Indexed OCR Text

Pages 61-80

٣٢ - باب في فضل ضعفة المسلمين
٦١
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١)
٢٥٧ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ أَوْ شَابًّا، فَفَقَدَها
أَوْ فَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ هِ، فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ قَالَ:
الحديث في مسلم: ((اقرؤوا إن شئتم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً)) قال المصنف في
الحديث، ذم السمن ففيه تنبيه على أنه ليس المدار في الرفعة عند الله والقرب من فضله
وساحة جوده بالصور، وإنما ذلك بما يقر في القلوب من الأنوار الإلهية والتجليات الربانية،
أهلنا الله لذلك بفضله (متفق عليه) فأخرجه البخاري في التفسير من صحيحه، ومسلم في
التوبة، كلاهما من طريق يحيى بن بكر عن المغيرة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي
هريرة، ورواه البخاري في التفسير أيضاً أولاً عن محمد بن عبد الله، عن سعيد بن أبي
مريم، عن المغيرة، قال الحافظ في النكت الظراف: وأخرجه الطبراني في الأوسط عن
عمرو بن أبي الطاهر، عن سعيد بن أبي مريم، عن المغيرة، عن أبي الزناد، وقال: تفرد به
سعيد، قال الحافظ تقي الدين بن فهد في الأشراف: ورواية يحيى بن بكير ترد عليه. اهـ.
٢٥٧ - (وعنه) أي: عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو
شاباً) أي: أسود، وفي البخاري في باب كنس المسجد أن رجلاً أسود، أو امرأة سوداء،
والشك فيه من ثابت؛ لأنه رواه عنه جماعة هكذا، ومن أبي رافع، قال الحافظ: وسيأتي بعد
باب من وجه آخر عن عمار بهذا الإسناد، فقال: ولا أراه إلا امرأة، وروى ابن خزيمة من
طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة فقال: امرأة سوداء، ولم يشك،
ورواه البيهقي بإسناد حسن من حديث ابن بريدة عن أبيه فسماها أم محجن، وأفاد أن الذي
أجاب النبي ◌َّل عن سؤاله عنها أبو بكر الصديق، وذكر ابن منده في الصحابة جزماً امرأة
سوداء كانت تقم المسجد، وقع ذكرها في حديث حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس،
وذكرها ابن حبان في الصحابة بدون ذكر السند، فإن كان محفوظاً فهذا اسمها، وكنيتها أم
محجن، كذا في فتح الباري (ففقدها) أي: المرأة، أو النسمة ليعم كلاً منهما.
(رسول الله * فسأل عنها أو) شك من الراوي مرتب على الشك قبله، أي: وقال: (عنه)
أي: عن حال ذلك الإِنسان، ومفعول سأل محذوف، أي: سأل الناس (فقالوا مات) أي
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير/ الكهف، باب: ﴿أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ... ﴾ (الآية
١٠٥) (٣٢٤/٨).
وأخرجه مسلم في كتاب : صفات المنافقين وأحكامها، باب: صفة القيامة والجنة والنار، (الحديث:
١٨) .

٦٢
كتاب: دليل الفالحين
(أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ) فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَها أَوْ أَمْرَهُ، فَقَالَ: ((دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ)
فَدَلُوهُ فَصَلّى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ((إنَّ هُذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوعَةٌ ظُلْمَةً عَلى
أَهْلِها، وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُها لَهُمْ بِصَلاتِي عَلَيْهِمْ)) مُتَّفَقْ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ
(تَقُمُّ)) هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ: أَيْ تَكْنُسُ. وَالْقُمَامَةُ:
ذلك الشخص (قال: أفلا كنتم آذنتموني) أي: أأمسكتم عن الإِعلام فما آذنتموني (به) أي :
أعلمتموني بموته، والمعطوف عليه مقدر بعد الهمزة (فكأنهم صفّروا) بتشديد الغين (أمرها
أو) شك، أي: أو قال صغروا (أمره) أي: أنه من الفقراء الخاملين الذي لا يؤبه بوفاة مثله
فيدعى للصلاة عليها مثلك، وهذا يحتمل أن يكون من الصحابة، وقالوا ذلك اعتذاراً، أي:
إننا آثرنا راحتك وبقاءك في منزلك، أن مثل ذلك الميت ليس من مشاهير الصحابة أولي
السبق والأيادي في الإِسلام، كما جاء كذلك عند ابن خزيمة من طريق العلاء: ((قالوا مات
في الليل فكرهنا أن نوقظك))، وكذا في حديث بريدة (فقال: دلوني على قبره) هكذا هو في
النسخ بضمير المذكر بلا شك، وهو محتمل لأن يكون الواقع وحده فقط مع الشك في كون
المحدث عنه امرأة، أو عبد، أو تذكيره باعتبار الميت. (فدلوه فصلى عليها) أي: النسمة
المتوفاة، هذا ما اتفقا عليه، زاد مسلم عن أبي كامل الجحدري، عن حماد، عن أبي
رافع، عن أبي هريرة، أي: وهو إسناد الحديث عندهما. (ثم قال) أي: النبي ◌َّ: (إن
هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها) لعدم المنافذ التي يدخل منها الضوء إليها، فلا ينيرها
إلا الأعمال الصالحة، أو الشفاعات المقبولة الراجحة، (وإن الله ينورها لهم) أي: يدخل
النور لهم فيها، (بصلاتي) بسبب صلاتي (عليهم) قال الحافظ في فتح الباري في كنس
المسجد: وإنما لم يخرج البخاري هذه الزيادة لأنها مدرجة في هذا الإِسناد، وهي من
مراسيل ثابت، بين ذلك غير واحد من أصحاب حماد بن زيد، أوضحت ذلك بدلائله في
كتاب ((بيان المدرج))، قال البيهقي: يغلب على الظن أن هذه الزيادة من مراسيل ثابت، كما
قال أحمد بن عبده، أو من رواية ثابت عن أنس، يعني كما رواه ابن منده، ووقع في مسند
أبي داود الطيالسي، عن حماد بن زيد الجزار كلاهما عن ثابت بهذه الزيادة اهـ. وبه يعلم
ما في قول المصنف. (متفق عليه) وفي الحديث فضل تنظيف المساجد، والسؤال عن
الخادم والصديق إذا غاب، وفيه المكافأة بالدعاء، والترغيب في شهود جنائز أهل الخير،
وندب الصلاة على الميت الحاضر عند قبره لمن لم يصل عليه. (قوله تقم بفتح التاء) أي :
الفوقية إن كان المحدث عنه الجارية، وإلا فبالتحتية (وضم القاف أي: تكنس) قال الحافظ

