رِوايَةٍ لَّهُ: ((الْمُسْبِلُ
إِزَارَهُ)) يَعْنِي: الْمُسْبِلُ إِزَارَهُ وَثَوْبَهُ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ لِلْخُيَلَاءِ(١).
٢٧٩ - باب: في النهي عن الافتخار والبغي
قال اللَّه تعالى(٢): ﴿فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ
بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
بتشديد النون الأولى والعدول إليه عن المانّ، إيماء إلى عدم دخول، من صدر منه المن مرة
مثلاً في ذلك الوعيد، وإن كان مطلقه منهياً عنه محرماً. (والمنفق) بصيغة الفاعل من الإِنفاق
(سلعته) بكسر المهملة الأولى أي: متاعه (بالحلف الكاذب) وجاء في الحديث عند
البخاري الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة (رواه مسلم) ورواه أحمد وأصحاب السنن
الأربعة (وفي رواية له المسبل إزاره) وذكر الإِزار لا للتخصيص به، بل لكون إسباله هو
الغالب، فإسبال غيره مثله، كما قال المصنف (يعني المسبل إزاره وثوبه أسفل من الكعبين
للخيلاء) أما إسبال ذلك، لا على وجه الخيلاء، فمكروه تنزيهاً.
باب النهي عن الافتخار والبغي
(قال الله تعالى: فلا تزكوا أنفسكم) أي: لا تمدحوها، ولا تنسبوها إلى الطهارة (هو
أعلم بمن اتقى) فربما تنسبون أحداً إلى التقوى، والله يعلم إنه ليس كذلك. ولذا ورد في
الحديث الصحيح: ((إن كان أحدكم مادحاً صاحبه لا محالة، فليقل حسب فلاناً والله
حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً أحسبه كذا وكذا)) إن كان يعلم ذلك. (وقال تعالى: إنما
السبيل) أي: بالمعاقبة (على الذين يظلمون الناس) لا على من انتصر بعد ظلامته
(ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك) أي: الظالمون الباغون (لهم عذاب أليم)
لظلمهم ويغيهم.
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان غلظ تحريم إسبال الإِزار ... (الحديث: ١٧١)
-----
(٢) سورة النجم، الآية: ٣٢.
(٣) سورة الشورى، الآية: ٤٢ .

٤٣٠
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
١٥٨٧ - وعَنْ عِياضِ بْنِ حِمارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: ((إِنَّ
اللَّهَ تَعالَى أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَواضَعوا حَتَّى لا يَبْغِي أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ، ولا يَفْخَرُ أَحَدٌ عَلى
أَحَدٍ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْبَغْيُ: التَّعَدِّي والاسْتِطَالَةُ(١).
١٥٨٨ _ وعَنْ أبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ :﴿ قَالَ: (إِذَا قَال الرَّجُلُ
هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. والرِّواية الْمَشْهورَةُ: ((أَهْلَكُهُمْ)) بِرفعِ الْكافِ
وُرُوِيَّ بِنَصْبِهَا.
وهَذَا النَّهْيُ لمَنْ قَالَ ذَلِكَ عَجَباً بِنَفْسِهِ، وتَصاغُراً لِلنَّاسِ وارْتِفاعاً عَلَيْهِمْ؛ فَهَذَا
١٥٨٧ - (وعن عياض) بكسر العين المهملة وتخفيف التحتية آخره ضاد معجمة (ابن
حمار) بكسر المهملة تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب التواضع (قال قال
رسول الله وَ﴾: إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا) ((أن)) مفسرة أو مصدرية، بتقدير الجار
قبلها، أي: أمرني وإياكم بالتواضع، والمبالغة فيه (حتى) غائية أو تعليلية (لا يبغي) بالنصب
أي يستطيل (أحد) لفضل فيه من علم أو جاه أو مال (على أحد) خلا عن ذلك (ولا يفخر)
بضم الخاء المعجمة، وبالنصب على ما قبله (أحد على أحد رواه مسلم) وأبو داود وابن
ماجه كلهم من حديث عياض (قال أهل اللغة البغي التعدي والاستطالة) قال في المصباح:
بغى على الناس بغياً، ظلم واعتدى، فهو باغ اهـ. وفي القاموس: بغى عليه يبغي بغياً علا
وظلم وعدل عن الحق، واستطال وكذب.
