Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
١ - كتاب: الأدب
فَأَخْبَرْنَاهُ. فَقَالَ: ((ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعَلَّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ،
وَصَلُّوا صَلَةً كَذَا فِي حِينٍ كَذَا وَصَلَاةً كَذَا فِي حِينٍ كَذَا،
فَإذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةَ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ
أَكْبَرُكُمْ)) مُتّفَقٌ عَلَيْهِ(١). زَادَ البُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: ((وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)).
قَوْلُهُ: ((رَحِيمَاً رَفِقاً)) رُوِيَ بِفَاءٍ وقَافٍ، وَرُوِيَ بِقَافَيْنِ .
٧١٢ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ وَّهُ فِي الْعُمْرَةِ
(فأخبرناه فقال ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم) عطف على ارجعوا، وعطفه
بالواو إيماءً إلى حصول امتثال الأمر به عقب العود أو بعده (ومروهم) استئناف، كأنة قيل ماذا
نعلمهم، فقال: مروهم بالطاعات كذا وكذا، والأمر بها مستلزم للتعليم (وصلوا صلاة كذا)
كناية عن مبهم من الصلوات الخمس (فى حين كذا) كناية عن وقت تلك الصلاة المكنى
عنها (وصلاة كذا في حين كذا) بالنصب على الظرف، وكان التخالف بينهما للتفنن في
التعبير (فإذا حضرت الصلاة فليؤذن) يجوز تسكين لام الأمر بعد الفاء، وكسرها هو الأصل
(لكم أحدكم) أي : الواحد منكم؛ لأن القصد منه الإِعلام بدخول الوقت، فاستوى حصول
ذلك من الكامل وغيره (وليؤمكم) قال البرماوي: يجوز فتح ميم يؤمكم للخفة، وضمها
للاتباع والمناسبة ((قلت)) وكسرها على أصل التخلص من التقاء الساكنين (أكبركم) أي:
أسنكم وفي الحديث ما يدل على تساويهم في الأخذ عنه وَّر، ومدة الإقامة عنده فلم يبق إلا
السن (متفق عليه) روياه في كتاب الصلاة (زاد البخاري في رواية له) انفرد بها عن مسلم
(وصلوا كما رأيتموني أصلي) عطف على قوله ارجعوا إلى أهليكم، أو على قوله وصلوا
(قوله رحيماً رفيقاً روي بفاء وقاف) من الرفق، لرفقه وسلّر بأمته وشفقته عليهم، كما قال
تعالى: ﴿رؤوف رحيم﴾(٢) قال في المطالع: هي رواية القابسي (وروي بقافين) قال في
المطالع هي: للأصيلي وأبي الهيثم.
٧١٢ - (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: استأذنت النبي وَ لّ في العمرة) أي:
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: ليؤذن في السفر مؤذن واحد وفي أبواب أخرى (٩٣/٢).
وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: من أحق بالإِمامة، (الحديث: ٢٩٢).
(٢) سورة التوبة، الآية: ١٢٨.

٢٠٢
٩٦ - باب: في وداع الصاحب ووصيته
فَأَذِنَ، وَقَالَ: ((لَا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ)) فَقَالَ كَلِمَةً مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لي بِها الدُّنْيَا.
وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: ((أَشْرِكْنَا يَا أُخَيَّ فِي دُعَائِكَ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ
حَسَنْ صَحِيحٌ(١).
٧١٣ - وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ
يَقُولُ لِلْرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ سَفَرَاً: ادْنُ مِنِّي حَتَّى أُوَدِّعَكَ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ يُوَدِّعُنَا،
فَيَقُولُ: ((أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ، وَأَمَانَتَكَ، وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ)) .
سألته الإِذن فيها، ففيه مزيد الأدب، والوقوف عند أمره وسلّ حتى في أفعال البر (فأذن لي
وقال: لا تنسانا) يحتمل أن يكون الضمير له وَّل﴿ ولأتباعه، ويحتمل كونه أراد نفسه وثيل التي
هي أعظم ذوات المكونات وأشرفها (يا أخي) تقدم ضبطه في باب زيارة أهل الخير (من
دعائك) وقوله: (فقال كلمة) بالنصب مراد بها المعنى اللغوي، أي: قوله لا تنسانا يا أخي
من دعائك (ما يسرني أن لي بها) أي: بدلها (الدنيا) لحقارتها وخستها بالنظر إلى ما أذن به
هذا القول من رفعة عمر من الأعلام بعلو رتبته عند مولاه، وأنه مما یجاب دعاؤه، وقوله : یا
أخي (وفي رواية قال: أشركنا) أي: اجعلنا شركاء لك (يا أخي في دعائك رواه أبو داود
والترمذي وقال: حديث حسن صحيح) وفي الحديث غير ما تقدم من الفوائد، مزيد
تواضعه وَ﴿، والحث على سؤال الدعاء من سائر المسلمين، وإن كان الداعي أشرف من
المطلوب منه .
٧١٣ - (وعن سالم بن عبدالله بن عمر أن عبدالله بن عمر) بن الخطاب تابعي جليل. قال
في التقريب: يكنى أبا عمر، وقيل أبا عبدالله أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتاً عابداً ثقة من
كبار التابعين خرج عن الجميع (رضي الله عنهما كان يقول للرجل إذا أراد سفراً) أي:
وتلبس به وبمقدماته (إدن) أي: أقرب (مني حتى أودعك كما كان رسول الله ◌َ لل يودعنا) وفيه
كمال فضله لفر وتوديعه مع علو مقامه لأصحابه (فيقول استودع الله دينك) أي: أودعه إياه،
والسين لتأكيد ذلك. وتحقيقه وذكر الدين؛ لأن السفر مظنة التساهل في أمره لمشقته، ولذا
رخص للمسافر في أمور من العبادات (وأمانتك) أي: وما ائتمنت عليه من التكاليف
الشرعية، أي: الحقوق الإِنسانية (وخواتيم عملك) ذكره اهتماماً بشأنه، لأن المدار عليه،
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، [باب: ١١٠]، (الحديث: ٣٥٦٢)، وقد تقدم برقم (٣٧٣).
وأخرجه أبوداود في كتاب: الصلاة، باب: الدعاء (الحديث: ١٤٩٨).