٦٣
٣٢ - باب في فضل ضعفة المسلمين
الْكُنَاسَةُ. وَآذَنْتُمُوني)) بِمَدِّ الهَمْزَةِ: أَيْ أَعْلَمْتُمُوني(١).
٢٥٨ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفَوع
بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لُأَبَرَّهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(٢).
في الفتح: جاء في رواية ((أنها كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد))، وفي حديث
بريرة: ((كانت مولعة بلقط القذا من المسجد)) وهو بالقاف وبالذال المعجمة مقصوراً، جمع
قذاة وجمع الجمع أقذية، قال أهل اللغة: القذا في العين والشراب ما تساقط فيه، ثم
استعمل في كل شيء يقع في البيت وغيره إذا كان يسيراً. (والقمامة الكناسة) بضم أوليهما،
وهذه الصيغة لما لا يحتفل به كالزبالة والنخالة. (وآذنتموني بمد الهمزة) أي: (أعلمتموني)
من الإِيذان: الإِعلام.
٢٥٨ - (وعنه) أي: أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال النبي ◌َّر: رب) قال ابن هشام في
المغني: ليس معناها التقليل دائماً، خلافاً لابن درستويه وجماعة، بل ترد للتكثير كثيراً
وللتقليل قليلاً، ومن الأول قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾(٣) وفي
الحديث: ((يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة)) اهـ. (أشعث) قال العلقمي في
المصباح: شعث الشعر شعثاً فهو شعث من باب تعب تغير وتلبد؛ لقلة تعهده بالدهن، أي :
والترحبيل (أغبر) قال في المصباح: الغبار معروف، وأغبر الرجل بالألف أثار الغبار (مدفوع
بالأبواب) أي: يدفع بها لحقارة قدره عندهم لفقره ورثاثة ملبسه. (لو أقسم على الله) أي :
حلف يميناً بحصول أمر طمعاً في كرم الله (لأبره) لأوجد ذلك إكراماً له بإجابة سؤاله وصيانته
من الحنث في يمينه، وهذا لعظم منزلته عند الله تعالى، وإن كان حقيراً عند الناس، وقيل
معنى أقسم: دعا ومعنى أبره: أجاب دعوته، قاله المصنف في شرح مسلم (رواه مسلم) قال
في الجامع الصغير بعد إخراجه بهذا اللفظ: إلا أنه لم يذكر أغبر، أخرجه مسلم وأحمد.
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على القبر (الحديث: ٧١).
وأخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب: الصلاة على القبر بعد ما يدفن وفي المساجد، باب: كنس
المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان وفي الخدم للمسجد. (٤٦٠/١).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل الضعفاء والخاملين، (الحديث: ١٣٨).
(٣) سورة الحجر، الآية: ٢

٦٤
كتاب : دليل الفالحين
٢٥٩ - وَعَنْ أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَكَانَ
عَامَةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَساكِينُ، وَأَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحاب النَّارِ قَدْ أُمِرَ
بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَقَدْ قُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ.
٢٥٩ - (وعن أسامة) هو ابن زيد حب رسول الله يچ وابن حبه، كما صرح به كذلك المزي
في الأطراف. (رضي الله عنه) حال كونه راوياً (عن النبي ◌َ ◌ّرَ قال: قمت على باب الجنة
فكان عامة) أي: معظم (من دخلها) من الناس (المساكين) أي: الضعفاء المستضعفين في
الدنيا الصابرين على الضرّاء، والشاكرين على السراء، (وأصحاب الجد) أي: الغنى
(محبوسون) قال ابن النحوي: كذا في الأصول بالحاء المهملة، ثم باء من الحبس، وكذا
عند أبي ذر، وهو ظاهر، قال ابن التين: كذا هو عند الشيخ أبي الحسن، ولعله بفتح التاء
والراء اسم مفعول من احترس، قال أهل اللغة: يقال أحرس بالمكان إذا أقام به حرساً، فهم
موقوفون لا يستطيعون الفرار، وقال الداوودي: أرجو أن يكون المحبوسون أهل التفاخر لا
أفاضل هذه الأمة الذين كان لهم أموال، ووصفهم الله بأنهم سابقون، ولما نقل ابن بطال عن
المهلب أن في الحديث: ((إن أقرب ما يدخل به الجنة التواضع لله عز وجل وإن أبعد
الأسباب من الجنة التكبر بالمال)» وغيره قال: وإنما صار أصحاب الجد محبوسين لمنعهم
حقوق الله الواجبة للفقراء في أموالهم، فحبسوا للحساب لما منعوه، فأما من أدى حقوق الله
في ماله فإنه لا يحبس عن الجنة، إلا أنهم قليل إذ أكثر شأن أهل المال تضييع حقوق الله
تعالى فيه؛ لأنه محنة وفتنة، ألاترى إلى قوله: ((وكان عامة من دخلها المساكين)) وهذا يدل
على أن الذين يؤدون حقوق الله في المال، ويسلمون من فتنته هم الأقلون اهـ. وقيل إنهم
محبوسون لتسبقهم الفقراء بخمسمائة عام، كما ورد ذلك في الحديث، ثم هو في بعض
النسخ مضبوط بنصب أصحاب، فيقدر له فعل عام فيه، أي: ورأيتهم، وبالواو في
محبوسون، فيكون ذلك على تقدير مبتدأ، فيكون استئنافاً بيانياً، كأن سائلاً يسأله عن شأن
أصحاب الجد، فأجاب بأنهم محبوسون (غير) بالنصب، وفي رواية إلا (أن أصحاب النار)
أي: المستحقون لها بكفر أو معاصي من أصحاب الجد (قد أمر بهم إلى النار) والجملة
مضاف إليهما إذا الفجائية. (وقمت على باب النار) فكشف لي عن أهلها (فإذا عامة من
دخلها) مبتدأ خبره النساء، هذا باعتبار أول الأمر فلا ينافي خبر: يمشي الرجل من أهل
الجنة، أي: يأوي على ثنتين وسبعين زوجة، ثنتان من بني آدم، وسبعون من الحور العين؛
لأن هذا باعتبار الآخر، فالنساء أكثر أهل النار ابتداء، وأكثر أهل الجنة انتهاء. (متفق عليه)
فأخرجه البخاري في صحيحه في بابي النكاح والرقاق، ومسلم في آخر كتاب الدعوات،
K