١٥٨٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول وَ الر قال: إذا قال الرجل) أي: إعجاباً
بنفسه، وازدراء بغيره (هلك الناس) وفي معناه فسدوا وفسقوا ونجو ذلك (فهو أهلكهم) أي:
أشدهم هلاكاً، لرضاه عن نفسه وبغيه على سائر الناس، (رواه مسلم، والرواية المشهورة
أهلكهم برفع الكاف) أفعل تفضيل كما شرحت عليه، ثم الأولى بضم الكاف أو برفع أهلك
(وروي بنصبها) أي: بفتحها لأن هذه فتحة بناء لقب الرفع، والنصب من ألقاب الإِعراب
(وهذا النهي) المتصيد عن الكلام المدلول عليه، بنسبة قائل ذلك إلى الهلاك (لمن قال
ذلك عجباً) بفتحتين أو بضم فسكون (بنفسه وتصاغراً للناس) أي: ازدراء بهم، مصدران
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة
وأهل النار (الحديث: ٦٤).

٤٣١
٢٧٩ - باب: في النهي عن الافتخار والبغي
هُوَ الْحَرامُ. وَأَمَّا مَنْ قَالَهُ لِمَا يَرى في النَّاسِ مِنْ نَقْصٍ في أمْرِ دِينِهِمْ، وَقَالَهُ تَحَزُّنَاْ
عَلَيْهِمْ وَعَلى الدِّينِ فَلا بَأْسَ بِهِ. هَكَذَا فَسَّرَهُ الْعُلَماءُ وفَصَّلُوهُ. ومِمِّنْ قَالَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ
الْأَعْلامِ: مَالِكُ بنُ أَنَسٍ والْخَطَّابِيُّ وَالْحُمَيْدِيُّ وَآخَرونَ. وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ في
كِتَابِ الْأَذْكَارِ(١).
منصوبان حالاً، وهما بمعنى الفاعل أو على بابهما، والنصب على أنه مفعول له (فهذا هو
الحرام) أي: فالقول بما ذكر، الصادر على ذلك هو الحرام المنهي عنه، بالجملة الخبرية،
لأنه أبلغ (وأما من قاله لما يرى في الناس من نقص في أمر دينهم، وقاله تحزناً عليهم وعلى
الدين فلا بأس به) بل إذا رجى أنه يحصل بقوله ذلك، إقبال على أمر الدين، وإعراض عن
الاخلال به (هكذا فسره العلماء وفصلوه وممن قاله من الأئمة الأعلام) جمع علم بفتحتين،
وهو في الأصل الجبل، وأريد به من هو في غاية الظهور، ففيه استعارة تصريحية، وعطف على
الأئمة عطف بيان. قوله بعد العطف (مالك بن أنس) إمام دار الهجرة (والخطابي) واسمه
حمد بصيغة المصدر نسبة إلى جده خطاب (والحميدي) بضم المهملة وفتح الميم وسكون
التحتية ثم دال مهملة، وهو ابن عبد الله الحميدي الأندلسي (وآخرون وقد أوضحته في
كتاب الأذكار) المسمى بحلية البررة. قال فيه: ويؤيد الرفع أنه جاء في رواية رويناها في
حلية الأولياء، في ترجمة سفيان الثوري، هو من أهلكهم. قال الإِمام الحافظ أبو عبد الله
الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الرواية الأولى: قال بعض رواته: لا أدري أهو
بالرفع أم بالنصب؟ قال الحميدي: الأظهر الرفع أي: هو الأشد هلاكاً للازدراء عليهم
والاحتقار لهم؛ وتفضيل نفسه عليهم، لأنه لا يدري سر الله تعالى في خلقه، هكذا كان
بعض علمائنا يقول، هذا كلام الحميدي والخطابي، معناه: لا يزال الرجل يعيب الناس،
ويذكر مساويهم، ويقول فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك، فإذا قاله كذلك، فهو أهلكهم أي :
أسوأ حالاً، فيما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب
بنفسه، ورؤيته أن له فضلاً عليهم، وأنه خير منهم فيهلك. هذا كلام الخطابي، فيما روينا
عنه في معالم السنن ورويناه في سنن أبي داود ومن طريق مالك، ثم قال: قال مالك إذا قال
ذلك تحزناً عليهم، لما يرى في الناس، يعني في أمر دينهم، فلا أرى به بأساً. وإذا قال ذلك
عجباً بنفسه، وتصاغراً للناس، فهو المكروه الذي نهي عنه. قلت: فهذا تفسير بإسنادٍ، في
(١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: النهي عن قول: هلك الناس (الحديث: ١٣٩).
