Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١
٥١ - باب: في الرجاء
عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ
وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَاراً، فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي فَقَدِمْتُ
عَلَيْهِ، فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ وَهِ مُسْتَخْفِياً، جُرَآءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ، فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةً
فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟ قَالَ: ((أَنَا نَبِيٍّ))، فَقُلْتُ: وَمَا نَبِيِّ؟ قَالَ: ((أَرْسَلَنِي اللَّهُ)، فَقُلْتُ:
جماعة ممن ضبط ألفاظ المهذب يزيد فيه نوناً، وهو غلط فاحش ومنكر ظاهر نبهت عليه لئلا
يغتر به، وعبسة هو ابن عامر بن خالد بن عاصرة بن عتاب ويقال ابن غفار بن امرىء
القيس بن بهثة بموحدة مضمومة ثم هاء ساكنة ثم مثلثة ابن سليم بن منصور بن عكرمة بن
خفصة بفتح الخاء المعجمة والصاد المهملة ابن قيس عيلان بالمهملة ابن مضر بن نزار
(السلمي) الصحابي الصالح، أسلم عمرو (رضي الله عنه) رابع أربعة، وحديث هجرته هو
الحديث المذكور، وقدم المدينة بعد الخندق فسكنها ثم نزل الشام. روي له عن النبي وقليل
ثمانية وثلاثون حديثاً. روى مسلم منها الحديث المذكور. روى عنه جماعة من الصحابة
منهم ابن مسعود وأبو أمامة وسهل بن سعد وجماعة من التابعين، سكن حمص وتوفي بها
اهـ ملخصاً. (قال: كنت وأنا في الجاهلية) هي ما قبل الإِسلام سموا به لكثرة جهالاتهم
والجملة حال من اسم كان وخبر كان جملة (أظن أن الناس على ضلالة وأنهم ليسوا على
شيء) ينفعهم عند الله تعالى (وهم يعبدون الأوثان) جملة حالية من اسم ليس والأوثان جمع
وثن، قيل هو والصنم بمعنى وعليه اقتصر المصباح في مادة وثن وزاد في مادة صنم قوله:
وقيل الصنم المتخذ من الجواهر المعدنية، والوثن المتخذ من حجر أو خشب. وقال ابن
فارس: الصنم ما يتخذ من خشب أو نحاس أو فضة اهـ. (فسمعت برجل بمكة) الباء الثانية
ظرفية (يخبر أخباراً) بفتح الهمزة أي: أخباراً عجيبة الشأن عظيمة الموقع فالتنوين فيه
للتعظيم (فقعدت على راحلتي) أي: ركبت عليها مسافراً (فقدمت) بكسر الدال (عليه فإذا
رسول الله ﴿﴿ مستخفياً) حال من ضمير خبر المبتدأ المحذوف تقديره كائن أي: هو حال
كونه مستخفياً أي: مستتراً من الكفار الأشرار (جراء) بضم الجيم وتشديد الراء بعدها همزة
ممدودة جمع جريء: من الجرأة وهي الإِقدام والتسلط، وسيأتي فيه بسط عند ذكر المصنف
الاختلاف في ضبطه وهو حال مترادفة أو متداخلة، وقوله (عليه قومه) الظرف متعلق به وقومه
فاعله؛ لأنه وصف اعتمد على ذي الحال (فتلطفت) أي: ترفقت في الأمر مع قرشي (حتى
دخلت عليه بمكة فقلت له ما أنت؟) قال البيضاوي: کما تقدم نقله عنه ما، يسأل به عن کل
شيء ما لم يعرف فإذا عرف خص العاقل إذا سئل عن تعيينه وإن سئل عن وصفه قيل ما زيد
فقيه أم طبيب؟ اهـ. ولما كان مسؤول عمرو عن وصف النبي وَ لّ قال: ما أنت؟ ويدل له
٣٤٢
كتاب: دليل الفالحين
بِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: ((أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحِّدَ اللّهُ
لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ))، قُلْتُ لَهُ :: فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: ((حُرِّ وَعَبْدٌ))، قَالَ: وَمَعَهُ
يَوْمَئِذٍ أَبُوبَكْرٍ وَبِلَاَلٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مِمَّنْ آمَنَ بِهِ، فَقُلْتُ: إِنِّي مُتَبِعُكَ، قَالَ: ((إِنَّكَ
لَنْ تَسْتَطِيعَ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا، أَلَ تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ؟ وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ،
فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِي))، قَالَ: فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَل
قوله وَي له (قال أنا نبي) وكذا قال المصنف: في شرح مسلم قال: ما ولم يقل من؛ لأنه سأله
عن صفته لا عن ذاته وما لصفات من يعقل اهـ. (فقلت وما نبي؟) أي: ما حقيقة النبي
المميزة له عن سواه (قال: أرسلني الله) أي: أرسل الله إياي (قلت: بأي شيء أرسلك؟) لما
عمم النبي ﴿ بحذف معمول أرسل استفهمه عمرو عنه وسأل بيانه (فقال: أرسلني بصلة
الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله) بالمضارع المبني للمفعول، وكذا في قوله (لا يشرك)
بالرفع ونائب فاعله شيء من قوله (به شيء) قال المصنف: هذا فيه دلالة ظاهرة على الحث
على صلة الأرحام؛ لأن الله تعالى قرنها بالتوحيد، ولم يذكر له جزئيات الأمور وإنما ذكر
مهمها وبدأ بالصلة. ((فإن قلت)): ما الحكمة في أنه أتى بالمصدر في الأولين وبأن والفعل في
الثالث ((قلت)): الإِشارة إلى تجديد ذلك الثالث كل آن ذكراً بقول لا إله إلا الله، فقد ورد
الأمر بالإِكثار منها مع ما فيه من التفنن فجمع التعبير المورث للكلام نظرية وتحسيناً (قلت:
فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد ومعه يومئذ) المراد باليوم فيه مطلق الحين أي: حينئذ
(أبو بكر وبلال رضي الله عنهما) وكان الاقتصار عليهما مع تقدم إسلام خديجة على
إسلامهما، إذ هي أول الناس إسلاماً وإسلام علي أيضاً، قيل إنه أسلم قبل الصديق وإن كان
الراجح خلافه لأنهما كاملان في الرجولية والبلوغ فقد كان علي حينئذ صبياً (فقلت: إني
متبعك) أي: على إظهار الإِسلام هنا وإقامتي معك (قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا)
أي: في هذا الزمن الحاضر وذلك لضعف شوكة الإِسلام فيخاف عليك من أذى كفار قريش
(ولكن ارجع إلى أهلك) قال القاضي عياض: ليس معناه أنه رده دون إسلام، وإنما رده عن
صحبته واتباعه؛ لأنه كان في أول الإِسلام وقبل قوته فخاف عليه لغربته أن تهلكه قریش أو
تفتنه اهـ. وحينئذ فتقدير الكلام كما أشار إليه المصنف: ((لكن قد حصل أجرك فابق على
إسلامك وارجع إلى قومك واستمر علی إسلامك حتی تعلمني ظهرت» (فإذا سمعت بي قد
ظهرت فأتني) فيه معجزة للنبي هي إعلامه بأنه سيظهر فكان كما أخبر (فذهبت) أي: رجعت
(إلى أهلي وقدم) بكسر الدال (رسول الله (وَ ل# المدينة) منصوب على التوسع كدخلت
المسجد أو على حذف الجار (وكنت في أهلي) أي: مقيماً فيهم (فجعلت) من أفعال
٣٤٣
٥١ - باب: في الرجاء
الْمَدِينَةَ، وَكُنْتُ فِي أَهْلِي فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الْأَخْبَارَ وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، حَتَّى
قَدِمَ نَفَرٌ مِنُ أَهْلِ يَثْرِبَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ
الْمَدِينَةَ؟ فَقَالُوا: النَّاسُ إِلَيْهِ سِرَاعٌ، وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ، فَقَدِمْتُ
المَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنِي؟ قالَ: نَعَمْ أَنتَ الَّذِي لَقَيْتَنِي
بِمَكّةَ)) قالَ: فَقُلْتُ: بَلَى، فَقُلْتُ: يَا نَبِيّ اللّه أَخْبِرِنِي عَمّا عَلَّمَكَ الله وَأَجِهَلُهُ، أَخِرِي عَنِ
الصَّلاة؟ قَالَ:
الشروع (أتخبر الأخبار) أي: أتكلف الوقوف عليها وأعاني ذلك (واسأل الناس حين قدم
المدينة) أي: وقت قدومه لها (حتى قدم نفر من أهل المدينة) غاية لتخبره وسؤاله، والنفر
كما تقدم مراراً بفتح أوليه: ما بين الثلاثة والتسعة، وقيل السبعة من الرجال ومعنى قوله من
أهل المدينة أي: المقيمين بها القاطنين فيها (فقلت ما فعل هذا الرجل) أتي باسم الإِشارة
الموضوع؛ لأن يستعمل في المشار إليه الحاضر إليه تفخيماً لشأن المصطفى و ﴿﴿ وإن حقه
لكمال مجده أن لا يغيب عن النفوس بل لا تزال مشاهدة بعين لبها لجمال كماله (الذي قدم
المدينة فقالوا: الناس إليه سراع) بكسر السين أي: مسرعين (وقد أراد قومه) أي: كفار
قريش (قتله) بأنواع من المكر والخديعة المذكورة عنهم في كتب السير (فلم يستطيعوا ذلك)
بل رد الله كيدهم في نحرهم وحفظ نبيه وَل من ذلك (فقدمت المدينة) أي: امتثالاً لقوله
((فإذا سمعت بي ظهرت فأتني)) (فدخلت عليه فقلت: يا رسول الله أتعرفني؟ قال: نعم)
وسؤاله لطول مدة غيبته ثم هو في نسخ الرياض هكذا ووقع في مسلم بلفظ قال بلى قال
المصنف في شرحه: فيه صحة الجواب ببلى وإن لم يكن قبلها نفي وصحة الإِقرار بها وهو
صحيح في مذهبنا. وشرط بعض أصحابنا أن يتقدمها نفي أو نهي، وبه يعلم أن ما هنا إن لم
يكن في بعض نسخ مسلم اختلاف من تحريف الكتاب. ((قلت)): ولمن اعتبر تقدم النفي أن
يقول: تقدير الكلام أما تعرفني ويكون قرينة تقديرها قوله في الجواب بلى. والله أعلم (قال:
فقلت: أخبرني عما علمك الله) العائد ضمير نصب محذوف أي: علمكه، قال المصنف:
هكذا هو وهو صحيح، ومعناه أخبرني عن حكمه وصفته وبينه لي. اهـ. ((قلت)): ويحتمل
أن يكون عن للتعليل كما قيل به في قوله تعالى: ﴿وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك﴾(١)
أي: لأجله، وقوله (وأجهله) يحتمل أن يكون أتى به على وجه الإطناب، ويحتمل أن يكون
الاحتراز عما علمه منه وّ في اجتماعه السابق به (أخبرني عن الصلاة) أي: النافلة (قال:
(١) سورة هود، الآية: ٥٣.
٣٤٤
كتاب: دليل الفالحين
((صَلِّ صَلَةَ الصُّبْحِ ثُمَّ اقْصُرْعَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنها تَطْلُعُ
حِيْنَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِيْنَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلاةَ
مَشْهودَةٌ مَحْضورةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظُّلُّ بِالرُّمْحِ ثُمَّ اقْصُرْ عَنِ الصَّلاةِ فإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ
صل الصبح ثم اقصر) بضم الصاد أي: اقعد (عن الصلاة) أي النفل المطلق الذي لا سبب
له، أو له سبب متأخر (حتى تطلع الشمس حتى ترتفع) يحتمل أن يكون بدلاً مما قبله،
ويحتمل أن يكون غاية بعد غاية لتحريم النفل المذكور. قال المصنف: فيه أن النهي عن
الصلاة بعد الصبح لا يرتفع بنفس الطلوع بل لا بد من الارتفاع والمراد ارتفاعها كرمح في رأي
العين. ثم النافلة تحرم من صلاة الصبح إلى ارتفاعها على من صلى الصبح، أما
من لم يصلها فلا تحرم عليه إلا من طلوع الشمس لا قبل، إلى الغاية المذكورة (فإنها) أي :
الشمس (تطلع) بضم اللام (حين تطلع) أي: وقت طلوعها (بين قرني شيطان) سيأتي بيان
معناه وتنكير شيطان لتحقيره، وقرناه: ناحيتا رأسه. قال المصنف: وسمي شيطاناً لتمرده
وعتوه وكل مارد عات شيطان، والأظهر أنه مشتق من شطن إذا بعد لبعده من الخير والرحمة،
وقيل من شاط إذا هلك واحترق، أي: فالمصلي حينئذ كالساجد للشيطان (وحينئذ يسجد لها
الكفار) أي: وحين تطلع بين قرنيه، قال القاضي عياض: هذا يدل على صحة تأويل من
جعله على ظاهره، وإن الشيطان يفعل ذلك ويتطاول لها ليخادع نفسه أن السجود له (ثم
صل) أي: ماشئت من النفل (فإن الصلاة مشهودة محضورة) أي: يحضرها الملائكة، فهي
أقرب إلى القبول وحصول الرحمة. قال في فتح الإِلّه أي: تحضرها ملائكة النهار لتكتبها
وتشهد بها لمن صلاها، فهي بمعنى رواية مشهودة مكتوبة خلافاً لمن زعم أن بينهما فرقاً أو
أن هذه أحسن (حتى يستقل) من القلة لا من الإقلال الذي هو الارتفاع وهو غاية لقوله صل
(الظل بالرمح) المغروس بالأرض وهذا من باب القلب كطينت الطين بالقصر، وعرضت
الناقة على الحوض، أي: حتى يستقل الرمح بالظل أي: يبلغ ظله أدنى غاية النقص، ففيه
محسن القلب من المبالغة المتولدة عنه لإفادة كون الرمح صار بمنزلة الظل في القلة، والظل
صار بمنزلة الرمح في عدم وجود شيء في الأرض إلا بمقدار مركزه، وذلك؛ لأن ظل
الشاخص يكون أول النهار طويلاً إلى جهة المغرب، ثم ما زاد يتناقص إلى أن يصل إلى
غايته وذلك وقت الاستواء، أو يزول بميل الشمس إلى ناحية المغرب وتحول الظل إلى جهة
الشرق، وهذا هو وقت الزوال الذي به يدخل وقت الظهر ويزول وقت النهي، والظل
الموجود عند الاستواء يسمى ظل الزوال لوجوده عنده في أكثر البلاد قبل ظهور الزيادة.
وأقول: لا يحتاج إلى هذا التكلف لأن الباء للإلصاق، والرمح كناية عن الشاخص. والتقدير
٣٤٥
٥١ - باب: في الرجاء
جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءَ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَلاةَ مَشْهِودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّي الْعَصرَ ثُمَّ
اقْصُرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشّمسُ، فَإِنها تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ
لَهَا الْكُفَّارُ)) قَالَ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللّهِ فَالوضوءُ حَدِّثْنِي عَنْهُ؟ فَقَالَ: مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ
حتى يقل الظل الملصق بالشاخص أي: ينتهي إلى غاية قلته أو حتى تنتهي أي: يرتفع الظل
الملصق بالشاخص عما حواليه حتى لا يبقى على الأرض منه إلا نذر لا يظهر ببادىء الرأي،
وما ذكر هو ما في نسخ مسلم المعتمدة وفي بعض نسخه حتى يستقلِ الرمح بالظل. وقال
القاضي عياض معنى ((قوله يستقل الظل)) بالرمح أي: يكون ظله قليلاً كأنه قال: حتى يقل
ظل الرمح، والباء زائدة جاءت لتحسين الكلام، وقد جاء في رواية أبي داود: حتى يعدل
الرمح ظله. قال الخطابي: هذا إذا قامت الشمس وتناهى قصر الظل ولا أدري موافقة هذا
ليعدل، ولعل معنى يعدل هنا يكون مثله في الظل لا يزيد كما لا يزيد الرمح في طوله، أو
يكون يعدل بمعنى يصرف كأن الرمح صرف ظله عن النقص إلى الزيادة ومن الميل إلى
المغرب إلى الميل إلى المشرق، وأضافها إلى الرمح لأنه سبب، فالمصنف لا يرتضي هذا
الكلام منه وقال القاضي عياض: كلام عجيب في تفسير الحديث نبهت عليه لئلا يغتر به.