٦٥
٣٢ - باب في فضل ضعفة المسلمين
و((الْجَدُّ» بِفَتْحِ الْجِيمِ: الْحَظُّ والْغِنَى، وَقَولُهُ ((مَحْبوسونَ)): أَيْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ بَعْدُ
في دُخُولِ الْجَنَّةِ (١).
٢٦٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ، قَالَ: ((لَمْ يَتْكَلَّمْ فِي
الْمَهْدِ إِلاَّ ثَلَاثَةٌ:
وأخرجه أحمد والنسائي في عشرة النساء، واستدل بحديث الباب على فضل الفقر على
الغنى، وتعقب بأنه ليس فيه أكثر من بيان أن الفقراء في الجنة أكثر من الأغنياء، وليس فيه أن
الفقر أدخلهم الجنة، إنما دخلوها بصلاحهم مع الفقر، فالفقير إذا لم يكن صالحاً لا فضل
فيه. قال العلقمي: ظاهر الحديث التحريض على ترك التوسع من الدنيا، كما أن فيه
تحريض على الأغنياء بأمر الدين لئلا يدخلوا النار اهـ. (والجد بفتح الجيم) وتشديد الدال
المهملة (الحظ والغنى) ويطلق على أبي الأب، وعلى أبي الأم، وعلى العظمة، ومنه:
((تعالى جد ربنا)) وعلى القطع، وفي القاموس أنه يطلق أيضاً على الرجل العظيم الحظ،
وعلى الرزق، وعلى شاطىء النهر اهـ. أما الجد بالكسر فالاجتهاد. (قوله محبوسون أي:
لم يؤذن لهم بعد في الدخول) إما لوقوفهم للحساب، وإما ليسبقهم إليها صالحو الفقراء كما
تقدم .
٢٦٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّر قال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة)
قال الزركشي: أي: من بني إسرائيل، وإلا فقد تكلم في المهد جماعة غيرهم، ففي مسلم
في قصة أصحاب الأخدود: ((أن امرأة جيء بها لتلقى في النار لتكفر ومعها صبي مرضع
فتقاعست فقال لها يا أماه اصبري فإنك على الحق)). قلت: وقد تقدم هذا الحديث،
والكلام عليه في باب الصبر، قال: ولأحمد والحاكم من حديث ابن عباس مرفوعاً: ((تكلم
في المهد أربعة، فذكر منهم شاهد يوسف، وابن ماشطة فرعون، لمّا أراد فرعون إلقاء أمه
في النار فقال اصبري)) وأخرج الثعلبي عن الضحاك، أن يحيى تكلم في المهد، وفي تفسير
البغوي، أن إبراهيم الخليل تكلم في المهد، وفي سير الواقدي أن نبينا مسير تكلم في أوائل
ما ولد، وقد تكلم في زمنه وي مبارك اليمامة وهو طفل، وقصته في الدلائل للبيهقي، قال
(١) أخرجه البخاري في كتاب: النكاح، باب: ما يتقى من شؤم المرأة والرفاق، (٣٦١/١١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء ...
(الحديث: ٩٣).

٦٦
كتاب: دليل الفالحين
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَكَانَ جُرَيْجُ رَجُلاً عَابِداً فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً
فَكَانَ فِيهَا، فأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ
أُمِّي وَصَلاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي.
الحافظ في فتح الباري: على أنه اختلف في شاهد يوسف فقيل: كان صغيراً، وهذا أخرجه
ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وسنده ضعيف، وبه قال الحسن وابن جبير، وأخرج عن ابن
عباس أيضاً ومجاهد: أنه كان ذا لحية، وعن قتادة والحسن أيضاً: أنه كان حكيماً من أهلها
اهـ. قال السيوطي في التوشيح بعد ذكر ما ذكر: فكملوا عشرة، وقد نظمتها في أبيات، وقد
تقدمت عنه في باب الصبر، وقد نظمت أسماءهم بقولي :
خليل ويحيى وعيسى ومريم
تكلم في المهد طه كذا
وطفل لدى النار لما تضرم
وشاهد يوسف مبرى جريج
لفرعون فيما مضى من أمم
وطفل ابن ماشطة قد غدت
يقولون تزني ولما تكلم
وطفل عليه أتوا بالامه
مباركهم وبه يختتم
كذلك في عهد خير الورى
(عيسى) اسم عبراني، وزعم أنه مأخوذ من العيس، أحد ألوان الإِبل؛ لحمرة فيه،
رده البيضاوي في تفسير سورة آل عمران، بأنه تكلف لا دليل عليه. (ابن مريم) إذ قال وهو
في المهد كما أخبر الله عنه ﴿إني عبد الله﴾(١) الآية (وصاحب جريج) بجيمين مصغر (وكان
جريج رجلاً عابداً) وكان في أول أمره تاجراً، وكان يزيد مرة وينقص أخرى، فقال: ما في
هذه التجارة خير، لألتمس تجارة في خير من هذه، فبنى صومعة وترهب فيها، كذا في رواية
أحمد، فدل ذلك على أنه كان بعد عيسى ومن أتباعه؛ لأنهم الذين ابتدعوا الترهيب وحبس
النفس في الصوامع. (فاتخذ صومعة) بفتح المهملة والميم وسكون الواو بينهما، وهي البناء
المرتفع المحدد أعلاه، ووزنها فوعلة من صمعت إذا دققت لأنها دقيقة الرأس. (فكان فيها)
يعبد الله مؤثراً للخلوة والعزلة (فأتته أمه) قال الحافظ في فتح الباري: لم أقف في شيء من
الطرق على اسمها (وهو يصلي) جملة حالية من ضمير المفعول مقرونة بالواو والضمير معاً.
(فقالت: يا جريج) زاد في رواية أحمد أشرف عليَّ أكلمك أنا أمك، وفي حديث عمران بن
حصين ((وكانت أمه تأتيه فتناديه فيشرف عليها فتكلمه فأتته يوماً وهو في صلاته)) (فقال: أي)
(١) سورة مريم، الآية: ٣٠.

٦٧
٣٢ - باب في فضل ضعفة المسلمين
فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاتِهِ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ
الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى
صَلَّتِهِ، فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِنْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِساتِ!، فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرائيلَ
جُرَيْجاً وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٍّ يُتَمَّثَّلُ بِحُسْنِها، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لاَفْتِنَنَّهُ،
بفتح الهمزة وسكون الياء، لنداء القريب، وهو تعالى أقرب من كل قريب بعلمه وكرمه، وفي
نسخة بدل أي، يا (رب أمي وصلاتي) أي: اجتمع عليَّ إجابة أمي وإتمام صلاتي، فوفقني
لأفضلهما، زاد في رواية الأعرج عند الإسماعيلي: ((أوثر صلاتي على أمي)) ذكره ثلاثاً
(فأقبل على) إتمام (صلاته فانصرفت) ذلك اليوم (فلما كان) أي: جريج في زمان (من الغد)
اليوم الذي بعد ذلك اليوم الأول (أتته أمه وهو يصلي فقالت: يا جريج فقال: أي رب أمي
وصلاني فأقبل على صلاته) في اليوم الثاني أيضاً (فلما كان من الغد) أي: لليوم الثاني وهو
الثالث (أتته فقالت: يا جريج فقال: يا) وفي نسخة مصححة، أي: (رب أمي وصلاتي
فأقبل على صلاته) قال الحافظ في فتح الباري: وكل ذلك - أي الكلام الوارد عنه في
الصلاة - محمول على أنه قاله في نفسه، أي: أو ما في معناه من تحريك اللسان من غير أن
يسمع نفسه، ولم يتحرك لسانه ثلاث حركات متوالية لا أنه نطق به، أي: وأسمع نفسه، وهو
صحيح السمع سالم من اللغط، ونحوه قال، ويحتمل أن يكون نطق به على ظاهره؛ لأن
الكلام کان مباحاً عندهم، وكذا في صدر الإسلام، قال: وقد سبق حدیث یزید بن حوشب
عن أبيه رفعه. ((لو كان جريج عالماً لعلم أن إجابته أمه أولى من صلاته)) اهـ. (فقالت:
اللهم لا تمته) بضم الفوقية الأولى (حتى ينظر إلى وجوه المومسات) وفي رواية للأعرج وأبي
سلمة عن أبي هريرة: ((حتى ينظر في وجوه المياميس)) وفي حديث عمران بن حصين:
((فغضبت وقالت: اللهم لا يموتن جريج حتى ينظر في وجوه المومسات)) (فتذاكر بنو
إسرائيل جريجاً وعبادته وكانت امرأة بغي) أي: زانية، قال العكبري: في وزنه وجهان،
فقيل فعول فاعل اعلال صبي، ولذا لم يلحق التاء كما لا يلحق في امرأة صبور وشكور،
وقيل فعيل بمعنى فاعل ولم تلحقه التاء أيضاً؛ لأنها للمبالغة أو لأنه على النسب، مثل:
طالق وحائض اهـ. ملخصاً. وتقدم فيه مزيد في باب طرق الخير. (يتمثل بحسنها) بضم
التحتية وفتح الفوقية وتشديد المثلثة بعد الميم، أي: يضرب بحسنها لكماله المثل.
(فقالت: إن شئتم لأفتننه) في رواية وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عند أحمد زيادة:
((فقالوا: قد شئنا)) قال الحافظ: ولم أقف على اسم هذه المرأة، لكن في حديث عمران بن
حصين أنها كانت بنت ملك القرية، وفي رواية الأعرج: ((وكان يأوي إلى صومعته راعية

