Indexed OCR Text
Pages 81-100
٢٣٣ - باب: في فضل الحج ٨١ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) ١٢٨١ - وعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهَ حَجَّ على رَحْلِ وكانَتْ زَامِلَتَهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢). ١٢٨٢ - وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كانَتْ عُكَاظُ وَمِجَنَّةُ للصبي ثواب جميع ما يعمله من الحسنات، ولا يكتب عليه معصية بالإِجماع وكذا يكتب للأصل مثل ثواب عمل الفرع من الصالحات دون إثم ما يجتنيه من السيئات (رواه مسلم) ورواه أبو داود. ١٢٨١ - (وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله و لر حج) أي: في عام حجة الوداع إذ لم يحج بعد الهجرة غيرها (على رحل) بفتح فسكون كل ما يعد للرحيل من وعاء المتاع ومركب البعير، أي: حج على قتب الراحلة من غير محمل ولا محاره (وكانت) أي: الراحلة التي ركبها وإن لم يجر لها ذكر، لكن دل عليه ذكر الرحل (زاملته) والزاملة البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع، من الزمل وهو الحمل، والمراد: أنه لم يكن معه زاملة لحمل طعامه ومتاعه، بل كان ذلك محمولاً معه على راحلته وكانت هي الراحلة والزاملة. وروی سعید بن منصور من طريق هشام بن عروة قال: كان الناس يحجون وتحتهم أزودتهم، وكان أول من حج وليس تحته شيء عثمان بن عفان رضي الله عنه (رواه البخاري) ورواه ابن ماجه بلفظ آخر وهو ((حج النبي مل على رحل رث وقطيفة خلقة تسوى أربعة دراهم ولا تسوى، ثم قال: اللهم اجعله حجاً لا رياء فيه ولا سمعة)). ١٢٨٢ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت عكاظ) قال في المصباح: بوزن غراب، سوق من أعظم أسواق الجاهلية، وراء قرن المنازل بمرحلة من عمل الطائف على طريق اليمن، وقال أبو عبيد: هي صحراء مستوية لا جبل بها ولا علم، وهي بين نجد والطائف، وكان يقام بها السوق في ذي القعدة نحواً من نصف شهر، ثم يأتون موضعاً دونه إلى مكة يقال له: سوق مجنة، فيقام فيه السوق إلى آخر الشهر، ثم يأتون موضعاً قريباً منه، يقال له: ذو المجاز، فيقام فيه السوق إلى يوم التروية، ثم يصدرون إلى منى والتأنيث لغة الحجاز، والتذكير لغة تميم. اهـ (ومجنة) بكسر الميم والجيم المفتوحة والنون المشددة (١) أخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: صحة حج الصبي وأجر من حج به، (الحديث: ٤٠٩) (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: الحج على الراحل (٣٠١/٣). ٨٢ ٩ - كتاب: الحج وَذُو الْمَجازِ أَسْوَاقاً فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوَاسِمِ فَنَزَلَتْ(١): ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَّبَّكُمْ﴾ في مَوَاسِمِ الْحَجِّ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(٢). (وذو المجاز) بفتح الميم وبالجيم والزاي (أسواقاً في الجاهلية) هي ما قبل الإِسلام، سمي بها لكثرة الجهالات الواقعة فيه (فتأثموا) أي: تحرجوا وخافوا من الحرج (أن يتجروا في المواسم) على تقدير أي: بسبب اتجارهم فيها (فنزلت: ليس عليكم جناح) أي: حرج (أن تبتغوا) أي: في أن تبتغوا (فضلاً من ربكم) أي: بالتجارة (في مواسم الحج) ذكره الراوي تفسيراً للآية، وهكذا كان يقرأ ابن عباس، وهي قراءة شاذة (رواه البخاري) ففيه أن التجارة في الحج لا تنافي صحته، وإن كان الكمال خلويد الحاج منها؛ لأنها تشغل عن تمام التوجه إلى الله تعالى، والصحيح أنه يثاب على قصده الديني، وإن قل أخذاً من عموم قوله تعالى : ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾(٣) وهذا جار في كل عمل شرك فيه قصد ديني وقصد دنيوي . (١) سورة البقرة، الآية: ١٩٨. (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: التجارة أيام الموسم (١٣٩/٨). (٣) سورة الزلزلة، الآية: ٧. ١٠ - كتاب: الجهاد ٢٣٤ - باب: في فضل الجهاد قال اللَّهُ تعالى(١): ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كافَّةً كما يُقاتِلونَكُمْ كافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. وَقَالَ تَعَالَى(٢): ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهُ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وهُوَ كتاب الجهاد أي: مقاتلة الكفرة؛ لإعزاز الدين (قال الله تعالى: وقاتلوا المشركين كافة) أي : جميعاً (كما يقاتلونكم كافة) هو محمول على ما عدا أهل الذمة من أهل الكتاب، بدليل قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ (٣) إلى قوله: ﴿من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾(٣) والآية فيها الإِيماء إلى تقديم داعي قتال الكفار على داعي الطبع، من ترك قتال نحو قريب وخليل وصاحب كفار، أي: لأنهم إذا لم يراعوا لكم ذلك وجهادهم في سبيل الكفر، فأنتم أحق بأن لا تراعوه منهم (واعلموا أن الله مع المتقين) الشرك بالنصر والإِعانة، وهو تشجيع على الإِقدام عليهم وإن كثرت جموعهم، فمن ينصره الله لا يغلب (وقال تعالى: كتب) أي: فرض (عليكم القتال) أي: قتال الكفرة (وهو كره لكم) جملة في محل الحال من نائب الفاعل أي: وهو مكروه لكم بحسب الطبع لما فيه من تعريض النفس للقتل (وعسى) للترجي (أن تكرهوا شيئاً) هو أو غيره (وهو) أي: المكروه (خير لكم) في نفس الأمر (وعسى) للإِشفاق (أن تحبوا شيئاً) بحسب الطبع (وهو (١) سورة التوبة، الآية: ٣٦. (٢) سورة البقرة، الآية: ٢١٦. (٣) سورة التوبة، الآية: ٢٩. ٨٤ ١٠ - كتاب: الجهاد شَرِّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقالاً. وجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدَاً عَلَيْهِ حَقَّأَ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . شر لكم) في نفس الأمر (والله يعلم) النافع لكم من الضار (وأنتم لا تعلمون) ذلك جملة اسمية معطوفة على الاسمية قبلها، أو حالية، وفي الآية إيماء إلى وجوب التفويض في كل الأمور لله عز وجل، والرضى بما جرى به قدره، وإن لم يكن ملائماً للطبع ولا مشتهى للنفس فالخيرة في الواقع (وقال تعالى: انفروا) أي: اخرجوا (خفافاً وثقالاً) شباباً وشيوخاً أو نشاطاً وغير نشاط، أو ركباناً ومشاة، أو فقراء وأغنياء، أو قليلي العيال وغير قليل، أو خفافاً من السلاح وثقالاً منه، أو