Indexed OCR Text
Pages 501-520
١٨٣ - باب: في الحث على سور و آيات مخصوصة رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١) بنفسه ويقوم به غيره، وذلك غاية الجلال والعظمة ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾(٢) تنزيه وتقدیس له عما يستحيل عليه من صفات الحوادث والتقديس عما يستحيل عليه أحد أقسام المعرفة ﴿له ما في السموات وما في الأرض﴾ إشارة إلى الأفعال كلها وأن جميعها منه وإليه ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ إشارة إلى انفراده بالملك والحكم والأمر أنه لا يملك الشفاعة عنده في أمر من الأمور إلا من شرفه بها، وأذن له فيها وهذا نفي للشركة عنه في الملك والأمر ﴿يعلم ما بين أيديهم﴾ إلى قوله ﴿بما شاء﴾ إشارة إلى صفة العلم وتفضيل بعض المعلومات والانفراد بالعلم ولا علم لغيره إلا ما أعطاه ووهبه على قدر مشيئته وإرادته ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ إشارة إلى عظم ملكه وكمال قدرته ﴿ولا يؤوده حفظهما﴾ إشارة إلى صفة العزة وكمالها وتنزيهها عن الضعف والنقص ﴿وهو العلي العظيم﴾ إشارة إلى أصلين عظيمين في الصفات وحينئذ لا تجد في آية غيرها جميع هذه المعاني حتى آية ﴿شهد الله﴾(٣) إذ ليس فيها إلا التوحيد ﴿قل اللهم مالك الملك﴾ (٤) إذ ليس فيها إلا توحيد الأفعال والإِخلاص ليس فيها إلا التوحيد والتقديس والفاتحة فيها الثلاثة؛ لكنها مرموزة لا مشروحة نعم يقرب منها في جميعها آخر الحشر وأول الحديد ولكنها آيات لا آية واحدة على أنها تميزت عن تلك بالحي القيوم وهو الاسم الأعظم عند كثيرين، ومن شرف آية الكرسي اشتمالها على ستة عشر موضعاً فيها اسم الله تعالى لفظاً أو ضميراً بل إن عد المتحمل في الحي القيوم والعلي العظيم والفاعل المقدر في حفظهما المضاف لمفعوله بلغت إحدى وعشرين، وكما وصفت هذه الآية بأنها أعظم آي القرآن كما في حديث الباب وصفت بكونها سيدة آي القرآن في حديث الترمذي والحاكم ووصفت بهما دون الفاتحة فإنها إنما وصفت الأعظمية والأفضلية لما قال الغزالي: إن الجامع بين فنون الفضل وأنواعه الكثيرة يسمى أفضل فإن الفضل هو الزيادة، والأفضل هو الأزيد وأما السؤدد فهو رسوخ معنى الشرف الذي يقتضي الاستتباع ويأبى التبعية والفاتحة تتضمن التنبيه على معان كثيرة ومعارف مختلفة فكانت أفضل، وآية الكرسي تشتمل على المعرفة العظمى المقصودة المتبوعة التي يتبعها سائر المعارف، فكان اسم السيد بها أليق اهـ. ملخصاً من فتح الإِلَّه (رواه مسلم). (١) أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل سورة الكهف وآية الكرسي (الحديث: ٢٥٨). (٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥ . (٣) سورة آل عمران، الآية: ١٨ (٤) سورة آل عمران، الآية: ٢٦. ٥٠٢ ٨ - كتاب: الفضائل DX ١٠١٨ - وعنْ أَبي هُرِيْرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَ هَ بِحِفْظِ زكاةٍ رَمضانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رسولِ اللَّهِ وَ﴿. قالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ وعَلَيَّ عِيالٌ وبي حَاجَةٌ شَديدَةٌ، فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((يا أَبا هُريْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟)) قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ شَكا حَاجَةً وعِيالاً فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فقالَ: ((أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وسَيَعودُ)) فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ وَ فَرَصَدْتُهُ فَجاءَ يَحْثو مِنَ الطّعامِ، ١٠١٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله وَلير بحفظ) أي: في حفظ (زكاة رمضان) أي: زكاة الفطر وأضيفت لرمضان لكون إدراك جزء منه شرطاً لإِيجابها، ولجبرها خلل ما يقع خلال الصوم مما ينقصه ويمنع كماله فهي بمعنى اللام (فأتاني آت فجعل) أي: شرع (يحثو) بسكون المهملة بعدها مثلثة وللنسائي فوجد التمر كأنه قد أخذ منه ولابن الضريس: فإذا قد أخذ منه ملء كف (من الطعام) في إنائه أو ثوبه (فأخذته) أي: أمسكته قال السيوطي في التوشيح للنسائي: إن أبا هريرة شكا ذلك للنبي ومهير أولاً فقال: إن أردت تأخذه فقل سبحان من سخرك لحمله قال: فقلتها فإذا أنا به قام بين يدي فأخذته (فقلت: لأرفعنك) أي: والله لأذهبن بك (إلى رسول الله وَ ل(1) أي: لأعلمه بك وفاء بما فوض إلي من الحفظ المقتضي لمنع كل خائن ورفع من سرق أو اختلس شيئاً إليه ليحده أو يعزره بحسب ما يراه (قال: إني محتاج) أي: وهذا لذوي الحاجة (وعلي عيال) أي: نفقتهم (وبي حاجة شديدة) أي: إلى ما أخذت وهو تأكيد لما قبله بوجه أقوى، أو تأسيس حملاً لقوله: إني محتاج على أني فقير في نفسي، ولهذا على الحاجة للعيال ووصفها بشديدة؛ لأن الحاجة لهم أشد؛ لأنه يصبر أكثر منهم واقتصار أبي هريرة لما ذكر للنبي وَلَّ شكا حاجة شديدة يؤيد التأكيد (فخليت عنه) اجتهاد منه حمله عليه أن الطعام يجمع لذوي الحاجة فمن أخذ منه وهو محتاج ملكه والحراسة المفوضة إليه إنما هي من غير المحتاج (فأصبحت فقال النبي ◌َّر: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة) استفهام تقرير؛ لأن الله تعالى أطلع نبيه وَيقول على ما وقع لأبي هريرة وإن سيقع له، فأراد إعلام أبي هريرة حاله وبأنه سيعود (قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله) كناية عن إطلاقه وفكه من الأسر (قال: أما) بتخفيف الميم للاستفتاح وتدل على تحقيق ما بعدها (إنه قد كذبك وسيعود) أي: إليك فتحذر منه (فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله) وفي نسخة: لقوله (وَطّ فرصدته) أي: راقبته (فجاء بحثو) حال مقدرة؛ لأن الحثو عقب المجىء لا معه ويحتمل أن التقدير فجاء وجعل يحثو (من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله وسير قال: دعني) أي: ٥٠٣ ١٨٣ - باب: في الحث على سور و آيات مخصوصة فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ. قالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيالٌ لا أعودُ، فَرَ حِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقالَ لي رَسُولُ اللَّهِ مَّهِ: ((يا أَبا هُرِيْرَة مَا فَعَلَ أَسيرُكَ؟)