اهـ. وفي هذه الجملة حجة على مالك في تجويزه الصلاة عند الاستواء مطلقاً مستدلاً بأنه
لم يزل يرى الناس يصلون حينئذ يوم الجمعة، وما استدل به لا ينهض له، لأن يوم الجمعة
مستثنى (ثم اقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر) أي: تهيج بالوقود (جهنم) وتسجر بتقدير أن
المصدرية قبله اسم إن على حد قوله تعالى ﴿ومن آياته يريكم البرق﴾(١) واسمها ضمير
شأن، وما قيل إنه لا تحذف لأن القصد به التعظيم وهو يفوت بحذفه مردود بأن سبب دلالته
على التعظيم إبهامه وحذفه أدل على الإِبهام، ومن ثم حذف في قوله تعالى ﴿من بعد ما كاد
يزيغ قلوب فريق منهم﴾(٢) (فإذا أقبل الفيء) أي: إلى جهة المشرق. والفيء مختص بما
بعد الزوال، وأما الظل فيقع على ما قبل الزوال وبعده. وفي التهذيب للمصنف نقلاً عن ابن
قتيبة في أدب الكاتب: إنما سمي بعد الزوال فيئاً؛ لأنه ظل فاء من جانب إلى جانب، أي:
رجع. والفيء: الرجوع. (فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصل العصر) قال
المصنف: فيه دليل على أن النهي لا يدخل بدخول وقت العصر ولا بصلاة غير الإِنسان،
وإنما يكره لكل بصلاته حتى لو أخرها عن أول الوقت لم يكره التنفل. اهـ. ومراده أخرها
عن أول الوقت لما تقرر: أنها من الإصفرار يكره لمن صلى ولغيره (ثم اقصر عن الصلاة)
أي: النافلة التي لا سبب لها، أو لها سبب متأخر (حتى تغرب فإنها تغرب بين قرني شيطان)
(١) سورة الروم، الآية: ٢٤.
(٢) سورة التوبة، الآية: ١١٧ .
٣٤٦
كتاب: دليل الفالحين
وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنَْثِرُ إِلّ خَرَتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذا
في تنكيره ما مر (وحينئذ يسجد لها الكفار) هذه حكمة النهي وليست بعلة لعدم اطرادها وإلا
لنهي عن ذات السبب وفي مكة أيضاً. وقال العزبن عبد السلام: التعليل بذلك لا يظهر؛
لأن تعظيم الله في وقت يسجد فيه لغيره أولى لما فيه من إرغام أعدائه، ولو صح التعليل فأي
فرق بين ذي السبب وغيره. اهـ. ((وأجيب)) بإنها حكمة فلا يلزم إطرادها. ووجه اختصاصها
بغير ذي السبب وبوقتي الطلوع والغروب أن إنشاء صلاة لا سبب لها في هذا الوقت فيه نوع
تشبه بالكفار في عبادتهم للشمس حينئذ وقد نهينا عن التشبه بهم بل وعما يؤدي إليه أو يوهمه
ولا شك أن إيقاع ذلك حينئذ يستلزم ذلك بخلاف ذات السبب كالعيد والضحى بناء على
دخول وقتهما بالطلوع، فإن ظهور السبب الحامل عليها ينفي ذلك. وقد ذكر ابن الأثير ما
يؤيد ذلك وهو أن كلا من هذين وقت لظهور سلطانها وانفصالها فكره لئلا يتوهم تعظيم شأنها
كما هي عادة الملوك عند قدومهم وانفصالهم. ((فإن قلت)): إنما يتضح ذلك إذا كان السبب
غير نفس الطلوع، أما إذا كان هو الطلوع كما في المثالين المذكورين فكيف يظهر ما ينفي
ذلك؟ ((قلت)»: الظهور وعدمه إنما هو بالنسبة إلى نية المصلي فحيث نوى سبباً انتفى ذلك
عند من علم بنيته وحيث لا فلا، وبه يتضح الجواب عما يقال الصلاة عندنا للقبلة وسجود
الكفار إنما هو لجهة الشمس فيكف يتأتى التشبه أو إيهامه؟ وجوابه ما تقدم أن نية الصلاة
حينئذ لا لسبب يوهم أن للشمس باعتبار ظهور سلطانها وانفصالها حينئذ دخلا في ذلك
فامتنعت لذلك، وإنما حرمت النافلة من بعد صلاتي الصبح والعصر قبل طلوعها وغروبها مع
انتفاء الحكمة أو العلة؛ لأن ما قارب الشيء أعطي حكمه كما حرمت مباشرة ما بين سرة
الحائض وركبتها؛ لأنه حريم الفرج، وأيضاً فعباد الشمس ربما تهيؤوا لتعظيمها من أول ذينك
الوقتين فيرصدونها إلى أن تظهر فيخروا لها سجداً، فلو أبيح التنفل حينئذ لكان فيه تشبه بهم
أو إيهامه أو التسبب إليه (قال: فقلت يا رسول الله فالوضوء حدثني عنه) أي: من حيث
الفضيلة بدليل الجواب (فقال: ما منكم رجل يقرب وضوءه) بفتح الواو أي: يحضر ما
يتوضأ به: وخص بالذكر؛ لأنه يترتب عليه من الثواب ما لا يترتب على من يزاول مشقة في
تحصيل الماء وإحضاره (فيتمضمض) سكت عما يسن قبلها من نحو التسمية لعله لعلمه أنه
يعلم ذلك، أو لأن الغرض ذكر ما فيه ثواب عظيم من أعمال الوضوء لا سيما ما اختلف في
وجوبه كالمضمضة (ويستنشق) الواو بمعنى ثم (فيستنثر) أي: يجذب الماء بخياشيمه ثم
يدفعه ليزيل ما في أنفه من الأذى (إلا خرت خطايا وجهه وفيه) ((خرت)) بالخاء المعجمة
على المختار كما يأتي أي: سقطت صغائر خطاياه ثم يحتمل أن يراد خطايا جميع وجهه،
وإن لم يظهر إلا بعضه؛ لأنه أقذر ما فيه فخرت خطاياه الآني بعد كناية عن مزيد التطهير،
٣٤٧
AXCPKAX
٥١ - باب: في الرجاء
غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللهِ إِلَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطرافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ
يَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ إِلَّ خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْماءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأسَهُ إلَّ خَرَّت
خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَع الْماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إلى الكَعْبَيْنِ إلَّ خَرَّت خَطايا
رِجْلَيْهِ مِنْ أَنامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَلَهُ
ويحتمل أن يراد بعضه لذكر كله الآني فعطف (وخياشيمه) بيان لذلك البعض المبهم،
والخياشيم جمع خيشوم وهو أقصى الأنف، وقيل: عظام رقاق في أصل الأنف بينه وبين
الدماغ، وقيل: غير ذلك (ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله) أي: بقوله عز وجل ﴿إذا قمتم
إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾(١) وفائدة قوله كما أمره الله الإيماء إلى وجوب الترتيب في
الوضوء عند من يوجبه كإمامنا الشافعي المأخوذ وجوبه من الآية لما فيه من الفصل بالمسح
بين مغسولين والعرب سيما الفصحاء منهم، لا توسط أجنبياً بين متجانسين إلا لحكمة هي
هنا وجوب الترتيب لا ندبه؛ لأن الآية لبيان واجبات الوضوء والإِيماء إلى المبادرة بامتثال هذا
الأمر والمسارعة إليه عند من لا يقول بوجوب الترتيب؛ لأن كونه أمراً لله يحمل العاقل على
امتثاله والإِتيان به على الوجه الأكمل، وذكر هذا في أول فروضه فيه للتنبيه على أنه مراعي
في باقيها فلم يحتج لتكرير (إلا خرت خطايا وجهه) إن قلت: الوجه لا يتصور منه خطايا في
العادة إلا باعتبار منافذه وقد غفرت خطايا منفذين فلم يبق إلا خطايا البصر. ((قلت)): يحتمل
أن يراد هنا بعضه الباقي وهو العينان، ويحتمل أن يراد الثلاثة. وفائدته أن الأولين لو لم
يطهرا بأن غسل وجهه أولاً كفرت خطاياهما وإن لم يغسلا بواسطة غسل ظاهر الوجه (من
أطراف لحيته) عبر بها للغالب وإلا فمن لا لحية له كالأمرد والمرأة كذلك (مع المآثم) في
العطف بها دلالة لوجوب الترتيب (يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من)
أطراف (أنامله مع الماء ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء)
ذكره للغالب أيضاً (ثم يغسل قدميه إلى الكعبين) فيه دليل لمذهب العلماء كافة أن الواجب
غسل الرجلين وقالت الشيعة: الواجب مسحهما. وقال ابن جرير: هو مخير. وقال بعض
الظاهرية: يجب الغسل والمسح حكاه المصنف في شرح مسلم (إلا خرت خطايا رجليه من
أنامله مع الماء) وما بعد إلا الأولى مستثنى من مقدر هو خبر ما أي: ما منكم رجل متصف
بذلك كائناً على حال من الأحوال إلا على حال خروج خطايا وجهه، وما واسمها مقدران فيما
بعد ثم الأولى وفيما بعد ثم الثانية، وهكذا كما دل عليه العطف أي: ثم ما منكم رجل
متصف بغسل وجهه كائناً على حال إلا على حال خروج خطايا وجهه وهكذا (فإن) شرطية
(١) سورة المائدة، الآية: ٦.
