Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ ٢ - كتاب: أدب الطعام ٧٥٦ - وعنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: قالَ رسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لا تَشْرِبُوا واحِداً كَثُربِ الْبَعِيرِ، ولَكِنِ اشْرَبوا مَثْنَى وَثُلاثَ، وسَمُوا إِذَا أَنْتُمْ شَربْتُمْ، واحْمَدوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ)) رواه التِّرِمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ(١). ٧٥٧ - وعنْ أَبي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَ نَهِى أَنْ يُتْنَفَّسَ فِي الإِناءِ. عن التنفس في الإِناء الآتي في الباب بحمل حالة النهي على التنفس في نفس الإِناء حالة الشرب وحالة الفعل على التنفس خارجه. فالنهي على ظاهره وحديث الفعل على تقدير كان يتنفس حال الشراب ثلاثاً، أي: في حال حمل الإِناء. وقال القرطبي : قال بعضهم: هذا منه ◌َّ معارض للنهي عنه وحينئذ هذا بيان الجواز، وأن النهي للتنزيه لا للتحريم. وقيل بل هذا من خصائصه؛ لأنه كان لا يتقذر بشيء منه اهـ. ٧٥٦ _ (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَّه: لا تشربوا واحداً) صفة مصدر محذوف، أي: شراباً بأن لا تتنفسوا بينه (كشرب البعير) فإنه لا يتنفس بين شربه (ولكن) بكسر النون لملاقاتها ساكنة مع شين (اشربوا مثنى) أي: في نفسين (وثلاث) بضم المثلثة أنفاساً ثلاثة. تقدم في كلام الفتح أن هذا الحديث وما في معناه محمول على التنفس في الإِناء، وحديث الأمر بأن يتنفس في الشرب مرة محمول على ما لم يتنفس فيه، قال في الفتح : النهي عن الشرب من نفس واحد للتنزيه (وسموا إن أنتم شربتم) إن شرطية والضمير المنفصل بعدها فاعل لفعل الشرط المقدر المفسر بالمذكور بعده وكذا حال الشرطية بعده (واحمدوا إن أنتم رفعتم) من الشراب في كل مرة من الثلاث أو المرتين، واختلاف حرفي الشرط تفنن في التعبير (رواه الترمذي) في جامعه (وقال: حديث حسن) خالفه الحافظ في فتح الباري فحكم بأن سنده ضعيف، ثم قال بعده فإن كان محفوظاً إلخ ما قال اهـ. والترمذي كثيراً ما يخالفه الحافظ في حكمه على الحديث، على أن النسخة التي عندي من الترمذي فيها ما يوافق كلام الحافظ؛ فإن فيها هذا حديث غريب، وليس فيها تعرض لتحسينه، ورأيت كذلك في نسخة أخرى، والذي حسنه الترمذي في ذلك الباب حديث آخر فلعل بصر المصنف انتقل منه إلى حديث الباب. ٧٥٧ - (وعن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أن النبي ◌ّ نهى أن يتنفس في الإِناء) قال (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الأشربة، باب: ما جاء في التنفس في الإِناء، (الحديث: ١٨٨٥). ٢٤٢ ١١١ - باب: في آداب الشرب مُتَّفَقْ عَلَيْهِ. يَعْنِي يَتْنَفَّسُ في الإِنَاءِ(١). ٧٥٨ - وعنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ أُتِيَّ بِلَبَنِ قَدْ شِيبَ بِماءٍ وعَنْ يَمِينِهِ أَعْرابيٍّ، وعَنْ يَسارِهِ أَبو بَكْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَشَرِبَ ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرابِيَّ وقالَ: المهلب: النهي عن التنفس في الشرب كالنهي عن النفخ في الطعام والشراب من أجل أنه قد يقع فيه شيء من الريق فيعافه الشارب ويستقذره إذا كان التقذر في مثل ذلك عادة غالبة على طباع أكثر الناس. قال الحافظ: ولا فرق في ذلك بين كونه مع غيره أو وحده، إذ لا يؤمن مع ذلك أن تفضل فضلة أو يحصل النفور من الإِناء أو نحوه، وقال: قال العربي: قال علماؤنا هو من مكارم الأخلاق، ولكن يحرم على الرجل أن يناول أخاه ما يقذره فإن فعله في خاصة نفسه ثم جاء غيره فليعلمه فإن لم يعلمه فهو غش والغش حرام. وقال القرطبي : معنى النهي عن التنفس في الإِناء لئلا يتقذر به من البزاق أو أثر رائحة كريهة تعلق بالماء، وعليه إذا لم يتنفس يجوز له الشرب بنفس واحد، وقيل: يمنع لأنه شرب الشيطان (متفق عليه) رواه البخاري في الطهارة، وقال الترمذي: حسن صحيح (يعني) بالتنفس المنهي عنه (يتنفس في نفس الإِناء) تقدم أن هذا هنا إشارة لدفع التعارض بين الحديثين. ٧٥٨ - (وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله وَليل أتي) بالبناء للمجهول (بلبن قد شيب) بكسر المعجمة. وشوبه إما لإبراد حرارته لكونه حليباً، أو ليكثر فيعم (بماء) وقد عين في رواية أخرى بأنه الذي حلب وشاب المحلوب بالماء؛ فإن كانت القصة واحدة فأبهم الفاعل لغرض، وإن كانت متعددة وأن ما في هذا الحديث غير ما في قصته فالأمر واضح (وعن يمينه أعرابي وعن يساره أبو بكر رضي الله عنه) الجملة حال من ضمير أتى، وقد جاء في رواية: ((وعن يساره أبو بكر وعمر تجاهه)) (فشرب ثم أعطى الأعرابي فضله) أي: ما فضل من الإِناء بعد شربه (وقال) جواباً لقول عمر له كما جاء في رواية فقال عمر وخاف أن يعطيه الأعرابي أعط أبا بكر، وفي رواية فقال عمر: هذا أبو بكر قال الخطابي : كانت العادة جارية لملوك الجاهلية ورؤسائهم بتقديم الأيمن في الشرب وغيره، فخشي عمر تقديم الأعرابي على أبي بكر كذلك فنبه عليه لأنه احتمل عنده تقديم النبي سير أبا بكر تلك العادة فتصير السنة تقديم (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأشربة، باب: النهي عن التنفس في الإِناء وفي الوضوء باب: لا يمسك ذکره بیمینه إذا بال (٢٢١/١، و٢٢٢) و (٨٠/١٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: النهي عن الاستنجاء باليمين، (الحديث: ٦٥). ٢٤٣ ٢ - كتاب: أدب الطعام ((الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ))، مُتَّفَقٌّ عَلَيهِ. قوله (شِيبَ) أَيْ خُلِطَ (١). ٧٥٩ - وعنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِ أُتيَ بِشَرابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وعَنْ يَمِينِهِ غُلامٌ، وعَنْ يَسارِهِ أَشْياخْ، فقالَ لِلْغُلامِ: ((أَتَأْذَنُ لي أَنْ أُعْطِيَ هَؤلاءِ؟)) فقالَ الْغُلامُ: لا واللَّهِ، لا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَداً فَلَّهُ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ فِي الأفضل في الشرب على الأيمن فبين وسلّ بفعله وقوله: (الأيمن فالأيمن) أن تلك العادة لم تغيرها السنة وأنها مستمرة من تقديم الأيمن على غيره، وإن كان