Indexed OCR Text
Pages 321-340
٥١ - باب: في الرجاء ٣٢١ لَ واللَّهِ. فَقَالَ: ((اللَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١) ٤١٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابٍ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي وَفِي رِوَايَةٍ: سَبَقَتْ غَضَبِي)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٢) ٤٢٠ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ: ((جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ عليه (طارحة) حال على الوجه الثاني و(ولدها) مفعول طارحة، و(في النار) متعلق بطارحة (قلنا لا) أي: لا نرى ذلك وأكد عدم اعتقاد ذلك بالقسم فقال: (والله، فقال) أي: النبي ◌َّة (الله) وفي نسخة من البخاري ((والله لله)) بإدخال لام القسم عليه وفي أخرى لله من غير قسم قبله فاللام حينئذ إما للتوكيد أو جواب قسم مقدر (أرحم بعباده من هذه بولدها. متفق عليه) أخرجه البخاري في الأدب ومسلم في التوبة. ٤١٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلحول: لما خلق الله الخلق كتب في كتاب) أي: من صحف الملائكة وإلا فأقضية الله قديمة أزلية (فهو) ضمير شأن والخبر جملة إن مع اسمها وخبرها (عنده فوق العرش) ظرفان في محل الحال حذف عاملهما أي : اعنيه حال كونه عنده، عندية شرف ومكانة فوق العرش (إن رحمتي تغلب غضبي. وفي رواية) أي: لهما (سبقت غضبي) قال المصنف: قال العلماء: غضب الله ورضاه يرجعان إلى معنى الإرادة، فإرادته الإِثابة للمطيع ومنفعة العبد تسمى رضاه ورحمته، وإرادته عقاب العاصي وخذلانه يسمى غضباً، وإرادته سبحانه صفة له قديمة يريد به جميع المراد، قالوا: والمراد بالسبق والغلبة هذا كثرة الرحمة وشمولها كما يقال غلب على فلان الكرم والشجاعة إذا كثر منه اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري في الرقاق، ومسلم في التوبة. ٤٢٠ - (وعنه قال: سمعت رسول الله ◌َ) يقول: جعل الله الرحمة مائة جزء) قال الدماميني وفي تعليق المصابيح على أبواب الجامع الصحيح: اعلم أنه يجوز عند المتكلمين في تأويل ما لا يسوغ لنسبته إلى الله تعالى على حقيقته اللغوية وجهان أحدهما، (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: رحمة الوالد (٣٦٠/١٠، ٣٦١). وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: في سعة رحمة الله ... (الحديث: ٢٢). (٢) أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ وفي بدء الخلق باب: ﴿وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ (٣٢٥/٣). وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: في سعة رحمة الله ... (الحديث: ١٤، ١٥). ٣٢٢ كتاب: دليل الفالحين مِائَةَ جُزْءٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءاً وَاحِداً فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ)) وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِنَّ للَّهِ تَعَالَى مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِ، الحمل على الإِرادة فيكون من صفات الذات، والآخر، الحمل على فعل الإِكرام فيكون من صفات الفعل، كالرحمة فإنها في اللغة مشتقة من الرحم، وحاصلها رقة طبيعية وميل جبلي، وهذا مستحيل من الباري سبحانه، فمنهم من يحملها على إرادة الخير، ومنهم من يحملها على فعل الخير، ثم بعد ذلك يتعين أحد التأويلين في بعض السياقات لمانع يمنع من الآخر. مثالها ههنا فيتعين تأويلها بفعل الخير لتكون صفة فعل فتكون حادثة عند الأشعري، فيتسلط الخلق عليها ولا يصح تأويلها هنا بالإِرادة؛ لأنها من صفات الذات فتكون قديمة فيمتنع تعلق الخلق بها ويتعين تأويلها بالإِرادة في قوله تعالى: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾(١) لأنك لو حملتها على الفعل لكانت العصمة بعينها فيكون استثناء الشيء من نفسه، وكأنك قلت: لا عاصم إلا العاصم، فتكون الرحمة الإِرادة به والعصمة على بابها لفعل المنع من المكروهات كأنه قيل: لا يمتنع من المحذور إلا من أراد الله له السلامة. اهـ. هذا وقد جاء في رواية لمسلم ((كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض)) (فأمسك عنده تسعة وتسعين) جزءاً، وفي رواية وأنه أخر عنده تسعة وتسعين رحمة (وأنزل في الأرض جزءاً واحداً) وفي رواية ((وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة)) (فمن ذلك الجزء) من يحتمل أن تكون تعليلية، وأن تكون بمعنى الباء أو الابتداء أو التبعيض (يتراحم الخلائق) في رواية ((فيها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها)) (حتى ترفع الدابة حافرها) هو للفرس وللحمار بمنزلة الظلف من البقر والخف من الجمل (عن ولدها خشية) مفعول له (أن تصيبه) وخص ذو الحافر بالذكر، قال ابن أبي جمرة: لأنه أشد الحيوان المألوف الذي يرى المخاطبون حركته مع ولده، ولما في الفرس من الخفة والسرعة في التنقل ومع ذلك تتجنب أن يصل الضرر منها إلى ولدها (وفي رواية) أي: لهما من حديث أبي هريرة كما يقتضيه قول المصنف بعد ((متفق عليه)) ولكن رأيته في باب التوبة من مسلم ولم أره في أبواب الأدب من البخاري (إن الله تعالى مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس) الظرف محتمل الحالية لوصف النكرة، والوصفية لنكارتها (والبهائم) جمع بهيمة. قال البيضاوي: والبهيمة كل حي لا يميز، وقيل كل ذات أربع. قال القرطبي: سمي بهذا لأنه بهم عن أن يبين، قال الراغب: البهيمة ما لا نطق له من الحيوان ثم خص في التعارف بما عدا السباع والطير. ثم (١) سورة هود، الآية: ٤٣ ٣٢٣ ٥١ - باب: في الرجاء فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعاً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَيْضاً مِنْ رِوَايَةِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((إِنَّاللَّهِ تَعَالَى مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَمِنْهَا رَحْمَةٌ يَتَرَاحَمُ بِهَا الْخَلْقُ بَيْنَهُمْ، وَتَسْعُ وَتِسْعونَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ) وَفِي رِوَايَةٍ ((إِنْ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمُواتِ وَالأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ، كُلُّ رَحْمَةٍ طِباقُ مَا بَيْنَ السَّماءِ إِلَى الأَرْضِ فَجَعَلَ مِنْهَا فِي الأَرْضِ رَحْمَةً فَبِهَا استعملت في الأزواج الثمانية إذا كان فيها الإِبل وسمي بذلك لإِبهامه الأمر وكتمه (والهوام) بتشديد الميم جمع هامة: وهي الحشرات وفي الفتح الهوام بتشديد الميم جمع هامة وهي ما يدب من الأحناش (فيها) أي: بتلك الرحمة (يتعاطفون وبها يتراحمون وبها