gX

٤٣٢
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
٢٨٠ - باب: في تحريم الهجران بين المسلمين فوق ثلاثة أيام إلّ لبدعة
في المهجور، أو تظاهر بفسق أو نحو ذلك
قال اللَّه تعالى(١): ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾
وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ والْعُدْوانِ﴾.
١٥٨٩ - وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِله: ((لا تَقاطَعوا،
وَلاَ تَدَابِرُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحاسَدُوا، وَكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إِخْوانَاً، وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ
نهاية من الصحة، وهو أحسن ما قيل وأخير، لا سيما إذا كان عن الإِمام مالك اهـ.
باب تحریم الهجران
بكسر الهاء، هو كالهجر بالفتح، مصدر هجر الشيء: تركه ورفضه، كذا في
القاموس. وجعله في المصباح: اسم مصدر لهَجَره يهجره من باب قتل (بين المسلمين فوق
ثلاثة أيام) ظرفان في محل الصفة، أو الحال من الهجران، لكونه محلى بأل الجنسية؛ (إلا
لبدعة) بكسر الموحدة، اسم من الابتداع، كالرفعة من الارتفاع. قال في المصباح: غلب
استعمالها، فيما هو نقص في الدين، أو زيادة، لكن قد يكون بعضها غير مكروه، فيسمى
بدعة مباحة، وهو ما شهد لجنسه، أصل في الشرع، أو اقتضته مصلحة، يندفع بها مفسدة،
كاحتجاب الخليفة عن أخلاط الناس اهـ. وظاهر أن المراد هنا، البدعة المحرمة، كالرفض
والاعتزال ونحو ذلك (في المهجور أو تظاهر بفسق أو نحو ذلك) أما إذا كان مختفياً
بالمعصية، غير متجاهر بها، فلا ينبغي التجسس عنه والهجر، لما يقال من ذلك فيه (قال الله
تعالى: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) أي: والتقاطع والتهاجر، خلاف
مقتضى الأخوة. (وقال تعالى: ولا تعاونوا على الإِثم والعدوان) ومنه قطيعة المسلم
وهجرانه، بلا سبب شرعي. أما ما له سبب فلا، كما تقدم في هجر النبي ◌َّر والصحابة،
لكعب بن مالك وصاحبيه، لما تخلفوا عن تبوك.
١٥٨٩ - (وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله وشلجر: لا تقاطعوا ولا تدابروا
ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا) متواصلين متراحمين (ولا يحل) أي:
(١) سورة الحجرات، الآية: ١٠.
(٢) سورة المائدة، الآية: ٢ .

٤٣٣
٢٨٠ - باب: في تحريم الهجران بين المسلمين
أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
١٥٩٠ - وعَنْ أَبي أَيُوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: ((لا يَحِلُّ
لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ لَيالٍ : يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا ويُعْرِضُ هَذا؛
وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلامِ» مُتْفَقٌّ عَلَيْهِ(٢).
١٥٩١ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ: تُعْرَضُ
الْأَعْمالُ فى كلِّ اثْنَيْن .
لا يجوز (لمسلم) أي: ذي إسلام من ذكر أو غيره (أن يهجر أخاه) أي: يهجر مسلماً كذلك
(فوق ثلاث) والحديث تقدم مشروحاً مراراً (متفق عليه).
١٥٩٠ - (وعن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله و ﴿ قال: لا يحل لمسلم أن يهجر
أخاه) أي: المسلم، وفي التعبير بالإِخوة، إيماء إلى الحث على التواصل، والتحذير عن
التقاطع (فوق ثلاث ليال) أي: مع أيامها، بين التهاجر، بذكر بعض أفراده، بقوله: مستأنفاً
(يلتقيان فيعرض هذا) بضم التحتية أي: يجعل عرض بدنه لجهة صاحبه، معرضاً عنه بوجهه
(ويعرض هذا) أي: الآخر (وخيرهما) أي: أفضلهما (الذي يبدأ بالسلام) لما فيه من
السبق، وأداء ما عليه فعله لأخيه (متفق عليه) قال في الجامع الكبير: رواه مالك والطيالسي
وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، وابن حبان وابن جرير، عن
الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب، وابن عساكر عن الزهري عن أنس. وقال
غريب. والمحفوظ الأول وابن عدي والطبراني وابن عساكر عن الزهري، عن عطاء بن يزيد
الليثي عن ابن كعب. قال ابن عدي: هكذا يرويه الليث بن سعد عن عقيل، وإنما يرويه
أصحاب الزهري عنه عن عطاء عن أبي أيوب اهـ.