أفضل، ولا يحط ذلك من رتبته، وكأن ذلك لفضل اليمين على اليسار، ويجوز رفع الأيمن على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي: الأيمن أحق فالأيمن أو على أنا خبر لمبتدأ محذوف، أي: المقدم الأيمن، أو فاعل لمحذوف أي: يقدم الأيمن، ويجوز النصب على تقدير قدموا أو أعطوا. قال في الفتح: واستنبط من تكرير الأيمن أن السنة إعطاء من على اليمين ثم الذي يليه وهكذا، ويلزم منه شرب عمر قبل أبي بكر، لكن الظاهر أن عمر يؤثر أبا بكر اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري ومسلم في الأشربة من صحيحيهما (قوله شيب أي: خلط) ومحل النهي عن شراب اللبن بالماء إنما هو في المبيع منه لما فيه من الغش والخديعة المحرمين. ٧٥٩ - (وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله وَلي أتي بشراب فشرب منه) أي: بعضه (وعن يمينه غلام) سيأتي تسميته (وعن يساره أشياخ) تقدم معناه (فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء) قال ابن الجوزي: إنما استأذن الغلام دون الأعرابي؛ لأنه لم يكن له علم بالشريعة فاستألفه بترك استئذانه، بخلاف الغلام. وقال المصنف: السر فيه أن ابن عباس كان ابن عمه وكان له عليه إدلال، وكان من عن اليسار أقارب الغلام فطيب نفسه مع ذلك بالاستئذان لبيان الحكم، وأن السنة تقديم الأيمن ولو مفضولاً بالنسبة إلى من على اليسار، وقد جاء في السنن أن النبي ◌َّير تلطف به ((وقال: الشربة لك وإن شئت آثرت بها خالد)) أو في لفظ لأحمد ((وإن شئت آثرت عمك)) وإنما أطلق عليه عمه لأنه أسن منه، ولعل سنه كان قريباً من سن العباس، وإن كان من جهة أخرى من أقرانه لكونه ابن خالته، وكان خالد مع رياسته في الجاهلية وشرفه في قومه قد تأخر إسلامه، فلذا استأذن له ابن عباس (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأشربة، باب: شرب اللبن بالماء وباب: الأيمن فالأيمن (١٤٨/٥) و (٦٦/١٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: استحباب ادارة الماء واللبن ... (الحديث: ١٢٤). ٢٤٤ ١١٢ - باب: في كراهة الشرب من فم القربة يَدِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قوله: (تَلَّهُ) أيْ وضعَهُ، وَهَذَا الْغُلامُ هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١). ١١٢ - باب: في كراهة الشرب من فم القربة ونحوها وبيان أنه كراهة تنزيه لا كراهة تحريم بخلاف أبي بكر؛ فإن رسوخ قدمه في الإسلام وسبقه يقتضي طمأنينته بجميع ما يقع منه وقدثية وعدم التأثر بشيء منه. قال الحافظ ابن حجر: وظاهر قوله أتأذن لي إلخ أنه لو أذن لأعطاهم، فيؤخذ منه جواز الإِيثار بمثل ذلك، وهو مشكل على ما اشتهر من كراهة الإِيثار بالقرب ١ هـ. وقد أجبت عنه في كتاب فضل زمزم (فقال الغلام: لا) المنفي محذوف بدليل ذكره في الاستفهام، أي: لا أوثر به (والله) وأكد بالتصريح بذكر ذلك المقدر بقوله: (لا أوثر بنصيبي منك أحداً) أي: من قريب ولا من شيخ لما في ذلك النصيب من علو المقام المكتسب له بكونه سؤر المصطفى ## (فتله رسول الله وَالر في يده متفق عليه) وقد تقدم الحديث مع شرحه في باب التنافس في أمور الآخرة (قوله تله) بفتح المثناة الفوقية وتشديد اللام (أي وضعه) وقال الخطابي: وضعه بعنف وأصله من الرمي على التل وهو المكان العالي، ثم استعمل في كل شيء يرمى به وفي كل إلقاء. وقيل هو من التلتل بلام ساكنة بين المثناتين الفوقيتين المفتوحتين وآخره لام وهو العنف ومنه ﴿وتله للجبين﴾ أي: صرعه فألقى عنقه وجعل جبينه إلى الأرض، والتفسير الأول أليق بمعنى حديث الباب، وقد أنكر بعضهم تقييد الخطابي الوضع بالعنف. اهـ. ملخصاً من الفتح للحافظ (وهذا الغلام هو ابن عباس رضي الله عنهما) أي: عبدالله لأن هذا اللفظ منصرف إليه، وهو ما حكاه ابن التين، قال في الفتح: وهذا هو الصواب، وحكى ابن بطال أنه الفضل أخوه . باب كراهة الشرب من فم القربة ونحوها كالدورق الذي يخشى بروز مؤذ حال الشرب لا يتمكن من رده. (وبيان أنه) أي: النهي المدلول عليه بالكراهة (كراهة تنزيه لا كراهة تحريم). (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأشربة، باب: هل يستأذن الرجل من عن يمينه في الشرب ليعطي الأكبر (٧٦/١٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: استحباب ادارة الماء واللبن ... (الحديث: ١٢٧). ٢٤٥٠ ٢ - كتاب: أدب الطعام ٧٦٠ - عنْ أَبِي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ بَ عَنِ اخْتِنَاثِ الْأَسْقِيَةِ، يَعْني أنْ تُكْسَرَ أَفْوَاهُها ويُشْرِبَ مِنْها. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٧٦١ - وعنْ أَبي هُرِيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: نَهى رسُولُ اللَّهِ وَّهِ أَنْ يُشْرَبَ مِنْ فِيِّ ٧٦٠ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: نهى رسول الله وَّل عن اختناث الأسقية) قال في فتح الأله: الاختناث افتعال من الخنث بالخاء المعجمة والنون والمثلثة، وهو الانطواء والتكسير والانثناء. والأسقية جمع سقاء والمراد المتخذ من الأدم صغيراً كان أو كبيراً. وقيل القربة قد تكون كبيرة وقد تكون صغيرة، ولا يكون السقاء إلا صغيراً (يعني أن تكسر) أي: تثنى (أفواهها فيشرب منها) وليس المراد الكسر حقيقة ولا إبانتها، والقائل يعني لم يصرح به، وقد أدرج التفسير في الخبر في رواية في البخاري. قال ابن المبارك: قال معمر أو غيره: هو الشرب من أفواهها. وقد جزم الخطابي أن تفسير الاختناث من كلام الزهري، ويحمل تفسير الاختناث بمطلق الشرب من أفواهها على القيد بكونه مع كسر فمها وقلب رأسها، ووقع في مسند أبي بكر بن أبي شيبة في رواية في أول هذا الحديث: ((شرب رجل من سقاء فانساب في بطنه حيان فنهى رسول الله وسلّم)) فذكره، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة وفرقهما. والأفواه جمع فم وهو على سبيل الرد إلى الأصل في فم؛ لأنه فوه نقصت منه الهاء لاستثقال هائين في نحو فوهة، فلما لم تحتمل الواو بعد حذف الهاء لسكونها عوضت ميماً فقيل فم، وهذا إذا أفرد، ويجوز أن يقتصر على الميم حالة ضافته فتعتوره حركات الإِعراب ظاهرة، فإن أضيف إلى مضمر كفت الحركات ولا يضاف مع الميم إلا في ضرورة شعر كقوله: ((يصبح ظمآن وفي البحر فمه)). فإن أراداو تصغيره أو تكسيره ردوه إلى الأصل