٢٠٣
١ - كتاب: الأدب
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ(١).
٧١٤ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيْدَ الْخَطَمِيِّ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُؤَدِّعَ الْجَيْشَ، يَقُولُ: ((أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكُمْ وَأَمَانَتَكُمْ،
وَخَوَاتِيمَ أَعْمَالِكُمْ)) حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (٢).
٧١٥ - وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَ، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ سَفَرَاً فَزَوِّدْنِي، فَقَالَ: ((زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى)) قَالَ: زِدْنِي. قَالَ:
وهذا الحديث شاهد لطلب وداع المسافر (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح).
٧١٤ - (وعن عبدالله بن يزيد الخطمي الصحابي) تقدمت ترجمته (رضي الله عنه قال: كان
النبي ◌َ ◌ّ إذا أراد أن يودع الجيش) الجماعة الخارجين للقتال (قال: استودع الله دينكم
وأمانتكم وخواتيم عملكم) لعل إفراد الأولين؛ لأنهما مصدران، يقال أمن بكسر الميم
أمانة، والأصل فيه الإِفراد والتذكير، بخلاف خاتمة فإنه على صيغة الوصف الذي شأنه خلاف
ذلك، ولعل في جمعه إيماءً إلى إكثار الأعمال الصالحة عند الوفاة ليكون الختم بالكثير
الطيب، فأوصى بجمع ذلك لذلك. والله أعلم. (حديث صحيح) هذا على مذهبه الذي
اختاره من جواز التصحيح ومقابله في هذه الأزمنة الأخيرة لمن تأهل له، خلافاً لابن الصلاح
المانع لذلك، وقد رده المصنف في الإِرشاد والتقريب (رواه أبو داود وغيره) وهو الحاكم في
المستدرك (بإسناد صحيح) والأصل في صحته صحة المتن ما لم يعرض للمتن شذوذ أو
علة .
٧١٥ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي ◌َّ فقال: يا رسول الله إني أريد
سفراً فزودني) يحتمل أن تكون عاطفة على مقدر، أي: فائذن لي وزودني، كما تقدم عن
فعل عمر في استئذان النبي ◌َ، ويحتمل تقدم الإِذن له في ذلك، وإنما جاء لطلب الدعاء،
ففيه استحباب مجيء المسافر لأصحابه وسؤاله دعاءهم، وعلم وَلّ بقرينة حال السائل أن
مراده الإِمداد بالدعاء، فلذا قال: (فقال: زودك الله التقوى) قال تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير
الزاد التقوى﴾(٣) وإنما كانت كذلك، لأنها الزاد الذي يقطع به العقبة الكؤود، وينجى بها
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ما يقول إذا ودع إنسان (الحديث: ٣٤٤٢ و ٣٤٤٣).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في الدعاء عند الوداع، (الحديث: ٢٦٠١).
(٣) سورة البقرة، الآية: ١٩٧.

٢٠٤
٩٧ - باب: في الاستخارة
((وَغَفَرَ ذَنْبَكَ)) قَالَ: زِدْنِي. قَالَ: ((وَيَسَّرَ لَكَ الْخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْتَ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،
وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (١).
٩٧ - باب: في الاستخارة والمشاورة
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (٢): ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، أَْ يَتَشَاوَرُونَ فِيهِ.
٧١٦ - وَعَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بَهِ يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ في
لأُمُورِ
برحمة الله تعالى المرء في اليوم المشهود (قال: زدني) لا يخفى ما بين زودني وزدني من
الجناس، أي: من هذا الزاد (فقال وغفر ذنبك) أي: ما أسلفته من المخالفة (قال: زدني
قال ويسر لك الخير) الديني والدنيوي (حيثما كنت) ما صلة، أي: في أي مكان كنت (رواه
الترمذي وقال: حديث حسن).
باب الاستخارة
أي: سؤال خير الأمرين والتوفيق له (والمشاورة) أي: للغير عند إرادة شيء ما، وذكر
دليل الثاني في الترجمة قبل الأول منها لكونه من الكتاب. واختصر فقال: (قال الله تعالى:
وشاورهم في الأمر) أي: الذي تصح فيه المشاورة وذلك لتطيب قلوبهم (قال الله تعالى:
وأمرهم شورى بينهم) شورى اسم مصدر اشتور، أي: ذو اشتوار، كما قال المصنف مبيناً
الحاصل المعنى (أي: يتشاورون فيه) فدل الثناء بذلك في معرض المدحة أنه ممدوح
محبوب .
٧١٦ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله وَ لا يعلمنا الاستخارة) أي: طلب
الخيرة، أي: يعلمهم كيفيته من صلاة ودعاء (في الأمور) التي يريد الإِقدام عليها مباحة
كانت أو عبادة، لكن بالنسبة لإِيقاع العبادة في ذلك الزمان الذي عزم عليه فيه لا لأصلها؛
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، [باب: ٤٥]، (الحديث: ٣٤٤٤).
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.
(٣) سورة الشورى، الآية: ٣٨.

٢٠٥
١ - كتاب: الأدب
كُلُّهَا كَالسُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: ((إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ
الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ
مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ ؛ فِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَ أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلََّمُ الْغُيُوبِ،
اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأُمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي، وَمَعَاشِي، وَعَاقِبَةٍ أَمْرِي،
أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآَجِلِهِ، فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ
فإنه خير لا استخارة فيه (كلها) في محل الحال، أو الصفة من مفعول يعلمنا (كالسورة من
القرآن) أي: تعليمها كتعليم السورة، وهذا فيه بيان إتقانه للذكر، وعدم اشتباهه عليه
كالمشبه به (يقول إذا هم أحدكم بالأمر) الجائز فعلاً أو تركاً (فليركع) ندباً (ركعتين) بيان
لأقل ما تحصل به (من غير الفريضة) بيان للأكمل وإلا فيحصل فضلها بما إذا صلى فريضة
أو راتبة ونوى بها الاستخارة، فإن لم ينوها سقط عنه الطلب. وهل يحصل ثواب أو لا فيه
الخلاف في ذلك في التحية (ثم ليقل) أي: عقب فراغه من الصلاة مستقبل القبلة رافعاً يديه
بعد الحمد والصلاة على النبي ◌َّر، إذ هما سنتان في كل دعاء (اللهم إني أستخيرك
بعلمك) أي: أسألك أن تشرح صدري لخير الأمرين بسبب علمك بكيفيات الأمور
وجزئياتها؛ إذ لا يحيط بخير الأمرين إلا العالم بذلك، وليس كذلك إلا أنت فالباء سببية
ويحتمل أن تكون للقسم الاستعطافي، وهما في الباء في قوله: (وأستقدرك بقدرتك) أي:
أسأل منك، أي: تقدرني على خير الأمرين قال في فتح الأله: وجعل الشارح الباء فيهما
للاستعانة كهي في ﴿بسم الله مجراها﴾(١) فيه تكلف، والفرق بين ما هنا وما في الآية واضح
للمتأمل (وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر) على كل ممكن تعلقت به إرادتك. والجملة
تعليل لما قبله (ولا أقدر وتعلم) كل شيء كلي وجزئي وممكن وغيره (ولا أعلم) أي: شيئاً
من ذلك إلا ما علمتني (وأنت علام الغيوب) لا يشذ عن علمك منها شيء، ولا يحيط أحد
من خلقك منها بشيء إلا ما علمته بالاطلاع على جزئياتها وكأن حكمة تشويش النشر الإِشارة
بتقديم العلم أولاً إلى عمومه وبتقديم القدرة ثانياً إلى أنها الأليق والأنسب بالمطلوب الذي
هو الإِقدار على فعل خير الأمرين على حد تأخيره لجملة ((وأنت علام الغيوب)) وترك ((وأنت
القادر على كل شيء)) ومن ثم جعل سؤال الأقدار مرتباً عليه في قوله: (اللهم إن كنت تعلم
أن هذا الأمر) أي: الذي عزمت عليه (خير لي في ديني ومعاشي) بأن لا يترتب عليه نقص
ديني ولا دنيوي (وعاقبة أمري أو) شك من الراوي (قال عاجل أمري وآجله) هذا إطناب
(١) سورة هود، الآية: ٤١ .