١٥٩١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله وير تعرض الأعمال في كل اثنين
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب ما نهى من التحاسد والباب الذي بعده وفي باب الهجرة
(١٠/ ٤٠١، ٤٠٣).
وأخرجه مسلم في كتاب: البروالصلة والآداب، باب: تحريم التحاسد والتباغض والتدابر (الحديث: ٢٣).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب باب: الهجرة وفي الاستئذان (٤١٣/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الهجر فوق ثلاث، بلا عذر شرعي،
(الحديث: ٢٥).

٤٣٤
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
وخَميسٍ فَيَغْفِرُ اللَّهُ لِكُلِّ امْرِىٍ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئً إلّ آمْرءاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ،
فَيقولُ: أَتْرُكوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
١٥٩٢ - وعَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ﴿ يَقولُ: ((إِنَّ
الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، ولَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ))
وخميس فيغفر الله لكل امرىء لا يشرك بالله شيئاً إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء) أي:
عداوة بغضاء لأمر دنيوي (فيقول اتركوا هذين) أي: المتشاحنين لذلك، أما إذا كانت
البغضاء من أحد الجانبين دون الآخر، اختص الأمر به (حتى يصطلحا. رواه مسلم) وسبق
شرحه قريباً.
١٥٩٢ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﴿﴿ يقول: إن الشيطان قد يئس)
من اليأس، وفي نسخة أيس، بتقديم العين على الفاء (أن يعبده المصلون) أي: المسلمون
(في جزيرة العرب) قال في المصباح: قال الأصمعي: هو أطراف ما بين عدن، أبين إلى
الشام طولاً. وأما العرض: فمن جدة، وما والاها من شاطىء البحر، إلى ريف العراق.
وقال أبو عبيدة هي ما بين حفر أبي موسى، إلى أقصى تهامة طولاً، أما العرض فما بين يبرين
إلى منقطع السماوة. ونقل البكري أن جزيرة العرب مكة والمدينة واليمن واليمامة. وقال
بعضهم جزيرة العرب خمسة أقسام: تهامة ونجد وحجاز وعروض ويمن، فأما تهامة فهي
الناحية الجنوبية من الحجاز، وأما نجد فهي الناحية التي بين الحجاز والعراق، وأما الحجاز
فهو جبل يقبل من اليمن، حتى يتصل بالشام وفيه المدينة وعمان، وسمي حجازاً لأنه حجز
بين نجد وتهامة، وأما العروض فهي اليمامة إلى البحرين، وأما اليمن فهو أعلى من تهامة.
وهذا قريب من قول الأصمعي اهـ. وقال المصنف: جزيرة العرب قد ذكر في المهذب،
حدها ولا خلاف فيه، وأنت ترى الخلاف المذكور آنفاً في كلام المصباح والله أعلم. قال
صاحب المحكم: إنما سميت بذلك لأن بحر فارس وبحر الحبش ودجلة والفرات، قد
أحاطت بها، والجزيرة أرض يجزر عنها الماء (ولكن في التحريش بينهم) أي: يسعى في
إيقاع الخصومات والشحناء والحروب والفتن ونحوها بينهم، وهذا الحديث، من معجزات
النبوة، فإنه أخبر عن مغيب، فكان على طبق ما أخبر وَلّ (رواه مسلم) ورواه أحمد
(١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: النهي عن الشحناء والتهاجر، (الحديث: ٣٥).

٤٣٥
٢٨٠ - باب: في تحريم الهجران بين المسلمين
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (التَّحْرِيشُ)): الإِفْسَادُ وتَغْبِيرُ قُلُوبِهِمْ وَتَقَاطُعُهُمْ(١).