أصحاء ومرضى، أو مسرعين بعد الاستعداد، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله بشراء آلات الحرب وبذل النفس إعزازاً لدين الله (وقال تعالى: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم) التي هو خلقها (وأموالهم) التي هو رزقها (بأن لهم الجنة) قيل: هو(٣) تمثيل لإثابة الله من بذل نفسه وماله في سبيله على هذا البذل بالجنة (يقاتلون في سبيل الله فيقتلون) الأعداء (ويقتلون) في ميدان الحرب، والجملة مستأنفة لبيان ما لأجله الشراء (وعداً عليه حقاً) مصدران مؤكدان، فإن الاشتراء بالجنة مستلزم الوعد بها (في التوراة) حقاً (والإنجيل والقرآن) أي: هذا الوعد الموعود به المجاهد ثابت فيهما، كما هو ثابت في القرآن. قال بعضهم: الأمر بالجهاد ثابت في جميع الشرائع، وقال بعض: بين فيهما أنه اشترى من أمة محمد أنفسهم وأموالهم بالجنة كما بين في القرآن (ومن أوفى بعهده من الله) أي: لا أحد أوفى بعهده منه فهو كقوله تعالى: ﴿ومن أصدق من الله قيلاً﴾(٤) (فاستبشروا بيعكم الذي بايعتم به) أي: افرحوا به غاية الفرح فإنه موجب للفرح الأبدي (وذلك هو الفوز العظيم) نزلت حين قال عبد الله بن رواحة وأصحابه ليلة العقبة (١) سورة التوبة، الآية: ٤١ (٢) سورة التوبة، الآية: ١١١ . (٣) هو أي البيع والشراء المدلول عليهما بأشتري. ع. (٤) سورة النساء، الآية: ١٢٢. ٨٥ ٢٣٤ - باب: في فضل الجهاد وَقَالَ تَعَالَى (١): ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدينَ بِأمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِم عَلى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلَّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدينَ على الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِنْهُ ومَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ . لرسول الله وم: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. قالوا: فما لنا؟ قال: الجنة. قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل (وقال تعالى: لا يستوي القاعدون) عن الجهاد (من المؤمنين غير أولي الضرر) بالرفع صفة القاعدون فإنه ما أراد به قوماً معيناً فهو كالنكرة أو بدل، ومن قرأ منصوباً فهو حال أو استثناء، وبالجر صفة المؤمنين أو بدل منه كما مر في الرفع نزلت أولاً (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله) إلى آخر الآية فجاء ابن أم مكتوم وهو أعمى فقال: يا رسول اللّه فكيف بمن لا يستطيع الجهاد فغشي على رسول الله مَّة في مجلسه، ثم سري عنه فقرأ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر (والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم أنفسهم) أي : لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الحرب غير أولي الضرر (فضل الله المجاهدين بأموالم وأنفسهم على القاعدين) غير أولي الضرر صرّح به ابن عباس (٢) والحديث الصحيح يدل عليه (درجة) الجملة موضحة لما نفي الاستواء فيه ونصب درجة بنزع الخافض أي: بدرجة عظيمة تندرج تحتها الدرجات، أو على المصدر، لأنه تضمن معنى التفضيل (وكلاً) أي : من القاعدين لغير عذر والمجاهدين (وعد الله الحسنى) الجنة والجزاء الجزيل (وفضل الله المجاهدين على القاعدين) بلا عذر (أجراً عظيماً) ثم أبدل منه قوله (درجات منه ومغفرة ورحمة) كل واحد منهما بدل من أجر، أو كرر تفضيل المجاهدين، وبالغ فيه إجمالاً وتفصيلا تعظيما للجهاد وترغيبا فيه، وقيل: الأول: ما خولهم به في الدنيا من الغنيمة والظفر وجميل الذكر. والثاني: ما جعل لهم في الآخرة، وقيل: المراد بالدرجة ارتفاع منزلتهم عند الله، (١) سورة النساء، الآيتان: ٩٥، ٩٦ (٢) لعله يريد أنها قراءة لابن عباس. ع ٨٦ ١٠ - كتاب: الجهاد وَقَالَ تَعَالَى(١): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وتُجاهِدونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الْأَنْهَارُ ومَساكِنَ طَيَِّةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَىْ تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. والآياتُ في الْبابِ كَثِيرَةٌ مَشْهورَةٌ. وأَمَّا الْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِ الْجِهادِ فَأَكْثُرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، فَمِنْ ذَلِكَ: وبالدرجات منازلهم في الجنة، وقال بعض المفسرين: القاعدون. الأول: هم الأضراء أي : هم أولو الضرر فإن المجاهدين أفضل منهم بدرجة واحدة؛ لأن لهم نية بلا عمل وللمجاهدين نية وعمل والقاعدون. الثاني: هم غير أولي الضرر فإن بين المجاهدين وبينهم درجات كثيرة، وهذا خلاف ما قدمناه (وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم) المراد به عذاب الله مطلقاً (تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم) استئناف مبين للتجارة كأنهم قالوا: دلنا يا ربنا فقال: تؤمنون إلخ (ذلكم) أي: المذكور من الإيمان والجهاد (خير لكم إن كنتم تعلمون) أي: إن كنتم غير جاهلين (يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم) جواب الشرط مقدر؛ لكونه جواباً للأمر المذكور بلفظ الخبر، للمبالغة أي: آمنوا وجاهدوا فإن تؤمنوا وتجاهدوا يغفر لكم، وسميت جنة عدن؛ الخلود المؤمن فيها يقال: عدن بالمكان إذا أقام فيه (وأخرى) أي: ولكم نعمة أخرى (تحبونها) فإن الأمر العاجل محبوب للنفوس (نصر من الله) بدل أو بيان (وفتح قریب) عاجل (وبشر المؤمنين) يا محمد بثواب الدارين عطف على تؤمنون فإنه بمعنى آمنوا ويكون جواباً للسؤال. وزيادة كأنهم قالوا: دلنا يا ربنا قيل: آمنوا يكن لكم كذا وبشرهم يا محمد بثبوته، وقل عطف على محذوف أي: قل يا أيها الذين آمنوا وبشر (والآيات في فضل الجهاد في الكتاب) أي: القرآن (كثيرة) يؤدي استيعابها إلى طول زائد (مشهورة) واضحة (وأما الأحاديث) النبوية (في فضل الجهاد فأكثر من أن تحصر)؛ لكثرتها (فمن ذلك) أي: فبعض المذكور ما ثبت. سورة الصف، الآيات: ١٠ - ١٣. ٨٧ ٢٣٤ - باب: في فضل الجهاد ١٢٨٣ - عَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِه)) قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: (حَجِّ مَبْرُورٌ)) مُتْفَقٌ عَلَيْهِ(١). ١٢٨٤ - وعَنِ ابنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعالَى؟ قَالَ: ((الصَّلاةُ عَلى وَقْتِها، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوالِدَيْنِ)) قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللّهِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢). ١٢٨٣ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله و ﴿ أي العمل أفضل) أي: أكثر ثواباً أو أنفس عند الله ليعمل به (قال: إيمان بالله ورسوله) التنوين فيه للتعظيم، وهو الإِيمان الصادق لا كإيمان المنافق والمعاند من الإِقرار بدون عمل القلب (قيل: ثم ماذا) أي: أي شيء أفضل بعد ذلك، فالخبر محذوف (قال: الجهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا: قال: حج مبرور) تقدم قريباً مشروحاً في كتاب الحج (متفق عليه). ١٢٨٤ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أي العمل) أي : الطاعات (أحب إلى الله) كناية عن الرضى به، والثناء على فاعله أو كثرة إثابته (قال: الصلاة على وقتها) أي: فيه. قال: (قلت: ثم أي) بالتنوين وقيل: بحذفه للوقف عليه مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر لمحذوف أي أي أفضل؟ أو ثم أي الأفضل (قال: بر الوالدين) ومثلهما كل أصل ولو مع وجود من دونه (قلت ثم أي قال: الجهاد في سبيل الله) قال القرطبي : خص عليه الصلاة والسلام هذه الثلاثة بالذكر؛ لأنها عنوان على ما سواها من الطاعات، وأن من ضيع الصلاة المفروضة حتى خرج وقتها من غير عذر مع خفة مؤنتها وعظم فضلها، فهو لما سواها أضيع، ومن لم يبر والديه مع وفور حقهما عليه كان لغيرهما أقل براً، ومن ترك جهاد الكفار مع شدة عداوتهم للدين، كان لجهاد غيرهم من الفساق أترك اهـ (متفق عليه) وتقدم مشروحاً في باب بر الوالدين. (١) أخرجه البخاري في كتاب: الإِيمان، باب: إن الإِيمان هو العمل (٣٠٢/٣)، سبق تخريجه. وأخرجه مسلم في كتاب: ((الإِيمان))، باب: بيان كون الإِيمان بالله ... (الحديث: ١٣٥)، وقد تقدم برقم (١٢٧٣). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: فضل الجهاد والسير (٧/٢، ٨). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان كون الإِيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، (الحديث: ١٣٧). ٨٨ ١٠ - كتاب: الجهاد ١٢٨٥ - وعَنْ أَبِي ذَرِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((الإِيمَانُ بِاللَّهِ، والْجِهَادُ فِي سَبيلِه)) مُتُّفَقٌّ عَلَيْهِ(١). ١٢٨٦ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَالَ: ((لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلٍ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيها)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢). ١٢٨٥ - (وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل) هو كالعمل في اللذين قبله؛ لأن أل الجنسية تبطل معنى الجمعية وتصيره كالواحد، ويدل عليه قوله (قال: الإِيمان بالله) أي: ورسوله فاكتفى بما ذكر عن قرينه لتلازمهما شرعاً ولجمع إليه الضمير في قوله: (والجهاد في سبيله) وذلك لأنه ولو كان باقياً على معنى الجمعية لأجاب بثلاث فما فوقها، ولا يلزم من كون المذكورين فيه أفضل الأعمال تساويهما فيها، فلا يخالف ما قبله يقال: أفضل علماء البلد زيد وعمر وإن تفاوتا فيما بينهما (متفق عليه) وتقدم أن اختلاف الأفضل في الأخبار إما باعتبار حال السائل، أو باعتبار زمن الجواب أو نحو ذلك. ١٢٨٦ - (وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله (وَلير قال: لغدوة) بفتح المعجمة وسكون المهملة قال في النهاية: الغدوة المرة من الغدو وهو سير أول النهار نقيض الرواح. اهـ واللام مؤذنة بالقسم المقدر أتى بها لتأكيد الأمر عند السامع، وقال العيني: هي لام التأكيد لا لام القسم (في سبيل الله) ظرف لغو متعلق بغدوة أو مستقر صفة لها (أو) للتنويع لا للشك، قاله العيني (روحة) بفتح المهملتين وسكون الواو بينهما المرة من الرواح (خير من الدنيا وما فيها) وذلك للثواب المرتب على كل منهما، وقد ورد أن أقل أهل الجنة منزلة من يعطي قدر الدنيا عشر مرات فما بالك بأوساطهم، فضلاً عن أعلاهم، والتفضیل بينه وبين الدنيا باعتبار ما استقر في النفوس من حب الدنيا ورؤيا خيرها، وإلّ فلا مناسبة بين ديني عظيم ثوابه باقٍ وبين دنيوي مخدج فانٍ، لكنه وَلّر خاطبنا بما نألف. ويحتمل أن يكون المراد، أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن حصلت له الدنيا وأنفقها في طاعة الله غير الجهاد (متفق عليه). (١) أخرجه البخاري في كتاب: العتق، باب: أي الرقاب أفضل (١٠٥/٥). وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان كون الإِيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، (الحديث: ١٣٦). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: الغدوة والروحة في سبيل الله (١١/٦). وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل الغدوة والروحة في سبيل الله، (الحديث: ١١٢). ٨٩ ٢٣٤ - باب: في فضل الجهاد ١٢٨٧ - وعَنْ أَبي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ وَه فَقالَ: أُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((مُؤمِنُ يُجاهِدُ بِنَفْسِهِ ومَالِه في سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (مُؤمِنُ في شِعْبٍ مِنَ الشَّعابِ يَعْبُدُ اللَّهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ١٢٨٨ - وعَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((رِباطُ يَوْمٍ ١٢٨٧ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أتى رجل) قال الحافظ في الفتح: لم أقف على اسمه، وقد سبق أن أبا ذر سأل عن مثل ذلك (إلى رسول الله وَ ل﴿ وقال: أي الناس أفضل) أي: أكثر ثواباً (قال: مؤمن يجاهد) الكفار (بنفسه وماله) بأن يبذلهما لله تعالى طلباً لمرضاته (في سبيل الله) قال العيني في شرح البخاري: أي: أفضل الناس مؤمن مجاهد، قالوا: هذا عام مخصوص والتقدير من أفضل الناس، وإلّ فالعلماء أفضل وكذا الصديقون، كما تدل عليه الأحاديث، ويدل له أن في بعض طرق النسائي لحديث أبي سعيد ((أن من خير الناس رجلاً عمل في سبيل الله على ظهر فرسه)). اهـ (قال: ثم من؟ قال: مؤمن في شعب من الشعاب) ابتدأ بالنكرة فيهما؛ لكونها للتنويع فهو كقوله: فيوم لنا ويوم علينا، والشعب بكسر المعجمة وسكون المهملة قيل: هو الطريق وقيل: الطريق في الجبل وجمعه شعاب وذكره جري على الغالب، من تيسر الخلوة فيه عن الناس فالمراد: هي لا هو بخصوصه، وقوله: (يعبد الله ويدع الناس من شره) خبر بجملة بعد خبر بمفرد، أو جملة حالية من الضمير المستقر في الظرف، أو مستأنفة جواب عن سؤال تقديره ماذا يعمل فيه. والحديث تقدم مشروحاً في باب العزلة، وتقدم بلفظ ((رجل يعتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه)) وفي رواية ((يتقي الله ويدع الناس من شره)) (متفق عليه). 00 ١٢٨٨ - (وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله مسلم قال: رباط) بكسر الراء مصدر كالمرابطة، وإضافته إلى (يوم)(١) على معنى في كقوله تعالى: ﴿تربص أربعة (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: أفضل الناس مؤمن ... الخ (٤/٦). وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والرباط، (الحديث: ١٢٢). (١) قوله: يوم فيه دلالة على صدق الرباط على يوم واحد خلافاً لمالك في قوله أقله أربعون يوماً. ٩٠ ١٠ - كتاب: الجهاد فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْها، ومَوْضِعُ سَوْطٍ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا ومَا عَلَيْها، والرَّوْحَةُ يَرُوحُها الْعَبْدُ في سَبيلِ اللَّهِ تَعالَى أَوِ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْها)) مُتَّفَقَ عَلَيْهِ(١). أشهر﴾ (٢) (في سبيل الله) (٣) في محل الصفة لرباط (خير من الدنيا وما عليها) عبر بفي في الحديث قبله وبعلى هنا؛ تفنناً في التعبير. ويحتمل أن يكون من نيابة الحرف الجار عن مثله، كما هو مذهب الكوفيين. قال العيني: وفائدة العدول عن في إلى على أن معنى الاستعلاء أعم من الظرفية وأقوى فقصد؛ لزيادة المبالغة (وموضع سوط أحدكم من الجنة) أي: هذا القدر اليسير منها، (خير من الدنيا وما فيها) من الزهرات والشهوات والمستلذات؛ لأنه فانٍ لا بقاء له (والروحة يروحها العبد في سبيل الله تعالى) بائعاً لنفسه من الله تعالى بالجنة، والرضى منه تعالى (والغدوة) حذف الجملة الواقعة صفة أو حالاً اكتفاء بدلالة قرينتها عليها (خير من الدنيا وما عليها) خبر عنهما وأفرد؛ لأنه أفعل تفضيل مجرد من أل والإِضافة، وإذا كان كذلك يجب إفراده وتذكيره، أخبر أن صغير الزمان وصغير المكان في الآخرة خير من طويل الزمان وكبير المكان في الدنيا، تزهيداً فيها وتصغيراً لها، وترغيباً في الجهاد، إذ بهذا القليل يعطيه الله في الآخرة أفضل من الدنيا وما فيها، فما ظنك بمن أتعب نفسه وأنفق ماله، وقال القرطبي : أي: الثواب الحاصل على مشيئة واحدة في الجهاد خير لصاحبها من الدنيا وما فيها لو جمعت له بحذافيرها، والظاهر أنه لا يختص ذلك بالغدو والرواح من بلدته، بل يحصل هذا الثواب بكل غدوة أو روحة في طريقه إلى الغزو. قال المصنف: وكذا غدوة أو روحة في موضع القتال؛ لأن الجميع يسمى غدوة وروحة في سبيل الله (متفق عليه) ورواه أحمد والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح، ثم هذا الحديث فيه فضل الرباط، وهو ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين منهم، وقال العيني: الرباط هو المرابطة، وهي ملازمة ثغر الحدود، قال ابن قتيبة: أصل الرباط أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم في الثغر، كل يعد لصاحبه. واشترط ابن التين أن يكون غير وطنه ونقله عن ابن حبيب عن مالك، ونظر فيه العيني بأنه قد (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: فضل رباط يوم في سبيل اللّه (١١/٦، ٦٤). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: فضل الغدوة والروحة في سبيل الله، (الحديث: ١١٣). (٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٦. (٣) السبيل يضاف كثيراً إلى الله والمراد به كل عمل خالص يتقرب به إليه لكن غلب إطلاقه على الجهاد حتى صار حقيقة شرعية فيه في كثير من المواطن. ع. ٩١ ٢٣٤ - باب: في فضل الجهاد ١٢٨٩ - وَعَنْ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ هِ يَقُولُ: ((رِباطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيامِ شَهْرٍ وَقِيامِهِ، وَإِنْ مَاتَ فِيهِ أُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُه الَّذِي كانَ يَعْمَلُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وأَمِنَ الفَتَّانَ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). ١٢٩٠ - وعَنْ فَضالَةَ بنِ عُبَيْدٍ يكون بوطنه وينوي بالإِقامة فيه دفع العدو، ويقال: الرباط المرابطة في نحور العدو وحفظ ثغور الإِسلام، وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوذة بلاد المسلمين. ١٢٨٩ - (وعن سلمان) هو الفارسي (رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَل يقول: رباط يوم وليلة) هو ظاهر فيما ذهب إليه ابن مالك، في آخرين من مجيء الإِضافة على معنى في أيضاً كما تقدم. ومن منع ذلك قال: هي فيه على معنى اللام والإِضافة لأدنى ملابسة (خير من صيام شهر وقيامه) وذلك لأن نفع الرباط متعد وعام ونفعها قاصر خاص (وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل) أي: أجر ما كان يعمله حال رباطه، وأجر رباطه قاله القرطبي (وأجري عليه رزقه) أي: يرزق من الجنة، كما ترزق الشهداء الذين تكون أرواحهم في حواصل الطير تأكل من ثمر الجنة. ذكر المصنف نحوه (وأومن) هو وما قبله بالبناء للمفعول، وضبط أمن بالبناء للفاعل أيضاً بلا واو حكاه العلقمي عن السيوطي (الفتان) بفتح الفاء وتشديد الفوقية، أي: فتان القبر، ففي رواية لأبي داود في سننه («وأمن من فتاني القبر)» بصيغة المثنى، وهو مراد من رواية مسلم؛ لأن المفرد المحلى بأل الجنسية يصدق بالواحد والمتعدد، وضبط أيضاً بضم الفاء جمع فتن. قال القرطبي: وتكون أل للجنس، أي: كل ذي فتنة، وقال العلقمي: المراد فتان القبر من إطلاق الجمع على اثنين أو على أنهم أكثر من اثنين، فقد ورد أن فتان القبر ثلاثة أو أربعة، وقد استدل غير واحد بهذا الحديث على أن المرابط لا يسأل في قبره كالشهيد، وقال الشيخ ولي الدين العراق: المراد به مسألة منكر ونكير. قال: ويحتمل أن يراد أنهما لا يجيئان