٣٤٨
كتاب: دليل الفالحين
أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ تَعالى إِلا أَنْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)) فَحَدَّثَ عَمْرو
أَبْنُ عَبَسَةَ بِهَذا الْحَدِيثِ أبا أُمَامَةَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِفَقَالَ لِهِ أَبُوْ أُمَامَة: يَا عَمْرُ وبْنُ عَبَسَةً
انظر مَا تَقُولُ فِيْ مَقَامٍ واحِدٍ يُعْطَى هذا الرَّجُلِ؟ فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَبَا أُمَامَةَ كَبِرَتْ سِنِّ وَرَقٌّ
عَظْمِي واقْتَرَبَ أَجَلِي ، ومَا بِي حَاجَةٌ أَنْ أَكْذِبَ عَلَى الله تَعَالَى وَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِوَِّ، لَوَ لَمْ
(هو) أي: المتوضىء الدال عليه سياق الكلام وسابقه، ورافعه فعل الشرط محذوف يفسره
(قام) ولحذفه برز ضميره المستكن فيه (فصلى فحمد الله) أي: أثنى عليه بالصفات الثبوتية
(وأثنى عليه) بالتنزيه عما لا يليق به، وقيل هما بمعنى والعطف للتأكيد (ومجده) بتشديد
الجيم أي: وصفه (بالذي هو) سبحانه (له أهل) من أوصاف المجد وهو العز والشرف كما
في المصباح، وقدم الخبر أي: له على المبتدأ لإِفادة الاهتمام والاختصاص (وفرغ قلبه لله
تعالى) هو بتشديد الراء للمبالغة في تنظيف القلب وتنزيهه من دنس التعلق بغير المولى
سبحانه والركون إلى سواه، ومن سائر الشواغل والخواطر لله تعالى دون غيره ولو ثواباً؛ لأن
ربط القصد به ينافي مقام الكمال المشار إليه بقوله تعالى ﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل
صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾(١) وجواب إن الشرطية مقدر أي: فلا ينصرف خارجاً من
شيء من الأشياء (إلا انصرف) خارجاً (من خطيئته) أي: صغائره فيصير متطهراً منها (كهيئته)
أي: طهارته من كل خطيئة (يوم ولدته أمه) وقصرنا التشبيه على ما ذكرنا لقيام الأدلة عليه
وكون التطهير من الذنوب بمعنى إزالتها بعد وقوعها ومن المدلول لمعنى عدم وجودها لا
ينافي التشبيه، وقدرنا الجواب نفياً لأنه في سياق النفي بما وإلا لا لوجوبه، لجواز قرأت إلا
يوم كذا (فحدث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله وَ لا) وأبو أمامة
كنيته، واسمه صدي بضم المهملة الأولى وفتح الثانية وتشديد التحتية ابن عجلان وتقدمت
ترجمته في باب التقوى (فقال له أبو أمامة: يا عمرو) يجوز ضمه وفتحه لوصفه بقوله (ابن
عبسة) المتعين فيه النصب لكونه مضافاً (انظر) بضم الظاء أي: تفكر وتأمل (ما تقول في
مقام) بفتح الميم أي: مكان (واحد يعطى هذا) الثواب العظيم (الرجل؟) وليس ذلك منه
استبعاداً ولا استعجاباً من سعة الفضل إنما هو استكشاف لليقين وحذراً من وهل(١) عمرو
في ذلك (فقال عمرو: يا أبا أمامة لقد كبرت) بكسر الباء الموحدة أي: تقدمت (سني) أي:
عمري. قال في المصباح: السن واحد الأسنان وقد يعبر بالسن عن العمر، ((قلت)): وعليه
فتأنيث الفعل؛ لأنها بمعنى المدة (ورق عظمي) أي: نحف ونحل (واقترب أجلي) أي :
(١) سورة الكهف، الآية: ١١٠.
(٢) غلط ونسيانه يقال وهل كفرح معناه غلط ونسي
٣٤٩
٥١ - باب: في الرجاء
أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِوَةِ إِلَّ مَرَةً أَوْ مَرْتَيْنِ أَوْ ثَلاثَاً (حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَاتٍ) مَا حَدَّثْتُ بِهِ
أَبَداً، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ ((جُرَآءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ)) هَوَ بَجِيْمٍ
مضمومَة وَبِالمَدَّ عَلَى وَزْنِ عُلَمَاءَ: أَيْ جَاسِرونَ مُسْتَطِيلُونَ غَيْرَ هَائِينَ. هَذِهِ الرِوَايَةُ
المَشْهُورَةُ، وَرَوَاهُ الحُمَيْدِيُّ وَغَيْرُهُ ((حِراء عَلَيه)) بِكَسْرِ الحاءِ المُهملِةِ وَقَالَ: مَعناه:
غِضَابٌ ذَوو غَمَّ وَهَمَّ قَدْ عِيلَ صَبْرُهُمْ بِهِ حَتَّى أَثَّر في أجسامِهِمْ؛ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَرَى
قرب والإِتيان بالتاء مبالغة في ذلك (وما بي حاجة) أي: داعية (أن أكذب على الله تعالى ولا
على رسول الله ( *) أي: في أو إلى أن أكذب (لو لم أسمعه من رسول الله وَ ◌ّر إلا مرة أو
مرتين أو ثلاثاً) منصوبات على الظرفية (حتى عد سبع مرات) أي: بأن قال: أو أربعاً إلى أن
قال: أبو سبع مرات (ما حدثت به أبداً ولكني سمعته أكثر من ذلك) قال المصنف: هذا
الكلام قد يستشكل من حيث إن ظاهره أنه لا يرى التحديث إلا بما سمع أكثر من سبع
مرات، ومعلوم أن من سمع مرة واحدة جاز له الرواية، بل تجب عليه إذا تعين لها وجوابه أن
معناه: لو لم أتحققه وأجزم به لما حدثت به، وذكر المراتب بياناً لصورة حاله ولم يرد أن ذلك
شرط، والله أعلم (رواه مسلم) قبيل باب صلاة الخوف وبعضه عند النسائي وابن ماجه.
(قوله جرآء عليه قومه، هو بجيم مضمومة وبالمد على وزن علماء)؛ لأن واحدة جريء فهو
كعليم وعلماء وشريف وشرفاء (أي: جاسرون مستطيلون) من الاستطالة، لكن في شرح
مسلم من الجرأة: وهي الإِقدام والتسلط. وقضيته أن يكون جاسرون متسلطون وكذا هو في
المشارق للقاضي عياض أي: جراء متسلطون عليه (غير هائبين) أي: له لعدم معرفتهم
بعظيم قدره لعمى بصائرهم عن مشاهدة أنواره:
إلا بتوفيق من الله الصمد
لكن نور الله جل فلا يرى
(هذه الرواية المشهورة) وعليها اقتصر عياض في المشارق ولم يحك الثانية، وفي
شرح مسلم هكذا في جميع الأصول (ورواية الحميدي) أي: في الجمع بين
الصحيحين (وغيره) ولم يذكر في شرح مسلم هذه الرواية عن غير الحميدي (حرآء عليه
بكسر الحاء المهملة) أما الراء المهملة والمد ففيهما معاً فلذا سكت عنه المصنف (وقال:
معناه غضاب) بكسر الغين المعجمة (ذوو غم) هو الحزن على فوات أمر (وهم) هو الخوف
من أمر يترقب وقوعه (قد عيل صبرهم به) قال في النهاية: في أثناء كلام له: يجوز أن يكون
من عاله يعوله إذا غلبه، ومنه قولهم عيل صبرك اهـ. أي: غلبهم صبرك عنه (حتى أثر) أي :
الصبر (في أجسامهم) مأخوذ من قولهم (حرى جسمه يحري) قال في شرح مسلم: كضرب
٣٥٠
كتاب: دليل الفالحين
جِسْمُهُ يَحَرِي إِذَا نَقَصَ مَنْ أَلَم أَو غَمَّ وَنَحْوِهِ. والصَّحيحُ أَنَّهُ بِالجيمِ، قولِهُ مَِّ ((بَيْنَ
قَرْنَيْ شَيْطَانٍ)): أَي ناحِيتَيْ رَأْسِهِ. وَالمُرادُ التَّمْثِيلُ. مَعْنَاهُ: أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَحَرَّكُ الشَيطَانُ
وَشِيعَتُهُ ويتسَلّطُونَ. وقولهُ ((يُقَرِّبُ وضوءَهُ) معناه يُحْضِرُ الماءَ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِهِ. وقولُهُ(إلَّ
خَرَّ خَطَايَا)) وهوَ بِالخَاءِ المُعْجَمَةِ أَيْ سَقَطَتْ. وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ (جَرَتْ)) بِالجِيمِ . والصَّحيحُ
بِالخاءِ. وَهُوَ رِوايَةُ الجُمُهُورِ. وَقَوْلُهُ: ((فَيَنَْثِرُ)): أَيْ يَسْتَخرِجِ مَا فِي أَنْفِهِ مِنْ أَنَّى.