٢٠٦
٩٧ - باب: في الاستخارة
أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرِّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةٍ أَمْرِي؛ أَوْ قَالَ عَاجِلٍ أَمْرِي وَآجِلِهِ،
فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِيِي بِهِ، قَالَ: ((وَيُسَمِّي
حَاجَتَهُ))
لشمول ديني ومعاشي لذلك، ومقتضى قول المصنف يندب الجمع في الدعاء بين كثيراً
بالمثلثة وكبيراً؛ لشك الراوي في الذكر الوارد في ذلك يوم عرفة وعقب الصلاة، استحباب
جميع المشكوك في أحدهما حتى يتحقق إتيانه بالوارد، والزيادة عليه لأجل تحقق الإِتيان به
غير منافيه للأتباع، والأمر بتكريره مرتين لذلك لا حاجة إليه (فاقدره) قال القاضي عياض:
بالكسر والضم في الدال، واقتصر الأصيلي على الكسر، أي: قض به وهيئه (لي ويسره لي)
عطف تفسير أو أخص، إذ الأقدار قد يكون نوع مشقة (ثم) إذا حصل لي، وحكمة ثم هنا أن
في حصول المسئول نوع تراخ غالباً (بارك لي فيه) بنموه ونمو آثاره وسلامتها من جميع
القواطع (وإن) أتى بها هنا وفي عديله السابق مع أن المقام لا إذا تحقق إحاطة علمه تعالى
بذلك نظراً إلى حال المتكلم وشكه في الخير منهما (كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في
ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه) صرح به
للمبالغة والتأكيد؛ لأنه يلزم من صرفه عنك صرفك عنه وعكسه. ويصح كونه تأسيساً؛ بأن
يراد بإصرفه عني لا تقدرني عليه، وباصرفني عنه لا تبقي في باطني اشتغالاً به. قال ابن
حجر الهيثمي في حاشية الإِيضاح: وينبغي التفطن لدقيقة قد يغفل عنها ولم أر من نبه عليها
وهي: أن الواو في المتعاطفات التي بعد خير على بابها، وفي التي بعد شر بمعنى أو؛ لأن
المطلوب تيسيره لا بد وأن يكون كل أحواله المذكورة ديناً ودنيا خيراً، والمطلوب صرفه
يكفي كون بعض أحواله شراً، وفي إبقاء الواو على حالها إيهام أنه لا يطلب صرفه إلا إن
كانت جميع أحواله لا بعضها شراً، وليس مراداً كما هو ظاهر اهـ. وفيه نظر ذكرته في شرح
الأذكار (واقدر لي الخير) أي: ما فيه ثواب ورضا منك على فاعله (حيث كان) أي: اقدرني
على فعله في أي مكان وأي زمان حصل، وكأن حكمة تركه هنا ((ويسره لي)) أن الخير العام
لا بد في حصوله من مشقة وتعب غالباً أو دائماً، بخلاف ما سبق فإنه خاص وانتفاء المشقة
عليه كثير (ثم رضني به) حتى لا أزدري شيئاً من نعمك، ولا أحسد أحداً من خلقك، وحتى
أندرج في سلك الراضين الممدوحين بقولك: ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾(١). وجاء في
رواية النسائي: ((ثم أرضني بقضائك)) (ويسمى) عطف على فليقل؛ لأنه في معنى الأمر، أو
حال من فاعله، أي: فليقل ذلك مسمياً (حاجته) فيقول: اللهم إن كنت تعلم أن حجي في
(١) سورة المائدة، الآية: ١١٩.

٢٠٧
١ - كتاب: الأدب
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٩٨ - باب: في استحباب الذهاب إلى العيد وعيادة المريض
والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريق والرجوع
من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة
٧١٧ - عَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهَ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَاَلَفَ
الطّرِيقَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. قَولُهُ ((خَالَفَ الطَّرِيقَ)): يَعْنِي ذَهَبَ فِي طَرِيقٍ وَرَجَعَ في
طَرِيقٍ آخَرَ(٢).
هذا العام مثلاً (رواه البخاري) في أبواب صلاة الليل وفي الدعوات من صحيحه، ورواه أبو
داود في الصلاة، وكذا الترمذي وقال: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي
الموالي وهو مدني ثقة، وأخرجه النسائي في النكاح، وفي التقوت، وفي اليوم والليلة، كذا
لخص من الأطراف.
باب استحباب الذهاب إلى العيد وعيادة المريض والحج
فقد ذهب ◌َّ في صعوده إلى عرفة من طريق صب، وفي رجوعه منها ومن طريق
المازمين (والغزو والجنازة ونحوها) كالسعي إلى الجمعة والجماعة (من طريق والرجوع
من طريق آخر) تأكيد، وإلا فتنكير موصوف يدل على مغايرته لما قبله، وقوله: (لتكثير
مواضع العبادة) علة للتخالف فيما ذكر، وهو أحد الأقوال في مخالفته وّر بين الطريقين في
الذهاب إلى العید.
٧١٧ - (عن جابر رضي الله عنه قال: كان النبي ◌ّ﴿ إذا كان يوم العيد خالف الطريق) أي:
في خروجه إلى الصلاة ورجوعه منها (رواه البخاري) وعند الترمذي والحاكم في مستدركه
من حديث أبي هريرة: ((كان إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره)) وبمعناه قول
المصنف: (قوله خالف الطريق يعني ذهب في طريق ورجع في طريق آخر) قال في فتح
(١) أخرجه البخاري في كتاب: أبواب صلاة التطوع، باب: ما جاء في التطوع مثنى مثنى وفي الدعوات
باب: الدعاء عند الاستخارة وفي التوحيد باب: قول الله تعالى قل هو القادر (٤٠/٣).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: العيدين، باب: من خالف الطريق إذا رجع عيد (٣٩٢/٢).