٦٨
كتاب: دليل الفالحين
فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِياً كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا
فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلوهُ وَهَدَمُوا
صَوْمَعَتَهُ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فَقَالَ: مَا شَأَنْكُمْ؟ فَقَالُوا: زَنَّيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ
مِنْكَ، قَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاؤُوا بِهِ، فَقَالَ: دَعُوني حَتَّى أُصَلِّي فَصَلّى، فَلَمَّا
ترعى الغنم)»، ونحوه في رواية أبي رافع عند أحمد، وفي رواية أبي سلمة ((وكان عند صومعته
راعي ضأن، وراعية معز))، ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأنها خرجت من دار أبيها بغير
علم أهلها متنكرة، وكانت تعمل الفساد إلى أن ادعت أنها تستطيع أن تفتن جريجاً، فاحتالت
بأن خرجت في صورة راعية ليمكنها أن تأوي إلى ظل صومعة جريج. (فتعرضت له فلم
يلتفت إليها) لعلمه بما يترتب على النظر إلى حسان الصور من الضرر. (ف) - لما لم يفتتن،
ووعدتهم بذلك منه، ولم تقدر عليه (أتت راعياً كان يأوي إلى صومعته) أي: صومعة جريج
(فأمكنته من نفسها) لتحمل فتنسبه إلى جريج، فتصدق نفسها فيما وعدت به من فتنته، والله
كافي عبده المتوجه إليه (فوقع عليها) أي: جامعها (فحملت فلما ولدت) أي: بعد انقضاء
مدة حملها على العادة (قالت: هو من جريج) فيه حذف، تقديره: فسئلت ممن هو؟
فقالت: من جريج، زاد في رواية أحمد: فأخذت وكان من زنى منهم قتل، فقيل لها: ممن
هذا؟ فقالت: هو من صاحب الصومعة، وفي رواية الأعرج، فقيل لها: من صاحبك؟
قالت: جريج الراهب، نزل إليّ فأصابني، زاد أبو سلمة في رواية، فذهبوا إلى الملك
فأخبروه، فقال: أدركوه فأتوني به (فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته) وفي رواية أبي رافع:
فأقبلوا بفؤوسهم ومساحيهم إلى الدير فنادوه فلم يكلمهم، فأقبلوا يهدمون ديره، وفي رواية
حديث عمران: ((فما شعر حتى سمع الفؤوس في أصل صومعته، فجعل يسألهم ويلكم ما
لكم فلم يجيبوه، فلما رأى ذلك أخذ الحبل فتدلى)) (وجعلوا يضربونه) وفي رواية أبي رافع
((فقالوا؛ أي جريج انزل فأتى يقبل على صلاته، فأخذوا في هدم صومعته، فلما رأى ذلك
نزل فجعلوا في عنقه وعنقها حبلاً، فجعلوا يطوفون بهما في الناس)) وفي رواية أبي سلمة:
(«فقال له الملك ويحك يا جريج كنّا نراك خير الناس فأحبلت هذه، اذهبوا به فاصلبوه)» وفي
حديث عمران: ((فجعلوا يضربونه ويقولون مرائي تخادع الناس بعملك)) وفي رواية الأعرج:
((فلما مر نحو بيت الزواني ضحك فقالوا لم تضحك حتى من الزواني)) (فقال: ما شأنكم؟
فقالوا زنيت بهذه البغي فولدت) بفتح اللام (منك قال أين الصبي؟ فجاؤوا به) أي: أحضروه
(فقال: دعوني) أي: من السب والضرب (حتى أصلي) ففيه اللجأ إلى الصلاة عند الكرب،
وفي الحديث كان ◌ّ﴾ ((إذا حزنه أمر بادر إلى الصلاة)) أورده السيوطي في سورة البقرة من

٦٩
٣٢ - باب في فضل ضعفة المسلمين
انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ وَقَالَ: يَا غُلامُ مَنْ أَبُوَكَ؟ قَالَ: فُلانُ الرَّاعِي،
فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيجٍ يُقَبِّلونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ،
قَالَ: لَا ، أَعيدوهَا مِنْ طِين كَمَا كَانَتْ، فَفَعَلوا .
الجلالين، ولم يعزه لمخرج ولا عين صحابيه، قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث
الكشاف: رواه الطبراني في تفسيره من تفسير حذيفة، بهذا اللفظ أخرجه أحمد وأبو داود عن
حذيفة بلفظ: ((كان إذا حزبه أمر صلى)) وأخرجه البيهقي في قصة الخندق مطولاً اهـ.
(فصلى) ركعتين كما في حديث عمران، وعند وهب ابن جرير فقام وصلى ودعا (فلما
انصرف) أي: من صلاته (أتى الصبي فطعن في بطنه) قال الحافظ في مرسل الحسن عن ابن
المبارك في البر والصلة: أنه سألهم أن ينظروه، فانظروه فرأى في المنام من أمره أن يضرب
في بطن امرأة، فيقول: أيتها السخلة من أبوك؟ ففعل. (فقال يا غلام من أبوك قال فلان
الراعي) في رواية أبي رافع، ثم مسح رأس الصبي فقال: من أبوك؟ قال راعي الضأن، وفي
روايته عند أحمد: فوضع إصبعه على بطنها، وفي رواية أبي سلمة: فأتي بالمرأة والصبي
وفمه في ثديها فقال له جريج: يا غلام من أبوك؟ فنزع الغلام فاه من الثدي وقال: راعي
الضأن، قال الحافظ: ولم أقف على اسم الراعي، ويقال إن اسمه صهيب، وأما الابن،
ففي رواية البخاري بلفظ: فقال: يابا بوس، وتقدم شرحه، وأنه ليس اسمه، وإنما المراد به
الصغير، وفي حديث عمران: ثم انتهى إلى شجرة فأخذ منها غصناً، ثم أتى الغلام وهو في
مهده، فضربه بذلك الغصن فقال: من أبوك، وفي تنبيه الغافلين للسمرقندي بغير إسناد:
((أنه قال للمرأة أين أصبتك قالت تحت الشجرة فأتى تلك الشجرة فقال لها: يا شجرة أسألكِ
بالذي خلقك من زنا بهذه المرأة فقال كل غصن منها راعي الغنم)) ويجمع بين هذا
الاختلاف بوقوع جميع ما ذكر من مسح رأس الصبي، ووضع الأصبع على بطن أمه، ومن
طعنه بإصبعه، ومن ضربه بطرف العصى التي كانت معه، وأبعد من جمع بينهما بتعدد
القصة، وأنه استنطقه وهو في بطنها مرة قبل أن تلد، ثم استنطقه بعد أن ولد اهـ. (فأقبلوا
علی جریج یقبلونه ويتمسحون به) عند وهب بن جرير: فوثبوا إلى جريج فجعلوا يقبلونه،
وزاد الأعرج: فأبرأ الله جريجاً، وأعظم الناس أمر جريج (وقالوا نبني لك صومعتك) أي: ما
هدمناه منها، كما في رواية أبي رافع (من ذهب قال لا أعيدوها من طين كما كانت ففعلوا)
زاد في رواية أبي سلمة: ((فرجع إلى صومعته فقالوا: بالله مم ضحكت؟ فقال: ما ضحكت
إلا من دعوة دعتها علي أمي)) وفي الحديث: إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع؛ لأن
الاستمرار فيها نافلة، وإجابة الأم وبرها واجب، قال المصنف وغيره: إنما دعت عليه لأنه