١٥٩٣ - وعَنْ أبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لا يَحِلُّ
لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ)) رواهُ
أبو داودَ بِإِسْنادٍ عَلَى شَرْطِ البُخارِيِّ ومُسْلِمُ(٢).
١٥٩٤ - وعن أبي خِراشٍ حَدْرَدِ بنِ أبي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ، ويُقالُ: السُّلَمِيِّ
الصَّحابيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ :﴿ يَقولُ: ((مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةٌ
والترمذي (التحريش) بالحاء المهملة وبالشين المعجمة (الإِفساد وتغيير قلوبهم وتقاطعهم)
وذلك مما یوسوس به، مما يؤدي لذلك ويفضي إليه.
١٥٩٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله وَلجر: لا يحل لمسلم أن يهجر
أخاه فوق ثلاث) بأن يتلاقيا يسلم أحدهما على صاحبه ولا يكلم، تقدم تفسيره بذلك في
الحديث المتفق عليه (فمن هجر فوق ثلاث فمات) مصراً على الهجر والقطيعة (دخل النار)
إن شاء الله تعذيبه مع عصاة الموحدين، أو دخل النار خالداً مؤبداً، إن استحل ذلك، مع
علمه بحرمته والإِجماع عليها (رواه أبو داود بإسناد، على شرط البخاري ومسلم) فرواه عن
رجال، رويا عنهم في الصحيح، على وجه مخصوص، أي: في الأوصول عن محمد بن
الصباح البزار، عن يزيد بن هارون، عن سفيان عن منصور، عن أبي مزاحم.
١٥٩٤ - (وعن أبي خراش) بكسر الخاء المعجمة، بعدها راء وإعجام الشين (حدرد) بفتح
المهملة الأولى وسكون الثانية وفتح الراء، آخره دال مهملة (ابن أبي حدرد) بالوزن
المذكور، واسمه سلامة بن عمير بن أبي سلامة بن سعد بن سارب بن الحارث بن عيسى بن
هوازن بن أسلم بن أقصى بن حارثة (الأسلمي ويقال السلميمي) منسوب إلى سليم، مصغر
أسلم، تصغير ترخيم. وفي نسخة ((السلمي)) بضم ففتح نسبة إلى ما ذكر، بحذف الياء
كالجهني نسبة إلى جهينة. وقال الحافظ في الإصابة: كذا وقع في هذه الرواية السلمي وإنما
هو الأسلمي (الصحابي رضي الله عنه أنه سمع النبي ◌َّر يقول: من هجر أخاه سنة) بفتح
(١) أخرجه مسلم في كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: تحريش الشيطان، وبعثه سراياه لفتنة
الناس ... (الحديث: ٦٥).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: فيمن يهجر أخاه المسلم، (الحديث: ٤٩١٤).

٤٣٦
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ» رواهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنادٍ صَحيحٍ (١).
١٥٩٥ - وعَنْ أبي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴾﴿ قَالَ: (لا يَجِلُّ
لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِناً فَوْقَ ثَلاثٍ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلاثٌ فَلْيَلْقَهُ وَلَيُسَلُّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَدُّ
عَلَيْهِ السّلامَ فَقَدِ اشْتَرَكا فِي الْأُجْرِ، وإِنْ لَمْ يَرُدُّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالإِثْمِ، وخَرَجَ الْمُسَلِّمُ
مِنَ الْهِجْرَةِ) رواهُ أبُو داوُدَ بِإِسْنادٍ حَسَنٍ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: إِذَا كانَتِ الْهِجْرَةُ للَّهِ تَعالَى
المهملة وتخفيف النون (فهو) من حيث الإِثم (كسفك دمه) أي: إراقته عدوانا (رواه أبو
داود) في الأدب من سننه (بإسناد صحيح) رواه عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن
وهب عن حيوة عن أبي عثمان الوليد بن أبي الوليد عن عمران ابن أبي أنس عن أبي خراش
به. وقال البزار رواه يحيى بن أيوب عن الوليد بن أبي الوليد، أن عمران بن أبي أنس،
حدثه أن رجلاً من أسلم من أصحاب النبي ومر حدثه عن النبي ◌َّر قال: ((هجر المؤمن سنة
كدمه)) وفي المجلس محمد بن المنكدر، وعبد الله بن أبي نجاب، فقال قد سمعنا هذا عنه
اهـ. ذكره في الأطراف.