٢٠٨
٩٨ - باب: في استحباب الذهاب إلى العيد
٧١٨ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ هِ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقٍ
الشَّجَرَةِ وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ، وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ دَخَلَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا وَيَخْرُجُ
مِنَ الثَِّيَّةِ السُّفْلى. مُتَّفَقْ عَلَيْهِ(١).
الأله: ويسن أن يجعل الطويل للذهاب حيث لم يخش فوت نحو جماعة، والقصير للرجوع
لأنه ليس قاصداً قربة. وإن قلنا يثاب على الرجوع أيضاً على خلاف فيه. واختلفوا في سبب
مخالفته بين الطريق، فقيل: جعل الطويل للذهاب ليكثر الثواب والقصير للرجوع لأنه لا
ثواب فيه عن جمع، أو ثوابه أقل، أو لشهادة الطريقين له، أي: لفظاً يوم القيامة، أو ليتبرك
أهلهما به، أو ليعمهما بركته وخيره، أو لإشاعة ذكر الله فيهما، أو لتصدقه على فقرائهما، أو
لنفاذ ما يصدق به عند الذهاب، أو لزيارة قبور أقاربه فيهما، أو غيظ المنافقين، أو الحذر
منهم، أو التفاؤل بتغيير الحال إلى المغفرة والرضا، أو لخسية الرحمة، ورجحه بعض
أئمتنا لحديث فيه، وإنما ندب ذلك حتى لمن لم يشاركه في شيء مما ذكر كما تقرر تأسياً
به سر كالرمل والاضطباع اهـ.
٧١٨ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله (وَل﴿ كان يخرج) أي: من المدينة (من
طريق الشجرة) قال السمهودي في الخلاصة: يضاف إليها مسجد ذي الحليفة (ويدخل من
طريق المعرس) بضم الميم وفتح المهملة والراء المشددة آخره مهملة. قال السمهودي في
مسجد المعرس (وإذا دخل مكة) أي: دخول (كان يدخل من الثنية العليا) أي: من الحجون
الثاني (ويخرج من الثنية) بفتح المثلثة وكسر النون وتشديد التحتية، الطريق الضيقة بين
الجبلين (السفلى) هي المسماة بالشبيكة، وحكمة ذلك الذهاب من طريق والعود من أخرى
لما ذكر من الحكم، وخصت العليا بالدخول لقصد الداخل موضع عالي المقدار، والخارج
عكسه، ولأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان حين قال: ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي
إليهم﴾(٢) على العليا كما روي عن ابن عباس، قاله السهيلي (متفق عليه).
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: خروج النبي صل على طريق الشجرة (٣١٠/٣ و٣٤٧).
وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: استحباب دخول مكة ... (الحديث: ٢٢٣).
(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٣٧ .

٢٠٩
١ - كتاب: الأدب
٩٩ - باب: في استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم
كالوضوء والغسل والتيمُّم ولبس الثوب والنعل والخفّ
والسراويل ودخول المسجد والسواك والاكتحال وتقليم
الأظفار وقص الشارب ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام
من الصلاة والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر
الأسود والخروج من الخلاء والأخذ والعطاء وغير ذلك
مما هو في معناه
باب استحباب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم
لكرامتها (كالوضوء) فيقدم السليم اليمنى من يديه ورجليه، وغيره من نحو أقطع
الأيمن، مطلقاً من جبينه، وخديه، وطرفي رأسه، وأذنيه، ويديه، ورجليه (والغسل) فيقدم
الجانب الأيمن المقبل منه والمدبر على الجانب الأيسر كذلك، بخلاف غسل الميت،
فيغسل منه الجانب المقبل ثم الأيسر كذلك، ثم يحرفه على جنبه الأيسر ويغسل الجانب
المدبر، ثم يحرفه على جنبه الأيمن فيغسل الجانب الأيسر منه. وفارق الحي الميت فيما
ذكر بعسر غسل جانبي اليمين معاً بالنسبة للميت، وسهولته في الحي (والتيمم) وهو كالوضوء
فيما سبق من التفصيل (ولبس الثوب) فيدخل كمه الأيمن قبل الأيسر (والنعل والخف
والسراويل) فيدخل الرجل اليمنى قبل اليسرى. والسراويل قيل: لفظ جمع لا واحد له،
وقيل: إنه جمع سروالة (ودخول المسجد) فينزع الرجل اليسرى من النعل أولاً ويجعلها
على ظهرها، ثم اليمنى فيقدمها إلى المسجد ثم اليسرى (والسواك) فيبدأ بجانب الفم
الأيمن، ويكون إمساك السواك باليد اليمنى (والاكتحال) فيبدأ باليمنى ثلاثاً، ثم باليسرى
كذلك، كما نص عليه ابن حجر الهيثمي في الإِمداد (وتقليم الأظافير وقص الشارب) الشعر
النابت على الشفة العليا، سمي بذلك لأنه يلقى الماء حين الشرب (وحلق الرأس) ظاهر
عمومه ولو في غير نسك كما اعتاده الناس من حلقه مطلقاً، فيسن البدء باليمين (والسلام من
الصلاة والأكل) فيأكل باليمين، وقيل: إنه بها واجب لحديث راعي البر (والشرب) وهو
إدخال المائع إلى الجوف، فيأخذ بيده اليمنى إن كان الشرب بها، أو يأخذ نحو الشربة بها
(والمصافحة واستلام الحجر الأسود) افتعال. قيل: من السلام بمعنى التحية، وقيل: من
السلام بالكسر بمعنى الحجارة لما فيه من لمسها (والخروج من الخلاء) أي: المحل الذي
أراده لقضاء الحاجة من خلاء أو فضاء (والأخذ والعطاء) أي : الإِعطاء فيستحب كون كل من
المناولة إعطاءً وأخذاً باليمنى، وظاهر عمومه ولو كان لا كراهة فيه ولا إهانة (وغير ذلك)

٢١٠
٩٩ - باب: في استحباب تقديم اليمين
وَيُسْتَحَبُّ تقديمُ اليسار فِي ضِدّ ذلك كالامتخاط والبُصاق
عن اليَسَارِ وَدُخُولِ الخَلاءِ والْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدٍ وَخَلْعِ.
الْخُفِّ وَالنَّعْلِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالثَّبِ والاسْتِنْجَاءِ وَفِعْلٍ
الْمُسْتَقْذَرَاتِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى(١): ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا
كِتَابِيَة﴾ الآيات.
أي: ما ذكر (مما هو في معناه) من باب التكريم (ويستحب تقديم اليسرى في ضد ذلك)
أي: المذكور مما هو من باب الإهانة لاستقذارها (كالامتخاط والبصاق) بضم الباء وهو
البزاق مصدر بزق من باب قعد، والصاد إبدال منه كما في المصباح (على اليسار) متعلق
بمحذوف حال منها، أي: كائنين من جهته، نعم إن كان بالروضة الشريفة النبوية، أو كان
على يساره أحد فليفعل ذلك بين يديه (ودخول الخلاء) أي: المحل المراد لقضاء الحاجة
(والخروج من المسجد) فيخرج اليسرى منه ويضعها على ظهر النعل، ثم اليمنى ويلبسها
أولاً ثم يلبس اليسرى (وخلع الخف والنعل والسراويل والثوب) وذلك لأن بقاء العضو في
الثوب كرامة، واليمنى حق بها وضده إهانة، واليسرى أليق بها (والاستنجاء) بالحجر أو الماء
(وفعل المستقذرات) كإزالة الأوساخ من نحو بدنه فليكن باليسرى (وأشباه ذلك) المذكور.
وسكت عما لا تكرمة فيه ولا إهانة كدخول المنزل وقد اختلف فيه فقيل: إنه باليمنى نظراً
لعدم وجود الإهانة المقتضية لليسرى، وقيل: باليسرى لفقدان التكريم المقتضي بها،
والراجح الأول. (قال تعالى: فأما من أوتي كتابه بيمينه) وهم جميع المؤمنين ولو عاصياً،
كما ذكره جمع وألف فيه السيد السمهودي مؤلفاً أودعه فتاويه، ولكن قال الحافظ ابن عطية
في تفسيره الظاهر أن ذلك يكون للعاصي بعد خروجه من النار. وفيه ندب تناول الكتاب
لغيره من سائر المكرمات باليمين (فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه) قال أبو حيان في تفسيره النهر:
قال الكسائي: يقال هاء(٢) للرجل والاثنين رجلين أو امرأتين هاؤما، وللرجال هاؤم هاء بهمزة
مكسورة بغير ياء، وللنساء هاؤن، ومعنى هاؤم خذوا، وهاؤم وإن كان مدلولها تعالوا فهي
متعدية إليه بواسطة إلى وكتابيه يطلبه هاؤم واقرءوا. والبصريون يعملون اقرءوا، والكوفيون
يعملون هاؤم. وفي الآية دليل على جواز التنازع بين الفعل والاسم اهـ. وقوله: (الآيات)
(١) سورة الحاقة، الآية: ١٩.
(٢) أي: بهمزة مفتوحة. ع.