فقالوا فويه وأفواه دون فميم وأفمام اهـ. ملخصاً (متفق عليه) روياه في الأشربة من صحيحيهما، ورواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، وابن ماجه كلهم في الأشربة من سننهم. ٧٦١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلّ أن يشرب من في السقاء أو) شك من الراوي (القربة) قال في الفتح: وكان الشك من سفيان فقد وقع في رواية عبدالجبار بن العلاء عن سفيان عند الإسماعيلي من في السقاء، وفي رواية ابن أبي عمر (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأشربة، باب: اختناث الأسقية (٧٨/١٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، (الحديث: ١١٠ - ١١١). ٢٤٦ ١١٢ - باب: في كراهة الشرب من فم القربة السِّقَاءِ أَوِ الْقِرْبَةِ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ(١). ٧٦٢ - وعنْ أُمِّ ثَابِتٍ كبْشَةَ بِنْتِ ثَابِتٍ أُخْتِ حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعنها قالتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللّهِ وَ فَشَرِبَ مِنْ فِي قِرْبةٍ مُعَلَّقَةٍ قَائِماً فَقُمْتُ إِلَى فِيها فَقَطَعْتُهُ. رَواه التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَديثٌ حَسنٌ صَحِيحٌ. وإِنَّمَا قَطَعَتْها لِتَحْفَظَ مَوْضِعَ فَمِ رَسُولِ اللهِ وَه، وتَتَبَرَّكَ بِهِ وَتَصُونَهُ عَنِ الابْتِذَالِ وهَذَا الْحَديثُ مَحْمولٌ عَلى بدله عنده من فم القربة (متفق عليه) روياه في الأشربة، ورواه ابن ماجه فيها. ٧٦٢ - (وعن أم ثابت كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة وبشين معجمة. قال ابن الأثير: ويقال كبيشة بالتصغير وتعرف بالبرصاء (بنت ثابت) الأنصارية (أخت حسان) بفتح المهملة الأولى وتشديد الثانية أحد شعراء النبي وَ لَّ (ابن ثابت رضي الله عنه) قدم ضميره لقربه، وإن كان فيه ترك لترتيب نشر اللف (وعنها) وعدل إلى ما عبر به مع ما فيه من الطول دفعاً لتوهم عود الضمير عليها وعلى أبيها فيوهم صحبته. روي لها عن رسول الله بص لة حديث واحد، ذكرها ابن الجوزي، خرج لها الترمذي وابن ماجه. ثم ما جزم به المصنف من كونها أخت حسان حكاه المزي في الأطراف بصيغة يقال أنها أخت حسان بن ثابت وهي جدة عبدالرحمن بن أبي عمرة وجزم ميرك في شرح الشمائل بما جزم به المصنف واستظهره القاري وجزم الشارح به وقال: هي كسيبة الأنصارية من بني مالك بن النجار. (قالت دخل علي رسول الله بِ ﴿ فشرب من في قربة معلقة قائماً) أتى بها لبيان أن النهي عن الشرب من فم القربة وعن القيام حال الشرب ليس على سبيل التحريم بل على سبيل التنزيه أو أنه فعل ذلك لعدم إمكان الشرب حينئذ إلا كذلك (فقمت إلى فيها) أي: قاصدة إليه (فقطعته رواه الترمذي) في جامعه وشمائله (وقال) في جامعه (حديث حسن صحيح) غريب، ورواه ابن ماجه أيضاً وابن الأثير في أسد الغابة. وقال: رواه الثلاثة يعني: ابن عبدالبر وأبا نعيم وابن منده (وإنما قطعتها) أي: القربة بقطع فمها (لتحفظ موضع فم رسول الله ( 18) أي: عندها (وتتبرك به) بالنصب عطفاً على تحفظ، والعطف هنا بالواو أحسن من عطف بعضهم لأحدهما على الثاني بأو الموهم إنه لأحدهما مع أنه لا مانع من كونه لهما، كما صرح به المؤلف هنا. وفي شرح مسلم فقال: وقطعته لأمرين فذكرهما (وتصونه عن الابتذال) أي: الامتهان (وهذا الحديث) أي: ما فيه من الشرب من في القربة وقائماً (محمول على بيان (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأشربة، باب: الشرب من فم السقاء (٧٨/١٠، ٧٩)، ولم نجده في مسلم. ٢٤٧ ٢ - كتاب: أدب الطعام بَيَانِ الْجَوازِ، وَالْحَديثانِ السَّابِقَانِ لِبَيَانِ الْأَفْضَلِ والْأَكْمَلِ واللَّهُ أَعْلَمُ (١) ١١٣ - باب: في كراهة النفخ في الشراب ٧٦٣ - عنْ أَبِي سَعيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ﴿ نَهى عَنِ النَّفْخِ في الشَّرابِ، فَقَالَ رَجُلٌ: الْقَذَاةُ أَرَاها في الإِنَاءِ، فقالَ: ((أَهْرِفْها)) قَالَ: فَإِنِّي لا أُرْوِى مِنْ نَفَسٍ واحِدٍ، قَالَ: ((فَأَبِنِ الْقَدَحَ إِذَاً عَنْ فِيكَ)) رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(٢). ٧٦٤ - وعنِ ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ نَهِى أَنْ يُتْنَفَّسَ في الإِناءِ الجواز) كما تقدم مع وجه آخر كذلك (والحديثان السابقان) في النهي عن الشرب من في القربة (لبيان الأفضل والأكمل والله أعلم) فلا منافاة، وقد كان ◌َّر يجب عليه فعل المكروه ليشرعه ويعلم منه جوازه، فالكراهة بالنسبة لغيره لا له. باب كراهة النفخ (بالمعجمة) في الشراب خشية تقذر الشراب بما يصل إليه بواسطة النفخ . ٧٦٣ - (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ولو نهى عن النفخ في الشراب نهياً تنزيهياً فقال رجل القذاة) واحدة القذا. قال في الصحاح: القذاة في العين، وفي الشراب ما يسقط فيه. وهو مرفوع خبره جملة (أراها) أي: أبصرها، أو منصوب بمحذوف تفسيره الفعل المذكور (في الإِناء فقال أهرقها) بالهاء أي: أرقها (قال: فإني لا أروي من نفس) بفتح الفاء (واحد) أي: لغلبة العطش (قال: فأبن) أي: أزل (القدح إذاً عن فيك) وتنفس لئلا يسبق شيء بالنفس إلى الإِناء فتقذره (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) وانفرد به عن باقي الستة كما يؤخذ من الأطراف للمزي . ٧٦٤ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ( نهى أن يتنفس) بالبناء للمفعول أو (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الأشربة، باب: ما جاء في الرخصة في اختناث الأسقية، (الحديث: ١٨٩٣). (٢) أخرجه الترمذي في كتاب: الأشربة، باب: ما جاء في كراهية النفخ في الشراب، (الحديث: ١٨٨٧). ٢٤٨ ١١٤ - باب: في بيان جواز الشرب قائماً أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ، رَواه التِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). ١١٤ - باب: في بيان جواز الشرب قائماً وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعداً فِيهِ حَديثُ كَبْشَةَ السَّابِقُ . ٧٦٥ - وعنْ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: سَقَيْتُ النَّبِيَّ وَّهِ مِنْ زَمْزَمَ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ. مُتَّفَقُ عَلَيْهِ(٢). ٧٦٦ - وعَنِ الَّزَّالِ بنِ سَبْرَةَ بالبناء للفاعل؛ وهو المتنفس المفهوم من الفعل قبله (في الإِناء أو) للتنويع (ينفخ فيه) وذلك خشية الاستقذار (رواه الترمذي) هو والحديث قبله في باب واحد وترجم بما ترجم المصنف (وقال: حسن صحيح) الذي رأيته في أصل معتمد منه هذا الحديث صحيح. باب بيان جواز الشرب قائماً أي: عدم حرمته فلا ينافي كراهته (وبيان أن الأكمل والأفضل الشرب قاعداً فيه) أي: في الباب (حديث كبشة السابق) مع شرحه في باب كراهة الشرب من فم القربة. ٧٦٥ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سقيت النبي ◌ّ ر من زمزم) فيه إطلاق ذلك على نفس الماء فيكون زمزم اسماً له، ويحتمل أن يكون على تقدير مضاف، أي: من ماء زمزم فيكون زمزم اسماً للبئر (فشرب وهو قائم) وذلك لبيان الجواز، أو لضيق المحل عن التمكن من الجلوس للشرب. وقد بسطت الكلام على ذلك في كتاب درر القلائد فيما يتعلق بزمزم وسقاية العباس من الفوائد (متفق عليه) روياه في الأطعمة من صحيحهما. ٧٦٦ - (وعن النزال) بفتح والنون وتشديد الزاي (ابن سبرة) بفتح المهملة وسكون الموحدة (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الأشربة، باب: ما جاء في كراهية النفخ في الشراب، (الحديث: ١٨٨٨). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: ما جاء في زمزم والأشربة، باب: ما جاء في زمزم، (٧٤/١٠، ٧٥). وأخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: الشرب من زمزم قائماً، (الحديث: ١١٧). ٢٤٩ ٢ - كتاب: أدب الطعام قالَ: أَتِى عَلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَابَ الرَّحْبَةِ فَشَرِبَ قائِماً وقالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ فَعَلَ كَمَا رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١). ٧٦٧ - وعنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَاقالَ: كُنَّا نَأْكُلُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ مَِ ونَحْنُ نَمِشِي، ونَشْرَبُ ونَحْنُ قِيامٌ. رواه التِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(٢). الهلالي الكوفي ثقة من كبار التابعين، وقيل إن له صحبة كذا في تقريب الحافظ، وليس للنزال في البخاري سوى هذا الحديث كما في الفتح (قال: أتى علي رضي الله عنه باب الرحبة) بفتح الراء وبالمهملة وبالموحدة، وهو المكان المتسع ومنه رحبة المسجد وهي ساحته. قال ابن التين: فعلى هذا تسكن حاء الرحبة، ويحتمل أنها صارت رحبة الكوفة بمنزلة رحبة المسجد فيقرأ بالتحريك. قال الحافظ ابن حجر: وهذا هو الصحيح (فشرب قائماً) أي: بعد غسله وجهه ورأسه ورجليه (وقال: إني رأيت) أي: أبصرت (رسول الله وال فعل كما رأيتموني فعلت) وجملة فعل إلخ في محل الحال من مفعول الفعل بإضمار قد، ويجوز كون رأى علميه فالجملة ثاني مفعوليها والمشار إليه بقوله فعل كما رأيتموني فعلت قال الحافظ: هو الشرب من قيام، ثم أورد ما يدل له ومنه قول على أن أشرب قائماً فقد رأيت رسول الله وَّر يشرب قائماً وإن أشرب قاعداً فقد رأيته يشرب قاعداً (رواه البخاري) في الأشربة من صحيحه، ورواه أيضاً أبو داود فيها، والترمذي في الشمائل، والنسائي في الطهارة . ٧٦٧ - (وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: كنا نأكل على عهد) أي: زمن (رسول الله وَل} ونحن نمشي) الجملةِ الإِسمية حال من فاعل نأكل، وهذا محمول على أنه جائز، أي: لا يحرم؛ وإن كان منهياً فيه تنزيهي لا تحريمي، وكذا قوله: (ونشرب ونحن قيام) جمع قائم كقوله تعالى: ﴿فاذكروا الله قياماً وقعوداً﴾(٣) وهذا الفعل خلاف الأكثر من شأنهم فيهما، فالأكثر فعل الأكل والشرب من قعود (رواه الترمذي) في الأشربة من جامعه (وقال: حديث صحيح) والذي في نسختي منه هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. ورأيته كذلك عند المزي في الأطراف. فلعل حذف (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأشربة، باب: الشرب قائماً، (٧١/١٠). (٢) أخرجه الترمذي في كتاب: الأشربة، باب: ما جاء في النهي عن الشرب قائماً، (الحديث: ١٨٨٠). (٣) سورة النساء، الآية: ١٠٣. ٢٥٠ ١١٤ - باب: في بيان جواز الشرب قائماً ٧٦٨ - وعَنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عنْ أَبِهِ عنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: رَأْيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَشْرِبُ قَائِماً وقاِداً. رواهُ النِّرْمِذِيُّ، وقال: حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحُ(١). ٧٦٩ - وعنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ أَنَّهُ نَهى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِماً. قالَ قَتَادَةُ: فَقُلْنَا لِنَسِ : فَالْأَكِلُ؟ قَالَ: ذَلِكَ أَشَرُّ أَوْ أَخْبَثُ. رَواهُ مُسْلم. وفي روايةٍ الوصفين من النسخة التي عند المؤلف من النساخ. قال المزي: ورواه ابن ماجه في الأطعمة. ٧٦٨ - (وعن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاص (عن أبيه عن جده) أي: جد أبيه وهو ابن العاص، ولذا قال: (رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله وَلخل يشرب قائماً) محمول عند الجمهور كما تقدم على بيان الجواز، أو أن ضرورة ضيق المحل حملته على ذلك (وقاعداً) هذا هو الأكثر وهو الأكمل والأفضل (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح) الذي في نسختي من الجامع الاقتصار على وصف الحسن، وكذا اقتصر المزي في الأطراف بقوله: وقال حديث حسن. ٧٦٩ - (وعن أنس رضي الله عنه عن النبي ◌َّ نهى أن يشرب الرجل قائماً) بتقدير أنه قبل الفعل، وروى التثليث الترمذي وحسنه من حديث الجارود (قال قتادة) هو ابن دعامة السدوسي البصري تابعي ثقة ثبت. قال الحافظ في التقريب: يقال إنه ولد أكمه، خرج عنه الجميع (فقلنا لأنس فالأكل) أي: قائماً كيف هو أيكره كالشرب قائماً (قال: ذلك أشر) قال المصنف: كذا وقع في أصول مسلم أشر بالألف، والمعروف في اللغة بحذفها وكذا أخبر قال تعالى: ﴿فسيعلمون من هو شر مكاناً﴾(٢) وقال أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً، ولكن هذه اللفظة وقعت على الشك فإنه قال أشر (أو أخبث) فشك الراوي عن قتادة في أي اللفظين صدر من أنس فلا يثبت عن أنس أنه قال: أشر بالألف لهذه الرواية، فإن ثبت عنه من رواية أخرى كان عربياً فصيحاً قليل الاستعمال، قال: ولهذا نظير مما لا يكون معروفاً عند النحاة وجارياً على قواعدهم وتثبت به الرواية فلا ينبغي رده إذا ثبت، بل يقال هذه لغة قليلة الاستعمال، وسببه أن النحاة لم يحيطوا إحاطة قطعية بجميع كلام العرب، ولذا يمنعٍ بعضهم ما ينقل غيره عن العرب كما هو معروف اهـ. قال في الفتح: وإنما جعل الأكل شراً لطول زمانة بالنسبة لزمان الشرب (رواه مسلم في رواية له) عن أنس (أن النبي ◌َّ زجر) (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الأشربة، باب: ما جاء في الرخصة في الشرب قائماً، (الحديث: ١٨٨٣). (٢) سورة مريم، الآية: ٧٥. -! ٢٥١ ٢ - كتاب: أدب الطعام لَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِماً(١). ٧٧٠ - وعنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهُ مَ: ((لا يَشْرَبْنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِماً، فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِىْ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(٢). أي: منع (عن الشرب قائماً) والمنع على سبيل التنزيه الدليل شربه وَّله قائماً. ٧٧٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: لا يشربن أحد منكم قائماً فمن نسي) فشرب كذلك. قال المصنف وتبعه العراقي في شرح الترمذي لا مفهوم لهذا القيد فمن شرب قائماً ولو عامداً (فليستقىء) أي: يتقايا(٣)، والسين للمبالغة، وخص النسيان بالذكر لكون شأن المؤمن ألا يفعل ذلك بعد النهي غالباً إلا نسياناً. قال الحافظ في الفتح: ويطلق النسيان بمعنى الترك فيشمل العمد، ومنه قال المصنف بعد أن ذكر الأحاديث الواردة في المنع من الشرب قائماً والواردة في إجازة ذلك: الصواب أن النهي فيها محمول على التنزيه وشربه قائماً لبيان الجواز، ومن زعم نسخاً أو غيره فإنه لا يصار إلى النسخ إلا عند تعذر إمكان الجمع مع ثبوت التاريخ، وفعله و # لذلك لا يكون مكروهاً في حقه أصلاً؛ لأنه كان يفعل الشيء للبيان المرة والمرات ويواظب على الأفضل، والاستقاء محمول على الاستحباب، لأن الأمر إذا لم يحمل على مقتضاه من الوجوب حمل على الاستحباب، وقول عياض: لا خلاف بين أهل العلم أن من شرب قائماً لا يتقايأ وأشار به إلى تضعيف الحديث لا يلتفت إلى إشارته، وكون أهل العلم لا يقولون به لا يمنع استحبابه، فمن ادعى منع الاستحباب بالإجماع فهو مخالف وكيف يترك السنة الصحيحة الصريحة بالتوهمات والدعاوى والترهات. وقال الحافظ في الفتح: وليس في كلام عياض التعرض للاستحباب أصلاً بل نقل الاتفاق، وإنما هو كلام المازري، وتضعيف عياض للأحاديث لم يتشاغل النووي بالجواب عنه، وطريق الإِنصاف ألا تدفع حجة العالم بالصدر فأما إشارته إلى تضعيف حديث أنس فلكون قتادة مدلساً وقد يمنعه، فيجاب عنه بأنه صرح في نفس السند بما يقتضي سماعه له منه فإن فيه قلنا لأنس فالأكل اهـ. وللناس في حديث الشرب المذكور مسالك ذكرها الحافظ في الأشربة من الفتح، وهذا الذي ذكرناه ما اختاره المصنف وهو أوجهها والله أعلم. (رواه مسلم). (١) أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: كراهية الشرب قائماً، (الحديث: ١١٣١). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: كراهية الشرب قائماً، (الحديث: ١١٦). (٣) لعل الصواب (يتقيأ) بياء مشددة. ع. ٢٥٢ ١١٥ - باب: في استحباب كون ساقي القوم ١١٥ - باب: في استحباب كون ساقي القوم آخرهم شرباً ٧٧١ - وعنْ أبي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ)) (يَعْنِي آخِرُهُمْ شُرْبً) رواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). باب استحباب كون ساقي القوم حذف المسقي ليعم سائر الشراب (آخرهم) خبر كون ونصب (شرباً) على التمييز. ٧٧١ - (عن أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي وَّر قال: ساقي القوم آخرهم) وقوله: (يعني آخرهم شرباً) وقد جاء عند ابن ماجه في حديث ندائه لأهل الصفة أسقائهم اللبن فقال: ساقي القوم آخرهم شرباً بل في الجامع الصغير حديث: ((ساقي القوم آخرهم شربا)) رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي قتادة، ولعل عزوه للترمذي من حيث أصل الحديث لا بجميع ألفاظه تفسير لما هو آخر فيه. قال المصنف: هذا أدب من آداب ساقي الماء واللبن ونحوهما، وفي معناه من يفرق على الجماعة مأكولاً كلحم وفاكهة وغيرهما، فليكن المفرق آخرهم تناولاً منه لنفسه. قال ابن رسلان: في الحديث إشارة إلى أن من ولي شيئاً من أمر الأمة فعليه السعي فيما ينفعهم ودفع ما يؤذيهم وتقديم مصلحتهم على مصلحته، وكذا في الإِطعام والسقي فيبدأ بكبير القوم ثم بمن يليه وهكذا، ثم يشرب ما بقي منهم (رواه الترمذي) في الأشربة من جامعه (وقال: حديث حسن صحيح) ورواه ابن ماجه. (١) أخرجه الترمذي في كتاب: الأشربة، باب: ما جاء أن ساقي القوم آخرهم شرباً، (الحديث: ١٨٩٤). ٢٥٣ ٢ - كتاب: أدب الطعام ١١٦ - باب: في جواز الشرب من جميع الأواني الطاهرة غير الذهب والفضة وجواز الكرع وهو الشرب بالفم من النهر وغيره بغير إناء ولا يد وتحريم استعمال إناء الذهب والفضة في الشرب والأكل والطهارة وسائر وجوه الاستعمال ٧٧٢ - عن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: حَضَرَتِ الصَّلاةُ فقامَ مَنْ كانَ قَرِيبَ الدَّارِ إِلَى أَهْلِهِ وَبَقِيَ قَوْمٌ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ فَصَغُرَ الْمِخْضَبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ كلُّهُمْ، قَالوا كَمْ كُنْتُمْ؟ قال: ثَمَانِينَ وَزِيادَةً. مُتَّفَقُ باب جواز أي: إباحة (الشرب من جميع الأواني الطاهرة) ولو نفيسة كياقوت وألماس، لكن يكره استعمال النفيس منها لذاته كما ذكر لا لصنعته كإناء مصطنع من نحو خشب فلا كراهة في استعماله (غير الذهب والفضة) أي: فيحرم استعمالها في غير ضرورة (وجواز الكرع) بفتح وسكون (وهو الشرب بالفم من النهر وغيره) كالبركة والسيل (بغير إناء ولا يد وتحريم استعمال إناء الذهب والفضة) أي: لغير ضرورة، وكذا يحرم ماموه بهما من باقي الأواني، كأن يتحصل بالعرض على النار منه شيء، ويجوز استعمال إناء النقدين المموه بغيره إذا لم يحصل على النار شيء من ذلك، ويحرم المضبب بالذهب مطلقاً، وبالفضة إن كانت الضبة كبيرة وكلها أو بعضها الزينة (في الشرب والأكل والطهارة وسائر وجوه الاستعمال) والاقتصار على أواني الأكل والشرب في حديث آخر الباب لأنهما الأغلب وإلا فسائر الاستعمالات في الحرمة سواء. ٧٧٢ - (عن أنس رضي الله عنه قال: حضرت الصلاة) بدخول وقتها (فقام من كان قريب الدار إلى أهله وبقي قوم) مع النبي ري أي: لبعد دورهم أو للزوم الأدب معه كما هي العادة من الجلوس بين يدي الكبير (فأتى النبي وَّر بمخضب) الفعل مبني للمجهول. قال الحافظ: والمخضب بكسر الميم وسكون المعجمة الأولى وفتح الثانية آخره موحدة (إناء من حجارة فصغر) بضم العين المعجمة (المخضب) عن (أن يبسط فيه كفه) أي: لا عن ضمها مجموعة أو مبسوطة بعض أصابعها (فتوضأ القوم) أي: من الماء النابع من بين أصابعه في ذلك المخضب، ثم القوم في الحديث يحتمل أن يراد منهم الباقون بمجلسه وص لإر؛ لأن من داره قريب تطهر منه، ويحتمل أن يراد منهم الجميع ويؤيده قوله: (كلهم) ويكون تطهيرهم ٢٥٤ ١١٦ - باب: في جواز الشرب من الأواني الطاهرة عليه. هَذِهِ رِوايَةُ الْبُخارِيِّ، وفي روايةٍ لَهُ ولِمُسْلمٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ ﴿َ دَعا بِإِناءٍ مِنْ ماءٍ، فَأْتِيَ بِقَدَحٍ رَحْراحٍ فِيهِ شيءٌ مِنْ ماءٍ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ. قالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ. إِلَى الْماءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِه فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمانِينَ (١). ٧٧٣ - وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ زِيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أَتَانا النَّبِيُّ ◌َ فَأَخْرِجْنا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأ .. ثانياً لقرب عهد ذلك الماء بتكوين الله سبحانه كما أمر بالتطهير من ماء المطر وفعله اليه . وقال إنه حديث عهد بربه، أي: بتكوينه. ثم يحتمل أن يكون طهرهم الثاني بعد أن صلوا بالأول صلاة ما لأن ذلك الذي يستحب عنده تجديد الوضوء، ويحتمل أنه قبل ذلك، ويكون محل ذلك ما إذا كان القصد تجديد الطهارة ليس إلا، أما إذا كان القصد مع ذلك التبرك بذلك الماء أو معنى آخر فلا يعتبر ذلك (قالوا) أي: الحاضرون بمجلس أنس وقت تحديثه بذلك (كم كنتم قالوا: ثمانين) أي: كنا كذلك فحذفت الجملة لدلالة وجود نظيرها في السؤال عليها (وزيادة متفق عليه وهذا لفظ البخاري) أخرجه في باب علامات النبوة، لكن لم أر فيه قوله: وزيادة. وفي كتاب الطهارة وفيها قوله: وزيادة (وفي رواية له) أي: للبخاري في كتاب الطهارة (ولمسلم) في باب الفضائل (أن النبي ◌َّ دعا) أي: أمر (بإناء من ماء فاتي) بالبناء للمفعول (بقدح رحراح) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة. قال في النهاية: هو القريب القعر مع سعة (فيه شيء) أي: يسير. ولعل التقليل لكونه الميسور إذ ذاك (من ماء فوضع أصابعه فيه) أي: في الماء ستراً للسر الإِلهي وإلا فكان متمكناً بأقدار الله على ما فعل من غير الإِتيان بشيء من الماء (قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع) بضم الموحدة وكسرها والجملة في محل الحال. وقوله: (من بين أصابعه) ظرف لغو متعلق بالفعل، ويجوز إعرابه حالاً فيكون ظرفاً مستقراً (فحزرت) بفتح المهملة والزاي وسكون الراء، أي : خرصت (من توضأ ما بين السبعين رجلاً إلى الثمانين) لا تخالف هذه الرواية ما قبلها؛ لأن هذا بحسب الخرص وذاك بحسب العد والله أعلم. ٧٧٣ - (وعن عبدالله بن زيد) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه قال: أتانا النبي محمدالر فأخرجنا له ماء في تورم صفر فتوضأ) فدل على أن لا منع من استعماله، وقول البعض بالمنع منه رد (١) أخرجه البخاري في كتاب: الوضوء، باب: الغسل والوضوء في المخضب والقدح، (٢٦١/١، ٢٦٢). وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: في معجزات النبي صل، (الحديث: ٤). ٢٥٥ ٢ - كتاب: أدب الطعام رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ((الصُفْرُ)) بِضَمِّ الصَّادِ، ويجوزُ كسرُها وهو: النّحاسُ. ((والتَّوْرُ)): إِنَاءٌ كالقَدَحِ وهو بالتاءِ المثناةِ من فَوْقُ(١). ٧٧٤ - وعنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ دَخَلَ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ومَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((إنْ كانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَائِتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي شَنَّةٍ وإِلَّ كَرَعْنا)) رواهُ الْبُخارِيُّ. ((الشَّنُّ) الْقِرْبَةُ(٢). بمخالفته النص، ولا يستحب الخروج من الخلاف إذا كان كذلك (رواه البخاري) في الطهارة (الصفر بضم الصاد) المهملة وسكون الفاء بعدها (ويجوز كسرها) قلت في المصباح: الصفر كقفل وكسر الصاد لغة (وهو النحاس) قال في المصباح: بعد أن صدر به؛ وقيل أجوده (والتور إناء كالقدح) قال الأزهري: تذكره العرب (وهو بالتاء المثناة) من فوق المفتوحة . ٧٧٤ - (وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله ﴿ دخل على رجل من الأنصار) قال الشيخ زكريا في تحفة القاري: قيل هو أبو الهيثم بن الفتيهان الأنصاري (ومعه صاحب له) هو أبو بكر الصديق قال في التحفة أيضاً: وعليه فالتنوين للتعظيم (فقال رسول الله (ص 3) وكان الوقت صائفاً كما في نفس الحديث عند البخاري (إن كان عندك ماء بائت هذه الليلة في شن) بفتح المعجمة وتشديد النون القربة والخلقة الحكمة في طلب الماء البائت إنه أبرد وأصفى، وحذف جواب إن وهو نحو قوله: فاسقنا لدلالة المقام عليه (وإلا) أي: وإن لا يوجد ذلك. وحقه أن يكتب بالنون بعد الألف، وإن كانت مدغمة لفظاً في اللام، والذي وقفت عليه في النسخ كتابته بصورة إلا الاستثنائية، وهو من تحريف الكتاب (كرعنا) الكرع تناول الماء بالفم من غير إناء ولا كف، وقد ورد النهي عنه في حديث ابن ماجه وهو للتنزيه، وهذا لبيان الجواز وذلك محمول على ما إذا انبطح الشارب على بطنه. (رواه البخاري) في الأشربة من صحيحه. قال المزي: ورواه أبو داود وابن ماجه في الأشربة من سننهما (الشن القربة) ظاهره مطلق القربة، وتقدم أنها بقيد الخلقة، وفي