والنَّثْرَةُ: طَرَفُ الْأَنْفِ (١).
يضرب (إذا نقص من ألم أو غم ونحوه والصحيح أنه) أي: قوله جرا لا جرى جسمه يجري
كما قد يتوهم من قربه (بالجيم قوله {وَلقل بين قرني شيطان أي: ناحيتي رأسه) كما تقدم
(والمراد) منه (التمثيل) وبينه بقوله (معناه) أي: المراد منه في الحديث (أنه حينئذ يتحرك
الشيطان وشيعته ويتسلطون) فشبه تحركهم وانتشارهم وتمكنهم من الأذى واستعير للحاصل
من ذلك قوله: بين قرني شيطان فهي استعارة تمثيلية. وقال القاضي عياض: قيل إن ذلك
استعارة وكناية عن أضراره لما كانت ذوات القرون تتسلط بقرونها على الأذى استعير للشيطان
اهـ. وفي شرح مسلم قيل المراد بقرني شيطان حزبه وأتباعه، وقيل قوته وغلبته وانتشار
فساده وقيل القرنان ناحيتا الرأس وأنه على ظاهره وهذا هو الأقوى قالوا ومعناه أنه يدني رأسه
إلى الشمس في هذه الأوقات ليكون الساجدون لها من الكفار كالساجدين له في الصورة،
وحينئذ يكون له ولشيعته تسلط ظاهر، وتمكن من أن يلبسوا على المصلين فكرهت الصلاة
حينئذ صيانة لها عن ذلك، وهذا الأخير هو الظاهر لما فيه من السلامة من تأويل الخبر عن
ظاهره الذي لا يعارضه معارض (وقوله يقرب وضوءه: معناه يحضر الماء الذي يتوضأ به)
ويطلق الوضوء لغة على الماء المغسول به أعضاء الوضوء بضم الواو. وعلى الباقي في الإِناء
بعد تمام الوضوء (وقوله إلا خرت خطاياه هو بالخاء المعجمة أي: سقطت، ورواه بعضهم)
هو ابن أبي جعفر أحد رواة مسلم كما نقله عنه القاضي عياض (جرت) أي: (بالجيم)
وتخفيف الراء معناه على هذا ظاهر (والصحيح بالخاء) أي: المعجمة (وهو رواية
الجمهور) قال في شرح مسلم: وكذا نقله القاضي عياض عن جميع الرواة إلا ابن أبي جعفر
(وقوله فيستنثر أي: يستخرج ما في أنفه من أذى) بعد أن يجذب الماء بالنفس إلى
الخيشوم، والانتثار افتعال من النثرة (والنثرة) بفتح النون وسكون المثلثة (طرف الأنف).
(١) أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: إسلام عمروبن عنبسة (الحديث: ٢٩٤).
٣٥١
٥١ - باب: في الرجاء
٤٣٩ - وَعنْ أَبِي مُوسَى الْأُشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النِبِيِّ وَ﴿ قَالَ: ((إِذا أَرَاد الله
رَحْمَةَ أُمَةٍ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَها فَجَعَلَهُ لَها فَرَطاً وسَلَفاً بَيْنَ يَدَيْها، وإِذَا أَرَادِ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا
وَنَبِيُّهَا حَيٌّ فَأَهْلَكَها وَهَوَ يَنْظُرُ فَأَقَرَّ عَيْنَهُ بِهَلاكِها حِينَ كَذَّبوه وَعَصَوْا أَمَرَهُ)) رواه مُسْلِمٌ(١).
٤٣٩ - (وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: إذا أراد الله رحمة أمة)
أي: الإِحسان إليهم واللطف بهم ولا يصح تأويلها هنا بإرادة ذلك؛ لأن الإِرادة لا تنعلق
بالإِرادة كما سبق عن الدماميني (قبض) بفتح الموحدة أي : توفى (نبيها قبلها) ليكون صبرهم
على المصاب به واحتسابهم ذلك زيادة في أجورهم قال تعالى: ﴿وبشر الصابرين﴾(٢)
الآية. وقال رسله: من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته فيَّ، أو كما قال، دل مجموع الحديث
والآية على أن المؤمن إذا صبر على مصيبته على فقد المصطفى وَلقر واحتسب ذلك عند
مولاه أجر، كما أن الإِنسان إذا ذكر مصابه بمن تقدم له من القرابة فاحتسب عند ذلك يؤجر
فكذا ما ذكرنا وهو ظاهر، والله أعلم (فجعله لها فرطاً) الفرط بفتح الفاء والراء، والفارط
الذي يتقدم الوراد يصلح لهم الحياض والدلاء ونحوهما من أمور الاستقاء أي: أنه المهيء
لمصالحها في عقباها من مزيد رحمته (وسلفاً) قال في النهاية: قيل: هو من سلف المال
كأنه قد أسلفه وجعله ثمناً للأجر والثواب الذي يجازي به على الصبر عليه، وقوله (بين
يديها) ظرف مستقر متعلق بمحذوف صفة لهما أي: كاثنتين بين يدي الأمة، أو حال من
مفعول جعله أي: كائناً بين يديها أو ظرف لغو متعلق بجعل (وإذا أراد هلكة) بفتح حروفه
مصدر هلك الشيء هلكاً من باب ضرب وهلاكاً وهلوكاً ومهلكاً بفتح الميم وتثليث اللام،
وأهلكه بوزن أتعبه والهلكة بوزن القصبة مثل الهلاك أي: في كونه مصدراً كذا في المصباح
أي: وإذا أراد هلاك (أمة عذبها ونبيها حي) جملة حالية من فاعل عذب والمراد منه الرسول؛
لأنه الذي له أمة لكونها مأمورة بالتسلي، بخلاف النبي هذا هو المشهور (فأهلكها وهو) أي:
نبيها (ينظر) هلاكها والجملة الاسمية حالية (فأقر) أي: الله تعالى (عينه) أي: عين نبيه لتلك
الأمة (بهلاكها حين كذبوه وعصوا أمره) أي: وقت تكذيبهم له وعصيانهم أمره (رواه مسلم)
في باب فضائل النبي وسي﴿ فقال: وحدثت عن أبي أسامة قال المازري والقاضي: هذا
الحديث من الأحاديث المنقطعة في مسلم لفظاً بجهل الذي حدثه عن أبي أمامة. قال
المصنف: قلت: ليس هذا حقيقة انقطاع وإنما هو رواية مجهول. ((قلت)): هو وإن كان
كذلك إلا أن المحدثين المتقدمين يعبرون عنه بالمنقطع، وبعضهم بالمرسل. قال العراقي
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: إذا أراد الله تعالى ... (الحديث: ٢٤)
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٥٥.
٠
٣٥٢
كتاب: دليل الفالحين
٥٢ _ باب: في فضل الرجاء
قَالَ الله تَعَالَى إِخْباراً عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ (١): ﴿وَأَفَوِّضُ أَمرِي إلى الله إِنَّ اللّه بَصِيرٌ
بِالْعِبادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ .
٤٤٠ - وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ رَسولِ اللَّهِ وَ أَنَّهُ قَالَ: ((قَالَ اللَّهُ عَزَّ
في ألفيته :
ورسموا منقطعاً عن رجل وفي الأصول رسمه بالمرسل
قال الشيخ العراقي في شرحها قلت: وفي كلام غير واحد من أهل الحديث أنه متصل
في سنده مجهول، وحكاه الرشيد العطار في الغرر المجموعة عند الأكثرين واختاره شيخنا
الحافظ أبو سعيد العلائي في كتاب جامع التحصيل، قال المصنف: وقد وقع في حاشية
بعض النسخ المعتمدة. قال الخلودي : حدثنا محمد بن المسيب الأرعياني حدثنا إبراهيم بن
سعيد الجوهري بهذا الحديث عن أبي أسامة بإسناده اهـ. وفي النكت على الأطراف
للحافظ: وقع لنا أن مسلماً لم يسمعه من إبراهيم إنما سمعه من محمد بن المسيب عن
إبراهيم، وأخرجه البزار في مسنده عن إبراهيم بن سعيد، وأخرجه أبو نعيم من طريق أبي
يعلى وغيره عن إبراهيم بن سعيد ا هد ..
باب فضل الرجاء
أي: ما جاء فيه من الكتب والسنة. (قال الله تعالى إخباراً) أي: مخبراً، ويجوز أن
يكون منصوباً على المصدرية بكون الإِخبار من أنواع القول (عن العبد الصالح) هو مؤمن آل
فرعون (وأفوض أمري إلى الله) أي: أسلمه إلى الله تعالى ليعصمني من كل سوء (إن الله
بصير بالعباد) فيجزيهم وكأنه جواب بوعد(٢) المفهوم من قوله (فوقاه الله سيات ما مكروا)
شدائد مكرهم، وقال البيضاوي: وقيل الضمير لموسى.
٤٤٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وير أنه قال: قال الله عز وجل: أنا عند
ظن عبدي بي) قال ابن الجوزي: أي: في الرجاء وأمل العفو. قال القاري في شرح
الحصن الحصين: ويؤيده ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله (: أمر الله بعبد إلى النار فلما وقف على شفيرها التفت وقال: أما والله يا رب إن
(١) سورة غافر، الآيتان: ٤٤، ٤٥.
(٢) وفي نسخة توعد.
٣٥٣
٥٢ - باب: في فضل الرجاء
وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنٍّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مََُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي، واللَّهِ، للَّهُ أَفَرَحُ بتوبَةِ عَبْدِهِ مِنْ
أَحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بِالفَلاةِ، وَمَنْ تقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْراً تَقَرَّبْتُ إليهِ ذِراعاً، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ
ذِراعاً تَقَرَّبتُ إليه بَاعاً، وَإِذا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي أَقبَلْتُ إليهِ أُهَرْوِلُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفْظُ إحدَى
روايات مُسْلِمٍ. وَتَقَدَّمَ شرحُه في البابِ قبله. وَرُويَ في الصَّحِيحَينِ: ((وَأَنَا مَعَهُ حِينَ
يذكُرُنِي)) بِالنون.
كان ظني بك لحسن، فقال الله: ردوه أنا عند ظن عبدي بي ذكره السيوطي في البدور
السافرة، وعليه فالظن بمعناه أي: الطرف الراجح، وقيل: بمعنى اليقين، والمعنى أنا عند
يقينه بي وعلمه بأن مصيره إلي وحسابه علي وأن ما قضيت له به من خير أو شر فلا مرد له
لديّ. ﴿فائدة﴾ الظن في الشرع ينقسم إلى واجب كحسن الظن بالله تعالى، وإلى حرام
كسوء الظن به تعالى، قال تعالى: ﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم﴾(١) وبكل من
ظاهره زيادة العدالة، ومندوب وهو حسن الظن بمن ظاهره العدالة من المسلمين، وجائز
كظن السوء بمن وقف مواقف التهم (وأنا معه) أي: بالرحمة والتوفيق والإعانة والنصر (حيث
ذكرني) بين الملأ أو في الخلاء (والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته) الذي هو
في غاية الاحتياج إليها والاضطرار كما بينته رواية أخرى في الصحيح (بالفلاة) هي كما في
المصباح الأرض التي لا ماء فيها وجمعها فلا. قال المصنف: قال العلماء: فرح الله هو
رضاه، قال المازري: الفرح ينقسم إلى وجوه منها السرور، والسرور يقارنه الرضى
بالمسرور به، والمراد هنا أن الله يرضى توبة عبده أشد مما يرضى واحد ضالته بالفلاة فعبر عن
الرضى بالفرح تأكيداً لمعنى الرضى في نفس السامع ومبالغة في تقريره (ومن تقرب إليّ)
أي: إلى فضلي ورحمتي بصالح العمل (ذراعاً تقربت منه باعاً وإذا أقبل إليّ يمشي أقبلت
إليه أهرول. متفق عليه) رواه البخاره في باب الرجاء ومسلم في باب التوبة (وهذا لفظ
إحدى روايات مسلم وتقدم شرحه) أي: شرح قوله ومن تقرب إليّ إلخ الموهم ظاهره
المكان وجواز الإِعراض على الباري سبحانه (في الباب قبله) بما حاصله أنه مؤول بأن
المراد بالتقرب إليه التقرب إلى فضله وإحسانه بصالح العمل، والمراد بتقربه تعالى من
العامل إسباغ فضله عليه زيادة على قدر عمله (وروي في الصحيحين) أي: في رواية أخرى
(وأنا معه حين يذكرني بالنون) فيكون منصوباً على الظرفية الزمانية (و) روي (في هذه
0100
(١) سورة فصلت، الآية: ٢٣.
٣٥٤
كتاب : دليل الفالحين
وفي هَذِهِ الروايةِ ((حَيْثُ)) بالثَاءِ وكلاهما صحيحٌ(١).
٤٤١ - عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ الله عنهُ أَنَّهَ سَمِعَ النَّبِيِّ بَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يقولُ:
(لا يَمُوتَنَّ أَحدُكمْ إِلّ وهُو يُحسِنُ الظَّنَّ بالله عَزَّ وجَل)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢)
الرواية بالثاء) أي: المثلثة (وكلاهما) أي: المرويين (صحيح) زاد في شرح مسلم بعد قوله
صحيح : ظاهر المعنى، وأفرد الخبر باعتبار لفظ كلا وهو الأصح، قال تعالى: ﴿كلتا الجنتين
آتت أكلها﴾(٣) ويجوز مطابقة معناهما وقد اجتمع الاستعمالان في قوله:
کلاهما حین جد الجري بينهما
قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي
٤٤١ - (وعن جابر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ومية) أي: قبل موت النبي ◌َّه بثلاثة
أيام كما صرح به في مسلم (يقول: لا يموتن أحدكم إلا وهو محسن الظن بالله عز وجل)
قال المصنف: وفي رواية وهو يحسن الظن بالله قال العلماء: هذا تحذير من القنوط وحث
على الرجاء عند الخاتمة، وقد سبق أنا عند ظن عبدي بي قال العلماء: معنى إحسان الظن
بالله أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه، قالوا: وفي حال الصحة يكون خائفاً راجياً، وسيأتي
الخلاف فى أنهما هل يكونان متساويين حينئذ أو لا؟ وإذا دنت أمارات الموت غلب الرجاء أو
محضه؛ لأن مقصود الخوف الانكفاف عن المعاصي والقبائح والحرص على إكثار الطاعة
وصالح العمل، وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذه الحال فاستحب إحسان الظن المتضمن
للافتقار إلى الله تعالى والإِذعان له، ويؤيده حديث ((يبعث كل عبد على ما مات عليه)) قال
العلماء: معناه يبعث على الحال التي مات عليها. قال القرطبي: نهى أن يموتوا على غير
حالة حسن الظن، وذلك ليس بمقدورهم بل المراد الأمر بتحسين الظن ليوافي الموت وهو
عليه. اهـ. ونظيره قوله تعالى: ﴿فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (٤) وفي الديباجة للدميري
في مروج الذهب عن فقيربن مسكين، قال: دخلت على الشافعي أعوده في مرض موته
فقلت له كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلاً ولإخواني مفارقاً
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ (٣٢٨،٣٢٥/١٣)
وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: الحث على ذكر الله تعالى
(الحديث: ٢).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: الأمر بحسن الظن بالله
(٨)
.. (الحديث:
(٣) سورة الكهف، الآية: ٣٣.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٣٢
٣٥٥
٥٢ - باب: في فضل الرجاء
٤٤٢ - وعن أَنَسِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِوَ لَ يَقُولُ: ((قَالَ الله
تعالَى: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ
آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفِرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، يَا ابن آدمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي
بِقُرابِ الأرضِ خَطَايَا ثُمَّ لقيتِي لا تُشْرِكُ