٢١١
١ - كتاب: الأدب
وَقَالَ تَعَالَى(١): ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ
مَا أَصْحَابُ المَشْئَمَةِ﴾.
٧١٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُعْجِبُهُ التَّيِّمُنَ في
شَأْنِهِ كُلِّهِ: في طُهُورِهِ، وَتَرَجُلِهِ، وَتَنَعُلِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
٧٢٠ - وَعَنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ وَ الْيُمْنَى لِظُهورِهِ
وَطَعَامِهِ، وَكَانَتِ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذَى. حَديثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
يجوز قراءته بالرفع، والنصب، وبالخفض كما تقدم توجيهه. وباقي الآيات لا تعلق لها
بموضوع الباب، وإنما فيها ثناء على الآخذين الكتب باليمين. (وقال تعالى: فأصحاب
الميمنة) هم الذين عن يمين العرش، أو كانوا عن يمين آدم عند إخراج ذرته من ظهوره(٣)،
أو الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، أو أصحاب المنزلة السنية، أو أصحاب اليمين (ما أصحاب
الميمنة) أي: ما أسعدهم وأعظم ما يجازون به (وأصحاب المشأمة) يقابل الميمنة بالمعاني
(ما أصحاب المشأمة) أي: ما أشقاهم، وأشد عذابهم.
٧١٩ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله وَّل يعجبه التيمن) أي: استعمال
اليمين (في شأنه) أي: في حاله المهتم به شرعاً (كله) وأبدل من شأنه بإعادة العامل قوله (في
طهوره) بدل بعض من كل، وهو بضم الطاء المهملة استعمال الماء للتطهر، وبفتحها الماء
المتطهر به، فيكون على تقدير مضاف، وتقدم بيان التيمن المطلوب فيه (وترجله) بتشديد
الجيم، أي: تسريحة شعر رأسه (وتنعله) أي: إدخاله رجليه في النعل، وقيس بما في الخبر
كل ما كان من باب التكريم فاستحب كونه باليمين، وأخذ من مفهومه ومن منطوق حديثها
استحباب كون اليسرى لما كان من باب الإهانة (متفق عليه).
٧٢٠ - (وعنها قالت كان يد رسول الله وَلو) كذا في الأصول بحذف تاء التأنيث؛ لأن تأنيث
اليد مجازي (اليمنى لطهوره) بالضم ويجوز الفتح على تقدير مضاف (وطعامه) أي: تناوله
(١) سورة الواقعة، الآيتان: ٨، ٩.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الوضوء، باب: التيمن في الوضوء والغسل وفي اللباس وغيرهما (٢٣٥/١
و ١٠ (٢٦١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: التيمن في الطهور وغيره، (الحديث: ٦٦ و٦٧).
(٣) كذا ولعله (ظهره). ع.

٢١٢
٩٩ - باب: في استحباب تقديم اليمين
وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (١).
٧٢١ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ، قَالَ لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابْنِهِ
(زَيْنَبَ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: ((أَبْدَأْنَ بِمَيَامِنِها وَمَوَاضِعِ الْوُضوءِ مِنْهَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢).
٧٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، قَالَ: ((إِذَا انْتَعَلَ
أَحَدُكُمْ فَلْدَأُ بِالْيُمْنَى، وَإِذَا أَنْتَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ ، .
(وكانت) أثبتت التاء تفنناً في التعبير لفصاحتها (يده اليسرى لخلائه) أي: لما فيه من استنجاء،
وتناول أحجار، وإزالة أقذار (وما كان من أذى) بالتنوين كتنحية نحو بصاق ومخاط، ومنه
تنحية نحو قمل (حدیث صحيح رواه أبو داود) في سننه (بإسناد صحيح).
٧٢١ - (وعن أم عطية) بفتح المهملة الأولى وكسر الثانية، اسمها نسيبة بالتصغير، ويقال
بالتكبير بنت كعب، وقيل: بنت الحارث، مدنية ثم سكنت البصرة، وكانت تغسل الميتات
في عهد رسول اللّه ◌َّر، ويشاركها في النسب أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية، وليس
لأم عمارة حديث في الصحيحين، وروي لأم عطية عن النبي # أربعون حديثاً؛ أخرج منها
في الصحيحين تسعة أحاديث اتفقا على سبعة، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بآخر،
وخرّج عنها الأربعة، وروى عنها محمد وحفصة ابنا سيرين، وعبدالملك بن عمير. ووقع في
صحيح البخاري ما يوهم أن نسيبة غير أم عطية، وقد بين البخاري عقب ذلك الحديث أنها
هي (رضي الله عنها أن النبي ◌َّ قال لهن في غسل ابنته) زينب، وقيل: أم كلثوم (رضي الله
عنها ابدأن) بصيغة أمر. خطاب جماعة النسوة والخطاب لأم عطية ومن معها من الغاسلات
والمعينات عليه بنحو الصب، والأمر للندب (بميامنها) جمع ميمنة. ففيه استحباب التيامن
في غسل الميت، كاستحبابه في غسل الحي، وسبق كيفية ذلك فيهما (ومواضع الوضوء
منها) لشرف أعضاء الوضوء على باقي البدن (متفق عليه) وهو قطعة من حديث طويل.
٧٢٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَّر قال: إذا انتعل أحدكم) أي: أراد
أحدكم يا معشر الأمة الانتعال ومثله إرادة لبس الخف كما تقدم (فليبدأ باليمين) في إدخال
النعل؛ لأنه كرامة وهى أحق بها (وإذا نزع) أي: أراد النزع لها (فليبدأ بالشمال) لأن بقاء
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الطهارة، باب: كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء، (الحديث: ٣٣).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الوضوء، باب: التيمن في الوضوء والغسل والجنائز، باب: يبدأ بميامن
الميت وفي غيره (٢٣٥/١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: في غسل الميت، (الحديث: ٤٢ و٤٣).