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكا حاجَةً وعِيالاً فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَقالَ: ((إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وسَيَعودُ)) فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةِ، فَجَاءَ يَحْثو مِنَ الطّعامِ فَأَخْذْتُهُ، فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مَِّ، وَهَذَا آخِرِ ثَلاثِ مَرَّاتٍ إِنَّكَ تَزْعُمُ لا تَعودُ ثُمَّ تَعُودُ! فَقالَ: دَعْنِي فَإِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِها، قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِراشِكَ فَاقْرَأْ آيةَ الْكُرْسيِّ، اللَّهُ لا إله إِلَّ هُوَ، حَتَّى تَخْتِم الآيةَ فَإِنَّهُ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ اتركني وأتى به زيادة على ما قبله؛ لأنه طمع في الخلاص بمقتضى ما فعله معه أولاً (فإني محتاج وعلي عيال) حذف قوله ولي حاجة شديدة اكتفاءً بوجوده فيما قبله (لا أعود) أي: والله لا أرجع (فرحمته فخليت سبيله) وإنما خلاه مع قول النبي ◌َّ فيه إنه قد كذبك؛ لأنه ظن بتقرير النبي # له على إطلاقه أول مرة أن كذبه لا يوجب حرمانه أو أنه قد كذب في مجموع الأخبار لا في كل جزء منه أو أنه قد تاب من كذبه (فأصبحت فقال لي رسول الله: يا أبا هريرة ما فعل أسيرك) لم يقل له البارحة؛ لأنه لم يمض بعد قوله له غيرها بخلافه في الأول فإنه لو أطلق ولم يقيده بالبارحة لتوهم أن السؤال عما وقع له في عمره أو بعضه (قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله فقال: أما إنه قد كذبك وسيعود) وإنما أقره مسلم على إطلاقه بعد أن بين له أنه كاذب؛ لأنه علم أن له عذراً بظنه الذي ذكر آنفاً أو بغيره (فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله (*) ثم ذكر له ما يقطع سمعه أنه يطلقه فقال (وهذا) أي: المجيء الذي جثته (آخر ثلاث مرات إنك) تعليل لما تضمنه كلامه من عدم إطلاقه (تزعم لا تعود ثم تعود قال: دعني) أي: اتركني (أعلمك كلمات ينفعك الله بها) إنما عبر عنها بالكلمات الموضوعة الجمع القلة إيماءً إلى سهولة قراءتها وتيسر تلاوتها تنشيطاً للعامل والباء فيه للسببية وهي بجعل الله لها سبباً للنفع المذكور (قلت: ما هن) أي: الكلمات النافعة (قال: إذا أويت) بالقصر على الأفصح لكونه قاصراً أي: أتيت (إلى فراشك) المعد للنوم (فاقرأآية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾(١) حتى تختم الآية، فإنه) أي: الشأن (لن يزال عليك من الله حافظ) ومن ابتدائية أي: حافظ مبتدأ من حضرته تعالى وقيل: من للسببية مجرورها محذوف *00 (١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥ 00 ٥٠٤ ٨ - كتاب: الفضائل وَلَا يَقْرَبِكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ مَ: ((مَا فَعَلَ أَسيرُكَ الْبَارِحَةَ؟)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِماتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِها فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: ((مَا هِيَ؟)) قُلْتُ: قالَ لي: إذَا أَوَيْتَ إِلَى فِراشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِها حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ: ﴿اللَّهُ لا إِلَّه إِلَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقالَ لي: لا يزالُ عَلَيْكَ مِن اللَّهِ حافِظٌ ولَنْ يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فقالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وهُوَ كَذوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخاطِبُ مُنْذُ أي من أمره تعالى كقوله تعالى: ﴿يحفظونه من أمر الله﴾(١) أي: بسبب أمره لهم بحفظه وتنوين حافظ للتعظيم (ولا يقربك) بفتح الراء وبالنصب عطف على يزال ويجوز الرفع على الاستئناف (شيطان) أتى بهذه الجملة بعد ما قبلها مع تضمنها لهذه؛ لعظم ضرر الشيطان فنص على إبعاده فضلاً عن حصول وساوسه وإيذائه (حتى تصبح) أي: تدخل في الصباح وظاهر الخبر انتهاء ذلك بدخول الفجر وإن كان التالي للآية لم يقم من منامه ويحتمل أن يكون عبر به عن الاستيقاظ حينئذ كما هو الغالب (فخليت) أي: تركت (سبيله) لعظم رغبة الصحابة في أعمال البر وتجويزه توبته عن الكذب وحاجته كما أخبر؛ ولأنه قد علم ما يمنعه به عن الوصول لذلك بعد (فأصبحت فقال لي رسول الله ( 18) المعطوف عليه من هذه الجملة فيه وفيما تقدم مقدر أي: فأتيته فقال (ما فعل أسيرك البارحة قلت: يا رسول الله زعم) أتى به مع صحة معناه واستقامة مبناه؛ لأنه جوز ذلك لقوله ول *: فيه قد كذبك (إنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها) أي: بسببها لما رتبه تعالى على ذلك (فخليت سبيله قال: ما هي) أي: الكلمات (قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي) مبتدئاً (من أولها) واستمر (حتى تختم الآية). ثم عطف على آية الكرسي عطف بيان قوله (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) أي: إلى قوله وهو العلي العظيم (وقال لي: لا يزال) رواية بالمعنى وهو مؤيد لقول أهل الحق أن لن مثل لا في إفادة النفي من غير تأكيد ولا تأبيد إذ لو أفادت أحدهما لما وضع أبو هريرة موضعها لا هنا ولما وضع لن موضع لا في الجملة الثانية (عليك من الله حافظ) أحد الطرفين خبر يزال والثاني في محل الحال من حافظ لتقدمه عليه وكان قبل صفة له لنكارته (ولن يقربك شيطان حتى تصبح فقال النبي مثير: أما) بفتح الهمزة والميم الخفيفة حرف استفتاح لتنبيه المخاطب لما بعدها (إنه قد صدقك) بتخفيف الدال أي: قال لك قولاً (١) سورة الرعد، الآية: ١١. ٥٠٥ ١٨٣ - باب: في الحث على سور وآيات مخصوصة ثَلاثٍ يا أَباهُرِيْرَةَ؟)) قلْتُ: لا. قالَ: ((ذَلِكَ شَيْطانٌ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). ١٠١٩ - وعنْ أَبي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ هَ قالَ: ((مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ)). وفي روايةٍ: ((مِنْ آخِرِ سُورَةٍ الْکَهْفِ». مطابقاً للواقع (وهو كذوب) جملة حالية من فاعل صدق أتى بها تتميماً واستدراكاً لما أوهمه صدقك من أنه مدح له برفعه بصيغة المبالغة المبينة لغاية ذمه وقبحه (تعلم) بإضمار الهمزة الاستفهامية قبله أي أتعلم (من تخاطب) أي: تخاطبه (منذ) أي: من مدة (ثلاث) أي: من الليالي (يا أبا هريرة قلت: لا) أي: لا أعلمه (قال: ذلك شيطان رواه البخاري) في مواضع من صحيحه. ١٠١٩ - (وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله وَلقر قال: من حفظ) أي: عن ظهر قلب (عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال) بفتح المهملة وتشديد الجيم وهو الكذاب قال ثعلب: الدجال هو المموه یقال: سیف مدجل إذا طلي بذهب وقال ابن دريد: كل شيء غطيته فقد دجلته واشتقاق الدجال من هذه؛ لأنه يغطي الأرض بالجمع الكثير، وجمعه دجالون كذا في المصباح والمراد أن حفظها يكون عاصماً من فتنة