المصباح: الشن الجلد البالي، وهو أنسب بالمقام؛ لأنه يبرد الماء أكثر. (١) أخرجه البخاري في كتاب: أبواب متعددة من الوضوء فيها، باب: الوضوء من التور، (١٠/ ٢٦١) (٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأشربة، باب: شرب اللبن بالماء، باب: وباب الكرع في الحوض. (٧٧/١٠). ٢٥٦ ١١٦ - باب: في جواز الشرب من الأواني الطاهرة ٧٧٥ - وعنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َ نَهَانَا عَنِ الْحَرِيرِ والدِّيباجِ والشُّرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ وقالَ: ((هُنَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيا وهِيَ لَكُمْ فِي الآخِرَةِ)) مُتَّفَقُ عَلَيْهِ(١). ٧٧٦ - وعنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((الَّذي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّما يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّم)) ٧٧٥ - (وعن حذيفة رضي الله عنه قال: أن النبي ◌َّ نهانا) أي: معشر الرجال المكلفين، وألحق بهم الخنائي احتياطاً (عن الحرير والديباج) أي: عن لبسهما. قال في المصباح: الديباج ثوب سداه ولحمته إبريسم، ويقال: هو معرب، واختلف في الياء فقيل زائدة ووزنه فيعال، ولذا يجمع بالياء فيقال ديابيج، وقيل أصل والأصل دباج بالتضعيف فأبدل من أحد المضعفين حرف العلة، ولذا يرد في الجمع إلى أصله فيقال دبابيج بموحدتين اهـ. (والشرب في إناء الذهب والفضة) وألحق به باقي الاستعمال لهما كالاكتحال بهما لغير تداو، والتخلل (وقال: هن) أي: هذه الثلاث المنهيات المعدودات، واستعمال ضمير النسوة فيما دون العشرة هو الأكثر، ومنه قوله: ﴿أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾(٢) (لهم) أي: الكفار المدلول عليهم بالسياق (في الدنيا) لأنهم وإن كانوا مخاطبين بالأحكام على الصحيح، إلا أنهم لا ورع لهم يحملهم على التمسك بها فكأنها أبيحت لهم (وهي) أي: بضمير الواحدة على خلاف الأكثر تفنناً في التعبير (لكم في الآخرة) دونهم؛ لأنهم في العذاب المهين، وفيه إيماء إلى حسن ثمرة التقوى وسوء عاقبة المعصية (متفق عليه) روياه في اللباس. ٧٧٦ - (وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله وَّ قال: الذي يشرب في آنية) بفتح الهمزة وبعدها ألف لينة وبعدها نون مكسورة، أي: وعاء (الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) يجوز فيه النصب على أن فاعل الفعل مضمر يعود على الشارب المفهوم من يشرب، وبه صرح الأزهري فقال: نار منصوب ويجرجر بمعنى يلقى، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿إنما (١) أخرجه البخاري في كتاب: اللباس، باب: لبس الحرير وافتراشه للرجال والأشربة، باب: الشرب في آنية الذهب وباب آنية الفضة، (٨٢/١٠، ٨٣). وأخرجه مسلم في كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على ... (الحديث: ٥). (٢) سورة التوبة، الآية: ٣٦. ٢٥٧ ٢ - كتاب: أدب الطعام مُتْفَقٌ عَلَيْهِ. وفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: ((إِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ في آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَب)) وفي روايةٍ لهُ: ((مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبِ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَاراً مِنْ جهنم))(١) يأكلون في بطونهم ناراً﴾ (٢) ويؤيده الرواية الآتية آخر الباب: ((ناراً من جهنم)) والرفع على أنها فاعل الفعل، وجاز تذكيره للفصل بينه وبينه مع أن تأنيثه مجازي. وتقدم معناها (متفق عليه) روياه في اللباس أيضاً (وفي رواية لمسلم) الحديث المذكور وقال: إن علي بن مسهر أحد أشياخه في هذا الحديث زاد (إن الذي يأكل ويشرب) الواو فيه يحتمل كونها على بابها من أصل الجمع فيكون فيه وعيد كل منهما على انفراده من حديث آخر، ويحتمل أنها فيه بمعنى أو (في آنية الفضة والذهب) في الواو الاحتمالان المذكوران، ويؤيد الثاني الرواية بعده. قال مسلم: وليس في حديث أحد منهم، أي: أشياخه في هذا الحديث ذكر الأكل والذهب إلا في حديث ابن مسهر (وفي رواية له) أي: لمسلم في الحديث المذكور من حديث أم سلمة أيضاً، لكن من غير طريق الحديث قبله فلا يشكل بما تقدم عن مسلم؛ لأن كلامه في حديث نافع عنها فليس عند رواته ذكر ذينك إلا عند ابن مسهر فقط، وهذه الرواية الأخيرة ليست من رواية نافع عنها بل من رواية ابن أخيها عبدالله بن عبدالرحمن عنها والله أعلم. (من شرب في إناءٍ من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه ناراً من جهنم) ففيه الوعيد الشديد في استعمال أواني النقدين المنصوص منه على الأكل والشرب، لأنهما أغلب أنواعه فسائره مثلهما في الحرمة، وقضية هذه الأحاديث أن ذلك من الكبائر، وبه صرح ابن حجر الهيتمي في الزواجر، وظاهر أن محل حرمة ذلك حيث لا ضرورة، وإلا فمن وجد إناء أحدهما وليس عنده ما يصنع فيه طعامه المائع أو الرطب الذي يتلوث سوى الأرض فيجوز له استعمال ذلك حينئذ؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات، وإذا ضاق الأمر اتسع، وقد قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (٣) (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأشربة، باب: آنية الفضة، (٨٣/١٠، ٨٤). وأخرجه مسلم في كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال أواني الذهب ... (الحديث: ١) (٢) سورة النساء، الآية: ١٠ (٣) سورة الحج، الآية: ٧٨ ٢ - كتاب: اللباس ١١٧ - باب: في استحباب الثوب الأبيض وجواز الأحمر والأخضر والأصفر والأسود وجوازه من قطن وكتان وشعر وصوف وغيرها إلا الحرير قال اللَّهُ تعالى(١): ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسَاً يُوارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَجَعَل لَّكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْخَرِّ وَسَرابِيلَ کتاب اللباس بكسر اللام. قال في المصباح: هو ما يلبس، ولباس الكعبة، والهودج كذلك، وجمعه لبس مثل كتاب وكتب اهـ. أي: الأحاديث الوادة فيه من حيث الحل والحرمة، وما يتعلق به من الأدب. باب استحباب الثوب الأبيض في كل المجامع نعم يوما العيد الأفضل فيهما لبس الأعلى قيمة وإن كان غير أبيض فإن كان هو الأعلى فهو الأولى (وجواز) أي: إباحة لبس (الأحمر والأخضر والأصفر والأسود وجوازه) أي: الثوب (من قطن وكتان وشعر وصوف وغيرهما) أي: من كل بمفرده أو مركباً من ذلك من غير نظر لتساوي الأجزاء حينئذ وتفاضلها؛ لأن الأول متساوية في الإِباحة (إلا الحرير) فيحرم على الرجال البالغين والخنائي لبس الحرير المحض، أو المركب منه ومن غيره والغالب الحرير. (قال تعالى: يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً) أي: خلفناه لكم (يواري) أي: يستر (سوآتكم) أي: عوراتكم سميت بذلك لأنه يسوء صاحبها كشفها. وكان على المصنف زيادة قوله تعالى: ﴿وريشاً﴾ (٣) أي: ما يتجمل به من الثياب؛ لأنه من حكم خلقه للثياب المميز به على العباد (وقال تعالى وجعل لكم سرابيل) أي: قمصاً (تقيكم الحر) أي: والبرد فحذف اكتفاء بدلالة قرينه عليه بالأولى (وسرابيل (١) سورة الأعراف، الآية: ٢٦. (٢) سورة النحل، الآية: ٨١. (٣) سورة الأعراف، الآية: ٢٦. ٢٥٩ ٣ - كتاب: اللباس تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ ٧٧٧ - وعنِ ابْنِ عِبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((الْبَسُوا مِنْ ثِيابِكُمُ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيها مَوْتَاكُمْ)) رواهُ أبو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وقالَ: حَدیثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١). ٧٧٨ - وعنْ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الْبَسُوا الْبَيَاضَ فَإِنَّها أَظْهَرُ وَأَطْيَبُ، وَكَفِّنُوا فِيها مَوْتَاكُمْ)) رواه النَّسائي والْحَاكِمُ وقالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ(٢). تقيكم بأسكم) حربكم، أي: الطعن والضرب فيها كالدروع والجواشن. ٧٧٧ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله وَ ر قال: البسوا من ثيابكم البياض) أي: الثياب البيض. وفيه مبالغة تامة؛ كأن جعل البياض عينها فحمله عليها (فإنها من خير ثيابكم) لعل الإِتيان بمن دفعاً لكلفة التعب عمن لا يجد الثوب الأبيض، فأومأ إلى أن ذلك خيراً أيضاً لما فيه من ستر العورة وسد الحاجة. وجاء تعليل الأخيرية في الحديث عقبه بقوله: ((فإنها أطيب وأطهر)) والجملة استئناف بياني تعليل للأمر قبلها (وكفنوا فيها موتاكم رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث صحيح). ٧٧٨ - (وعن سمرة) بفتح المهملة وضم الميم وهو ابن جندب تقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب توقير العلماء (قال: قال رسول الله وَ له: البسوا البياض) أي: ذا البياض، وفيه ما تقدم في الحديث قبله. وأعاد الضمير على الثياب الموصوفة بالبياض المحذوفة، وإن لم تختص الصفة بها اكتفاء بدلالة البسوا عليها بقوله: (فإنها أطهر) لأنها لنقائها يطهر ما يخالطها من الدنس وإن قل، قال الشاعر: (وأطيب) أي: لسلامتها غالباً عن الخيلاء الذي يكون في لبس الملونات (وكفنوا فيها موتاكم رواه النسائي والحاكم وقال: حديث صحيح) ورواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه كلهم عن سمرة أيضاً كما في الجامع الصغير. (١) أخرجه أبو داود في كتاب: الطب، باب: في الأمر بالكحل، (الحديث: ٣٨٧٨). وأخرجه الترمذي في كتاب: الجنائز، باب: ما يستحب من الأكفان، (الحديث: ٩٩٤). (٢) أخرجه النسائي في كتاب: الزينة، باب: الأمر بلبس البيض من الثياب، (الحديث: ٥٣٣٧). الحاكم: (٤ /١٨٥). ٢٦٠ ١١٧ - باب: في استحباب الثوب الأبيض ٧٧٩ - وعنِ الْبَراءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ مَرْبوعَاً وَقَدْ رَأَيْتُهُ في حِلَّةٍ حَمْراءَ مَا رَأَيْتُ قَطُّ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٧٨٠ -" وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ وَهَبِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: رَأَيْتُ النَّبِيِّ ◌َه بِمِكَّةً وَهُوَ بِالْأُبْطَحِ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْراءَ مِنْ أَدَمٍ، فَخَرَجَ بِلالٌ بِوَضُوئِهِ فَمِنْ ناضِحِ ٧٧٩ - (وعن البراء) بفتح الموحدة والراء الخفيفة وبعدها ألف ممدودة (ابن عازب) بمهملة وبعد الألف زاي مكسورة فموحدة، وتقدم هذا في ترجمته (رضي الله عنه قال: كان رسول الله ◌َ لخر مربوعاً) أي: لم يكن طويلاً بائناً، ولا قصيراً بل كان بينهما وإلى الطول أقرب (وقد رأيته) معطوف على كان ومدخولها، ويحتمل أن تكون حالية (في حلة) بضم المهملة وتشديد اللام، ثوب له ظهارة وبطانة من جنس واحد، وقال المصنف: قال أهل اللغة: الحلة لا تكون إلا ثوبين وتكون غالباً إزاراً ورداء. قال أبو عبيدة: ولا تسمى حلة حتى تكون ثوبين من جنس واحد، فإفراد قوله: (حمراء) إما نظراً للفظ حلة، أو إلى أنها كثوب واحد للاحتياج إليهما معاً في ستر البدن، أو لأنهما من جنس واحد، قال الحافظ ابن حجر: هي ثياب ذات خطوط اهـ. وقال ابن حجر الهيتمي: بل هي على ظاهرها. ففي الحديث حجة لإمامنا الشافعي حيث أجاز لبس الأحمر القاني، ومنعه الحنفية فأولوا ما في الحديث بأن المراد ذات خطوط حمر أو أن ذلك من الخصائص (ما رأيت) أي: علمت (شيئاً قط أحسن منه) وليس مراده قصر ذلك على علمه وإن كان ذلك منطوق عبارته بل ما أومأ إليه ذلك من انفراده * بالمحاسن عن جميع الخليقة بطريق التجوز في التعبير، ومراده ما علمت ولا غير (متفق عليه) رواه البخاري مختصراً هكذا في باب اللباس، وبأطول منه في باب صفة النبي ◌َّر، ورواه مسلم في فضائل النبي ◌َّر، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي. ٧٨٠ - (وعن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون التحتية بعدها فاء فهاء (وهب بن عبدالله) السوائي (رضي الله عنه قال: رأيت) أي: أبصرت (النبي ◌َّه بمكة وهو بالأبطح) هو المحصب، ويقال له البطحاء (في قبة) بضم القاف وتشديد الموحدة، هي كما يعبر عنها الآن بالخيمة (له حمراء من أدم) بفتح الهمزة والمهملة، جمع أديم وهو الجلد المدبوغ (فخرج بلال بوضوئه) بفتح الواو، أي: بالماء المعد لوضوئه (فمن ناضح) أي : (١) أخرجه البخاري في كتاب: اللباس، باب: الثوب الأحمر والمناقب، باب: صفة النبي ◌َّا (٢٥٨/١). وأخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: في صفة النبي ﴿ وأنه كان أحسن الناس وجهاً، (الحديث: ٩١).