٢١٣
١ - كتاب: الأدب
لِتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلُها تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٧٢٣ - وَعَنْ حَقْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ هَلَ كَانَ يَجْعَلُ يَمِينَهُ لِطَعَامِهِ
وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ، وَيَجْعَلُ يَسَارَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وغيرُهُ(٢).
الرجل في النعل كرامة وتقدم أنها أحق بها (لتكن) الرجل (اليمنى أولهما) بالنصب ظرف
لقوله: (تنعل) بالفوقية خبر تكون (وآخرهما) بالنصب ظرف لقوله (تنزع) ففيه عطف على
معمولي عاملين مختلفين، وهو جائز اتفاقاً فالخبر على الخبر والظرف على الظرف، وجملة
لتكن إلخ كالتأكيد لما قبلها، أو للإِجمال له (متفق عليه) كذا في النسخ من الرياض، والذي
في الجامع الصغير الاقتصار على رمز مسلم دون البخاري، وزاد فيه أنه أخرجه أحمد وأبو
داود والترمذي وابن ماجه اهـ. ثم رأيت البخاري أورده كما قال المصنف في كتاب اللباس
من صحيحه، ولعل سقوط رمز البخاري من الجامع الصغير إن لم يكن من الكتبة، غفل
حال الكتابة عن كونه فيه ولا عيب على الإِنسان في النسيان.
٧٢٣ - (وعن حفصة) أم المؤمنين واستغنى عن ذلك بقوله: (رضي الله عنها) فليس في
الصحابيات من يسمى بذلك غيرها وهي بنت عمر بن الخطاب العدوية، أمها وأم أخيها
عبدالله زينب بنت مظعون أخت عثمان بن مظعون، وكانت حفصة من المهاجرات، وكانت
كما تقدم قبل النبي ◌ّيل عند خنيس بن حذاقة السهمي، وكان ممن شهد بدراً وتوفي
بالمدينة، وتزوجها النبي ( عند أكثر العلماء سنة اثنتين من الهجرة بعد عائشة، وطلقها ثم
راجعها بأمر جبريل له بذلك، وقال له إنها صوامة قوامة، وإنها زوجك في الجنة. توفيت
حين بايع الحسن معاوية سنة إحدى وأربعين، وقيل سنة خمس وأربعين، وقيل غير ذلك
اهـ. ملخصاً من أسد الغابة (أن رسول الله وَل ل كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه) فيوصل بها
الطعام والشراب إلى فيه (وثيابه) فيدخل اليد اليمنى في القميص والرجل اليمنى في
السروال قبل اليسرى (ويجعل اليسرى لما سوى ذلك) أي: سوى ما ذكر وما في معناه من
كل ما هو من باب التكريم، فيقتضي التياسر فيما لا كرامة له ولا إهانة، أو ما في معناه مما لا
إهانة فيخص التياسر بما فيه الإهانة، ويقرب هذا حديث عائشة السابق: ((وكانت اليسرى
لخلائه وما كان من أذى)) (رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح) رواه في الجامع الصغير
(١) أخرجه البخاري في كتاب: اللباس، باب: ينزع نعل اليسرى (٢٦٣/١٠).
وأخرجه مسلم في كتاب: اللباس والزينة، باب: استحباب لبس النعل في اليمنى ... (الحديث:
٦٧).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الطهارة، باب: كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء، (الحديث: ٣٢).

٢١٤
٩٩ - باب: في استحباب تقديم اليمين
٧٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ، قَالَ: ((إِذَا لَبِسْتُمْ وَإِذَا
تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَؤُوا بِأَيَامِنِكُمْ)) حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ(١).
٧٢٥ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ أَنَى مِنِىَّ فَأَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا
ثُمَّ أَ مَنْزِلَهُ بمنىِّ وَنَحَرَ ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّقِ: ((خُذْ)) وَأَشَارَ إِلَى جَانِهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ ثُمَّ
جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
عنها بلفظ: ((كان يجعل يمينه لأكله وشربه ووضوئه وثيابه وأخذه وعطائه وشماله لما سوى
ذلك» وقال: رواه أحمد .
٧٢٤ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وسلم قال: إذا لبستم) أي: أردتم اللبس
(وإذا توضأتم) أي: أردتم أعماله (فابدؤا بأيامنكم) جمع أيمن وهو خلاف الأيسر، فيدخل
الجانب الأيمن في نحو القميص قبل الأيسر ويقدم اليمنى من يديه ورجليه في الوضوء، وغير
السليم يتيامن في جميع أعمال الوضوء كما تقدم (حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي
بإسناد صحيح) ورواه ابن حبان كما في الجامع الصغير.
٧٢٥ - (وعن أنس أن رسول الله وَ ﴿ أتى منىً) بالصرف، وتركه باعتبار إرادة البقعة والمكان
(فأتى الجمرة) والمعهودة هي جمرة العقبة، أي: من غير تراخ عند وصوله إلى منى (فرماها
ثم أتى منزله بمنى) وهو ما بين مسجد الخيف ومحل النحر المشهور، وإلى الأول أقرب من
يمين الصاعد إلى عرفة (ثم قال للحلاق) واسمه معمر بن عبدالله العدوي، وقيل: خراس بن
أمية الكلبي (خذ) أي: الرأس لحلقه (وأشار إلى جانبه) أي: جانب الرأس (الأيمن) ففيه
البدء بيمين المحلوق وهو شق رأسه وعليه الجمهور، وقيل بيمين الحالق وهو شق رأس
المحلوق الأيسر وعليه أبو حنيفة (ثم الأيسر ثم جعل) أي: النبي ◌ََّ، والإِسناد إليه مجازي
لما يأتي في الحديث بعد أن ذلك من فعل أبي طلحة (يعطيه) أي: بعضه لما يأتي فيه أيضاً
(للناس) ليكون بركة باقية بين أظهرهم وليذكروه ملي كلما رأوا ذلك، فإنه أشار لهم في هذه
الحجة مرارا إلى قرب أجله بقوله لعلكم لا تلقوني بعد عامكم هذا، وباقتصاره على نحو
ثلاث وستين ناقة من بدنه، وقد أدركت شعرة تزار، اتفق الخلق من السلف على أنها من
شعره ﴿ وقد فقدت لما سرق بيت صاحبها (متفق عليه) واللفظ لمسلم، ورواه أبو داود
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: اللباس، باب: في الانتعال، (الحديث: ٤١٤١).
وأخرجه الترمذي في كتاب: اللباس، باب:" ما جاء في القميص، (الحديث: ١٧٦٦)، كما هو في
الكتاب أي الهامش: كان رسول الله ...