المسيح الدجال الذي يخرج بآخر الزمان مدعياً الألوهية لخوارق تظهر على يديه كقوله للسماء: أمطري فتمطر لوقتها وللأرض أنبتي فتنبت لوقتها زيادة في الفتنة، ولذا لم توجد فتنة في الأرض أعظم من فتنته وما أرسل نبي إلا حذّره قومه منه وكان السلف يعلمون خبره الأولاد في الكتاتيب وجوز في فتح الإِله کون المراد به جنس الدجال أي: من يكثر منه الكذب والتلبيس، وقد ورد: ((لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالاً)) الحديث وفي حديث آخر: ((يكون في آخر الزمان دجالون)) ((قلت)) وفي هذا بعد (وفي رواية) أي لمسلم كما صرّح به آخرا (من آخر سورة الكهف) وسر عصمة من حفظ تلك الآيات منه اشتمالها على عجائب وآيات يمنع تدبرها من فتنته وأيضاً ففي أولها ذكر أولئك الفتية الذين نجاهم الله من جبار زمنهم فتعود بركتهم على قارئها حتى ينجيه الله كما أنجاهم وفي آخرها ﴿أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من (١) أخرجه البخاري في كتاب: الوكالة، باب: إذا وكل رجلاً فترك الوكيل فأجازه الموكل فهو جائز وأخرجه مختصراً في كتاب فضائل القرآن وبدء الخلق (٣٩٦/٤ و٣٩٨). ٥٠٦ ٨ - كتاب: الفضائل رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ(١). ١٠٢٠ - وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: بَيْنَمَا جِبْريلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النّبِيِّ وَ سَمِعَ نَقيضاً مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فقالَ: هَذَا بابٌ مِنَ السَّماءِ فُتِحَ الْيَوْمَ ولَمْ يُفْتَحْ قَطُ إِلّ الْيَوْمَ فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فقالَ: هَذَا مَلَكُ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّ الْيَوْمَ فَسَلّمْ وقَالَ: أَبْشِرْ بِنورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيِّ قَبْلَكَ، فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، دوني أولياء﴾(٢) (رواهما مسلم) أي: الروايتين المذكورتين وقد روى حديث: ((فضل العشر أولها)» أحمد وأبو داود والنسائي ورواه أبو عبيدة وابن مردويه من حديث أبي الدرداء أيضاً بلفظ: ((من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف كانت له نوراً يوم القيامة)). ١٠٢٠ - (وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: بينما) ما فيه كافّة لـ (بين) عن الإِضافة لما بعده (جبريل قاعد عند النبي ( ر سمع نقيضاً) بفتح النون وكسر القاف وسكون التحتية وبالضاد المعجمة، وسيأتي معناه (من فوقه فرفع رأسه فقال) ظاهر السياق أن الضمائر الثلاثة لجبريل وأيد بأنه أكثر اطلاعاً على أحوال السماء وأحق بالإِخبار عنها، وقيل: هي للنبي مثلة وقال بعضهم: الأولان له مَ﴿ والأخير لجبريل أي: لأن الظاهر أن جبريل إنما حضر لإِعلام النبي وهو بالأمر الغريب الآتي فالأنسب جعل ذلك النقيض تنبيهاً له خيلة ليستعلم جبريل عنه فيقع إخباره له به على غاية من التوجه والتمكن والظاهر أن مستند ابن عباس في حكاية ذلك التوقيف منه ، وحذف ذلك لوضوحه ويحتمل أن الله كشف له حتى رأى جبريل والملك النازل من السماء وسمع النقيض والقول (هذا باب من السماء) أي: الدنيا؛ لأن الأصح الأشهر الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة أن القرآن نزل من اللوح المحفوظ جملة إلى بيت العزة وهو في سماء الدنيا ليلة القدر، ثم نزل منها بعد منجماً بحسب المصالح والوقائع في عشرين أو ثلاث أو خمس وعشرين سنة على الخلاف في مدة إقامته ولا بمكة بعد البعثة (فتح) بالبناء للمفعول (اليوم) أي: الآن (لم يفتح) بالبناء للمفعول أيضاً (قط إلا اليوم) أشار به لتخصيصه بالفتح (فنزل منه) أي: الباب (ملك قال) أي: جبريل(هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل) بوزن يضرب (قط إلا اليوم) اختصاص هذين النورين بهذين الأمرين (١) أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل سورة الكهف وآية الكرسي (الحديث: ٢٥٧). (٢) سورة الكهف، الآية: ١٠٢ ١٨٣ - باب: في الحث على سور و آيات مخصوصة ٥٠٧ وخَواتِيمٍ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُما إِلَّ أُعْطِيتَهُ اللذين لم يقعا في غيرهما للدلالة على تمييزهما أو أفضليتهما واختصاصهما بما لم يوجد في غيرهما (فسلم) أي: ذلك الملك (وقال: أبشر) بفتح الهمزة وكسر الشين، أو بوصل الهمزة وفتح الشين في المصباح: بشر بكذا يبشر مثل فرح يفرح وزناً ومعنىٍّ، وهو الاستبشار أيضاً ويتعدى بالحركة فيقال: بشرته أبشره من باب نصر في لغة تهامة وما والاها والتعدية بالنقل إلى باب التفعيل لغة عامة العرب، وقرأ السبعة باللغتين اهـ. فقرأ من باب نصر ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وقوله تعالى: ﴿ذلك الذي يبشر الله عباده﴾(١) وقرأه الباقون من باب التفعيل، وفي مفردات الراغب بشرت الرجل وبشرته وأبشرته أخبرته بسار بسط بشرة وجهه، وذلك أن النفس إذا بشرت انتشر الدم فيها انتشار الماء في الشجر وبين هذه الألفاظ فرقة فبشرته عام وأبشرته أو بشرته على التكثير وقرىء بالثلاث قوله يبشرك اهـ. وظاهره أن يبشرك قرىء بالثلاث حيث وقع في القرآن وليس كذلك، فإنه لم يقرأ أحد من طريق السبعة ولا من طريق العشرة بل ولا من طريق الأربعة عشر إلا باللغتين، وهما كونه من باب نصر ومن باب التفعيل (بنورين) أي: لأن كلاً منهما يكون لصاحبه نوراً يوم القيامة يسعى أمامه لإِجلاله وتعظيمه أو في الدنيا بأن يتأمل في معانيه كناية عن هدايته بسبب ذلك إلى الصراط المستقيم (أوتيتهما) أي: أعطيتهما (لم يؤتهما نبي قبلك) إن قيل القرآن كله هكذا فما وجه اختصاص هذين بذلك قيل: الإِشارة إلى علو شأنهما وذلك لما اشتملا عليه من المعاني الجامعة المتعلقة بالألوهية وتوابعها مع وجازة لفظهما وبراعة نظمهما مما لم يشتمل على مثله غيرهما من بقية كتاب الله تعالى (فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة) خبر مبتدأ محذوف أي: هما هذان وابتداء خواتيم سورة البقرة من قوله تعالى ﴿آمن الرسول﴾(٢) كما في فتح الإِلَه ((قلت)) ولو قيل: إنه من قوله تعالى ﴿لله ما في السموات وما في الأرض﴾(٣) لم يبعد (لن تقرأ) الخطاب له ، والمراد هو وأمته إذ الأصل مشاركتهم له في كل ما أنزل عليه حتى يجيء ما يدل على التخصيص (بحرف) الباء فيه صلة للتأكيد، وتجويز كونها للإلصاق بعيد نعم يجوز كونها للاستعانة أي: لن تقرأ مستعيناً بحرف أي: جملة (منهما) على قضاء غرض لك (إلا أعطيته) كيف لا والفاتحة هي الكافية وتلك الخواتيم لمن قرأها في ليلة كافية (١) سورة الشورى، الآية: ٢٣. (٢) سورة البقرة، الآية: ٢٨٥ (٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٤ ٥٠٨ ٨ - كتاب: الفضائل رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ((النَّقيضُ)): الصَّوْتُ (١). ١٨٤ _ باب: في استحباب الاجتماع على القراءة ١٠٢١ - عنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمُ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، ويَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إلّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وحَقَتْهُمُ الْمَلائِكَةُ، وذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)). والمراد ثوابه الأعظم من ثواب نظيره في غير هذين أو المراد بالحرف معناه اللغوي، وهو الطرف وكني به عن كل جملة مستقلة بنفسها أي: أعطيت ما تضمنته إن كانت دعائية: كاهدنا، وغفرانك الآيتين وثوابهما إن لم يتضمن ذلك كالمشتملة على الثناء والتمجيد (رواه مسلم النقيض) بالضبط السابق (الصوت) وقال بعضهم: إنه صوت مثل صوت الباب إذا فتح . باب استحباب الاجتماع على القراءة وذلك لما فيه من تعظيم القرآن وإظهار شعاره بتكثير مجالسه وتعميم المواضع بتلاوته . ١٠٢١ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وخطله: وما (٢) اجتمع قوم) المراد به هنا ما يشمل الإناث ويحتمل تخصيصه بالذكور؛ لأنهم لكمال عقولهم بالنسبة إليهن يقومون بآداب مجلس التلاوة ولا كذلك هن (في بيت من بيوت الله) أي: المساجد وذكرها؛ لأنها الأعلى لا للتخصيص (يتلون كتاب الله) أي: يقرءونه جملة حالية من الفاعل (ويتدارسونه بينهم) أي: يتوازعون دراسته والأولى فيها أن يقرأ الثاني ما قرأ الأول قيل: إنه هكذا كانت مدارسة النبي وقيل مع جبريل (إلا نزلت عليهم السكينة) بالتخفيف وحكي في النوادر تشديدها وقال: لا نعرف في كلام العرب فعيلة مثقلة إلا هذا الحرف وهو شاذ كذا في المصباح قال المصنف في شرح مسلم: وقد قيل في معنى السكينة أشياء المختار أنها شيء من مخلوقات الله تعالى فيه طمأنينة ورحمة ومنه الملائكة والله أعلم. (وغشيتهم) أي: (١) أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة. (الحديث: ٢٥٤). (٢) قوله (وما إلخ) هذه قطعة من حديث تقدم بتمامه في باب قضاء حوائج المسلمين ٥٠٩ ١٨٥ - باب: في فضل الوضوء رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ١٨٥ - باب: في فضل الوضوء قال اللَّهُ تَعالى(٢): ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ عمتهم (الرحمة) أي: الفضل والإِحسان، ويجوز أن يراد بها إرادة ذلك والتعميم باعتبار التعلق (٣) (وحفتهم) بفتح المهملة وتشديد الفاء أي: أحاطت بهم (الملائكة) تشريفاً وتعظيماً لهم لما تلبسوا به من التلاوة (وذكرهم الله فيمن عنده) من الملائكة والعندية عندية مكانة لا عندية مكان تعالى الله عن ذلك والظاهر أن كل جملة من العطايا فوق ما قبلها فيكون فيه كالترقي وذلك؛ لأن ذكر الله أعلى المقامات كما قال تعالى: ﴿ولذكر الله أكبر﴾ (٤) ويليه إحاطة الملائكة بهم ويليها عموم الرحمة لهم الشاملة لتنزل السكينة إذ هو منها والله أعلم (رواه مسلم). باب فضل الوضوء بضم الواو من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة. وشرعاً استعمال الماء في أعضاء مخصوصة منفتحاً بنية وفرض مع فرضية الصلاة ليلة الإسراء (قال الله تعالى: يأيها الذين آمنوا إذا قمتم) أي: أردتم القيام (إلى الصلاة) ثم قيل في الآية حذف والتقدير وأنتم محدثون، وقال القاضي أبو الطيب: في الآية حذف وتقديم وتأخير، ذكره الشافعي عن زيد بن أسلم تقديرها: إذا قمتم إلى الصلاة من النوم أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء فاغسلوا وجوهم - إلى - وأرجلكم وإن كنتم جنباً فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماءً فتيمموا قال: وزيد من العالمين بالقرآن والظاهر أنه إنما قدرها توقيفاً مع أن التقدير لا بد منه فإن نظمها يقتضي أن المرض والسفر حدثان ولا قائل به اهـ. قال الشيخ زكريا: ويغني عن تكلف التقديم والتأخير أن يقدر جنباً في قوله ﴿وإن كنتم مرضى (١) أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (الحديث: ٣٨). (٢) سورة المائدة، الآية: ٦. (٣) أي إذا أريد بالرحمة إرادة الإِحسان كان تعميمها للمجتمعين باعتبار تعلقها لا باعتبار ذاتها صفة واحدة يستحيل تعددها. ع (٤) سورة العنكبوت، الآية: ٤٥ . ٥١٠ ٨ - كتاب: الفضائل فَاغْسِلوا وجُوهَكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . أو على سفر﴾(١) وقال آخرون: لا تقدير في الآية ولا تقديم ولا تأخير، فقيل: بل الآية على عمومها والأمر شامل للمحدث على سبيل الإِيجاب، وللمتطهر على سبيل الندى وقيل: إن الآية نزلت للإعلام بأن الوضوء لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال إذ كان لا يمنع من غيرها من الأعمال عند الحدث قال العزبن عبد السلام في كتاب أحكام القرآن: ظاهر الآية الكريمة إيجاب الوضوء لكل صلاة سواء أحدث أم لا لكن ورد في صحيح مسلم أن النبي * كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات الخمس بوضوء واحد فقال عمر: فعلت شيئاً لم تكن تفعله قال: ((عمداً فعلته يا عمر)) قال الحازمي: قال الخطابي: ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يجب الوضوء إلا من حدث. ولما روي عن النبي ◌َّ: ((أنه كان يتوضأ)) ... أي لكل فرض محمول على التماس الفضل وبين النبي ◌َّ للناس الجواز(٢) بالحديث المتقدم، وفيه أيضاً دليل على أنه لا يشترط فعل الوضوء عند القيام إلى الصلاة بل لو قدمه أو أخره عن الوقت أجزأه، وإن كان ظاهر الآية الكريمة لا يشعر بذلك (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) أي: معها؛ لأن الجمهور على دخول المرفقين في الغسل (وامسحوا برءوسكم) الباء فيه للإلصاق أو للتبعيض (وأرجلكم إلى الكعبين) قرىء بالنصب عطفاً على الوجوه، أو الأيدي لفظاً وبالجر لفظاً للجوار، وهي منصوبة محلاً عطفاً على أحدهما، أو بالجر لفظاً ومحلاً عطفاً على رؤوس وتحمل على لابس الخف أو الغسل الخفيف، وهذه الآية الكريمة ذكر فيها أربعة من أركان الوضوء، فمن قال: لا ركن إلا تلك الأربعة فأمره واضح ومن قال بوجوب غيرها كالنية والترتيب عند إمامنا الشافعي أخذ ذلك من أدلة تقتضيه. أما النية فمن نحو قوله : ((إنما الأعمال بالنيات)) وأما الترتيب فمن الآية؛ لأنه فصل فيها بالرأس الممسوح بين اليد والرجل المغسولين، والعرب لا تفصل بين المتجانسين إلا لنكتة وهي هنا وجوب الترتيب لا ندبه؛ لأن الآية مسوقة لبيان مفروضاته وكالتسمية عند جمع، وكغسل الكفين عند القيام من النوم، وكالمضمضة والاستنشاق في أشياء قيل بوجوبها؛ لأدلة أخرى تشهد لها من كتاب