يعطف الوحش) بفتح الواو، وهو ما لا يستأنس من دواب البر كذا في المصباح، وهو اسم جنس فلذا أعاد الضمير عليه مؤنثاً فقال: (على ولدها وأخر الله تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة) ففيه إيماء إلى مزيد الكرم وتقوية الرجاء في فضل المولى سبحانه (متفق عليه) أخرجه البخاري بالرواية الأولى في الأدب، ومسلم بروايته في التوبة. (وفي رواية مسلم) في باب التوبة (أيضاً) انفرد بها عن البخاري وغيره (من رواية سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: إن الله تعالى) دون غيره كما يؤذن به تقدم ما حقه التأخير وهو الخبر الظرف على الاسم وهو قوله (مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم) بمعنى المجرد والعدول إلى التفاعل للمبالغة أي: يرحم (بها الخلق بينهم وتسع) وفي نسخة مصححة من مسلم وتسعة بالتاء آخره (وتسعون ليوم القيامة) يحتمل أن تكون الواو عاطفة ويكون تسع مبتدأ خبره محذوف تقديره منها. دل عليه ذكره في الجملة قبلها، والظرف حال سوغه خصوص المبتدأ بتقديم خبره الظرفي عليه، ويحتمل أن يكون الظرف الخبر، والأول أنسب بمقام التفصيل (وفي رواية) هي أسلم في باب التوبة أيضاً (إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة) أي: مائة نوع من الأنعام والأفضال كما تقدم الإِيماء عليه في كلام البدر (كل رحمة طباق) بكسر الطاء المهملة قال في النهاية أي: غشاء (ما بين السماء والأرض) أي: ما يملأ ذلك لو كان جسماً من كبره وعظمه (فجعل منها في الأرض رحمة فيها) أي: بسببها، ويحتمل أن تكون للتبعيض كهي في قوله تعالى: ﴿يشرب بها عباد الله﴾(١) ويؤيده أنها تعود في الآخرة وتكمل بها المائة فما ظهر في الدنيا بعض ثمراتها والبعض إلى الآخرة أي: (١) سورة الإنسان، الآية: ٦. ٣٢٤ كتاب : دليل الفالحين تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُها عَلَى بَعْضٍ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ»(١). ٤٢١ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى، قَالَ: ((أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْباً، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْباً فَعَلِمَ فببعضها (تعطف) بكسر الطاء (الوائدة على ولدها) قال: في المصباح: عطفت الناقة على ولدها عطفاً من باب ضرب: حنت عليه ودر لبنها اهـ. (والوحش والطير) قال أبو عبيدة: وقطرب والطير يقع على الواحد والجمع، وقال ابن الأنباري: الطير جماعة وتأنيثها أكثر من التذكير، ولا يقال للواحد طير بل طائر وقل ما يقال للإِنسان(٢) طائرة. وفي المصباح أنه جمع طائر مثل صاحب وصحب وراكب وركب وجمع الطير طيور وأطيار (بعضها) مبتدأ، وقوله (على بعض) أي: يعطف وحذف مع كونه كوناً لدلالة ما قبله عليه، ويجوز إعراب بعضها بدلاً مما قبله بدل بعض من كل (فإذا كان) أي: وجد (يوم القيامة) وأتى بإذا الشرطية لتحقق الأمر (أكملها) أي: التسعة والتسعين المدخرة عنده (الله بهذه الرحمة) قال المصنف: هذه الأحاديث من أحاديث الرجاء والبشارة للمسلمين، قال العلماء: لأنه إذا حصل للإِنسان من رحمة واحدة في هذه الدار المبنية على الأكدار، الإِسلام والقرآن والصلاة والرحمة في قلبه وغير ذلك مما أنعم الله به عليه، فكيف الظن بمائة رحمة في الدار الآخرة وهي دار القرار ودار الجزاء والله أعلم ٤٢١ - (وعنه) أي: عن أبي هريرة لا عن سلمان كما قد يتوهم من كونه أقرب (عن النبي ( فيما يحكي عن ربه تعالى قال. إذا أذنب) أي: أثم (عبدي ذنباً فقال اللهم اغفر لي ذنبي) في الإِتيان بالفاء إيذان بوجوب المبادرة إلى التوبة عقب المخالفة (فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي) إضافة تشريف، هذا من كمال الكرم ومزيد الفضل أنه من فضله عليه بعفوه عنه أضافه إليه إضافة تشريف وتكريم (ذنباً فعلم أن له رباً) كذا فيما وقفت عليه من نسخ الرياض وهو كذلك في نسخة مصححة من مسلم، وفي أخرى منه بإثباتها وهو في صحيح (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: جعل الله الرحمة مائة جزء، وفي الرقاق، باب: الرجاء مع الخوف (٣٦٢/١٠). وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: في سعة رحمة الله ... (الحديث: ١٧) (٢) هكذا بالأصل ولعله للأنثى. ع ٣٢٥ ٥١ - باب: في الرجاء أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذُّنوبَ جَمِيعاً وَيَأْخُذُّ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي. فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْباً فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبَّا يَغْفِرُ الذُّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقالَ: أي رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْتَبَ عَبْدِي ذَنْباً فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، ويَأْخُذُ بالذَّنْبِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ)) البخاري بلفظ ((فقال ربه، أعلم عبدي أن له رباً؟)) وعلى هذا المعنى يحمل ما حذف منه الفاء والهمزة، أي: اعلم أن له رباً، والاستفهام ليس على حقيقته، ولا يجوز أن يكون مما حذف فيه العاطف؛ لأنه لا يحذف إلا الواو فقط عند أمن اللبس (يغفر الذنوب جميعاً) أي: الكثيرة فما بالك بالذنب الواحد (ثم عاد) أي: بعد التوبة منه إليه أو إلى ذنب آخر (فأذنب فقال أي:) بفتح الهمزة المقصورة، وحكى الكسائي أنها قد تمد أيضاً كما قاله المرادي قال: وحكى بعضهم أنها قد تمد إذا بعدت المسافة فيكون المد لها دليلاً على البعد وسكون الياء حرف نداء، قيل للتعدية وعليه فأتى بها لكونه كالبعيد من حيث أنه لا يراه أحد سوى المصطفى ﴿ من العباد في الدنيا بالعين الشحمية، وقيل إنها للقرب كالهمزة وعليه فالنداء بها لكونه أقرب إلى كل من حبل الوريد، ونادى ثانياً بأي: لما يومىء إليه العود إلى الذنب من البعد وقلة الاهتمام بالديانة وعقب النداء بقوله (رب) بكسر الموحدة الدالة على الياء المضاف إليها المحذوفة، ويحتمل أن يكون بفتحها دلالة على الألف المحذوفة المنقلبة إليها آلياً تخفيفاً، ويحتمل أن يكون بضمها وهذه الوجوه الثلاث من جملة اللغات الست الجائزة في المضاف الياء من مثله، وكان النداء للفظ الرب توسلاً إلى التكميل والتخليص من نقص المخالفة، فإن الرب هو الذي يربي الشيء ويبلغه إلى كماله (اغفر لي ذنبي فقال الله تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب) أي: إن شاء ال فيه للجنس فيساوي لكونه مفرداً محلى بأل الجنسية الذنوب في العموم والشمول (ويأخذ) أي: يعاقب (بالذنب) وأتى به مظهراً تقبيحاً له وتنبيهاً على داعي الأخذ وهو المخالفة (ثم عاد فأذنب