٧٠
كتاب: دليل الفالحين
وَبَيْنَا صَبِيِّ يَرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ
وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذَا، فَتَرَكَ
النَّدْيَ وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْبِهِ فَجَعَلَ
كان يمكنه تخفيف صلاته وإجابتها، لكن لعله خشي أن تدعوه إلى مفارقة صومعته والعود
إلى الدنيا وتعلقاتها، ونظر فيه الحافظ في الفتح بما تقدم من أنها كانت تأتيه فيكلمها،
والظاهر أنها كانت تشتاق إليه فتزوره وتقنع برؤيته وتكليمه، وكأنه إنما لم يخفف ويجبها؛
لأنه خشي أن ينقطع خشوعه، وتقدم حديث يزيد بن حوشب عن أبيه مرفوعاً: ((لو كان جريج
فقيهاً لعلم أن إجابة أمه أولى من عبادة ربه)). أخرجه الحسن بن سفيان، وهذا إذا احتمل
إطلاقه، استفيد منه جواز قطع الصلاة مطلقاً لإجابة نداء الأم، فرضاً كانت أو نفلاً، وهو وجه
في مذهب الشافعي، حكاه الروياني، والأصح عند الشافعية أن الصلاة إن كانت نفلاً، وعلم
تأذي الوالد بالترك، وجبت الإِجابة، وإن كانت فرضاً وضاق الوقت، لم تجب الإِجابة، وإن
لم يضق وجب عند إمام الحرمين، وخالفه غيره؛ لأنها تلزم بالشروع، وعند المالكية أن
إجابة الوالد أفضل من التمادي، وحكى القاضي أبو الوليد أن ذلك يختص بالأم دون الأب،
وعند ابن أبي شيبة مرسل عن محمد بن المنكدر ما يشهد له، وقال به مكحول، وقيل: أنه
لم يقل به من السلف غيره، وفي الحديث أيضاً: عظم بر الوالدين، وإجابة دعائهما ولو كان
الولد معذوراً، لكن يختلف الحال في ذلك بحسب المقاصد، وفيه الرفق بالتابع؛ لأن أم
جريج مع غضبها منه لم تدع عليه إلا بما دعت به خاصة، ولولا طلبها الرفق به لدعت عليه
بوقوع الفاحشة أو القتل، وفيه أن صاحب الصدق مع الله لا تضره الفتن، وفيه قوة يقين
جريج وصحة رجائه بنطق ما استنطقه، وفيه أن الله يجعل لأوليائه مخارج عند ابتلائهم،
وإنما يتأخر ذلك عن بعضهم في بعض الأوقات تهذيباً وزيادة في الثواب، وفيه إثبات
كرامات الأولياء، ووقوع الكرامة لهم باختيارهم وطلبهم، وفيه أن الوضوء لا يختص بهذه
الأمة خلافاً لمن زعم ذلك، وإنما الذي يختص بها الغرة والتحجيل في الآخرة اهـ. ملخصاً
من الفتح. (وبينا) أصله بين فأشبعت الفتحة، فتولدت الألف وكفت عن إضافته للمفرد،
وأضيف للجمل. (صبي يرضع من أمه) قال الحافظ: لم أقف على اسم الصبي، ولا على
اسم أمه، ولا على اسم أحد ممن ذكر في القصة المذكورة. (فمر رجل) في رواية خلاس
عن أبي هريرة عند أحمد: فارس متكبر، (راكب على دابة فارهة وشارة) بفتح الراء،
وسيأتي ضبطها وضبط الفارهة، ومعناهما في الأصل (حسنة) أي: منظر أبهى وملبس سني .
(فقالت أمه اللهم اجعل ابني مثل هذا فترك الثدي) بفتح المثلثة وسكون الدال المهملة

٧١
٣٢ - باب في فضل ضعفة المسلمين
يَرْتَضِعُ (فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلى رَسُولِ اللّهِ وَهِ وَهُوَ يَحْكِي ارْتِضَاعَهُ بِأَصْبُعِهِ السَّبَابَةِ في
فِيهَ، فَجَعَلَ يَمُصُّهَا)، ثُمَّ قَالَ: وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَها وَيَقُولُونَ زَنَّيْتِ سَرَقْتِ،
وَهِيَ تَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَها!،
فَتَرَكَ الرَّضَاعَ وَنَظَرَ إِلَيْها، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِ مِثْلَهَا!، فَهُنَالِكَ تَرَاجَعا الْحَدِيثَ،
وتخفيف الياء، قال في الصحاح: يذكر ويؤنث، وهي للمرأة والرجل أيضاً، والجمع أثد
وثدي على فعول، وثدي أيضاً بكسر المثلثة اتباعاً لما بعدها من الكسراهـ. وفي التهذيب
للمصنف مثله، ثم نقل عن ابن فارس اختصاص الثدي بالمرأة، ويقال لذلك من الرجل
تندوة، بفتح التاء بلا همز، وتندؤة بالضم والهمز، فأشار إلى تخصيصه، وقد ثبت في
الحديث الصحيح أن رجلاً وضع ذباب سيفه بين ثدييه اهـ. (وأقبل إليه ونظر إليه) أي :
معتبراً لحاله بالسر الذي ألهمه الله إياه. (قال: اللهم لا تجعلني مثله) أي: في الجبروت
والتكبر وإن كان حسناً في المنظر فلا مدار على حسن الصورة، بل على نور الباطن وأنوار
السريرة. (ثم أقبل على ثديه) يرضعه (فجعل يرتضع ومروا) وفي باب بدء الخلق من
البخاري: ومر بالمبني للمجهول (بجارية وهم يضربونها) وعند البخاري: بأمة، وعند
أحمد: تضرب، قال الحافظ: وقع في رواية خلاس أنها كانت حبشية، أو زنجية، وفي رواية
الأعرج عن أبي هريرة عند البخاري يجرر، أي: بجيم مفتوحة وتشديد الراء الأولى، ويلعب
بها، وهو معنى قوله في رواية البخاري ((فجروها حتى ألقوها)) (ويقولون زنيت سرقت) بكسر
التاء فيهما للواحدة المخاطبة (وهي تقول حسبي الله) أي: بحسبي، أي: كافي (و) هو (نعم
الوكيل) وتقدم بسط فيها أوائل الكتاب، اكتفت بهذا الذكر عن تبرئتها لنفسها ونفي ما رموها
به من الزنا والسرقة، علماً بأن من اعتمد على مولاه كفاه ما أهمه من أمر دنياه وأخراه، قال
تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾(١) وتقدم في باب اليقين والتوكل عن ابن عباس
حديث آخر، ما قال إبراهيم حين ألقي في النار ((حسبي الله ونعم الوكيل)) (فقالت أمه) لقصر
نظرها على الظاهر (اللهم لا تجعل ابني مثلها) أي: في كونه حقيراً يضرب لفعل السوء،
(فترك) الابن (الرضاع ونظر إليها) فألهمه الله أنها بريئة مما رميت به، ومظلومة فيما يفعل
بها. (فقال: اللهم اجعلني مثلها) أي: في البراءة من مزاولة المعاصي والوقوع فيها، لا
مثلها في الاتهام بما لم أفعل؛ لأنه من باب تمني البلاء، وهو منهي عنه كما في خبر: ((لا
تمنوا لقاء العدو)) الحديث (فهنالك) أي: في ذلك الحال (تراجعا الحديث) أي: سألته عن
(١) سورة الطلاق، الآية: ٣.