٢١٥
١ - كتاب: الأدب
وَفِي رِوَايَةٍ: لَمَّا رَمَى الْجَمْرَةَ وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ نَاوَلَ الْحَلَّقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ
فَحَلَقَهُ ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الَأَنْصَارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ،
ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الْأَيْسَرَ، فَقَالَ: ((احْلِقْ)) فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: ((اقْسِمْهُ بَيْنَ
النَّاسِ))(١) .
والترمذي والنسائي، ذكره المزي (وفي رواية) عند مسلم (لما رمى جمرة العقبة ونحر
نسكه) بضمتين ويجوز إسكان الثاني، أي: هديه الذي ساقه معه (وحلق) أي: بعد نحره
(ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه ثم دعا أبا طلحة الأنصاري) واسمه زيد بن سهل زوج أم
أنس بن مالك (وأعطاه إياه) لأنه كان له وَّله مزيد خصوصية ومحبة به وبأهله ليست لغيرهم
من الأنصار، ولا لكثير من المهاجرين، ولذا خص * بدفنه لبنته أم كلثوم وزوجها عثمان
حاضر، ولذا خصه الصحابة بأنه الذي حفر القبر الشريف والحدفيه النبي و 98 وبنى فيه اللبن
(ثم) أي: بعد أن ناول أبا طلحة (ناوله) أي: الحلاق (الأيسر فقال احلق فحلقه فأعطاه أبا
طلحة فقال اقسمه بين الناس) لكن في رواية لمسلم أن الشعر الذي قسمه بين الناس شعر
رأسه الأيمن، وأن الذي أعطاه أبا طلحة شعر شق الرأس الأيسر، وقد أشار إلى ذلك الآتي
في شرح مسلم فقال إعطاؤه لأبي طلحة ليس مخالفاً لقوله فرقه بين الناس لاحتمال أن يكون
إعطاؤه له ليفرقه بينهم. وينبغي النظر في اختلاف الرواية في الجانب الأيسر ففي الأولى أنه
فرقه كالأيمن، وفي الثانية أنه أعطاه أم سليم وهي امرأة أبي طلحة والجمع بين الروايات والله
أعلم .
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الوضوء، باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان (٢٣٨/١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: بيان أن السنة يوم النحر ... (الحديث: ٣٢٣).

٢ - كتاب: أدب الطعام
١٠٠ - باب: في التسمية في أوله والحمد في آخره
٧٢٦ - عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه :
((سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِكَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
الأطعمة، ورواه النسائي وابن ماجه، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه أيضاً من طريق
آخر.
باب آداب الطعام
المراد منه ما يقابل الشراب، وإلا فيطلق لغةً على كل ما يساغ فيدخل فيه الشراب كما
في المصباح.
باب التسمية في أوله
أي: عند استعماله (والحمد في آخره).
٧٢٦ - (عن عمرو بن أبي سلمة) ربيب رسول الله وص له من أم سلمة (رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله وَ ﴿ل سمّ الله) أي: اذكر اسم الله. قال المصنف: وأفضله بسم الله الرحمن
الرحيم، ونازعه الحافظ ابن حجر بأنه لم يرد ما يدل لذلك (وكل بيمينك) لأنها لما ليس من
باب الإهانة وهذا منه، وسيأتي الخلاف في وجوبه (وكل مما يليك) أي: إذا كان الطعام لوناً
واحداً، فإن كان ألواناً جاز الأكل من جميع الجوانب (متفق عليه) رواه البخاري ومسلم في
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأطعمة، باب: التسمية على الطعام والأكل باليمين، وباب: الأكل مما
یلیه، (٤٥٨/٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، (الحديث: ١٠٨).

٢١٧
٢ - كتاب: أدب الطعام
٧٢٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ: ((إِذَا أَكَلَ
أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ أَسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ
بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ(١).
٧٢٨ - وَعَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ مَّهِ، يَقُولُ: ((إِذَا
٧٢٧ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله محّ: إذا أكل أحدكم) أي:
شرع، وهو في الجامع الصغير بلفظ: ((إذا أكل أحدكم طعاماً) وقال في آخره: ((فليقل
بسم الله على أوله وآخره)) لكن قال بعض شراحه إن زيادة على فيه في بعض النسخ (فليذكر
اسم الله تعالى) بأن يقول بسم الله الرحمن الرحيم، وظاهر إطلاق الحديث شامل ما لو أتى
عند إرادة أكله، كما في قوله تعالى: ﴿وتنسون أنفسكم﴾ (٢) أي تتركونها من البر الذي
تأمرون به الغير بلفظ الجلالة (فإن نسي) يحتمل أن يراد به ما يقابل العمد وهو المتبادر،
فالتارك عمداً لا يأتي بها أثناءه، ويحتمل أنه يأتي بها أيضاً ولا مفهوم لقيد النسائي؛ لأنه
جرى على الغالب أن شأن المؤمن أنه لا يترك ذكر الله على طعامه إلا نسياناً، ويحتمل أن
يراد به الترك كما في قوله تعالى: ﴿وتنسون أنفسكم﴾(٢) أي: تتركونها من البر الذي تأمرون
به الغير فيشمل ذلك (أن يذكر اسم الله تعالى في) أي: عند (أوله فليقل) ندباً (بسم الله)
أي: آكل (أوله وآخره) المراد بهما ما يشمل سائر الأجزاء، ونصبهما على نزع الخافض
(رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث صحيح) ورواه الحاكم في المستدرك. وظاهر
الخبر يتناول ما بعد الفراغ، وأخذ بعديته جمع من أصحابنا وقالوا: فارق عدم استحباب
ذلك بعد تمام الوضوء، بأن القصد منها فيه عود البركة عليه وذلك انتهى بتمامه، والقصد
منها هنا منع الشيطان من الطعام فليتقايأ ما أكله قبلها لما أتي به بعد منها. ومشى ابن رسلان
في شرح أبي داود، وأرجع آخرون على خلافه فقالوا التقدير فليقل في أثنائه لا بعده فلا
یستحب .
٧٢٨ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَال يقول: إذا دخل الرجل) ذكر
(١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأطعمة، باب: التسمية على الطعام، (الحديث: ٣٧٦٧).
وأخرجه الترمذي في كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في التسمية على الطعام، (الحديث: ١٨٥٨).
(٢) سورة البقرة، الآية: ٤٤ .

٢١٨
١٠٠ - باب: في التسمية في أوله
دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ
لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ دُخولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ أَدْرَكْتُمُ
الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيْتَ وَالْعَشَاءَ))
رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٧٢٩ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِوَ طَعَامَاً
لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ فَيَضَعَ یَدَهُ،
لأنه الأشرف، وإلا فالمرأة في جميع ما ذكر في الحديث مثله (بيته) أي: منزله ولو كان
خيمة، وظاهر أن المراد دخوله في المساء بدليل المبيت والعشاء إذ أن قبله الغذاء والفطور
(فذكر الله تعالى) أي: اسمه بأن قال بسم الله (عند دخوله) يحتمل أن يراد عند إرادة
الدخول، ويحتمل عند نفس الدخول الذي ابتداؤه الولوج في المنزل (وعند طعامه) أي :
تناوله له (قال الشيطان) لأعوانه على سبيل الإِخبار (لا مبيت لكم ولا عشاء) ويحتمل أن
يكون دعاء على الداخل وأهله، إذ فوتهم كلا من المبيت والعشاء بما أتي به من الذكر، لكن
شيان الشيطان فيه كما قال تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ (٢) (وإذا دخل ولم
يذكر الله عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت) إطلاقه يقتضي تمكنه من المبيت عند تركه
الذكر حال الدخول وإن أتى به بعد، ويتحمل أنه مقيد بما إذا لم يأت به بعد، وإلا فلا سبيل
لهم إليه قياماً على التسمية أثناء الطعام (وإذا لم يذكر اسم الله عند طعامه) أي: تركه كذلك
عند الطعام أيضاً (قال) أي: الشيطان لأعوانه (أدركتم المبيت) أي: مكان البيات، ويجوز
أن يكون مصدراً اسمياً (والعشاء رواه مسلم) في كتاب الأطعمة من صحيحه، ورواه أبو داود
والترمذي والنسائي، ومداره عندهم على أبو جريج عن ابن الزبير عن جابر.
٧٢٩ - (وعن حذيفة رضي الله عنه قال: كنا إذا حضرنا مع رسول الله وسلّ طعاماً) التنوين فيه
للشيوع فيشمل القليل والكثير، والحقير والجليل (لم نضع أيدينا) أي: فيه (حتى يبدأ
رسول الله (# فيضع يده) وذلك تأدب معه رَالر، وقد قال تعالى: ﴿لا تقدموا بين يدي الله
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، (الحديث: ١٠٣).
(٢) سورة الرعد، الآية : ١٤.