إليه ولا يختبرانه بالكلية، ويكتفي بموته مرابطاً في سبيل الله شاهداً على حصة إيمانه، ويحتمل إنهما يجيئان إليه لكنه يأنس بهما بحيث أنهما لا يضرانه ولا يروعانه، ولا يحصل له بسبب مجيئهما فتنة، اهـ. (رواه مسلم). ١٢٩٠ - (وعن فضالة) بفتح الفاء، وتخفيف الضاد المعجمة واللام (ابن عبيد) بصيغة (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: فضل الرباط في سبيل الله عز وجل، (الحديث: ١٦٣). ٩٢ ١٠ - كتاب: الجهاد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلَ قَالَ: ((كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلى عَمَلِهِ إلَّ الْمُرابِطَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَنْمِي لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَيُؤْمَنُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). ١٢٩١ - وعَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَ لَهِ يَقولُ: مصغر، عبد بن نافذ بن قيس الأنصاري الأوسي (رضي الله عنه) أول ما شهد أحداً، وشهد ما بعدها من المشاهد ومنها: بيعة الرضوان، وشهد فتح مصر، ثم نزل دمشق وولي قضاها لمعاوية، ومات سنة ثمان وخمسين، وقيل: قبلها، كذا في التقريب للحافظ. وفيه خرج له البخاري في التاريخ ومسلم، والأربعة روي له عن رسول الله وم لر خمسون حديثاً، روى مسلم منها حديثين. اهـ، ودفن بباب الصغير من دمشق سنة ثلاث وخمسين، وقيل: تسع وستين، والصحيح الأول فقد نقلوا أن معاوية حمل نعشه، وقال لابنه: أعني يا بني فإنك لا تحمل بعده مثله، وتوفي معاوية سنة ستين قاله المصنف في التهذيب. (أن رسول الله موق له قال: كل ميت يختم على عمله) فلا يزداد ثواباً ولا عقاباً (إلا المرابط) بالنصب على الاستثناء (في سبيل الله) ثم بين وجه الاستثناء بقوله (فإنه ينمي) بفتح أوله، وسكون النون، وتخفيف الميم المكسورة وبالياء(٢) قال السيوطي في قوت المغتذى: قال العراقي: كذا وقع في رواية الترمذي بياء في آخره وفي رواية أبي داود ((ينمو)) بالواو، والأفصح ما هنا وهو الذي ذكره ثعلب في الفصيح. اهـ أي: يزداد (له عمله إلى يوم القيامة) بتنمية ثوابه والزيادة فيه (ويؤمن من فتنة القبر) فلا يسأله الملكان عن إيمانه بل موته مرابطاً آية إيمانه كما تقدم (رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح) ورواه الطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية من حديث العرباض بن سارية، بلفظ ((كل عمل منقطع عن صاحبه إذا مات، إلّ المرابط في سبيل الله فإنه ينمّي له عمله ويجري عليه رزقه إلى يوم القيامة)) أورده في الجامع الصغير. ١٢٩١ - (وعن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وهو يقول: رباط يوم في (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في فضل الرباط، (الحديث: ٢٥٠٠). وأخرجه الترمذي في كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فضل من مات مرابطاً، (الحديث: ١٦٢١) (٢) وفي الصحاح قال الكسائي: ولم أسمعه بالواو إلا من أخوين من بني سليم ثم سألت عنه بني سليم فلم يعرفوه بالواو وحكى أبو عبيدة نما ينمو وينمى اهـ. ع. ٩٣ ٢٣٤ - باب: في فضل الجهاد ((رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِواهُ مِنَ الْمَنازِلِ)) رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(١). ١٢٩٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَ: ((تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّ جِهَادٌ فِي سَبِيلِي، وَإِيمَانٌ بِي، وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلي، فَهُوَ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَأَرْجِعَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرِ أَوْ غَنِیمَةٍ، سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل) قال الحافظ في الفتح: نقلًا عن ابن بريرة، لا تنافي بينه وبين حديث ((خير من صيام شهر))، لأنه يحمل على الإِعلام بالزيادة في الثواب على الأول، أو باختلاف العاملين. اهـ قال العلقمي: أو باختلاف العمل قلة وكثرة. قال البيهقي في الشعب: القصد من هذا ونحوه الإخبار بتضعيف أجر المرابط على غيره، ويختلف ذلك بحسب اختلاف حال الناس نيةً وإخلاصاً، وباختلاف الأوقات (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) وقال الحافظ في الفتح: ورواه أحمد وابن حبان، وفي الجامع الصغير ورواه النسائي والحاكم في المستدرك. ١٢٩٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: تضمن الله) أي: التزم فضلاً وإحساناً (لمن خرج في سبيله (٢) لا يخرجه إلا جهاد(٣) في سبيلي وإيمان بي) أي : بوعدي (وتصديق برسلي) أي: بأخبارهم، وبنبوتهم ورسالتهم، وجملة لا يخرجه الخ في محل الحال من فاعل خرج (فهو) أي: الله تعالى (ضامن) أي: ملتزم تفضلاً وكرماً لمن كان كذلك (أن أدخله الجنة) ابتداءً من غير سابقة عذاب، أي: إن قتل في الحرب (أو أرجعه) بفتح الهمزة، من رجع المتعدي، ومنه قوله تعالى: ﴿فإن رجعك الله إلى طائفة منهم﴾ (٤) الآية (إلى منزله الذي خرج منه) للجهاد مصحوباً (بما نال) أي: بالذي ناله (من أجر) أخروي (أو غنيمة) أصابها من مال الكفار، ويصح أن يكون ضامن بمعنى مضمون، كماء (١) أخرجه الترمذي في كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فضل المرابط، (الحديث: ١٦٦٧). 