٧٢
كتاب: دليل الفالحين
فَقَالَتْ: مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ، فَقُلْتُ اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَقُلْتَ اللَّهُمَّ
لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَمَرُّوا بِهَذِهِ الأَمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولونَ: زَنَّيْتِ سَرَقْتِ، فَقُلْتُ:
اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَها، فَقُلْتَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَها، قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كَانَ
جَبَّاراً، فَقُلْتُ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ زَنَيْتِ وَلَمْ تَزْنٍ، وَسَرَقْتٍ
وَلَمْ تَسْرُقْ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَها)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. ((الْمُومِساتُ)) بِضَمُّ الميمِ
سبب مخالفته لها (فقالت) مخاطبة له لما صدر منه من المعارضة والمخالفة لها، (مررجل
حسن الهيئة) هو بمعنى قوله في الرواية السابقة، راكب دابة فارهة وشارة حسنة (فقلت اللهم
اجعل ابني مثله) حسن المنظر، جميل الهيئة. (فقلت) بفتح التاء، ضمير المخاطب (اللهم
لا تجعلني مثله ومروا بهذه الأمة) لعلها كانت بالقرب لم تبعد حال كلامها معه، وإن كانت
قد ذهبت فالإِتيان باسم الإِشارة الموضوع للقريب، لقرب القصة بالنسبة لما قبلها. (وهم
يضربونها ويقولون زنيت سرقت فقلت اللهم لا تجعل ابني مثلها فقلت اللهم اجعلني مثلها)
فأجابها ببيان سبب ذلك (قال) وهو استئناف بياني كأنه قيل: ماذا قال الصبي عند قول أمه
له، ما ذكر؟ فقال: قال: (إن ذلك الرجل كان جباراً) وفي رواية أحمد ((ياماه أما الراكب ذو
الشارة فجبار من الجبابرة))، وفي رواية الأعرج ((فكأنه كافر)) في مختصر القاموس:
((الجبار الله تعالى)) وكل عات وقلب لا تدخله الرحمة، والقتال في غير حق، والعظيم القوي
الطويل جباراهـ. وظاهر أنه محتمل هنا لكل المعاني الأخيرة؛ لاحتمال أنه موصوف بكل
منها. (فقلت اللهم لا تجعلني مثله) في الجبروت؛ فإنه سبب للقصم والهلاك في الدين
(وإن هذه) أي: الأمة الحاضرة، أو التي في معنى الحاضرة لقرب قصتها (يقولون) أي: لها
(زنيت و) هي (لم تزن) فهي في محل الحال على تقدير المبتدأ، أو معترضة بين
المتعاطفين لتبرئتها مما رميت به. (و) يقولون (سرقت) بكسر الفوقية فيه وفيما قبله، (ولم
تسرق) ويجوز كونها معترضة أيضاً إن جوز وقوع الجملة المعترضة في آخر الكلام، كما
أشار إليه القاضي البيضاوي في التفسير، في نظيره (فقلت اللهم اجعلني مثلها) أي: في
السلامة من الذنب، والبراءة من وصمته، قال الحافظ في الفتح، في الحديث أن نفوس أهل
الدنيا تقف مع الخيال الظاهر فتعاف سوء الحال، بخلاف أهل التحقيق، فوقوفهم مع
الحقيقة في الباطن، فلا يبالون بذلك مع حسن السريرة، كما قال تعالى حكاية عن أصحاب
قارون حيث خرج عليهم قالوا ﴿يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ... وقال الذين أوتوا العلم
ويلكم ثواب الله خير﴾(١) وفيه أن البشر طبعوا على إيثار الأولاد على النفس بالخير؛ لطلب
(١) سورة القصص، الآيتان: ٧٩، ٨٠.

٧٣
٣٢ - باب في فضل ضعفة المسلمين
الأولى وإِسْكانِ الْواوِ وَكَسْرِ المِيمِ الثَّانِيَةِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَهُنَّ: الزَّواني.
وَالْمُومِسَةُ: الزَّانِيَةُ. وَقَوْلُهُ: ((دَابَّةٍ فَارِهَةٍ)) بِالفَاءِ: أَيْ حَاذِقَةٍ نَفِيسَةٍ. ((وَالشَّارَةُ)) بِالشِّينِ
الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ: وَهِيَ الْجَمالُ الظَّاهِرُ في الْهَيْئَةِ وَالْمَلْبَسِ. وَمَعْنَى ((تَرَاجَعَا
الْحَدِيثَ)) أَيْ حَدِيثَ الصَّبِيَّ وَحَدِيثَها،
المرأة الخير لابنها، ودفع الشر عنه، ولم تذكر نفسها. (متفق عليه) قال الحافظ في باب بدء
الخلق من فتح الباري: حديث أبي هريرة عن جرير ورواه عنه محمد بن سيرين كما هنا،
وفي باب المظالم، ورواه عنه الأعرج، كما في أواخر الصلاة، وأبو رافع عند مسلم وأحمد
وأبو سلمة، وهو عند أحمد، ورواه عن النبي ◌َّ مع أبي هريرة عمران بن حصين اهـ. قال
الحافظ المزي في الأطراف: أخرجه مسلم في الاستئذان عن شيبان ابن فروخ، عن
سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن ثابت البناني، عن أبي رافع، عن أبي هريرة،
وتعقبه الحافظ في النكت الظراف بأنه لم يخرجه في الاستئذان، إنما هو في البر والصلة،
وقد اعترض مغلطاً، أي: على المزي فقال: عزا هذا ظناً للاستئذان، وعزي حديث مسلم
من رواية جرير بن حازم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، للأدب والواقع أنهما في
مسلم في موضع واحد، يعني إن كان الاستئذان من جملة الأدب فينبغي أن يقول فيهما: أما
الاستئذان وأما الأدب، وكتاب الأدب قبيل كتاب البر والصلة، وبينهما الرؤيا ثم المناقب،
فإن كان الذي يعبر عن الصلة والبر بالأدب، فكان ينبغي أن يقول الأدب اهـ. (المومسات
بضم الميم الأولى وإسكان الواو وكسر الميم الثانية وبالسين المهملة وهن الزواني) ويجمع
في التكسير على مواميس (والمومسة الزانية) وفي الصحاح: المومسة الفاجرة، وهو أعم من
قوله هنا الزانية، إلا أن يكون مراداً منه ذلك. (وقوله: دابة) بالجر على الحكاية، وإن كانت
لكونها في غير الاستفهام شاذة، ويجوز الرفع وهو أولى (فارهة بالفاء) والراء والهاء وبعدها
تاء التأنيث. (أي: حاذقة نفيسة) وفي الصحاح: الفاره الحاذق بالشيء اهـ. وكان أخذ
الفاسة من مقام المدح، وأنه لازم الحذف عادة. (والشارة بالشين المعجمة وتخفيف الراء
وهي الجمال الظاهر في الهيئة والملبس) زاد في فتح الباري: حتى يتعجب منه، وعليه
فيقدر في الحديث مضاف، أي: وذو شارة حسنة، وقد جاء في رواية البخاري: ((إذ مر بها
راكب ذو شارة)) قال في الفتح: أي صاحب جيش اهـ. وعليه فيكون من حذف الجار وإبقاء
عمله، أي: وفي شارة حسنة، ووصفها عليه بالمؤنث باعتبار لفظ شارة (ومعنى تراجعا
الحديث) أي: تراجع الصبي وأمه (حديث الصبي وحديثها) الأنسب تقديم حديثها على
حديثه، وكان تأخيره لشرف الذكر (والله أعلم).