٢١٩
٢ - كتساب: أدب الطعام
وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَامَاً فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ
يَدَها فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ وَ بِيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيْ
كَأَنَّمَا يُدْفَعُ فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ
يَسْتَحِلُّ الطَّعامَ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِها فَأَخِذْتُ
بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَذَا الأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ إِنَّ يَدَهُ في
ورسوله﴾(١) وعمومه متناول لذلك (وإنا حضرنا معه مرة طعاماً) معطوف على قوله كنا
(فجاءت جارية) يحتمل أن يكون المراد منها المعنى المشهور وهو ما يقابل الحرة ولو
عجوزاً، ويحتمل أن المراد به الشابة من الحرائر (كأنها تدفع) أي: لشدة سرعتها. وهو
بالفوقية وبصيغة البناء للمفعول وحذف الفاعل للجهل به (فذهبت) عطف على جاءت
(لتضع يدها في الطعام) أي: قبل وضعه وَّل يده فيها (فأخذ رسول الله وَ له بيدها) منحياً لها
عن الطعام لئلا يتوصل الشيطان بيدها إليه (ثم جاء أعرابي) ساكن البادية (كأنما) عدل إليه
عن قوله كأنها المناسب لعديله تفنناً في التعبير، وما كافة مهيأة للدخول لكان على قوله:
(يدفع فأخذ بيده فقال رسول الله وَله إن الشيطان) يحتمل أن تكون أل جنسية فيشمل كل
الشياطين، ويحتمل كونها عهدية والمشار إليه إبليس؛ لأنه كبير أتباعه، والأول أقرب وهو
مأخوذ من شاط إذا احترق فنونه زائدة، أو من شطن إذا بعد لبعده عن الخير، فيه قولان
(يستحل الطعام) أي: يطلب حله، أي: ليتمكن منه. وقوله: (أن لا يذكر اسم الله تعالى
عليه) علة استحلاله والجار قبلها، أي: بأن لا يذكر اسم الله عليه، وحذف الجار من أن
وكي المصدريان قياس مطرد (وأنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها) منعاً له مما
أراد (فجاء بهذا الأعرابي يستحل به فأخذت بيده) لذلك (والذي نفسي بيده) أي: بقدرته،
وفيه استحباب القسم لتأكيد الأمر عند السامع (إن يده) أي: الشيطان (في يدي) بتشديد
التحتية، ويحتمل أن يكون بتخفيفها (مع يديهما) كذا فيما وقفت عليه من نسخ الرياض،
والذي في معظم الأصول من مسلم يدها بالإِفراد. قال المصنف في شرحه: وفي بعضها
يدهما، أي: بالتثنبة فهذا ظاهر وضمير التثنية يرجع للجارية والأعرابي، وعلى رواية الإِفراد
يعود الضمير على الجارية. وقد حكى القاضي عياض: أن الوجه التثنية. والظاهر أن رواية
الإِفراد أيضاً مستقيمة وأن إثبات يدها لا ينافي يد الأعرابي، وإذا صحت الرواية وجب قبولها
(١) سورة الحجرات، الآية: ١.

٢٢٠
١٠٠ - باب: في التسمية في أوله
يَدِي مَعَ يَدَيْهِمَا)) ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
٧٣٠ - وَعَنْ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيِّ الصَّحَابِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِوَه
جَالِسَاً وَرَجُلٌ يَأْكُلُ فَلَمْ يُسَمِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلَّ لُقْمَةٌ، فَلَّمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ،
قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ◌َ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ
مَعَهُ فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ اسْتَقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (٢).
٧٣١ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَأْكُلُ طَعَامَاً في
وتأويلها كما ذكرنا اهـ. (ثم ذكر) أي: النبي ◌َلّ (اسم الله تعالى وأكل) ظاهر العطف بالواو
شامل لكون الذكر مقابلاً للأكل ومتقدماً عليه، وتناوله للذكر بعد الأكل يدفعه المقام (رواه
مسلم) في الأطعمة أيضاً، ورواه أبو داود والنسائي أيضاً.
٧٣٠ - (وعن أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتية (ابن مخشي) بفتح الميم
وسكون المعجمة الأولى وكسر الثانية (الصحابي) وصفه بذلك (رضي الله عنه) لخفاء صحبته
على غير أهل الحديث، وهو خزاعي بصري يكنى أبا عبدالله، قاله أبو نعيم وأبو عمر. وقال
ابن منده: الخزاعي وهو من الأزد. وقال ابن الأثير في أسد الغابة بعد ذكر حديث الباب:
وقد أخرجه الثلاثة يعني ابن عبدالبر وابن منده وأبا نعيم، ولا يعرف له غير هذا الحديث.
(قال كان رسول الله مَ ليل جالساً ورجل يأكل) جملة إسمية حال من اسم كان (فلم يسم حتى
لم يبق من طعامه إلا لقمة فلما رفعها إلى فيه قال: بسم الله) يكتب بإثبات الألف كما نبه عليه
المصنف في شرح مسلم، ولا يحذف إلا من جملة البسملة تخفيفاً لكثرة استعمالها (أوله
وآخره) أي: فيهما. والمراد جميع أجزاء الطعام (فضحك النبي ◌ّلاير ثم) أي : بعد ضحكه،
ولعل تراخي الإِخبار ليكثر التشوق للخبر فيكون أقر عندهم (قال ما زال الشيطان يأكل معه)
أي: في دوام تناوله الطعام تاركاً التسمية فيه (فلما ذكر اسم الله استقاء ما في بطنه) قال
العلماء: إنما لم يجب غسل الإِناء مع أن القيء نجس منجس؛ لأن الخبر ليس فيه أن تقيؤه
يكون داخله فيجوز أن يكون خارجه، ولا تجب الطهارة من المشكوك فيه (رواه أبو داود) في
الأطعمة من سننه (والنسائي) في الوليمة منها.
٧٣١ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله وَ لَّ يأكل طعاماً في) أي: مع،
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، (الحديث: ١٠٢).
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الأطعمة، باب: التسمية على الطعام، (الحديث: ٣٧٦٨).
وأخرجه النسائي في السنن الكبرى في كتاب: الوليمة كما في تحفة الأشراف: ١ / ٨٠ (١٦٤).