00. (٢) يمكن أن يقال إن في الكلام حذفً تقديره بقوله: إن علي عهداً لمن خرج في سبيلي لا يحرجه (٣) وفي كثير من النسخ جهاداً وإيماناً وتصديقاً بالنصب فيكون على أنه مفعول له أي لا يخرجه المخرج إلا الجهاد الخ وقوله فهو ضامن الأولى أن تكون من كلام الله تعالى جواباً عن شرط فقدر تقديره من كان كذلك فهو على ضامني أن أدخله الخ كما في العمدة ونسخة قديمة من شرح مسلم (٤) سورة التوبة، الآية: ٨٣ ٩٤ ١٠ - كتاب: الجهاد وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهْثَتِهِ يَوْمَ كُلِمَ؛ لَوْنُهُ لَوْنَ دَمٍ وَرِيحُهُ ريحُ مِسْكٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيْدِهِ دافق أي: مدفوق أو بمعنى ذو ضمان أي: حفظ ورعاية كلابن وتامر وعليهما، فضمير هو راجع إلى الغازي، هذا واختلف في معنى أو فقيل للتقسيم أي: بأجر فقط وهو لمن لم يغنم وتارة بغنيمة فقط. قال العيني: وليس كذلك بل هو راجع بالأجر كانت غنيمة، أو لا. قاله ابن بطال، ويدل لأجره مطلقاً حديث ابن عمرو بن العاص مرفوعاً ((ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلّ تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، وبقي لهم الثلث فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم)) فهذا يدل على أنه لا يرجع بدون أجر، لكن ينقص أجر من أصاب الغنيمة، وتضعيف هذا الحديث بحميد بن هانىء وهو غير مشهور، رد بأنه غير ملتفت إليه فهو ثقة محتج به عند مسلم، ووثقه النسائي وابن يونس وغيرهما، ولا يعرف فيه تجريح لأحد، وفي رواية البخاري من حديث أبي هريرة ((وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالماً مع أجره أو غنيمة)) قال العيني: أي: ضمن الله بملابسة التوفي إدخال الجنة، وبملابسة عدم التوفي الرجوع بالأجر أو الغنيمة. قال الكرماني: يعني لا يخلو من الشهادة أو السلامة، فعلى الأول: يدخل الجنة بعد الشهادة في الحال، وعلى الثاني: لا ينفك عن أجر أو غنيمة، مع جواز الجمع بينهما في قضية مانعة خلو لا مانعة جمع. قال: ولفظ الضمان والتكفل والتوكيل والانتداب الواقعة في الأحاديث كلها بمعنى تحقيق الوعد على وجه الفضل منه. وعبّر عليه الصلاة والسلام عن تفضل الله سبحانه وتعالى بالثواب بلفظ الضمان ونحوه مما جرت به العادة بين الناس؛ لتطمئن به النفوس وتركن إليه القلوب (والذي نفس محمد) أظهر مكان الإضمار؛ لفخامة هذا الاسم فهو كقول الخليفة الخليفة فعل كذا دون فعلت (بيده) أي: بقدرته، وفيه ندب القسم لتأكيد الأمر عند السامع (ما من كلم) أي: جرح، والتنكير للإِشاعة فيصدق بالقليل منه والكثير (يكلم) بالبناء للمفعول (في سبيل الله) الظرف مستقر في محل الحال، والمراد به الجهاد، ومثله كل من جرح في ذات الله وكل ما دافع فيه المرء بحق فأصيب فهو مجاهد (إلا جاء يوم القيامة كهيئة) أي: جاء حال كونه مماثلاً لهيئته (يوم كلم) أي: في الدنيا وبين وجه الشبه على طريقة الاستئناف البياني بقوله (لونه لون دم وريحه ريح مسك) وروى البخاري هذه الجملة القسمية من حديث أبي هريرة أيضاً بلفظ ((أن رسول الله وسلم قال: والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة واللون لون دم والريح ريح المسك)) وجملة لونه لون دم حالية. وفي الحديث: أن الشهيد يبعث في حالته ٩٥ ٢٣٤ - باب: في فضل الجهاد لَوْلاَ أَنْ أَشْقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو في سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدَاً، وَلَكِنْ لا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ وَلاَ يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّقُوا عَنِّي، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنْ أَغْزُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أَغْزُوَ فَأُقْتَلَ))، التي قبض عليها، والحكمة فيه أن يكون معه شاهد فضيلته ببذل نفسه في طاعة ربه ويشهد له على ظالمه بفعله، وفائدة رائحته الطيبة أن ينشهر في أهل الموقف إظهاراً لفضله (والذي نفس محمد بيده) أعاد جملة القسم؛ لأن المقسم عليه ثانياً غير المقسم عليه أولاً (لولا أن أشق على المسلمين) أي: العاجزين عن الخروج للجهاد (ما قعدت خلف سرية) منصوب على الظرفية، بدليل رواية مسلم الأخرى ((ما قعدت خلف سرية)) وبه فسر المصنف هذا الحديث في شرح مسلم، أو على الحال أي: مخالف سرية بأن يخالف فعلى فعلها فتذهب وأقيم، والسرية القطعة من الجيش يبلغ أقصاها أربع مائة، تبعث إلى العدو، وجمعها سرايا سموا بذلك؛ لأنهم خلاصة العسكر وخيارهم من السرى وهو الشيء النفيس وجملة (تغزو في سبيل الله) في محل الصفة السرية (أبداً) أي: في زمان من الأزمنة الآتية (ولكن) استدراك من حاصل الكلام السابق ببيان المانع عن خروجه مع كل (لا أجد سعة) بفتح أوليه المهملين، أي: ما يسع سائر المسلمين (فاحملهم) بالنصب في جواب النفي (ولا يجدون سعة) فيخرجوا بأنفسهم (ويشق عليهم أن يتخلفوا عني) لما فيه من فقدهم الاجتماع عليه وَّ تلك المدة، مع فوات أجر الغزو الذي تخلفوا عن شهوده (والذي نفس محمد بيده لوددت) بكسر الدال الأولى (أن أغزو في سبيل الله فأقتل) بالنصب عطفاً على المنصوب قبله (ثم أغزو فاقتل ثم أغزو فاقتل) ولفظ البخاري من طريق الزهري عن ابن المسيّب عن أبي هريرة قال: ((سمعت النبي ◌َّ يقول: والذي نفسي بيده لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل)) قال العيني: استشكل بعضهم صدور هذا اليمين من النبي ◌َّرَ، مع علمه بأنه لا يقتل. وأجاب ابن المنير بأنه لعله كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾(١) وأعترض بأن نزولها كان أوائل قدومه المدينة، وقد صرح أبو هريرة بسماعه من النبي ◌ََّ، وهو إنما قدم أوائل سنة سبع. وأجاب بعضهم بأن تمني الفضل والخير لا يستلزم الوقوع. قال العيني: أو ورد على المبالغة في فضل الجهاد والقتل فيه. وجاء عن أنس (١) سورة المائدة، الآية: ٦٧ . ٩٦ ١٠ - كتاب: الجهاد رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ. ((الْكَلْمُ)): الْجُرْحُ(١) ١٢٩٣ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَا مِنْ مَكْلومٍ يُكْلَمُ في سَبِيلِ اللَّهِ إلَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمي؛ اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، والرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ)) مُتَّفَقَ عَلَيْهِ(٢). ١٢٩٤ - وعَنْ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فُواقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، ومَنْ جُرِحَ جُرْحَاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ مرفوعاً في الشهيد ((أنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة)) رواه مسلم وسيأتي، وروى الحاكم بسند صحيح عن جابر ((كان النبي و چور إذا ذكر أصحابه الذين استشهدوا في أحد قال: والله لوددت أني غودرت مع أصحابي بفحص الجبل وفحص الجبل ما بسط منه وكشف من نواحيه)). اهـ (رواه مسلم) في الجهاد (وروى البخاري بعضه) بل كله بنحوه، لكن مفرقاً كما علمت (الكلم) بفتح فسكون (الجرح) كذلك. ١٢٩٣ - (وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَالر: ما من مكلوم) أي: مجروح (يكلم) بالبناء للمفعول، فيعم ما كان الكلم من الكفار وما كان من غيرهم، كدق حجر أو شجر أو عود (في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى) جملة حالية مصدرة بواو الحال وقوله (اللون لون دم والريح ريح مسك) جملة حالية أيضاً من فاعل يدمى، أو مستأنفة استئنافاً بيانياً جواب سؤال، تقديره كيف صفة ذلك (متفق عليه) اقتصر السيوطي في الجامع الكبير على عزوه للبخاري، ولم أر هذا اللفظ في باب من يخرج في سبيل الله من البخاري، ولا في فضل الجهاد من صحيح مسلم والله أعلم. ١٢٩٤ - (وعن معاذ رضي الله عنه عن النبي - قال: من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم) من فيه بيانية للإِبهام الذي في من (فواق ناقة) بضم الفاء وتخفيف الواو وآخره قاف، وسيأتي معناه: وهو كناية عن قليل الجهاد (وجبت له الجنة) ففيه بشارة لمن جاهد في سبيل الله طلباً (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، (الحديث: ١٠٣). وأخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: من يخرج في سبيل الله عز وجل (١٥٤/٦)، وباب: تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا وتمني الشهادة وغيرها مع اختلاف في الألفاظ. (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الذبائح، باب: المسك واللفظ له (٥٦٩/٩ و١٥/٦). وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، (الحديث: ١٠٣). ٩٧ ٢٣٤ - باب: في فضل الجهاد أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً، فَإِنَّها تَجِيءُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ؛ لَوْنُها الزَّعْفَرَانُ، وَريحُها كالْمِسْكِ)) رواهُ أبو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ (١). لمرضاة الله بالموت على الإِسلام إذ لا تجب الجنة لغيره (ومن جرح) بالبناء للمجهول (جرحاً في سبيل الله) ظرف لغو متعلق بجرح، أو مستقر في محل الوصف للمصدر والأول أولى. قال في الكشاف في قوله تعالى: ﴿ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض﴾(٢) إن قلت الظرف متعلق بالفعل، أو بالمصدر قلت بالفعل، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل (أو نكب نكبة) بضم النون وسكون الكاف، ثم موحدة وحذف الظرف المعتبر فيها أيضاً اكتفاءً بدلالة ذكره في قرينتها على ذلك، وهي كما قال ابن الأثير: ما يصيب الإِنسان من الحوادث، وقال الجوهري: النكبة واحدة نكبات الدهر يقال أصابته نكبة. اهـ وعطفها على الجرح من عطف العام على الخاص، وقد ترجم البخاري في صحيحه لكل منهما باباً فقال: باب من ينكب في سبيل الله ثم باب من يجرح في سبيل الله (فإنها) أي: المرة من الجرح أو النكبة، أو فإن النكبة وأعيد الضمير إليها؛ لقربها ولأنها تعم ما قبلها (تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها لون الزعفران) والكاف في كأغزر مزيدة وما مصدرية، أي: تجيء ودمها أغزر مما كانت في غير ذلك الوقت، فالوقت مقدر قاله العاقولي (وريحها كالمسك) وهذا محمول على ما كان منها ذا مادة كجرح ونحوه، ولا يخالف ما ورد من أن لونها لون الدم؛ لجواز جمعه لكل من الحمرة والصفرة، أو لأن الأمر فيهما تقريبي، وأغزر أفعل تفضيل من الغزارة بالغين والزاي المعجمتين، وهي الكثرة يقال: غزر الماء بالضم غزراً وغزارة فهو غزير، كذا في المصباح (رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث صحيح) وفي نسخة: حسن صحيح، وأورده في الجامع الكبير وزاد بعد قوله: ((من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقاً ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد، وقال: في آخره: وريحها ريح المسك، وزاد: ومن خرج به خراج في سبيل الله كان عليه طابع الشهداء)) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: صحيح، والنسائي وابن حبان والطبراني والبيهقي عن معاذ بن جبل، ورواه ابن ماجه والحاكم في المستدرك إلى قوله: أجر شهيد، وروى أحمد (٥) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: فيمن سأل الله تعالى الشهادة، (الحديث: ٢٥٤١). وأخرجه الترمذي في كتاب: فضائل الجهاد، باب: من جاء فيمن يُكلم في سبيل الله، (الحديث: ١٦٥٧). (٢) سورة الروم، الآية: ٢٥ . ٩٨ ١٠ - كتاب: الجهاد ١٢٩٥ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِنْ أصْحاب رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ بِشِعْبٍ فِيهِ عُبَيْنَةٌ مِنْ مَاءٍ عَذْبَةٌ فَأَعْجَبَتْهُ، فَقالَ: لَوِ اعْتَزَلْتُ النَّاسَ فَأَقَمْتُ فِي هَذَا الشِّعْبِ، ولَنْ أَفْعَلَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ه، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولٍ اللَّهِ وَ فَقالَ: ((لا تَفْعَلْ فَإِنَّ مُقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَامَاً، أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَيُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ؟ اغْزُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وابن زنجويه عن عمرو بن عنبسة مرفوعاً ((من قاتل في سبيل الله فواق ناقة حرم الله على وجهه النار)) اهـ. ١٢٩٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مر رجل من أصحاب رسول الله (وَلّة) لم أر من سماه (بشعب) بكسر فسكون، الطريق في الجبل (فيه عيينة) بضم المهملة، وتكسر إتباعاً للياء، تصغير عين وكأنه لقلة مائها وهي مؤنثة تأنيثاً معنوياً فلذا ظهرت التاء حال تصغيره (من ماء) صفة عُينية وكذا قوله (عذبة) بفتح فإسكان أي: سائغة الشراب، قال العاقولي: جيء بها ليلتذ السامع ويستروح إلى ذكرها، فكيف بالكون عندها، (فأعجبته) أي: العين (فقال: لو) للتمني ولذا لم يؤت لها بجواب، ويحتمل أنها للشرط، والجواب محذوف أي لو (اعتزلت الناس) أي: تركت الخلطة معهم (فأقمت في هذا الشعب) منفرداً أتعبد لكان أولى وأفضل، وجملة فأقمت معطوفة على جملة اعتزلت (ولن أفعل) شيئاً من الاعتزال والإِقامة (حتى أستأذن رسول الله ( #) غاية للفعل لمنفي، وجملة ولن أفعل معطوفة على لو ومدخولها، وفيه ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من لزوم الأدب معه وَلقر، وأنه كان لا يبت(١) أحد منهم أمراً