٧٤
كتاب: دليل الفالحين
واللّهُ أَعْلَم (١).
٢٨
٣٣ - باب: في ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين والمنكسرين
والإِحسان إليهم والشفقة عليهم والتواضع
معهم وخفض الجناح لهم
ريز
باب ملاطفة اليتيم
هو صغير لا أب له، قال ابن السكيت: اليتيم في الناس من قبل الأب، وفي البهائم
من قبل الأم، قال ابن خالويه: وفي الطير بفقدهما؛ لأنهما يحضننه ويزقانه، قال شيخ
الإِسلام زكريا في شرح التنقيح بعد نقله وتعليله: لا يأتي في جميع الطيور ا هـ. (والبنات)
أي: بنات الإِنسان نفسه، ومثلهن فيما ذكر بنات غيره، والتنصيص عليهن لأن بعض الناس
يضجر منهن ويقسو عليهن، والبنات جمع مؤنث سالم واحده بنت، والتاء التي في المفرد
حذفت كالتاء التي في مسلمة، فهي غير التي في مسلمات، فلذا نصب بالكسرة، قال
تعالى: ﴿اصطفى البنات﴾(٢) (وسائر الضعفة) من العبيد والإِماء (والمساكين) أي:
المحتاجين فالمراد منه ما يشمل الفقراء، قال الشافعي رضي الله عنه: الفقير والمسكين إذا
اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، ثم المسكين مفعيل من السكون، قال القرطبي: وكأنه
من قله سكنت حركاته، قال تعالى: ﴿أو مسكيناً ذا متربة﴾(٣) أي: لاصقاً بالتراب
(والمنكسرين) أي: لطارق حل بهم (والإِحسان إليهم) ببذل الندى، أو دفع الأذى، أو كلمة
طيبة، كأمر بمعروف أو نهي عن منكر، أو دعاء لهم، قال تعالى: ﴿وأحسنوا إن الله يحب
المحسنين﴾(٤) (والشفقة) أي: الحنو (عليهم) والرحمة لهم، قال تعالى في وصف
نبيه صل: ﴿وكان بالمؤمنين رحيماً﴾(٥) وعلامة ذلك النصح لهم، وأن يحب لهم ما يحب
لنفسه من وجوه الخير. (والتواضع) قال الجنيد: هو خفض الجناح، ولين الجانب (معهم
وخفض الجناح لهم) هو عطف تفسيري إن عطف على التواضع، وإن عطف على
الملاطفة، فمن عطف الخاص على العام، وخفض الجناح كناية عن التواضع، قاله أبو
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء، باب: ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾ ... (٣٤٤/٦، ٣٤٨).
وأخرجه مسلم في كتاب: البروالصلة والآداب، باب: تقديم برّ الوالدين ... (الحديث: ٨).
(٢) سورة الصافات، الآية: ١٥٣.
(٣) سورة البلد، الآية: ١٦.
(٤) سورة البقرة، الآية: ١٩٥.
(٥) سورة الأحزاب، الآية: ٤٣.

٣٣ - باب: في ملاطفة اليتيم
٧٥
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
وَقَالَ تَعَالَى(٢): ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ
وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
وَقَالَ تَعَالَى(٣): ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ﴾.
وَقَالَ تَعَالَى(٤): ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُ الْيَتِيمَ *
حيان في النهر. (قال الله تعالى) مخاطباً لنبيه وص له، ومحرضاً له على مكارم الأخلاق
ومحاسنها (واخفض جناحك للمؤمنين) أي: لين جانبك لهم، مستعار من خفض الطائر
جناحه إذا أراد أن ينحط. (وقال تعالى: واصبر نفسك) أي: احبسها (مع الذين يدعون
ربهم بالغداة والعشي) أي: يعبدونه في سائر الأوقات، فهما كناية عن الزمان الدائم، ولا
يراد بهما خصوص زمانهما، أو خص الزمان بالذكر لغلبة الشغل فيهما، فإذا لم يغفلوا فيهما
مع ذلك، فإن لا يغفلوا في غيرهما أولى. (يريدون وجهه) أي: ذاته، جملة في محل الحال
من فاعل يدعون. (ولا تعد عيناك عنهم) أي: لا تجاوزهم ناظراً إلى غيرهم من ذوي
الهيئات من رؤساء قريش، (تريد زينة الحياة الدنيا) جملة في محل الحال من الضمير
المجرور، وجاز مجيئها منه؛ لأن المضاف بعضه، وتقدم بيان سبب نزول الآية، وبعض ما
يتعلق بها في الباب السابق، وسيأتي فيها فوائد في حديث سعد. (وقال تعالى فأما اليتيم فلا
تقهر) قال أبو حيان: أي: لا تحقره، وكأنه تفسير باللازم إذ يلزم منها قهره على ماله وغيره،
قال البيضاوي: أي: لا تغلبه على ماله لضعفه، وقرىء: فلا تكبر، أي: لا تعبس في
وجهه. (وأما السائل) ظاهره المستعطي (فلا تنهر) أي: لا تزجر، لكن أعطه أو ردّه رداً
جميلاً. (وقال تعالى: أرأيت) استفهام معناه التعجب، كذا قال البيضاوي: وقال أبو حيان:
الظاهر أن أرأيت هنا بمعنى: أخبرني، فيتعدى لمفعولين، أحدهما: الذمي والآخر:
محذوف، أي: أليس مستحقاً للعذاب اهـ. (الذي يكذب بالدين) بالجزاء، أو الإِسلام،
والذي يحتمل الجنس والعهد، ويؤيد الثاني قوله: (فذلك الذي يدع اليتيم) أي: يدفعه دفعاً
عنيفاً، وهو أبو جهل، كان وصياً ليتيم فجاءه عرياناً يسأله من مال نفسه فدفعه، أو أبو
سفيان، نحر جزوراً فسأله يتيم لحماً فقرعه بعصاه، أو الوليد بن المغيرة، أو منافق بخيل،
(١) سورة الحجر، الآية: ٨٨.
(٢) سورة الكهف، الآية: ٢٨
(٣) سورة الضحى، الآيتان: ٩، ١٠.
(٤) سورة الماعون، الآيات: ١، ٣،٢.