ولكأس المنية شارباً ولا أدري إلى الجنة تسير روحي فأهنيها أم إلى النار فأعزيها؟ وأنشأ
يقول :
جعلت الرجا مني لعفوك سلما
ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي
بعفوك ربي كان عفوك أعظما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته
اهـ. وما يعزى للرافعي قوله :
وصرت مجاور الرب الرحيم
إذا أمسى فراشي من تراب
لك البشرى قدمت على كريم
فهنوني أحبائي وقولوا
٤٤٢ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَ ل يقول: قال الله تعالى: يا ابن
آدم) نداء لم يرد به واحد معين عدل إليه ليعلم من يتأتی نداؤه، وآدم عربي مشتق من أديم
الأرض أي: وجهها وأصله أأدم بهمزتين وزن أفعل فأبدلت الثانية ألفاً ومنع الصرف
العلمية والوزن، وقيل: أعجمي وعليه فمنع صرفه للعلمية والعجمة وأضيف إليه المنادى
للعموم؛ لأن إضافة المفرد تفيده فالنداء هنا لا يختص به منادى دون آخر (إنك ما دعوتني
ورجوتني) أي: مدة دعائك إياي نفعاً وصلاحاً وتأميلك خير ما عندي (غفرت لك ما كان
منك) أي: محوت ما كان من الذنوب منك كذنب الكفر بالإِيمان وغيره بالاستغفار (ولا
أبالي) بما کان منك منها عظم أو لا ، وذلك لحسن رجاء العبد والله عند حسن ظن عبده به (یا
ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء) أي: ما يملأ ما بينها وبين الأرض لو كان جسماً (ثم
استغفرتني) أي: سألتني غفران ذلك (غفرت لك) إياها وذلك؛ لأنه تعالى كريم يقيل
العثرات ويغفر الزلات وهذا مثال بالغ في الكثرة جيء به تنبيهاً على أن كرمه وفضله ورحمته
لا تتناهى وأنها أكثر وأوسع مما ذكر (يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض) أي: ما يقارب
ملأها (خطايا) جمع خطيئة، قال في الصحاح: وكان الأصل خطائي على فعائل فلما
اجتمعت الهمزتان قلبت ياء؛ لأن قبلها كسرة ثم استثقلت والجمع ثقيل وهو معتل مع ذلك
فقلبت الياء ألفاً ثم قلبت الهمزة الأولى ياء لخفائها بين الألفين اهـ. (ثم لقيتني لا تشرك
٣٥٦
كتاب : دليل الفالحين
بِي شَيْئاً لأَتَيْتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَةً)) رَوَاه التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حديْثٌ حَسَنٌ. ((عَنَانِ السَّماءِ)) بِفَتحِ
العينِ قِيْلَ هو: مَا عَنَّ لَكَ مِنْهَا، أَي ظَهَرَ إذا رفَعْتَ رَأْسكَ، وَقِيلَ هو: السَّحاب.
و((قُرابُ الأرضِ)) بِضَمِّ القَاف، وقيلَ بِكسرها، والضَّم أصحُّ وأَشهَرُ وهَ: مَا يُقاربُ
مِلَّاها، والله أَعْلَم(١).
٥٣ - باب: في الجمع بين الخوف والرجاء
اعلم أَنَّ الْمُخْتَارَ لِلعَبْدِ فِي حَالٍ صِحَّتِهِ أَنْ يَكُونَ خَائِفاً رَاجِياً، وَيَكُونَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ
بي) جملة في محل الحال من الفاعل (شيئاً) أي: من الشرك أو من المعبودات (لأتيتك
بقرابها مغفرة) أي: لغفرتها لك وذلك؛ لأن الإِيمان به تعالى شرط في العفو عن الذنب غير
الشرك؛ لأنه أصل يبنى عليه قبول الطاعة والعفو عن المعصية، بخلاف الشرك إذ لا أصل
معه يبنى عليه العفو عنه ولا بد أن يضم إلى الإِيمان بالله تعالى الإِيمان بنبيه محمد صل18 وبما
جاء به. هذا، والمراد من أتيتك غايته من المغفرة، أو إرادتها لاستحالته عليه وأتى به
مشاكلة، والحديث من الأحاديث القدسية (رواه الترمذي وقال: حديث حسن) زاد في
الجامع بعد قوله: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال الحافظ العلائي في
الأربعين: ((قلت)): يعني غريباً من جهة أنس، وقد روي من حديث ابن عباس وأبي ذر ثم
أخرج حديث ابن عباس من طريق الطبراني وحديث أبي ذر من طريقين وقال بعد إخراجه:
رواه الحافظ أبو عوانة في صحيحه ((قلت)): وذكر السخاوي في تخريج الأربعين الحديث
التي جمعها المصنف إن لحديث أنس طريقاً آخر غير طريق الترمذي عند ابن فنجويه(٢).
بنحو الحديث المذكور، وقال بعد تخريجه: سنده ضعيف والأول أصح (عنان السماء بفتح
العين) المهملة وبنونين خفيفتين (قيل هو ما عنّ) بتشديد النون (لك منها أي: ظهر إذا
رفعت رأسك، وقيل: هو السحاب) هو ما اقتصر عليه صاحب المصباح المنير، وعبارته:
العنان قيل: السحاب وزناً ومعنى الواحدة عنانة (وقراب الأرض بضم القاف وقيل بكسرها
والضم أصح وأشهر، وهو ما يقارب ملأها) تقدم الكلام من المصنف أوائل باب الرجاء،
وتقدم ما يتعلق به من الشرح ثمة
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: في فضل التوبة والاستغفار.
(٢) بضم الجيم وفتح الياء.
.. (الحديث: ٣٥٤٠)
٣٥٧
٥٣ - باب: في الجمع بين الخوف والرجاء
سواءً، وفي حَالِ الْمَرَضِ يَتَمَخَّضُ الرَجاءَ. وَقَوَاعِدُ الشَّرعِ مِن نُصوصِ الْكِتَابِ
والسُّنَّ وَغَيْرِ ذُلِكَ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى ذَلِكَ
قالَ الله تَعَالَى: (١) ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ الخاسِرُونَ﴾
وقال تعالَى: (٢) ﴿إِنَّهُ لَا بَيْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ الكافِرونَ﴾
وقال تعالى: (٣) ﴿يَوْمَ تَبْيَضَّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ﴾
باب الجمع بين الخوف
من الله تعالى (والرجاء) لفضله وإحسانه (اعلم أن المختار للعبد) أي: المكلف حراً
كان أو رقيقاً ذكراً كان أو غيره (في حال صحته) أي: سلامته من المرض (أن يكون خائفاً
راجياً) ليزجره الخوف عن المخالفة ويبعثه الرجاء على اكتساب العمل الصالح (ويكون
خوفه ورجاؤه سواء)؛ لأن الغالب في القرآن ذكر الترغيب والترهيب مقترنين، وهذا أصح
الوجهين عند الأصحاب، وقيل: يكون خوفه أكثر، ومحل الخلاف ما لم يغلب عليه القنوط
فيغلب على نفسه باب الرجاء، وما لم يغلب عليه سعة الرجاء ويخشى انحلال ربقة التكليف
فيغلب حينئذ باب الخوف (وفي حال المرض يتمحض الرجاء) لما تقدم في حديث ((لا يموتن
أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)) (وقواعد الشرع) جمع قاعدة وهو قانون كلي يتعرف منه
أحكام جزئياته. والشرع ما شرعه الله من الأحكام للعباد مما ينتظم به أمر معاشهم ومعادهم،
وتسمى القاعدة قانوناً وضابطاً وأصلاً، ويرادف الشرع من حيث المصداق الإِسلام والدين
والملة، وإن كانت متخالفة من حيث الاعتبار (من نصوص الكتاب) أي: القرآن (والسنة)
وهو ما أضيف إليه سير من قول أو صفة أو فعل أو تقرير (وغير ذلك) كالإجماع (متظاهرة على
ذلك) أي: المذكور والتظاهر بالهاء كأن بعضها يشد ظهر الدليل الآخر. (قال تعالى: فلا
یأمن مكر الله) قال البيضاوي: ومكر الله استعارة لاستدراج العبد وأخذ. من حيث لا يحتسب
(إلا القوم الخاسرون) أي: الذين خسروا بالكفر وترك النظر والاعتبار. (وقال تعالى: إنه لا
بيأس) أي: يقنط (من روح الله) أي: من رحمته التي يحبي به العباد (إلا القوم الكافرون)
بالله وصفاته، فإن العارف لا يقنط من رحمته تعالى في شيء من الأحوال (وقال تعالى: يوم
تبيض وجوه) وهو يوم القيامة تبيض وجوه المحقين سرمداً ونوراً (وتسود وجوه) هي وجوه
(١) سورة الأعراف، الآية: ٩٩
(٢) سورة يوسف، الآية: ٨٧.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٠٦ .