أو سنة (وإن كنتم جنباً فاطهروا) أي: فاغتسلوا (وإن كنتم مرضى أو على سفر(٣) (١) سورة المائدة، الآية: ٦ (٢) أي جواز فعل الصلوات الخمس بوضوء واحد (٣) في الجلالين في سورة النساء وإن كنتم مرضى مرضاً يضره الماء أو على سفر أي مسافرين وأنتم جنب أو محدثون اهـ. ٥١١ ١٨٥ - باب: في فضل الوضوء ١٠٢٢ - وعَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ يقولُ: ((إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيامَةِ غُرَّاً مُحَجَّلين مِنْ آثارِ الْوُضوءِ فَمَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطيلَ أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم) أي: لمستم (النساء) أي: الأجنبيات، لا من وراء حائل وقيد بذلك أخذاً من قاعدة يستنبط من النص معنى يعود عليه بالتخصيص (فلم تجدوا ماء(١) فتيمموا) فاقصدوا (صعيداً) تراباً ذا غبار يتصاعد (طيباً) طهوراً (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) مع المرافق (منه) عوضاً عن استعمال الماء للعجز عنه (ما يريد الله ليجعل عليكم) بما فرض من الغسل والوضوء والتيمم (من حرج) ضيق (ولكن يريد ليطهركم) من الأحداث والذنوب (وليتم نعمته عليكم) بيان ما هو مطهرة للقلوب والأبدان من الآثام والأحداث (لعلكم تشكرون) أي: نعمتي فأزيدها عليكم. ١٠٢٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: إن أمتي) أي أمة الدعوة(٢) (يدعون) بالبناء للمفعول أي: يسمون والواو نائب فاعله (يوم القيامة) ظرف لما قبله (غراً) بضم الغين المعجمة، وتشديد الراء جمع أغر كحمر جمع أحمر، وليس أغر أفعل تفضيل كما قال ابن فرحون في إعراب عمدة الأحكام؛ لأنه لو كان كذلك لما جمع لوجوب إفراد وتذكير أفعل التفضيل النكرة وغراً مفعول ثان ليدعون أي: يسمون بذلك و (محجلين) حال من الضمير فيه ويجوز أن يكونا حالين أي: يدعون يوم القيامة حال كونهم فيها غراً محجلين أو يدعون بمعنى ينادون، وهم بهذه الحالة وما قيل: من أن كلاً من الغرة والتحجيل صفة لازمة لهم في الآخرة غير منتقلة عنهم فكيف يكون حالاً أجيب عنه بأنها هنا في حكم المنتقلة؛ لأن المعلوم من سائر الخلق عدم الغرة والتحجيل، فلما جعل الله ذلك لهذه الأمة دون سائر الأمم صارت في حكم المنتقلة بهذا المعنى. ويحتمل أن تكون هذه علامة لهم في الموقف وعند الحوض، ثم تنتقل عنهم عند دخولهم الجنة فتكون منتقلة بهذا المعنى والغرة: غسل ما زاد على فرض الوجه من أطراف الناصية والأذن وبعض العنق. والتحجيل: غسل ما فوق الواجب من اليد والرجل وغايته استيعاب العضد والساق. (من) تعليلية (آثار الوضوء) جمع أثر ويجوز أن تكون من لابتداء الغاية وعليه لا تعارض بينه وبين حديث الترمذي: ((أمتي يوم القيامة غر من السجود محجلون من الوضوء)؛ لأن نور الوجه له : (١) تتطهرون به للصلاة بعد الطلب والتفتيش وهو راجع لها ما عدا المرضى اهـ (٢) كذا بالأصل. والصواب أمة الإجابة ٥١٢ ٨ - كتاب: الفضائل غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ١٠٢٣ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ خَليلي وَ يَقولُ: ((تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ سبيان الوضوء والسجود والظرف تنازعه يدعون وغراً ومحجلين. قال ابن فرحون: قلت: قال في الكشاف في قوله تعالى: ﴿ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض﴾ (٢) ((فإن قلت)) بم تعلق من الأرض أبالفعل أم بالمصدر ((قلت)): هيهات إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل (٣)١ هـ. وظاهره أنه ليس من التنازع بل متعلق بالفعل على المذهبين والله أعلم. (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) وفي رواية: الغرة والمراد منه ما يشمل التحجيل أو حذف اكتفاء؛ بدلالة مقابله عليه ومن اسم شرط مبتدأ والخبر جملة الشرط، وقيل: الخبر الجواب؛ لأن به تتم الفائدة وقيل: الخبر مجموع فعل الشرط والجواب، وقيل: ما فيه ضمير منهما، والظرف متعلق بالفعل ومن فيه محتملة للتبعيض ولبيان الجنس، وأن يطيل مفعول وعدل إليه عن إطالة لأن المطلوب نفس الفعل لا هيئته قال السهيلي: إذا قلت كرهت خروجك احتمل أن يكون المكروه نفس الخروج وهيئته وإذا قلت: كرهت أن خرجت كان المكروه نفس الفعل (متفق عليه) قال القلقشندي في شرح عمدة الأحكام: وأخرجه أحمد وابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجة والإِسماعيلي وأبو عوانة والترمذي وأبو نعيم والبيهقي وغيرهم. ١٠٢٣ - (وعنه رضي الله عنه قال: سمعت خليلي وسّل) أصل الخليل الصديق فعيل بمعنى مفعول، وهو المحبوب الذي تخللت محبته في القلب فصارت في خلاله أي: باطنه واختلف في الخليل فقيل: الصاحب وقيل: الخالص في الصحبة وقيل: من ليس في صحبته خلل وقيل: الذي يوالى فيه ويعادى وقيل غير ذلك واختلف في اشتقاقه فقيل: من الخلة بفتح المعجمة أي: الحاجة وقيل: بضمها أي: تخلل المودة في القلب وقيل: من الخلة بالضم نبت يستخليه الإِبل. وقد تقدم في صدر الكتاب الخلاف في الأرفع من مقامي المحبة والخلة، ولا منافاة بين هذا وقوله مثل: ((لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي)) الحديث؛ لأن الممتنع اتخاذ المصطفى ور لأحد غير مولاه تعالى خليلاً لا اتخاذ غيره له خليلاً (يقول (١) أخرجه البخاري في كتاب: الوضوء، باب: فضل الوضوء والغر المحجلون من آثار الوضوء (٢٠٧/١، ٢٠٨). وأخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجل في الوضوء (الحديث: ٣٥). (٢) سورة الروم، الآية: ٢٥. (٣) هذا مثل كقولهم إذا حضر الماء بطل التيمم. ع ٥١٣ ١٨٥ - باب: في فضل الوضوء الْمُؤمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ١٠٢٤ - وعَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (( مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضوءَ خَرجَتْ خَطَايَاهُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفارِهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). تبلغ الحلية) بكسر الحاء المهملة وسكون اللام (حيث يبلغ الوضوء) قيل: المراد هنا حلية أهل الجنة لما أخرج ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((تبلغ حلية أهل الجنة مبلغ الوضوء من المؤمن)) وقيل المراد أن حلى المؤمن في الجنة يصل ما يصله ماء الطهارة . وفيه تحريض على الغرة والتحجيل (رواه مسلم) وذكر البخاري معناه في آخر كتاب اللباس في باب نقص الصور من طريق أبي قال: دخلت مع أبي هريرة داراً بالمدينة فرأى أعلاها مصوراً بصور، فقال: سمعت النبي وَلَّ يقول. الحديث. وفيه: ثم دعا بتور من ماء فغسل يديه حتى بلغ إبطيه فقال: يا أبا هريرة أشيء سمعته من النبي