١٥٩٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وسلم قال: لا يحل لمؤمن أن يهجر
مؤمناً) بغير سبب شرعي (فوق ثلاث) أي: من الأيام والليالي. قال الخطابي: هذا في هجر
الرجل أخاه لعتب وموجده فرخص له في مدة الثلاث. فأما هجران الوالد الولد، والزوج
الزوجة، ومن كان فى معناهما، فلا يضيق عليهما أكثر من ثلاث، وقد هجر ◌َلاة نساءه شهرا
(فإن مرت به ثلاث) وهو كذلك (فليلقه) أي: يطلب منه التعرض للقيه (وليسلم عليه) أي :
يبدؤه به إزالة لما في نفسه (فإن رد عليه السلام فقد اشتركا في الأجر) هو ثواب بدء السلام،
وذاك ثواب إجابته، ويثاب الأول مثل ثواب الثاني أيضاً، لأنه كان السبب فيه، فلذا فضل مع
كونه مندوباً، على الرد مع أنه واجب (وإنه لم يرد عليه فقد باء) بالمد أي: رجع (بالإِثم)
لترك الرد الواجب عليه شرعاً (وخرج المسلم) بضم الميم وتشديد اللام المكسورة، بصيغة
الفاعل من التسليم إلى البادىء بالسلام (من الهجر) المحرم المانع من الغفران (رواه أبو
داود بإسناد حسن) ورواه في الأدب عن عبيد بن عمر بن أحمد بن سعيد السرخسي: أن أباه
عماراً أخبرهم حدثنا محمد بن هلال حدثني أبي عن أبي هريرة أيضاً بلفظ: ((لا يحل لرجل
مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام والسابق يسبق إلى الجنة)) (قال أبو داود إذا كانت الهجرة)
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: فيمن يهجر أخاه المسلم، (الحديث: ٤٩١٥).

٤٣٧
٢٨١ - باب: في النهي عن تناجي اثنين دون الثالث
فَلَيْسَ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ(١).
٢٨١ - باب: في النهي عن تناجي اثنين دون الثالث بغير إذنه إلا لحاجة وهو
أن
يتحدثا سراً بحيث لا يسمعهما وفي معناه ما إذا تحدثا بلسان لا يفهمه
قال الله تعالى (٢): ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىْ مِنَ الشَّيْطانِ﴾.
١٥٩٦ _ وعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: (إِذَا كَانُوا ثَلاثَةٌ
فَلَا يَتْنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ)) مُتَّفَقَّ عَلَيْهِ. وَرَواهُ أبو داودَ وزَادَ: قَالَ أَبُو صَالِحٍ :
قُلْتُ لابْنِ عُمَرَ: فَأَرْبَعَةً،.
من المؤمن للمؤمن (لله تعالى) بأن ارتكب المهجور بدعة، أو تجاهر بمعصية (فليس من هذا
في شيء) أي: والوعيد لا يتناوله أصلاً بل هو مندوب إليه كما تقدم.
باب النهي عن تناجي اثنين دون الثالث
أي: إذا لم يكن ثمة غيره، كما يأتي في حديث ابن عمر (بغير إذنه) لئلا يتوهم أن
ذلك في شأنه، أو عليه فيحزن أو يهاب (إلا لحاجة) فيغتفر لأجلها ذلك لرجحان المصلحة
حينئذ، لتحققها على المفسدة؛ لتوهمها (وهو) أي: التناجي (أن يتحدثا سراً بحيث
لا يسمعها) أي: لا يدري ما يقولان وإن سمع بعض الكلمات (وفي معناه ما إذا تحدثا)
جهراً بلسان لا يفهمه (قال الله تعالى: إنما النجوى من الشيطان) فإنه الآمر به. وبيّن
حكمته بقوله (ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله).
١٥٩٦ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله وم لو قال: إذا كانوا) أي: القوم
الحاضرون (ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث) خبر لفظاً، طلب معنى (متفق عليه ورواه أبو
داود ) في الأدب (وزاد قال أبو صالح) هو ذكوان السمان الزيات (قلت لابن عمر فأربعة)
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: فيمن يهجر أخاه المسلم، (الحديث: ٤٩١٢).
وأخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: فيمن يهجر أخاه المسلم، (الحديث: ٤٩١٣)، من حديث
عائشة بنحوه . ..