340
٣٥٨
كتاب: دليل الفالحين
وقال تعالى: (١) ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقَابِ وإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقال تعالى: (٢) ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيْمٍ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَقَّتْ مَوَازِينُهُ *
فَأُمُّهُهَاوِيَةٌ﴾ .
والآيَات في هذا المعنى كثيرةٌ. فَيَجْتَمِعُ الخَوفُ والرَّجَاءُ في آيَتَيْنِ مُقْتَرِنَتَيْنِ أَوْ آياتٍ أوْ
آيَةٍ .
٤٤٣ - وعَن أَبِي هُرَيْرة رَضِي الله عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ المُؤمِنُ مَا
عِنْدَ اللَّهِ مِن العُقوبَة ما طَمِعَ بِجَنَِّهِ أحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا
قَنَطَ مِن جَنَّتِهِ أحدٌ»
المبطلين تسود خزاية ودحوراً (وقال تعالى: إن ربّك لسريع العقاب) لمن عصاه (وإنه لغفور)
لأهل طاعته (رحيم) بهم (وقال تعالى: إن الأبرار) المؤمنين الصادقين (لفي نعيم) جنة (وإن
الفجار) الكفار (لفي جحيم) نار محرقة. (وقال تعالى: فأما من ثقلت موازينه) بأن رجحت
حسناته على سيآته (فهو في عيشة راضية) في الجنة أي: ذات رضى برضاها أي: مرضية له
(وأما من خفت موازينه) بأن رجحت سياته على حسناته (فأمه) مسكنه (هاوية) وبينها
سبحانه مهولاً لشأنها بقوله (وما أدراك ماهيه نار حاميه) نسأل الله العافية (والآيات في هذا
المعنى) أي: الجمع بين الرجاء والخوف (كثيرة، فجمع الخوف والرجاء في آيتين
مقرونتين) كآية ﴿إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم﴾(٤) (أو آيات) وذلك كثير في
التنزيل (أو آية) كقوله ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾(٥).
٤٤٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ يقر قال: لو يعلم المؤمن ما عند الله)
من العقوبة (ما طمع بجنته أحد) وذلك لما يشهده من جلال الحق سبحانه ويخشاه من
انتقامه وهو العدل في جميع ذلك (ولو يعلم الكافر ما عند الله) من الرحمة (ما قنط) من
القنوط بالضم: وهو الإِياس (من رحمة الله) قال في المصباح: قنط يقنط من باب ضرب
يضرب وتعب فهو قانط وقنوط وقنط. وحكى الجوهري لغة ثالثة من باب قعد اهـ. أي: ما
***** 9x06/09
(١) سورة الأعراف، الآية: ١٦٧.
(٢) سورة الانفطار، الآيتان: ١٣، ١٤
(٣) سورة القارعة، الآيات: ٦، ٧، ٨، ٩.
(٤) سورة الانفطار، الآيتان: ١٣، ١٤.
(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٠٦.
٥٣ - باب: في الجمع بين الخوف والرجاء
٣٥٩
رَوَاهُ مُسْلِمْ(١).
٤٤٤ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَهِ قَالَ: ((إذا وُضِعَتِ
الْجَنَازَةُ وَاحْتَمَلَها الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُوني،
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا! أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَها كُلُّ شَيْءٍ
إِلَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(٢).
يئس من جنته أحد بل كان يرجوها لما يعلمه من كثرة الرحمة وسعتها (رواه مسلم) وفي
الجامع الصغير رواه الترمذي، وهو منه عجيب كان حقه حيث ما هو في الصحيح عزوه إليه،
وفي المشارق رمز متفق عليه، وتعقبه شارحه الكازروني بأن الحديث لمسلم انفرد به عن
البخاري .
٤٤٤ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله وم الفجر قال: إذا وضعت
الجنازة) أي: بين يدي الرجال ليحملوها (واحتملها الرجال) على أعناقهم قيد، إذ لا يتولى
حمل الجنازة ولو امرأة إلا الرجال إن وجدوا لضعف النساء غالباً فيكره لهن حملها، ويكره
للرجال كراهة شديدة تمكينهن منها بل أطال بعضهم في الانتصار لحرمته نعم الأولى لا
يتولى حمل المرأة من المغتسل إلى النعش وتسليمها لمن في القبر وحل ثيابها إلا النساء
على أعناقهن (فإن كانت صالحة) يحتمل أن المراد مطلق الصلاح وهو الإِيمان، أو الصلاح
الذي هو امتثال الأوامر واجتناب النواهي (قالت: قدموني قدموني) اشتياقاً إلى ما أعده الله
لها من نعيم القبر ونضارته (وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها) إضافته ومابعده إليها
بضمير الغيبة على خلاف القياس من ويلي؛ لأنه حكاية كلامها وكراهة أن الويل يضاف
لنفس المتكلم، وهو كلمة جزع وتحسر. والمعنى يا حسرته وندامته هذا وقتك فاحضريني .
والويل الهلاك (أين تذهبون بها يسمع) الظاهر أنه بمعنى يستمع (صوتها كل شيء) عمومه
متناول للجماد. ولا بعد في خلق قوة الاستماع في الجماد (إلا الإِنسان) وحكمة استثنائه
قوله (ولو سمعه لصعق) بكسر العين: أي: مات لشدة ذلك الصوت الناشىء عن شدة ما
يرى مما أعد له من الويل والثبور (رواه البخاري) في الجنائز.
(١) أخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى ... (الحديث: ٢٣).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: حمل الرجال الجنازة (١٤٦/٣).
٣٦٠
كتاب: دليل الفالحين
٤٤٥ - وعن ابن مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ قَالَ: قَالَ لِيَّ النَّبِيُّ ◌َ﴿ِ: ((الْجِنَّةُ أَقْرَبُ
إلى أحَدِكُمْ مَن شِراكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثلُ ذَلِكَ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٥٤ _ باب: في فضل البكاء من خشية الله تعالى وشوقاً إليه
قَالَ اللَّهُ تعَالى (٢): ﴿وَيَخِرُونَ لِلأَذْقَانِ يَيْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعَا﴾
٤٤٥ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّر: الجنة أقرب إلى أحدكم من
شراك نعله) بكسر الشين المعجمة وتخفيف الراء وآخره كاف: أحد سيور النعل التي تكون في
وجهها، ويطلق على كل سير وقى به القدم (والنار مثل ذلك) أي: في الأقربية. قال ابن
بطال فيه: إن الطاعة موصلة إلى الجنة وإن المعصية مقربة إلى النار، وإن الطاعة والمعصية
قد يكونان في أيسر الأشياء، وفي هذا المعنى حديث ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة)) الحديث.
فينبغي للمرء أن لا يزهد في قليل من الخير أن يأتيه ولا في قليل من الشر أن يجتنبه فإنه لا
يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها ولا السيئة التي يسخط الله عليه بها. وقال ابن الجوزي:
معنى الحديث أن تحصيل الجنة سهل بتصحيح القصد وفعل الطاعة، والنار كذلك بموافقة
الهوى وفعل المعصية اهـ. من فتح الباري (رواه البخاري) ورواه أحمد أيضاً كما في
الجامع الصغير.
باب فضل البكاء من خشية الله تعالى
05
الخشية: الخوف المقرون بإجلال، وذلك للعلماء بالله تعالى كما قال تعالى: ﴿إنما
يخشى الله من عباده العلماءُ﴾ (٣) أماتنا الله على محبتهم (وشوقاً إليه) معطوف على محل
المجرور بمن إذ هو مفعول له، وقد صرح النحاة بأن المفعول له عند اجتماع شروط نصبه لا
يجب النصب بل يجوز جره حينئذ وما هنا كذلك، ويجوز العطف بالنصب على محل ذلك،
قال الله تعالى: ﴿والخيل البغال والحمير لتركبوها وزينة﴾(٤) فزينة معطوف على محل
لتركبوها على أحد الأقوال في إعراب الآية، وأشار المصنف بالترجمة إلى أن الداعي للبكاء
إما أن يكون خشية لما علم العارف من عظم جلال مولاه، وإما شوقاً لما كشف له مما تقصر
العبارة عن بيان أدناه، فضلاً عن أقصاه. (قال الله تعالى: ) مبيناً حال من اطلع على الكتب
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله (٢٧٥/١١).
(٢) سورة الإسراء، الآية: ١٠٩. (٣) سورة فاطر، الآية: ٢٨.
(٤) سورة النحل، الآية: ٨.