وَّ قال: منتهى اللحية. ١٠٢٤ - (وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ ل: من توضأ فأحسن الوضوء) أي: من توضأ فأحسن الوضوء وهو المشتمل على سننه وآدابه. قال المصنف: ففيه الحث على الاعتناء بتعلم أدب الوضوء وشروطه والعمل بذلك والاحتياط فيه والحرص على وجه يصح عند جميع العلماء، ولا يترخص بالاختلاف، فينبغي أن يحرص على التسمية والنية والمضمضة والاستنشاق والاستنثار وغير ذلك من المختلف فيه اهـ. (خرجت خطاياه) المراد بها الصغائر المتعلقة بحق الله تعالى وخروجه مجاز عن غفرانها؛ لأنها ليست بأجسام (حتى) غاية لتعميم خروجها من جميع جسده كما صرح به في رواية مسلم كما في المشارق أي: خرجت من جميع أجزائه حتى (تخرج من تحت أظفاره) قال ابن ملك: وهذا تأكيد لدفع من يتوهم أن المراد ما يصيبه الوضوء فأن قيل: ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة الآتي: ((إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن)) الخ يدل على أن المغفور ذنوب أعضاء الوضوء فقط فلم لم يحمل الساكت على الناطق. قلنا: لا حاجة؛ لأن كلاهما معمول به فغفران جميع الجسد يكون عند التوضء بالتسمية. وفي قوله: فأحسن الوضوء إشارة لوجودها فيه، وغفران أعضاء الوضوء يكون عند عدم التسمية يدل عليه حديث عبد الرزاق عن حسن الكوفي مرسلاً من ذكر الله أول وضوئه طهر به جسده كله. وإن لم يذكر الله لم يظهر إلا مواضع الوضوء (رواه مسلم) (١) أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء (الحديث: ٤٠). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: خروج الخطايا مع ماء الوضوء (الحديث: ٣٣). ٥١٤ ٨ - كتاب: الفضائل ١٠٢٥ - وعنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ تَوضَّأَ مِثْلَ وُضوئي هَذَا ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ تَوضَّأَ هَكَذَا غُفِرَ لَه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وكانَتْ صَلاتُهُ ومَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ نافلَةً)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). ١٠٢٦ - وعَنْ أَبي هُرِيْرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوِ الْمُؤمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وجْهِهِ كلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْها بِعَيْنَيْهِ مَعَ ١٠٢٥ - (وعنه قال) بعد أن أتي بالوضوء على كمال المشروع (رأيت رسول الله صل﴿ توضأ مثل) في رواية نحو (وضوئي هذا) رأى فيه إن كانت علمية فالجملة تأتي مفعولها وإن كانت بصرية فالجملة في محل الحال بإضمار قد (وقال: من توضأ هكذا) أي: مثل هذا فالكاف في محل المفعول المطلق صفة لمصدر مقدر. وفي رواية من توضأ نحو وضوئي هذا (قال) المصنف إنما لم يقل مثل؛ لأن حقيقة مماثلته * لا يقدر عليها غيره. لكن يشكل عليه أنه وقع في رواية البخاري: من توضأ مثل هذا الوضوء. وفي رواية لمسلم وابن حبان: من توضأ مثل وضوئي هذا. فظهر أن التعبير بنحو من تصرف الرواة؛ لأنها تطلق على المثلية مجازاً ومثل يطلق على الغالب أيضاً، وبه تلتئم الروايتان قاله في فتح الباري (غفر له) بالبناء للمفعول نائب فاعله (ما تقدم من ذنبه) أي: الذي تقدم أو المتقدم منها والمراد كما تقدم صغائرها المتعلقة بحق الله تعالى (وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة) عطف على جملة الجواب (رواه مسلم) ورواه بدون قوله: ((وكانت صلاته)) الخ وبزيادة قوله: ((ثم صلى ركعتين لا يحدث فيها نفسه)) البخاري وأبو داود والنسائي وابن خزيمة والطبراني والبزار والإِسماعيلي وأبو عوانة والدارقطني والبرقاني وأبو نعيم والبيهقي وغيرهم ذكره القلقشندي في شرح عمدة الأحكام. ١٠٢٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله وَ ل ◌َل قال: إذا توضأ العبد) أي: المكلف حراً أو رقيقاً ذكراً أو أنثى (المسلم أو) شك من الراوي (المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة) كناية عن غفرانها كما تقدم (نظر إليها بعينيه) ذكر تأكيداً للمبالغة، وإلا فالنظر لا يكون بغيرها وكذا يقال في يداه ورجلاه الآتيين ثم الكلية فيها مخصوصة بغير الكبائر وحقوق العباد لما ورد مما يشهد بالتخصيص (مع الماء) فيكون خروج خطيئة كل جزء منه (١) أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه (الحديث: ٨). ٥١٥ ١٨٥ - باب: في فضل الوضوء الْماءِ، أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ الْماءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْها يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ الْمَاءِ فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْها رِجْلاهُ مَعَ الْماءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْماءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيَّاً مِنَ الذُّنوبُ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). ١٠٢٧ - وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَتَى الْمَقْبَرَةَ فَقالَ: ((السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤمِنِينَ، وإِنَّا إِنْ شَاء اللَّهُ بِكُمْ لاحِقونَ، مع جزء الماء الماس له (أو) شك من الراوي (مع آخر قطر) بضم ففتح جمع قطرة أي : مع آخر قطرات (الماء) وقيل: خصت العين بالذكر مع أن في الوجه الفم والأنف والأذن؛ لأنها طليعة القلب ورائده، فأغنت عن غيرها، ويؤيده حديث: ((فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه)) اهـ. وتعقبه في فتح الإِلّه في قوله: إن الأذن من الوجه وفي أن كون العين طليعة لا ينتج الجواب عن تخصيص خطيئتها بالمغفرة قال: بل الذي يتجه في الجواب أن سبب التخصيص كون كل من الفم والأنف والأذن له طهارة مخصوصة خارجة عن طهارة الوجه فكانت متكفلة بإخراج خطاياه بخلاف العين ليس لها طهارة إلا في غسل الوجه، فحطت خطيئتها عند غسله دون غيرها مما ذكر اهـ. (فإذا غسل يديه خرج) من يديه (كل خطيئة كان بطشتها يده مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً) أي: منقى ومطهراً (من الذنوب) أي: الصغائر المتعلقة بحق الله تعالى كما ذكر آنفاً (رواه مسلم). ١٠٢٧ - (وعنه: أن رسول الله ◌َ لل أتى إلى المقبرة) بتثليث الموحدة قاله المصنف والمراد بها البقيع (فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين) هو بنصب دار قال صاحب المطالع: هو منصوب على الاختصاص أو النداء المضاف، والأول أظهر قال: ويصح الخفض على البدل من الكاف في عليكم. والمراد بالدار على هذين الوجهين الأخيرين الجماعة أو أهل الدار، وعلى الأول مثله أو الثاني (وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) قال المصنف: أتى بالاستثناء مع أن الموت لا شك فيه. وللعلماء فيه أقوال: أظهرها: ليس للشك، ولكنه للتبرك وامتثال أمر الله بفعله في قوله: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾ (٢). (١) أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: خروج الخطايا مع ماء الوضوء (الحديث: ٣٢). (٢) سورة الكهف، الآيتان : ٢٣، ٢٤. ٥١٦ ٨ - كتاب: الفضائل وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا)) قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإخْوانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ)) قَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((أَرَأَيْتُ لَوْ أَنَّ رجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرِّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟)) قَالوا: بَلَى والثاني: حكاه الخطابي، أنه عادة للمتكلم يحسن به الكلام. والثالث: أن الاستثناء عائد إلى لحوق في خصوص المكان، وقيل: أقوال أخر ضعيفة جداً (وددت) بكسر المهملة الأولى (أنا قد رأينا) أي: أبصرنا (إخواننا) أي: رأيناهم في الحياة قال عياض: وقيل المراد تمني لقائهم بعد الموت، وفيه جواز التمني لا سيما في الخبر ولقاء الفضلاء (قالوا) أي: الصحابة الذين معه حينئذ (أو لسنا إخوانك) المعطوف عليه مقدر بين همزة الاستفهام والواو أي: أتتمنى لقاء إخوانك ولسنا إخوانك (قال: أنتم أصحابي) وفي نسخة من مسلم بزيادة بل (وإخواننا الذين لم يأتوا بعد) قال المصنف: قال الإِمام الباجي: ليس هذا نفياً لإِخوتهم ولكن ذكر مزيتهم بالصحبة أي: فأنتم إخوة صحابة، والذين لم يأتوا إخوة ليسوا بصحابة كما قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾(١) قال القاضي عياض: ذهب أبو عمر بن عبد البر في هذا الحديث وغيره من الأحاديث في فضل من يأتي آخر الزمان أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من هو أفضل ممن كان من جملة الصحابة، وأن قوله وَّر: ((خيركم قرني)) على الخصوص معناه خير الناس قرني أي: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، ومن سلك مسلكهم فهؤلاء أفضل الأمة، وهم المرادون بالحديث أما من خلط في زمنه وَّ﴿ وإن رآه وصحبه ولم يكن له سابقة ولا أثر في الدين فقد يكون في القرون التي تأتي بعد القرن الأول من يفضلهم على ما دلت عليه الآثار. قال القاضي عياض: وقد ذهب إلى هذا أيضاً غيره من المتكلمين على المعاني. قال: وذهب معظم العلماء على خلاف هذا، وأن من صحب النبي وَل# ورآه مرة من عمره وحصلت له مزية الصحبة أفضل من كل من يأتي بعد، وأن أفضلية الصحبة لا يعدلها عمل قالوا: وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واحتجوا بقوله *: ((لو أنفق أحد منكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه)) اهـ. (قالوا: وكيف تعرف من لم يأت بعد) بالبناء على الضم (من أمتك) متعلق بيأت (يا رسول الله) تشرف لهم بالخطاب لسيد الأحباب (فقال أرأيت) بفتح الفوقية أي: أخبرني (لو أن رجلاً) أي: لو ثبت أن رجلاً (له خيل غر محجلة) الغرة بياض (١) سورة الحجرات، الآية: ١٠. ٥١٧ ١٨٥ - باب: في فضل الوضوء يا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرّاً مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وأنَا فَرَطُهُمْ عَلى الْخَوْضِ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). ١٠٢٨ - وعنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لَ قَالَ: ((ألا أدُلُّكُمْ عَلى مَا يَمْحو اللَّهُ بِهِ الْخَطايا، ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟)) قالوا: بَلَى يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: ((إِسْبَاغُ في وجه الفرس. والتحجيل بياض قوائمه إذا جاوز البياض الأرساغ إلى نصف الوضيف أو نحو ذلك، وذلك موضع التحجيل فيه قاله في المصباح (بين ظهري) بفتح الراء ويقال: ظهراني بزيادة الألف والنون قيل: وهو مفخم للتأكيد (خيل) أي: بينها (دهم) بضم المهملة وسكون الهاء جمع أدهم وهو الأسود والدهمة السواد (بهم) بضم الموحدة وسكون الهاء قيل: معناه السود أيضاً وقيل البهيم الذي لا يخالط لونه لوناً سواه سواء كان أبيض أم أحمر بل يكون لونه خالصاً. وهذا قول ابن السكيب وأبي حاتم السجستاني (ألا يعرف) أي: الرجل (خيله) المتميزة من خيل غيره (قالوا: بلى قال: فإنهم يأتون غراً محجلين) منصوبين على الحال، ويحتمل أن يكونا مترادفين من فاعل يأتي، وأن يكونا متداخلين بأن يكون الثاني من ضمير ما قبله (من الوضوء) من تعليلية أي: لأجل الوضوء (وأنا فرطهم) بفتح الواو والراء وبالطاء المهملة قال الهروي وغيره: أي: أتقدمهم (إلى الحوض) يقال: فرطت القوم إذا تقدمتهم لترد لهم الماء وتهيء لهم الدلاء. والحوض هو الكوثر الذي أعطيه وعمثله وهو اثنان واحد في عرصات الموقف من شرب منه لم يظمأ أبداً والثاني داخل الجنة قاله القرطبي وغيره. وفي الحديث بشارة لهذه الأمة زاد الله شرفها فهنيئاً لمن كان رسول الله ولايؤد فرطه (رواه مسلم). ١٠٢٨ - (وعنه أن رسول الله وسلم قال: ألا) بتخفيف اللام حرف أتي به لتنبيه السامع لما بعده (أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا) بالعفو عنها بالغفران أو يمحوها من ديوان الكتبة فيكون دليل غفرها جعل العفو مسبباً عن مدخول الباء يومىء إليه أن الممحو الصغائر المتعلقة بحق الله تعالى؛ لأنها المكفرة بالطاعات ولما كان تكفير الخطايا تخلية بالمعجمة قدمه على قوله (ويرفع به الدرجات) أي: في الجنة لكونه تحلية بالمهملة وهي متأخرة عن تلك وفيه شرف ما يذكر فيه وإن لم يقتصر على تكفير المأثم بل ضم لذلك إعلاء الدرجات، وذكر ذلك قبل ذكر المحدث عنه به فيه تشويق أي: تشويق فيكون ذلك أقر في ذهن السامعين؛ لشدة طلبهم له فلذا قال: (قالوا: بلى) أي: دلنا عليه (يا رسول الله) أي: وشأن (١) أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة ... (الحديث: ٣٩) ٥١٨ ٨ - كتاب: الفضائل الْوُضُوءِ عَلى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطا إِلَى الْمَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ١٠٢٩ - وعَن أَبِي مَالِكِ الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِه : ((الطُّهورُ شَطْرُ الإِيمَانِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢) وَقَدْ سَبَقَ بِطُولِهِ فِي بابِ الصَّبْرِ (٣). وفي الباب حَديثُ عَمْرِوبْنِ عَبَسَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في آخِرِ بابِ الرَّجاءِ. وهُوَ حَديثٌ الرسول الحرص على ما ينفع أمته ولا نفع كالمذكور في الحديث (قال: إسباغ الوضوء) بالرفع أي: هو إسباغ الوضوء مع ما بعده مما تقدم فيه العطف للربط وإسباغه: إتمامه (على المكاره) أي: من نحو شدة البرد (وكثرة الخطا) بضم المعجمة (إلى المساجد) وتلك تكون من بعد الدار وكثرة التكرار وفي الصحيح أن بني سلمة أرادوا أن ينتقلوا من محلتهم لمحل يقرب المسجد فقال وسلم: ((دياركم تكتب آثاركم)) (وانتظار الصلاة بعد الصلاة) قال الباجي: هذا في المشتركتين من الصلوات في الوقت وأما غيرهما فلم يكن من عمل الناس قال المصنف: وفي التخصيص نظر (فذلكم الرباط) أي: المرغب فيه، وأصل الرباط الحبس على الشيء كأنه حبس نفسه على هذه الطاعة قيل: ويحتمل أنه أفضلها. وجاء في رواية لمسلم تكرار هذه الجملة مرتين. وفي الموطأ تكرارها ثلاثاً فقيل: التكرار للاهتمام به وتعظيم شأنه وقيل: تكراره جرى على عادته ويسر من تكراره الكلام ليفهم عنه (رواه مسلم) وقد تقدم الحديث مشروحاً في باب بيان طرق الخير. ١٠٢٩ - (وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَثار: الطهور) بضم الطاء المهملة: التطهير ويصح فتحها ويكون على تقدير مضاف أي: استعمال الطهور حالة الطهارة (شطر الإِيمان) أي: شرط الصلاة أو جزء من الإِيمان وعبر عنه بالشطر إيماءً إلى تشريفه (رواه مسلم) وغيره (وقد سبق) بطوله (في باب الصبر أوائل الكتاب وفي الباب حديث عمرو بن عبسة) بفتحات (رضي الله عنه السابق) بالرفع (في آخر باب الرجاء وهو حديث عظيم مشتمل على جمل) بضم ففتح جمع جملة أي: مطالب (من الخيرات) هذا وكان على المصنف أن يقول: وهما حديثان عظيمان الخ؛ لأن حديث أبي مالك مشتمل (١) أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: فضل إسباغ الوضوء على المكاره (الحديث: ٤١). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء (الحديث: ١). (٣) انظر الحديث (٢٥). ٥١٩ ١٨٥ - باب: في فضل الوضوء عَظِيمٌ مُشْتَمِلُ عَلى جُمَلٍ مِنَ الْخَيْرَاتِ(١). ١٠٣٠ - وعَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ قالَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَبْلُغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الْوُضوءَ ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلّه إِلّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاء)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وزادَ التِّرْمِذِيُّ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوابينَ، على جملة من الخيرات أيضاً وقد أفرد شرحه بالتأليف الحافظ العلائي، والمراد منهما ثواب أعمال من الطاعات. ١٠٣٠ - (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: ما منكم) الظرف خبر مقدم (من أحد) مزيدة في المبتدأ للتنصيص على العموم (يتوضأ) صفة المبتدأ أو حال منه خبر والظرف قبله حال من المبتدأ أو من ضميره في الجملة (فيبلغ) بضم أوله وكسر ثالثه مرفوع من الإِبلاغ أي: يكمل الوضوء بالإِتيان بواجباته ويحتمل ومندوباته (أو) شك من الراوي (فيسبغ الوضوء) قال المصنف: هو بمعنى يبلغ قلت: فيؤيد إرادة مندوباته (ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له) مدلول لا إله إلا الله توحيد الذات، والمراد من وحده توحيد الصفات ومن لا شريك له توحيد الأفعال (وأشهد أن محمداً عبده) بدأ به؛ لأن العبودية أشرف من رسالته وهيلر كما يدل عليه وصفه تعالى له بها على أشرف المواطن (ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية) بضم الفاء فكسر الفوقية المخففة ويحتمل التشديد للتكثير لتكرر الفعل لتعدد الأبواب والظرف للربط تقول: (٢) حفظت لزيد ماله (يدخل من أيها شاء) جملة مستأنفة؛ لبيان حال المتطهر أو حال مقدرة، ولا مخالفة بين هذا الحديث وحديث الريان يدخل منه الصائمون دون غيرهم؛ لأن ما في حديث الباب أنه ينادى منها كلها؛ لكونه عمل بعمل أهل كل باب تشريفاً له في ذلك الموقف ثم يلهم الدخول من الباب الغالب عليه عمله (رواه مسلم) قال الحافظ العسقلاني في أمالي الأذكار بعد إخراج الحديث: هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (وزاد الترمذي: اللهم اجعلني من التوابين) صيغة المبالغة إما لتكرارها وإما للمبالغة في إتقانها وضبط (١) انظر الحديث (٤٣٦). (٢) لعله ((كما تقول)). ع. ٥٢٠ ٨ - كتاب: الفضائل واجْعَلْني مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ))(١). ١٨٦ - باب: في فضل الأذان ١٠٣١ - عَنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا في النِّدَاءِ والصَّفِّ الْأُوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدوا إلّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، مكملاتها (واجعلني من المتطهرين) أي: من الذنوب والمآثم كما يومىء إليه حذف المعمول. ثم ما عبر به المصنف عبر بمثله في الأذكار، وقد تعقبه فيه الحافظ ابن حجر بأن هذه الزيادة لم تثبت في هذا الحديث فإن جعفر بن محمد شيخ الترمذي تفرد بها ولم يضبط الإِسناد ثم بين وجه عدم ضبطه بمخالفته للثقات قال: ووجدت لهذه الزيادة شاهداً من حديث ثوبان مولى رسول الله ويهلل قال: قال رسول الله وَ له: ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال عند فراغه لا إله إلا الله وحده لا شريك له اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فتح الله له ثمانية أبواب الجنة يدخل من أيها شاء)). باب فضل الأذان أي: والإقامة. والأذان والتأذين والأذين لغةً: الإِعلام، وشرعا: قول مخصوص يعلم به وقت الصلاة، والأصل فيه قبل الإِجماع قوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ (٢)، وقوله: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة﴾(٣) وخبر عبد الله بن عبد ربه الأنصاري في الأذان والإِقامة رواه الشيخان في صحيحيهما. ١٠٣١ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وسلم قال: لو يعلم الناس) قال الطيبي: أتى بالمضارع محل الماضي إقامة له مقام ما يستدعيه إذ المراد ثم حاولوا الاستباق عليه لوجب عليهم ذلك أو ليفيد استمرار العلم، فإنه ينبغي أن يكون على بال (ما في النداء) أي الأذان وحذف من البيانية لإِبهام ما إيماءً إلى أن الفعل المبين بها إبهامها مما لا تسعه عبارة (والصف الأول) هو على الصحيح الصف الذي يلي الإِمام وإن كان أبعد من الكعبة من (١) أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: الذكر المستحب عقب الوضوء (الحديث: ١٧). وأخرجه الترمذي في كتاب: الطهارة، باب: فيما يقال بعد الوضوء (الحديث: ٥٥) (٢) سورة الجمعة، الآية: ٩. (٣) سورة المائدة، الآية: ٥٨.