(٢) سورة المجادلة، الآية: ١٠ .

٤٣٨
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
قَالَ: لا يَضُرُّكَ. وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوطَّأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ قَالَ:
كُنْتُ أَنَا وابْنُ عُمَرَ عِنْدَ دَارٍ خَالِدِ بْنِ عُقْبَةَ الَّتِي بِالسُّوقِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يُريدُ
أَنْ يُناجِيَّهُ وَلَيْسَ مَعَ ابْنِ ثُمَرَ أَحَدٌ غَيْرِي، فَدَعا ابْنُ عُمَرَ رَجُلًا آخَرَ حَتَّى كُنَّا
أَرْبَعَةً، فَقالَ لي وَلِلرَّجُلِ الثَّالِثِ الَّذي دَعا: اسْتَأخِرا شَيْئاً فَإِنِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقولُ: ((لا يَتْنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ))(١).
١٥٩٧ - وعَنِ ابْنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلاثَةٌ
فَلا يَتْنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»
بالنصب أي: فإن كانوا أربعة ما حكم تناجي اثنين منهم (قال لا يضرك) أي: لا إثم فيه، ولا
حرمة، ولا ضرر فيه (ورواه) الإِمام المجتهد (مالك في الموطأ) بصيغة المفعول، من
التوطئة التمهيد والتدليل. (وعن عبد الله بن دينار) التابعي الجليل مولى ابن عمر، ثقة من
طبقة تلي أوساط التابعين. مات سنة سبع وعشرين ومائة، قاله الحافظ في التقريب (قال
كنت أنا وابن عمر عند دار خالد بن عقبة التي بالسوق فجاء رجل يريد أن يناجيه) أي:
يساره (وليس مع ابن عمر أحد غيري) جملة حالية من مفعول يناجيه (فدعا ابن عمر رجلاً
آخر حتى كنا) أي: صرنا (أربعة فقال لي وللرجل الثالث) أي: بالنسبة إليه وإلى ابن عمر
(الذي دعا) بحدف العائد المنصوب (استأخرا شيئاً) أي: من التأخر، وذلك ليبلغ المناجي
مراده، وعلل نداءه الآخر، ثم ناجاه بعد مجيئه بقوله: (فأني سمعت رسول الله وَ لل يقول:
لا یتناجی اثنان دون واحد) فیه التناجي دون ما زاد على الواحد.
١٥٩٧ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله وَ لقر قال إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى
اثنان دون الثالث حتى يختلطوا) أي: الثلاثة بالناس، والنهي على سبيل التحريم، بدليل
تعليله بقوله (من أجل أن ذلك يحزنه) بفتح أوله وثالثه، وبضم أوله، وكسر ثالثه. ومن
المعلوم أن ذلك إيذاء له، والله تعالى يقول: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الاستئذان، باب: لا يتناجى اثنان دون الثالث (٦٨/١١، ٦٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث، بغير رضاه (الحديث: ٣٦).
وأخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في التناجي، (الحديث: ٤٨٥٢).

٤٣٩
٢٨٢ - باب: في النهي عن تعذيب العبد
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٢٨٢ - باب: في النهي عن تعذيب العبد والدابة والمرأة والولد
بغير سبب شرعي أو زائد على قدر الأدب
قال اللَّه تعالى(٢): ﴿وبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانَاً، وبِذِي الْقُرْبَى، والْيَتَامَى، والْمَساكِينِ،
والْجَارِ ذِي الْقُرْبى، والْجَارِ الْجُنُبِ، والصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ، وابنِ السَّبِيلِ، ومَا مَلَّكَتْ
أيْماتُكُمْ؛ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾.
ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً﴾(٣) (متفق عليه) ورواه أحمد والترمذي.