ذنباً فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب قد غفرت لعبدي) أي: لتوبته الصحيحة المشير إليها ((قوله: اللهم اغفر لي)) أو بمحض الفضل وإن لم يتب، والأول أقرب وسيأتي في كلام المصنف ما يقويه (فليفعل ما شاء) أي: من الذنب المعقب بالتوبة الصحيحة، ففيه أن التوبة الصحيحة لا يضر فيها نقض بالذنب ثانياً بل مضت على صحتها ويتوب من المعصية الثانية وهكذا ٣٢٦ كتاب: دليل الفالحين مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ تَعالَى: ((فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ): أَيْ مَا دَامَ يَفْعَلُ هَكَذَا، يُذْنِبُ وَيَتُوبُ أَغْفِرُ لَهُ فَإِنَّ التَّوْبَةَ تَهْدِمُ مَا قَبْلَها))(١). ٤٢٢ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾ِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللّهُ بِكُمْ، وَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرون اللَّهَ تَعالَى فَيَغْفِرُ لَهُمْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢). ٤٢٣ - وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ،وَ لَ يَقُولُ: (لَوْلاَ أَنَّكُمْ تُذْنِبونَ لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). (متفق عليه) والسياق لمسلم أخرجه في التوبة وأخرجه البخاري بنحوه في التوحيد (وقوله : فليفعل ما شاء أي: ما دام يفعل هكذا) أي: مدة دوامه يفعل ذلك، فما فيه مصدرية ظرفية وهو ظرف لقوله اغفر له وقوله هكذا فيه إجمال بينه بقوله (يذنب ويتوب) أي: فلا يتوهم منه إباحة المخالفة واكتساب الآثام (اغفر له) وبين حكمته ذلك بقوله (فإن التوبة) الصحيحة الجامعة لشروطها ومعتبراتها (تهدم) بكسر الدال المهملة أي: تسقط (ما قبلها) أي: من الذنب . ٤٢٢ - (وعنه قال: قال رسول الله وَالهر: والذي نفسي بيده) أي: بقدرته، والقسم أتى به لتأكيد المقام وتقويته عند السامع (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله) أي: عقب الذنب فوراً (فيغفر لهم. رواه مسلم) . ٤٢٣ - (وعن أبي أيوب الأنصاري) واسمه زيد بن خالد وتقدمت ترجمته (رضي الله عنه) في باب بر الوالدين وصلة الأرحام، قال حين حضرته الوفاة: كنت كتمت عنكم شيئاً سمعته من رسول الله وَّيّ (سمعت رسول الله وَلل يقول: ((لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقاً يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم. رواه مسلم) وأحمد والترمذي كما في الجامع الصغير. ورواه مسلم أيضاً بلفظ ((لو أنكم لم يكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم)) (١) أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ (٣٩٣/١٣). وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: قبول التوبة من الذنوب ... (الحديث: ٢٩). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: سقوط الذنوب بالاستغفار ... (الحديث: ١١). (٣) أخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: سقوط الذنوب بالاستغفار ... (الحديث: ٩، ١٠). ٣٢٧ ٥١ - باب: في الرجاء ٤٢٤ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا قُعوداً مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَ لَّهِ مَعَنَا أَبُوبَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي نَفَرِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنا فَبْطَأَ عَلَينا، وَخَشِيْنَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا، فَفَرْعْنَا فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللَّهِ وَ حَتَّى أَتَيْتُ خَائِطاً لِلْأَنْصَارِ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وبهذا اللفظ أورده الصغاني في المشارق ورمز بالقاف التي هي للمتفق عليه، وقد رواه أحمد عن ابن عباس بلفظ لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم يذنبون ليغفر لهم قال ابن مالك: ليس هذا تحريضاً للناس على الذنوب بل كان صدوره لتسلية الصحابة وإزالة شدة الخوف عن صدورهم؛ لأن الخوف كان غالباً عليهم حتى فر بعضهم إلى رؤوس الجبال للعبادة، وبعضهم اعتزل النساء، وبعضهم النوم. وفي الحديث تنبيه على رجاء مغفرة الله تعالى وتحقق أن ما سبق في علمه كائن؛ لأنه سبق في علمه تعالى أنه يغفر للعاصي، فلو قدر عدم عاص لخلق الله من يعصيه فيغفر له. ٤٢٤ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا قعوداً) بضم أوله جمع قاعد (مع رسول الله ور، معنا) بفتح العين من مع فيها على الظرفية هذه هي اللغة المشهورة ويجوز تسكينها في لغة حكاها صاحب المحكم والجوهري وغيرهما، وهي للمصاحبة قال صاحب المحكم: مع اسم معناه الصحبة (أبو بكر وعمر في نفر) بفتح أوليه جمع الرجال من الثلاثة إلى التسعة، وقيل إلى السبعة (فقام رسول الله خلقه من بين أظهرنا) أي: من بيننا بإقحام المضاف وزيد لظهور كونه بينهم (فأبطأ علينا) أي: تأخر مجيئه عنا كما في المصباح (وخشينا أن يقتطع) بالبناء للمفعول أي: يؤخذ (دوننا) ولعل ذلك كان قبل نزول قوله تعالى ﴿والله يعصمك من الناس﴾(١) أو بعده وخافوا أن يصيبه من الضرر ما دون القتل (ففزعنا) بكسر الزاي، الفزع يأتي بمعنى الروع ويأتي بمعنى الهبوب للشيء والاهتمام به وبمعنى الإغاثة. قال القاضي عياض: فتصح هذه المعاني الثلاثة أي: ذعرنا باحتباسه وَلّ عنا ألا تراه كيف قال: وخشينا أن يقتطع دوننا، ويدل على الوجهين الأخيرين قوله أي: خفنا أي: حصل لنا خوف وحذف المعمول؛ لأن القصد حصول الفعل دون تعلقه بمعمول (فقمنا فكنت أول من فزع أي:) خاف (فخرجت أبتغي) أطلب (رسول الله مَ له حتى أتيت حائطاً للأنصار) حتى فيه للغاية لمقدر تقديره فسرت والحائط البستان وجمعه حوائط. قال المصنف: سمي حائط؛ لأنه لا سقف له (وذكر الحديث بطوله) أي: مما لا يتعلق غرض (١) سورة المائدة، الآية: ٦٧ ٣٢٨ كتاب : دليل الفالحين إِلَى قَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((اذْهَبْ فَمَنْ لَقِيتَ وَرَاءَ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرُهُ بِالْجَنَّةِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) ٤٢٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ تَلَا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ بَّهَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي الترجمة به فلذلك حذفه ويؤخذ منه كما تقدم التنبيه عليه جواز تقطيع الحديث إذا كان لا تعلق للمأتي به بالمحذوف بأن لا يكون غاية ولا استثناء ولا نحو ذلك (إلى قوله فقال رسول الله (*) مخاطباً لأبي هريرة (اذهب فمن لقيته) بكسر القاف (وراء هذا الحائط) أي: البستان (يشهد أن لا إله إلا الله) أي: مع قرينتها التي لا يعتد بها إلا معها وهي: محمد رسول الله كما تقدم نظيره (مستيقناً بها قلبه) أي: موقناً بها قلبه والسين فيها للمبالغة؛ لأن كثرة المبني تدل على زيادة المعنى غالباً، وخرج بها المنافق (فبشره بالجنة) أما ابتداء أن مات عقب الإِسلام قبل التلبس بكبيرة أو بعد الإِسلام بمدة ولم يفعل معصية أو فعلها وكانت صغائر وله حسنات لم تغلب عليها المعاصي أو كانت كبائر فتاب منها، أو بعد إدخال النار مدة أن مات على صغائر زايدة على حسناته أو على كبيرة ولم يتب منها، ويجوز أن يتفضل الله عليه فيدخله الجنة ابتداء، قال تعالى ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾(٢) وحذف المصنف ما أشار به عمر من ترك هذا التبشير مخافة مما يترتب عليه من ترك صالح العمل المقتضي لغوات المراتب العلية في الجنة فوافقه وله على ذلك لعدم تعلق غرض الترجمة به (رواه مسلم). ٤٢٥ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما أن النبي (هير تلا) أي: قرأ (قول الله تعالى في قصة إبراهيم وآل#) رب أي: يا رب بكسر الموحدة وحذف حرف النداء لمزيد الشهرة المستغني به عن النداء الكائن للبعيد عادة (إنهن) يعني الأصنام (أضللن) أي: أوقعن في الضلال (كثيراً من الناس) وإسناد الإضلال إليهن باعتبار السببية كقوله ﴿وغرتهم الحياة الدنيا﴾(٣) (فمن تبعني) على ديني (فإنه مني) أي: بعضي لا ينفك عني في أمر الدين (ومن عصاني فإنك غفور رحيم) تقدر أن تغفر له وترحمه ابتداء أو بعد التوفيق للتوبة، قال البيضاوي: وفيه دليل على أن كل ذنب فلله أن يغفره حتى الشرك، إلا أن الوعيد فرق بينه (١) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من مات. (٢) سورة النساء، الآية: ٤٨. (٣) سورة الأنعام، الآية: ٧٠ .. (الحديث: ٥٢). ٣٢٩ ٥١ - باب: في الرجاء فَإِنَّهُ مِنِّي﴾(١) الآيةَ، وَقَالَ عِيسَى ◌َّهِ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾(٢) فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أُمَّتي أُمَّتِي)) وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: (يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ - وَرَبُّكَ أَعْلَمُ - فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟)) فَتَهُ جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِوَهِي بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ((يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرضِيكَ فِي أُمَتِكَ وَلَا نَسُوْكَ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٣). وبين غيره اهـ. وهذا مذهب الأشعري. وذهب الماتريدي إلى استحالة ذلك عقلاً وعدم إمكانه أصلاً، قال؛ لأن ذنبه لقبحه منع من الجوار العفو (وقال) مصدر معطوف على قول الله تعالى، قال القاضي عياض: قال هو اسم للقول لا فعل، يقال قال قولاً وقالاً وقیلا كأنه قال وتلا (عيسى وَّل: إن تعذبهم فإنهم عبادك) أحقاء بالتعذيب؛ لأنك المالك المتصرف (وإن تغفر لهم) أي: للمؤمنين منهم (فإنك أنت العزيز الحكيم) تلخيصه إن تعذب فعدل وإن تغفر ففضل (فرفع) ◌َّر (يديه وقال: اللهم أمتي أمتي) أي: ارحمهم أو الحظهم أو نحو ذلك فهو مفعول به بعامل محذوف، ويجوز أن يكون مبتدأ. أي: أمتي عبادك فنعمتك فيهم فضل وعقابك عدل (وبكى) خضوعاً لله وتذللاً له (فقال الله يا جبريل اذهب إلى محمد) وقوله (وربك أعلم) جملة معترضة أتي بها لدفع توهم أن الاستفهام منه تعالى على حقيقته، وهو استكشاف ما يجهله المستفهم، بل علمه تعالى محيط بجميع المعلومات قبل وجودها فيه وفيه وبعد انقضائها، وقوله (فسله ما يبكيك) معطوف على جملة اذهب، وهو هكذا في الأصول سله بحذف همزة الوصل والهمزة عين الفعل والأصل اسأله فنقلت حركة الهمزة إلى السين فحذفت همزة الوصل لعدم الحاجة إليها والهمزة المنقول حركتها لالتقاء الساكنين والاستفهام معلق للسؤال عن الجملة بعده (فأتاه جبريل إظهاراً لشرف المصطفى وَليل وأنه بالمحل الأعلى عند مولاه فيسترضى ويكرم بما يرضيه فأخبره و # بما قال) أي: من قوله: أمتي أمتي (وهو) أي: الله (أعلم) أي: بما قال نبيه وَّ ر (فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك) هو موافق لقوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ (٤) (ولا نسؤك) قال صاحب التحرير: هو تأكيد للمعنى أي: لا نخزيك؛ لأن الإِرضاء قد يحصل في حق البعض بالعفو عنهم ويدخل الباقي النار، فقال تعالى: نرضيك ولا ندخل عليك خزياً بل ننجي الجميع (رواه مسلم) قال المصنف: في الحديث أنواع من (١) سورة إبراهيم، الآية: ٣٦. (٢) سورة المائدة، الآية: ١١٨. (٣) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: دعاء النبي ◌َّ ... (الحديث: ٣٤٦). (٤) سورة الضحى، الآية: ٥. ٣٣٠ كتاب: دليل الفالحين ٤٢٦ - وَعَنْ مُعاذٍ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ وَ عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ: ((يَا مُعَاذُ! هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبادِ عَلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكِوا بِهِ شَيْئاً، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبْشِّرُ الفوائد: منها بيان كمال شفقته و على أمته واعتنائه بمصالحهم واهتمامه بأمرهم، ومنها البشارة العظيمة لهذه الأمة، زادها الله شرفاً بقوله: سنرضيك في أمتك، وهذا من أرجى الأحاديث لهذه الأمة، ومنها بيان عظمة النبي ◌َّد. ٤٢٦ - (وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت ردف) بكسر الراء وسكون الدال المهملة هذه الرواية المشهورة وهي التي ضبطها معظم الرواة. وحكى القاضي عياض أن أبا علي الطبري الفقيه الشافعي أحد رواة الكتاب ضبطه بفتح الراء وكسر الدال، قال: والرديف هو الراكب خلف الراكب، يقال منه ردفته أردفه بكسر الدال في الماضي وفتحها في المضارع: إذا ركبت خلفه. قال القاضي عياض: ولا وجه لرواية الطبري إلا أن يكون فعل هذا، اسم فاعل مثل عجل إن صحت رواية الطبري اهـ. (النبي ◌َّ على حمار) جاء في رواية أخرى لمسلم على حمار يقال له عنبر بضم المهملة وفتح الفاء وسكون التحتية: قال المصنف: وهو يقتضي أن يكون في مرة غير المرة المقدمة في الحديث السابق فإن الرحل يخص البعير، قال: ويحتمل أن يكونا قصة واحدة. ((قلت)): وتجوز بالرحل عما يرحل عليه على مطلق الدابة والله أعلم (فقال: يا معاذ هل تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله) قال صاحب التحرير: اعلم أن الحق كل موجود متحقق أو ما سيوجد لا محالة، والله سبحانه هو الحق الموجود الأزلي الباقي الأبدي والموت والجنة والنار حق أي: إنها واقعة لا محالة فحق الله على العباد ما يستحقه عليهم وحقهم عليه معناه محقق لا محالة اهـ ملخصاً. وقال غيره: قول الرجل: حقك واجب علي أي: متأكد قيامي به قاله المصنف (قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد) أي: واجبه الثابت عليهم (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً) من المعبودات (وحق العباد) بالنصب عطفاً على ما قبله، ويجوز الرفع على الابتداء والواو عاطفة للجملة أو مستأنفة (على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً) أي: وإدخال بعض عصاة المؤمنين النار ليس من العذاب؛ لأن العذاب فيما قال بعضهم الألم مع الإهانة والإِذلال، والله تعالى إذا أدخل المؤمن النار فهو لتطهيره حتى يتأهل لمنازل الأخيار (فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس) أي: أسكت عن نشر ذلك فلا أبشر ٣٣١ ٥١ - باب: في الرجاء النَّاسَ؟ قَالَ: ((لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٤٢٧ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ◌َ، قَالَ: ((المُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي القَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى(٢): ﴿يَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(٣). ٤٢٨ - وَعَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَهِ، قَالَ: ((إِنَّ الكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةٌ. الناس (قال: لا تبشرهم فيتكلوا) رجح رير مصلحة ترك التبليغ لما فيه من الحث على الإكثار من صالح العمل على التبليغ لما قد يؤدي إليه من التعطيل (متفق عليه) رواه البخاري في التوحيد ومسلم في الإِيمان. ٤٢٧ - (وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما أن النبي ◌َّ قال: المسلم) الحقيقي (إذ سئل فى القبر) على وجه الامتحان وحذف السائل للعلم به، وهما الملكان الموكلان بذلك منكر ونكير والمسؤول عنه للعلم به أي: سئل عن ربه ونبيه (يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قوله تعالى: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت) أي: الذي ثبت بالحجة عندهم وتمكن في قلوبهم (متفق عليه) رواه البخاري في التفسير ومسلم في صفة النار، ورواه النسائي في الجنائز. ٤٢٨ - (وعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله وسلم قال: إن الكافر) بأي: نوع من أنواع الكفر (إذا عمل حسنة) أي: طاعة لا تتوقف على نية كإعتاق وتصدق وإطعام محتاج، أما المتوقفة عليه كالصيام والصلاة فلا تصح منه لفقد شرط النية المتوقفة عليه من الإِسلام، وإنما حكم بصحة غسل الكتابية من نحو الحيض فحلت لحليلها للضرورة ولذا تجب إعادته إذا أسلمت (أطعم) بالبناء للمجهول (بها طعمة) بضم الطاء وسكون العين المهملتين، وهو (١) أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: ما جاء في دعاء النبي ◌َّ أمته إلى ... (٤٤/٦). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: الدليل على أن من مات ... (الحديث: ٤٩). (٢) سورة إبراهيم، الآية: ٢٧ . (٣) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: في تفسير سورة إبراهيم (١٨٤/٣ و٢٨٦/٨). وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة ... (الحديث ٧٣٠). ٣٣٢ كتاب: دليل الفالحين مِنَ الدُّنْيا، وَأَمَّا المُؤمِنُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَيُعْقِبُهُ رِزْقاً فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ) وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِناً حَسَنَةً؛ يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزِى بِهَا فِي الآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَناتِ مَا عَمِلَ للَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١). ٤٢٩ - وَعَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَله: ((مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرِ جَارٍ غَمْرٍ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ)) رَوَاهُ الرزق وجمعه طعم كغرفة وغرف قاله في المصباح (من الدنيا) في محل الصفة لطعمة فيكون ذلك حظه من عمله الذي جاء به (وأما المؤمن) ظاهره وإن كان فاسقاً، ويحتمل تخصيصه بكاملي الإِيمان (فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة) أي: ثوابها إلى الآخرة. وقد يجزي بها مع ذلك في الدنيا أيضاً كما قال (ويعقبه) بضم التحتية أي: يعطيه مع ذلك (رزقاً في الدنيا على طاعته) ولا مانع من جزائه بها فيهما، وقد ورد الشرع به فيجب اعتقاده، قاله المصنف. (وفي رواية) هي لمسلم أيضاً (إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة) أي: لا يترك مجازاته بشيء من حسناته، والظلم يطلق بمعنى النقص. وحقيقة الظلم محالة في حقه تعالى (يعطى) بالبناء للمفعول (بها في الدنيا) أحد الطرفين نائب الفاعل والآخر في محل الحال (ويجزى بها) أي: ثواباً مع ذلك (في الآخرة) وجملة يعطى الخ استثنائية جواب ما يقال ماذا يكون له بها (وأما الكافر فيطعم) بالبناء للمفعول أي: يرزق (بحسنات ما عمل بها) الباء الأولى للسببية والثانية للبدل أي: بدلها، وقوله (لله) في محل الحال من فاعل عمل. وفيه تنبيه على أن جزاء الكافر على عمله بالحسنة الدنيوية إنما هي فيما إذا كان العمل الصالح الله لا لرياء أو سمعة. وفيه إيماء إلى إحباطهما ثواب العمل وصفة الثواب دنيا وأخرى (حتى إذا أفضى) أي: صار (إلى الآخرة) أي: وقد مات على كفره (لم يكن له حسنة يجزى بها) أما إذا أسلم الكافر على مثل هذه الحسنات فيثاب عليها في الآخرة على المذهب الصحيح (رواه مسلم) في آخر أبواب صفة الجنة والنار. ٤٢٩ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَالر: مثل) بفتح أوله وثانيه المثلث تقدم معناه (الصلوات الخمس كمثل) الكاف زائدة (نهر) بسكون الهاء ويجوز فتحها (١) أخرجه مسلم في كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: جزاء المؤمن بحسناته ... (الحديث: ٥٦). ٣٣٣ ٥١ - باب: في الرجاء مُسْلِمٌ. ((الْغَمْرُ)) الْكَثِيرُ(١). ٤٣٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ مَ، يَقُولُ: (مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْ إِلَّ شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ (٢). ٤٣١ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ فِي قُبَّةٍ نَحْواً وهما لغتان في كل ما كان هكذا وعينه حرف حلق كشعر ونحر (جار) جاء في رواية عند أحمد بزيادة ((عذب)) قال في النهاية الماء العذب هو الطيب الذي لا ملوحة فيه (غَمر) بفتح الغين المعجمة وسكون الميم، أي: یغمر من دخله ويغالبه (على باب أحدكم) أشار به إلى سهولته وقرب تناوله (يغتسل منه كل يوم خمس مرات) زاد في رواية أحمد: فما بقي ذلك من الدنس، وما فيه استفهامية والدنس الوسخ أي: كما أن الغسل المكرر كذلك يذهب الدنس الحسي كذلك الصلوات الخمس مذهبة للدنس المعنوي (رواه مسلم) في كتاب الصلاة والإِمام أحمد في مسنده بزيادة نبهت عليها (الغمر: الكثير) كما في النهاية . ٤٣٠ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ما من) زائدة لتأكيد العموم المستفاد من (رجل مسلم) لكونه نكرة في سياق النفي، وذكره لشرفه وإلا فالمرأة كذلك في ذلك (يموت فيقوم) بالرفع عطفاً على يموت ويجوز النصب؛ لأنه في جواب النفي (على جنازته أربعون رجلاً) أي: يصلون عليه (لا يشركون بالله شيئاً) من الإِشراك (إلا شفعهم الله فيه) أي: بأن يغفر له. ولا ينافيه حديث الطبراني وأبي نعيم في الحلية عن ابن عمر مرفوعاً ((ما من رجل يصلي عليه مائة إلا غفر له)) إما؛ لأن العدد لا مفهوم له. وعلى الاعتداد بمفهومه فما في الصحيح مقدم على غيره، وإن جمع فيحمل ما عند الطبراني على أنه * أخبر بما فيه فأخبر به، ثم تفضل الله على عباده بحصول ذلك العدد المذكور في الصحيح فأخبر به # ثانياً (رواه مسلم) في الجنائز. ٤٣١ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله (يطير في قبة) بضم القاف وتشديد الموحدة من الخيام: بيت صغير مستدير وهو من بيوت العرب قاله في النهاية (نحواً (١) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: المشي إلى الصلاة ... (الحديث: ٢٨٤). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: من صلى عليه أربعين ... (الحديث: ٥٩). ٣٣٤ كتاب : دليل الفالحين مِنْ أَرْبَعِينَ، فَقَالَ: ((أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟)) قُلْنا: نَعَمْ. قَالَ: ((أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟)) قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنََّ لَ يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّورِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ من أربعين) يجوز أن يكون نحواً حالاً والظرف قبله خبر كان ويجوز عكسه (فقال: أترضون أن تكونوا ربع) بضم أوليه وكذا ثلث (أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال) أي: بعد أخبر بثبوت ذلك (أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة. قلنا نعم، قال: والذي نفس محمد بيده) أتى بالقسم وباسمه ويغر مظهراً تأكيداً للأمر وتفخيماً له (إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة) قال العلماء: كل رجاء جاء عن الله تعالى، أو عن النبي ◌ّ فهو كائن البتة، وإنما أتى فيه بصيغة الرجاء دون صيغة الجزم على عادة الملوك في وعد ما يقطعون بفعله يقولون: عسى تعطي ذلك وهم جازمون. قال القرطبي: وهذه الطماعية فقد حققت له بقوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾(١) وبقوله: إنا سنرضيك في أمتك. كما تقدم لكن عللوا هذه البشرى بالطمع أدباً مع الحضرة الإلهية ووقوفاً مع أحكام العبودية. قال المصنف: والحكمة في قوله ((ربع أهل الجنة ثم ثلث أهل الجنة)) ثم الشطر ولم يقل أولاً شطر أهل الجنة إن ذلك أوقع في نفوسهم وأبلغ في إكرامهم، فإن اعطاء الإنسان مرة بعد أخرى دليل على الاعتناء به ودوام ملاحظته، وإن ذلك فيه تكرير البشارة مرة بعد أخرى. وفيه حملهم على تجديد شكره تعالى وحمده على كثرة نعمه. قال المصنف: وقد جاء في الحديث الآخر ((إن أهل الجنة مائة وعشرون صفاً هذه الأمة منها ثمانون صفاً)) فهذا دليل على أنهم يكونون ثلثي أهل الجنة. ولا يشكل ذلك على حديث الباب بل يكون # أخبر بما في حديث الباب أولاً ثم زاده الله في العطاء فأخبر به بعد، وله نظائر كحديث («صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين وفي رواية سبع وعشرين)) ثم بين وجه ذلك بقوله (وذلك) أي: التبشير المشار إليه (أن الجنة) أي؛ لأن الجنة (لا يدخلها إلا نفس مسلمة) هذا نص صريح في أن من مات على الكفر لا يدخل الجنة أصلاً وهذا النص على عمومه بإجماع المسلمين (وما أنتم في أهل الشرك) من سائر الأمم ومنهم ياجوج وماجوج (إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو) شك من الراوي (كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر) يعني الأبيض (١) سورة الضحى، الآية: ٥. ٣٣٥ ٥١ - باب: في الرجاء الأَحْمَرِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٤٣٢ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيَقُولُ: هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ، قَالَ: ((يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِذُنوبٍ أَمْثَالِ الْجِبَالِ يَغْفِرُها اللَّهُ لَهُمْ، (متفق عليه) أخرجه البخاري في الرقاق، ومسلم في الإِيمان ورواه الترمذي وابن ماجه في الجنة. ٤٣٢ - (وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلّ: إذا كان) أي: وجد (يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً) يحتمل أن يقال إنهما مقيدان لمطلق الكافر الوارد في رواية أخرى لمسلم عن أبي موسى مرفوعاً ((إذا كان يوم القيامة أعطي كل رجل من هذه الأمة رجلاً من الكفار)) ويحتمل أن لا يقيد بل هو من ذكر بعض الأفراد وهي لا تقيد (فيقول) أي: الله عز وجل (هذا فكاكك من النار) وعند مسلم في الحديث الذي ذكرناه عنه هذا فداؤك من النار ((قال المصنف)) الفكاك بفتح الفاء وكسرها والفتح أفصح وأشهر: وهو الخلاص والفداء (وفي رواية) هي لمسلم أيضاً (عنه) أي: عن أبي موسى (عن النبي ◌َّر قال يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب) أي: عظيمة كما يؤخذ من قوله (أمثال الجبال يغفرها الله لهم) اقتصر المصنف على هذا القدر من الحديث الحصول غرض الترجمة، وهي الرجاء به وتتمته ((ويضعها على اليهود والنصارى)) فهو بمعنى الحديث الذي قبله. قال المصنف: ومعناه أن الله يغفر ذنوب المسلمين بفضله ويسقطها عنهم ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم وذنوبهم فيدخلهم النار بعملهم، وهذا التأويل لا بد منه لقوله ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (٢) فقوله يضعها مجاز أي: يضع مثلها عليهم بذنوبهم لكن لما أسقط تعالى عن المسلمين سيئاتهم وأبقى على الكفار سيئاتهم صاروا في معنى مِن حمل إثم الفريقين لكونهم حملوا الإِثم الباقي وهو آثامهم، ويحتمل أن يكون المراد آثاماً كان الكفار سبباً فيها بأن سنوها، فيسقط عن المسلمين بعفو الله ويوضع (١) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: كيف الحشر، وفي الأيمان والنذور، باب: كيف كان النبي ◌َ﴾ (٣٣٥/١١ و٣٣٦). وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: كون هذه الأمة نصف أهل الجنة (الحديث: ٣٧٧ - ٣٧٨). (٢) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤. ٣٣٦ كتاب: دليل الفالحين رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ: ((دَفَعَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيَقُولُ: هَذَا فَكَاكُكَ مِنَ النَّارِ) مَعْنَاهُ مَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ((لِكُلِّ أَحَدٍ مَنْزِلٌ في الجَنَّةِ وَمَنْزِلٌ فِي النَّارِ، فَالمُؤْمِنُ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ خَلَفَهُ الْكَافِرُ فِي النَّارِ لَأَنَّهُ مُسْتَحِقٌ لِذَلِكَ بِكُفْرِهِ) وَمَعْنى (((فَكَاكُكَ)): أَنَّكَ كُنْتَ مُعَرَّضاً لِدُخُولِ النَّارِ، وَهَذَا فَكَاكُكَ؛ لَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ لِلنَّارِ عَدَداً يَمْلَوْهَا، فَإِذَا دَخَلَها الْكُفَّارُ بِذُنوبِهْم وَكُفْرِهِمْ صَاروا فِي مَعْنِى الْفَكَاكِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١). ٤٣٣ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، يَقُولُ: (يُدْنَى الْمُؤمِنُ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنوِهِ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ على الكفار مثلها لكونهم سنوها، ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها (رواه مسلم. قوله دفع الله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً) ليس هو على ظاهره من وضع أعمال المؤمنين على الكافرين لأن الله تعالى يقول ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾(٢) لكن (معناه ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: لكل أحد) أي: سواء كان مسلماً أو كافراً (منزل من الجنة ومنزل من النار، فالمؤمن إذا دخل الجنة) أي: منزله فيها (خلفه الكافر في النار، لأنه مستحق لذلك) أي: دخول النار (بكفره، ومعنى فكاك) من النار (إنك كنت معرضاً لدخول النار) أي: لو كنت خذلت (وهذا فكاكك) أي: بمنزلته صورة (لأن الله تعالى قدر للنار عدداً يملؤها، فإذا دخلها الكافرون بذنوبهم وكفرهم صاروا في معنى الفكاك للمسلمين) من حيث إن بهم تم عدد أهل النار فأمنها المسلمون. قال المصنف: قال عمر بن عبد العزيز والشافعي: هذا الحديث أرجى حديث للمسلمين، وهو كما قالا لما فيه من التصريح بفداء كل مسلم وتعميم الفداء، ولله الحمد اهـ ٤٣٣ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: يدنى) بالبناء للمفعول أي: يقرب (المؤمن يوم القيامة من ربه) قرب مكانة لا قرب مكان قال المصنف: هو دنو كرامة وإحسان لا دنو مسافة، والله تعالى منزه عن المسافة (حتى يضع عليه كنفه) بفتح الكاف والنون أي: ستره (فيقرره بذنوبه) ويسترها عن سائر أهل المحشر (فيقول: ألا تعرف ذنب كذا) تقدم أنه من ألفاظ الكنايات، ويكنى به عن المجهول وما لا يراد التصريح (١) أخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: قبول توبة القاتل ... (الحديث: ٤٩) (٢) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤. ٣٣٧ ٥١ - باب: في الرجاء ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: رَبِّ أَعْرِفُ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (كَنَفَهُ)): سَتْرُهُ وَرَحْمَتُهُ(١). ٤٣٤ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النّبِيِّ وَ﴿ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (٢): ﴿وَأَقِمِ الصَّلَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفَأَ مِنَ اللَّيْلِ به (فيقول: رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا) بأن لم يطلع عليها أحد من الناس. ويحتمل سترها حتى عن الملكين مبالغة في الستر (وأنا أغفرها لك اليوم) عطف على الجملة المحكية بالقول (فيعطى صحيفة) أي: كتاب (حسناته. متفق عليه) أخرجه البخاري في الرقاق ومسلم في صفة الجنة والنار (كنفه) بفتح أوليه كما تقدم (ستره ورحمته) قال في شرح مسلم: ستره وعفوه اهـ. فالرحمة هنا مجاز عن الإِحسان. ٤٣٤ - (وعن) عبد الله ( بن مسعود رضي الله عنه أن رجلاً) عند ابن أبي خيثمة زيادة من الأنصار يقال له معتب وقد جاء اسمه كعب بن عمرو وهو أبو اليسر بفتح التحتية والسين المهملة الأنصاري. أخرجه الترمذي والنسائي والبزار عن أبي اليسر بن عمرو نفسه، وذكر بعض الشراح أن اسمه نبهان التمار، وقيل عمرو بن عزبة، وقيل عامر بن قيس، وقيل عباد. قال الحافظ: بعد ذكر قصتي نبهان وعمرو ومن أخرجهما: فإن ثبت حمل أيضاً على التعدد. قال الحافظ العسقلاني: وظن الزمخشري أن عمرو بن عزبة اسم أبي اليسر فجزم به فوهم، وعباد اسم جد أبي اليسر فلعله نسب ثم سقط شيء وأقوى الجميع أنه أبو اليسر اهـ ملخصاً. (أصاب من امرأة قبلة) أخرج قصته الترمذي ومن منه عنه قال ((أتته امرأة وزوجها قد بعثه ◌َ﴿ في بعث فقالت له بعني تمراً بدراهم، قال: وأعجبتني فقلت لها: إن في البيت تمراً أطيب من هذا، فانطلق بها معه فغمزها وقبلها ثم فزع حتى قالت له اتق الله، فخرج فلقي أبا بكر فقال تب ولا تعد، ثم أتى النبي ونَ ﴿)) الحديث (فأتى النبي وسي فأخبره فأنزل الله تعالى: أقم الصلاة) كذا هو بحذف الواو في الصحيحين والتلاوة بإثباتها (طرفي النهار) أي: غدوة وعشية وانتصابه على الظرفية؛ لأنه مضاف إليه (وزلفاً من الليل) أي: ساعات منه قريبة من النهار، فإنه من أزلفه إذا قربه وهو جمع زلفة قال المصنف: ويدخل في صلوات طرفي النهار (١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير/ هود، باب: تفسير سورة هود وفي غيره (١٠ / ٤٠٦، ٤٠٧). وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: قبول توبة القاتل ... (الحديث: ٥٢). (٢) سورة هود، الآية: ١١٤. ٣٣٨ كتاب: دليل الفالحين إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَلِيَ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٤٣٥ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ الصبح والظهر والعصر وفي زلفاً من الليل المغرب والعشاء. وقرىء زلفاً بضمتين وبضمة فسكون كبسر باللغتين في بسرة وزلفى بمعنى زلفة كقربى وقربة (إن الحسنات يذهبن السيآت) يكفرنها، وفي الحديث ((إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر)) قال الإِمام الرازي: وفي تفسير الحسنات قولان. قال ابن عباس: معناه الصلوات الخمس مكفرة سائر الذنوب إذا اجتنبت الكبائر، وقال مجاهد: الحسنات قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وقد حكاهما المصنف في شرح مسلم (فقال الرجل : ألي هذا يا رسول الله؟) يعني خاص بي أي: إن صلاتي تذهب معصيتي، وظاهر هذا أن القائل هو السائل. وعند أحمد والطبراني من حديث ابن عباس فقال: يا رسول الله ألي خاصة أم للناس عامة؟ فضرب عمر بصدره فقال لا ونعمة عين بل للناس عامة، فقال وَّلاة : صدق عمر وهذا من اجتهاد عمر الموافق للصواب، لكن جاء عند مسلم في رواة ((فقال معاذ: يا رسول الله أله وحده أم للناس؟)) ووقع مثله عند الدارقطني، قال الحافظ: ويحمل على تعدد السائلين، وقوله ألي بفتح الهمزة استفهام والظرف بعده خبر مقدم وهذا مبتدأ مؤخر وقدم عليه خبره لإفادة التخصيص (قال لجميع أمتي كلهم) والمكفر بالحسنات صغائر الذنوب المتعلقة بحق الله تعالى كما قاله المصنف (متفق عليه) أخرجه البخاري في التفسير ومسلم في التوبة. ٤٣٥ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء رجل) قال الشيخ زكريا: في تحفة القارىء هو أبو اليسر (إلى النبي وَّ فقال: يا رسول الله أصبت حداً) أي: مقتضيه والمراد من الحد ما فيه التعزير أو توهم أن فيه حداً مخصوصاً (فأقمه علي وحضرت الصلاة فصلى معٍ رسول الله وَج، فلما قضى الصلاة) أي: أتمها معه وَّ (قال: يا رسول الله إني أصبت حداً (١) أخرجه البخاري في كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الصلاة كفارة، والتفسير، تفسير سورة هود باب: وأقم الصلاة ... الخ (٢٦٨/٨، ٢٦٩). وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾، (الحديث: ٣٩). 83 ٣٣٩ ٥١ - باب: في الرجاء فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ: ((هَلْ حَضَرْتَ مَعَنَا الصَّلاةَ؟)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((قَدْ غُفِرَ لَكَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ ((أَصَبْتُ حَدًّا)) مَعْنَاه: مَعْصِيَةً توجِبُ التَّعْزِيرَ، وَلَيْسَ الْمُرادُ الْحَدَّ الشَّرْعِيَّ الْحَقيقيِّ كَحَدِّ الزِّنَا وَالْخَمْرِ وَغَيْرِهِمَا، فَإِنَّ هَذِهِ الْحُدودَ لَا تَسْقُطُ بِالصَّلاةِ، وَلَ يَجُوزُ لِلإِمَامِ تَرْكُها. مُتَفَقٌ عَلَيْهِ(١). ٤٣٦ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا)) . فأقم فيّ كتاب الله. قال: هل حضرت معنا الصلاة؟ قال: نعم، قال: قد غفر لك) قال المصنف: هذا المقتضي للحد في كلامه معناه معصية من المعاصي الموجبة للتعزير وهي هنا من الصغائر؛ لأنها كفرتها الصلاة، ولو كانت كبيرة موجبة لحد أو غيره موجبة له لما كفرتها الصلاة، فقد أجمع العلماء على أن المعاصي الموجبة للحد لا تسقط الحد بالصلاة وهو معنى قول المصنف هنا. (قوله أصبت حداً: معناه معصية توجب التعزير وليس المراد الحد الشرعي الحقيقي كحد الزنا والخمر وغيرهما فإن هذه الحدود لا تسقط بالصلاة) أي: بعد تعيينها كما يعلم من الوجه الآتي (ولا يجوز للإِمام تركها) قال المصنف في شرح مسلم: وهذا هو الصحيح في تفسير هذا الحديث. وحكى القاضي عن بعضهم أن المراد به الحدّ المعروف، قال: وإنما لم يحده؛ لأنه لم يفسر موجب الحد ولم يستفسره وَّ عنه إيثاراً للستر، بل استحب تلقين الرجوع عن الإِقرار بموجب الحد صريحاً (متفق عليه) أخرجه البخاري في المحاربين ومسلم في التوبة. ٤٣٦ - (وعنه قال: قال رسول الله وَليل: إن الله ليرضى) المراد منه في حقه تعالى غايته من القبول أو إرادته (عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها) يحتمل أن يكون قبل أن، لام التعليل أي: لأجل أو بسبب أكله، ويحتمل أن يكون أن ومدخولها بدل من العبد بدل اشتمال والمرضي منه هو الحمد على الأكل والشرب، وبحمد روي بالرفع والنصب. قال بعض شراح الشمائل: والظاهر من حيث العربية الأول أي: رضي أكله المسبب للحمد مع أن نفعه لنفسه فكيف بالحمد على ما لا نفع له فيه بوجه (أو يشرب الشربة فيحمده عليها) (١) أخرجه البخاري في كتاب: المحاربين، باب: إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإِمام أن يستر عليه (١١٨/١٢، ١١٩). وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: قوله تعالى: ﴿إِن الحسنات ... ﴾ (الحديث: ٤٤). ٣٤٠ كتاب: دليل الفالحين رَوَاهُ مُسْلِمٍ. ((الْأَكْلَةُ)) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ: الْمَرَّةُ الوَاحِدَةُ مِنَ الْأَكْلِ كَالْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ، واللَّهُ أَعْلَمُ(١). ٤٣٧ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيْتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيْتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٢). ٤٣٨ - وَعَنْ أَبِي نَجِيحٍ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ((بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْبَاءِ)) السُّلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ يعني يرضى لأحد هذين الفعلين أياً كان، وليس هو بشك من الراوي خلافاً لزاعمه. وفي الحديث حصول أصل سنة الحمد بأي لفظ اشتق من مادة ح مد بما يدل على الثناء على الله تعالى (رواه مسلم) في باب الحمد، ورواه أحمد والترمذي في جامعه وشمائله، والنسائي كلهم من حديث أنس (الأكلة بفتح الهمزة: وهي المرة الواحد من الأكل كالغداء والعشاء) وبضمها اسم للقمة، قال بعض شراح الشمائل: ويرجحه ملاءمته للشربة. ((قلت)): بل هو ملائم للفتح (والله أعلم) . ٣٣٧ - (وعن أبي موسى) وهو الأشعري (رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال: إن الله يبسط) بضم السين (يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) قال المصنف: معناه يقبل التوبة من التائبين نهاراً وليلاً (حتى تطلع الشمس من مغربها) ولا يختص به قبولها بوقت، وبسط اليد استعارة في قبول التوبة. قال المازري: المراد به قبول التوبة، وإنما ورد لفظ بسط اليد؛ لأن العرب إذا رضي أحدهم الشيء بسط يده لقبوله وإذا كرهه قبضها عنه فخوطبوا بأمر يفهمونه وهو مجاز، فإن اليد بمعنى الجارحة محال عليه تعالى: (رواه مسلم) في باب التوبة وكذا أحمد. ٣٣٨ - (وعن أبي نجيح) ضبطه صاحب المغني بفتح النون وكسر الجيم وسكون التحتية بعدها حاء مهملة، وقيل كنيته أبو شعيب (عمرو بن عبسة بفتح العين) المهملة (والباء) الموحدة ثم سين مهملة على وزن عدسة. قال المصنف في التهذيب: هذا الضبط لا خلاف فيه بين أهل الحديث والأسماء والتواريخ والسير والمؤتلف وغيرهم من أهل الفنون. ورأيت (١) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب (الحديث: ٨٩). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: قبول التوبة من الذنوب ... (الحديث: ٣١).