ولو في خاصته حتى يعرض ذلك عليه مَ ر. (فذكر) عطف على مقدر أي فرجع من الشعب فذكر (ذلك لرسول الله وسير فقال: لا تفعل) هو نهي تنزيه عن المفضول وتحريض على ضده ولذا قال: (فإن مقام أحدكم) مصدر ميمي أي: قيام أحدكم (في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً) هذا كان في ابتداء الأمر، ومثله ما إذا ألجأ الأمر للجهاد، بأن هجم الكفار على بلاد المسلمين، وخشي استيلاؤهم عليها، فالاشتغال بالجهاد حينئذٍ لما فيه من إنقاذ المسلمين أفضل من صلاة النافلة وذلك؛ لأنه نفع متعد، وأما إذا لم ينته الأمر لذلك فأفضل العبادات البدنية الصلاة كما قاله الجمهور (ألا) بتخفيف اللام أداة عرض (تحبون أن يغفر الله لكم) حذف المفعول؛ إيماءً للتعميم (١) يبت بضم الباء أي لا يقطع وتقال بالكسر شذوذاً لأن المضعف المكسور لم يتعد إلا قليلا. ٩٩ ٢٣٤ - باب: في فضل الجهاد مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُواقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ)) رواهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيْثٌ حَسَنٌ. وَالْقُواقُ: مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ (١). ١٢٩٦ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَعْدِلُ الْجِهادَ في سَبيلٍ اللَّهِ؟ قَالَ: ((لا تَسْتَطِيعونَهُ)) فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثاً كلُّ ذَلِكَ يَقولُ: ((لا تَسْتَطِيعُونَهُ) ثُمَّ قَالَ: ((مَثَلُ الْمُجاهِدِ في سَبيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقائِمِ (ويدخلكم الجنة) زيادة في الكرامة فإنها دار الأحباء (اغزوا في سبيل الله) أمر بالجهاد بعد أن حرض عليه بذكر ثوابه، وعرض للعباد بالدعوة إليه وعلل ذلك، زيادة في الترغيب يقوله على سبيل الاستئناف النحوي والبياني (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة) بالنصب على الظرفية أي: قدر زمن ذلك (وجبت له الجنة) فلا بد من موته على الإِسلام ودخوله لها، إما مع الناجین، أو ولو بعد حين، والوعد بالمحبوب محبوب: عديني بوصل وامطلي بنجازه فعندي إذا صح الهوى حسن المطل (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) (والفواق) بضبطه السابق في حديث معاذ (ما) أي: الزمن الذي (بين الحلبتين) بفتح المهملة وإسكان اللام، وقال ابن فارس: فواق الناقة رجوع اللبن في ضرعها بعد الحلب، كذا في المصباح. ١٢٩٦ - (وعنه قال: قيل) أي: قال جماعة للنبي وسلّ ولم أقف على اسم أحد منهم، ولم يتعرض له المصنف، ولا غيره فيما رأيت (يا رسول الله ما يعدل الجهاد في سبيل الله) أي : يساويه ويماثله (قال: لا تستطيعونه) كذا في بعض نسخ مسلم، وفي معظم نسخه بحذف النون. قال المصنف: وهذا أي: إثبات النون جار على اللغة المشهورة، والثاني صحيح أيضاً، وهي لغة فصيحة، حذف النون من غير ناصب ولا جازم (قال) أي: الراوي (فأعادوا عليه) أي: السؤال المذكور (مرتين أو ثلاثاً) منصوب على الظرفية (كل ذلك) بالرفع مبتدأ، أو بالنصب على الظرفية أي: في كل مرة (يقول: لا تستطيعونه ثم) بعد أن أبهم عظيم فضله وأجمل عدل (قال) أي: النبي ◌َّيه (في الثالثة) أي: في جوابها مبيناً لذلك (مثل المجاهد في سبيل الله) بفتحتين أي: صفته العظيمة الشأن التي كادت أن تكون كالمثل (كمثل الصائم القائم) أي: المجتهد (القانت) أي: المطيع (بآيات الله) الباء فيه للسببية علة للأخير العام، (١) أخرجه الترمذي في كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في فضل الغدو والرواح في سبيل اللّه، (الحديث: ١٦٥٠). ١٠٠ ١٠ - كتاب: الجهاد الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَفْتُرُ مِنْ صَلاةٍ ولا صِيامٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ في سَبيلِ اللهِ» مُنَّفَقَ عَلَيْهِ. وهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. وفي رِوايَةِ الْبُخارِيِّ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ، قَالَ: ((لا أَجِدُهُ))، ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقومَ ولا تَقْتُرَ، وتَصُومَ ولا تُفْطِرَ؟)) فَقالَ: ومَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ!(١). معناه لكل ما قبله، ويصح كونها للتعدية متعلقة على سبيل التنازع بالقائم، أو بالقانت ويراد به القارىء، ومنه حديث ((أفضل الصلاة طول القنوت)) أي: القراءة على أحد قولين فيه أو يراد به المطيل للقيام. قال العاقولي: يطلق القنوت على القيام وعلى طوله، وقوله (لا يفتر) بضم الفوقية أي: لا يغفل (من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله) أتى بالظرف إطنابًاً. (متفق عليه وهذا لفظ مسلم) في أواخر الجهاد من صحيحه (وفي رواية البخاري) أي: واللفظ في روايته، بنحو رواية مسلم وهو قوله: (أن رجلاً) قال الحافظ في الفتح: لم أقف على اسمه (قال: يا رسول الله دلني على عمل) التنوين فيه للتعظيم باعتبار ثوابه (يعدل الجهاد) بفتح التحتية (قال: لا أجده) أي: لا أجد عملاً يعدله من حيث الثواب، وهذا جواب السؤال (ثم قال) أي: النبي ◌َّ مستأنفاً مخاطباً للسائل عن ذلك (هل تستطيع) أي: تقدر (إذا خرج المجاهد) أي: للحرب (أن تدخل مسجدك فتقوم) بالنصب عطفاً على الفعل قبله، وكذا الأفعال التي بعده (ولا تفتر) أي: تسكن عن حدتك قال في المصباح: فتر عن العمل فتوراً من باب قعد سكن عن حدته، ولان بعد شدته (وتصوم ولا تفطر) أي: تداوم على الصلاة والصوم مدة غيبته عن أهله (فقال) أي: ذلك الرجل (ومن يستطيع ذلك) استفهام إنكاري أي: لا طاقة بذلك، وهذا باعتبار العادة البشرية المألوفة، وإلّ فذلك داخل تحت الإِمكان لا سيما لأرباب المجاهدات. قال السيوطي في التوشيح : إن قيل تقدم حديث ما لعمل في أيام أفضل منها في هذه الأيام يعني أيام العشر عشر ذي الحجة، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله. أجيب بأنه يحتمل أن يخص بهذا الحديث حديث الباب أو يحمل على ما في تتمة الحديث: إلا رجل خرج يخاطر بماله ونفسه فلم يرجع من ذلك بشيء (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: فضل الجهاد والسير، (الحديث: ٢٧٨٥). وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل الشهادة في سبيل الله تعالى، (الحديث: ١١٠)