باب النهي عن تعذيب العبد
أي: المملوك، ذكراً كان أو غيره (والدابة) وهي لغة: كل ما دب على الأرض، وفي
العرف العام: ذوات الأربع، وفي العرف الخاص: ذوات الحافر (والمرأة والولد بغير سبب
شرعي) مقتض لذلك التعذيب (أو) بتعذيب (زائد على قدر الأدب) الذي اقتضاه السبب
الشرعي. (قال الله تعالى: وبالوالدين إحساناً) مفعول مطلق ((لأحسنوا)) مقدّراً. والمراد به
برهما، ولين الجانب معهما (وبذي القربى) أي: القرابة (واليتامى والمساكين والجار ذي
القربى) القريب منك في الجوار (والجار الجنب) أي: البعيد، الذي بينك وبينه قرابة
(والصاحب بالجنب) أي: الرفيق في سفر أو صناعة، وقيل الزوجة (وابن السبيل)
المنقطع في سفره (وما ملكت أيمانكم) من الأرقاء، أي: أحسنوا مع الجميع بقدر الطاقة
(إن الله لا يحب من كان مختالاً) متكبراً. (فخوراً) على الناس بما أوتي. والآية تقدم
الكلام فيها مراراً.
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الاستئذان، باب: إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس، (٦٩/١١، ٧٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث، بغير رضاه (الحديث: ٣٧).
(٢) سورة النساء، الآية: ٣٦.
(٣) سورة الأحزاب، الآية: ٥٨.

٤٤٠
١٦ - كتاب: الأمور المنهي عنها
١٥٩٨ - وعَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ﴿ قَالَ: ((عُذْبَتِ امْرَاةٌ
في هِرَّةٍ: سَجَنَتْها حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيها النَّارَ؛ لا هِي أَطْعَمَتْها وسَقَّتْها إِذْ هِيَ
حَبْسَتْها، ولا هِي تَرَكَتْها تَأْكلُ مِنْ خَشاشِ الْأَرْضِ ) مُتْفَقٌ عَلَيْهِ. (خَشاشِ الْأَرْضِ))
بفتحِ الخاءِ المعجمةِ وبالشِّينِ المعجمةِ المكرِّرَةِ وهِيَ: هَوامُّها وحَشَراتُها (١).
١٥٩٩ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ مَرَّ بِفِتْيانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْراً وهُمْ
يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلوا لِصاحِبِ الطَّيْرِ كِلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا ابنَ عُمَرَ تَفَرَّقوا،
١٥٩٨ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﴿ ﴿ل قال عذبت) بصيغة المجهول
(امرأة) في فتح الباري: من نساء بني إسرائيل، وعذابها المذكور، مزيد على عذاب كفرها
(في هرة) أي: بسببها وبين ذلك هو على سبيل الاستئناف بقوله (سجنتها) أي: حبستها
(حتى ماتت) جوعاً (فدخلت فيها) أي: بسببها (النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها)
الظرف تنازعه الفعلان قبله، وهو مضاف للجملة الإِسمية بعده، وأتي بالضمير تأكيداً لتكرر
الإِسناد؛ (ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض متفق عليه) في الحديث: تحريم حبس
الحيوان وإجاعته، وجواز إمساك ما يقني منه مع القيام بكفايته، (خشاش بفتح الخاء
المعجمة) قال ابن مالك في المثلث وقد تكسر (وبالشين المعجمة) الخفيفة (المكررة وهي
هوامها) بتشديد الميم أيضاً، وهي ما له سم يقتل كالحية، قاله الأزهري وقد أطلقت الهوام
على ما يؤذي. قال أبو حاتم: ويقال لدواب الأرض جميعاً، الهوام، ما بين قملة إلى حية،
ومنه قوله ويّله لكعب بن عجرة: ((أيؤذيك هوام رأسك)) أي: القمل، على الاستعارة بجامع
الأذى اهـ. من المصباح، وظاهر: أن المراد هنا المعنى العام (وحشراتها) بفتح المهملة
والمعجمة جمع حشرة كذلك، كقضبة وقضبات. قال في المصباح: الحشرة: الدابة
الصغيرة من دواب الأرض.
١٥٩٩ - (وعنه رضي الله عنه أنه مر بفتيان) بكسر الفاء وسكون الفوقية جمع فتى (من
قريش) أولاد النضر بن كنانة (قد نصبوا طيراً) أي: جعلوه غرضاً لسهامهم، والمراد به
واحد، والمشهور لغة أن يقال طائر، وفي الجمع طير. وفي لغة قليلة، إطلاق الطير على
الواحد. وهذا الحديث جارٍ عليه. قال المصنف (وهم يرمونه) بها (وقد جعلوا لصاحب
(١) أخرجه البخاري في كتاب: أواخر كتاب الأنبياء (٢٥٤/٦).
وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: تحريم قتل الهرة، (الحديث: ١٥١).