٧٦
كتاب: دليل الفالحين
وَلَ يَخُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾.
٢٦١ - وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ وَه ◌ِنَّةَ
نَفَرٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكونَ لِلنَّبِيِّ ◌َ: أَطْرُدْ هَؤلاءِ لَ يَجْتَرِثُونَ عَلَيْنَا وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ
وقرىء (يدع) أي: يتركه (ولا يحض) أهله وغيرهم (على طعام المسكين) أي: لا يفعل
ذلك بنفسه، ولا يحرض عليه غيره؛ لعدم اعتقاده بالجزاء، وفي إضافة الإِطعام إلى
المسكين دليل على أنه مستحقه، ولما ذكر أولاً عموم الكفر وهو التكذيب، ذكر ما يترتب
عليه من الإِيذاء والمنع من النفع، وذلك بالنسبة إلى الخلق، ثم ذكر ما يترتب عليه من
الخالق بقوله: ﴿فويل للمصلين﴾(١) إلى آخر السورة.
٢٦١ - (وعن سعد بن أبي وقاص) مالك القرشي الزهري، تقدمت ترجمته (رضي الله عنه)
في باب الإِخلاص (قال: كنا مع النبي ◌َّمِ ستة نفر) إما أن يكون خبراً ومع حال منه، أي:
مصاحبين له *، أو بالعكس، والنفر بالتحريك: عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة، قاله في
الصحاح، وفيه أيضاً: والرهط ما دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة اهـ. (فقال
المشركون) أي: أشرافهم، فقيل: هو أمية بن خلف الجمحي ومن تابعه، ففي أسباب
النزول للواحدي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾(٢)
قال: نزلت في أمية بن خلف الجمحي، وذلك أنه دعا رسول الله وَلخير إلى أمر كرهه من طرد
الفقراء عنه، وتقريب صناديد أهل مكة، فأنزل الله: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا﴾(٢)
وفيه أيضا عن سليمان الفارسي قال: ((جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله وَّل عيينة بن
حصن والأقرع بن حابس وذووهم فقالوا يا رسول الله إنك لو جلست في صدر المجلس
ونحيت عنا هؤلاء وأرواح(٣) جبابهم يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين وكانت عليهم
جباب الصوف لم يكن عليهم غيرها جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك فأنزل الله تعالى :
﴿واتل ما أوحي إليك﴾ (٤) إلى قوله: ﴿إنا أعتدنا للظالمين﴾(٥)) ... الحديث أورد ذلك عم
والدي الشيخ العلامة الجليل الشيخ أحمد بن محمد علان الصديقي البكري في كتابه الذي
جعله في علوم القرآن وغيرها، وسماه مجموعة العلوم، وأودعها مائة وسبعين علماً، ومن
خطه نقلت، وأما العم فهو العارف بالله تعالى الشيخ العلامة أحمد بن إبراهيم بن محمد بن
علان الصديقي النقشبندي، رحم الله الجميع ونفع بهم، وأمدني بمددهم آمين، فتحصل
(١) سورة الماعون، الآية: ٤.
(٢) سورة الكهف، الآية: ٢٨.
(٣) جمع ريح .
(٤) سورة الكهف، الآية: ٢٧ .
(٥) سورة الكهف، الآية: ٢٩.

٧٧
٣٣ - باب: في ملاطفة اليتيم
مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلالٌ وَرَجُلَانٍ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ
رَسُولِ اللَّهِ،وَهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ: فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (١): ﴿وَلاَ تَطْرُدِ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدونَ وَجْهَهُ﴾
منه أن بعض المشركين قال: (للنبي يقر اطرد هؤلاء) أي: الستة المذكورين وكان ذلك أنفة
منهم من مجالستهم لاستصغارهم واستقذارهم، لاحتقارهم لهم لفقرهم وخمولهم في
الدنيا، ونسب القول في الحديث للكل، لرضاهم به. (لا يجترؤون) أي: لئلا يحصل منهم
الجرأة (علينا) فنعير بذلك، ثم بين النفر الستة بقوله: (وكنت أنا وابن مسعود) الهدبي
(ورجل من هذيل) لم أر من سماه من شراح صحيح مسلم (وبلال) مولى أبي بكر (ورجلان
لست أسميهما) كأنه يعني أبا بكر وعلياً رضي الله عنهما، ولعل وجه إبهامه لهما، استبعاد
القوم طلب أشراف الكفار لطردهما، فإنهما كانا من أعيان قريش ومشاهيرهم، ولعل طلب
طردهما إن كان، فلمخالفتهما لهم في الإِسلام، فأرادوا بذلك التعريض إلى حقارتهم، ولا
يطفىء أنوار الله أفراد أعدائه. (فوقع في نفس رسول الله وَير ما شاء الله أن يقع) أي: من
طرد أولئك عنه لما علم من كمال نفسهم ومخالطة الإِيمان لبشاشة قلوبهم، فلا يفارقه
أحدهم لما نزل، وتقريب المشركين طمعاً في إسلامهم وإسلام قومهم نظير إعطائه النسيء
لجمع من المؤلفة تألفاً له، ومنع ذلك عن بعض محتاجي المؤمنين اكتفاء بما وقر في قلبه من
نور الإِيمان المغني عن التألف، ورأى النبي ◌َّر أن ذلك لا يفوت أصحابه شيئاً، ولا ينقص
لهم قدراً (فحدث نفسه) أي: بذلك قال القرطبي في المفهم وفي بعض كتب التفسير: إنهم
لما عرضوا ذلك على النبي ◌َ ◌ّ أبى، فقالوا له: اجعل لنا يوماً ولهم يوماً، وطلبوا أن يكتب
لهم بذلك، فهم النبي هي ﴿ بذلك ودعا علياً ليكتب، فقام الفقراء وجلسوا ناحية (فأنزل الله
ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) فنهاه عما هم به من الطرد، لا
أنه وقع الطرد، ووصف أولئك بأحسن أوصافهم، وأمره بأن يصبر نفسه معهم بقوله: ﴿واصبر
نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾(٢) فكان رسول الله وَّ إذا رآهم بعد ذلك
يقول: مرحباً بالذين عاتبني الله فيهم، وإذا جالسهم لم يقم عنهم حتى يكونوا هم الذين
يبدأون بالقيام، وقوله: ﴿يدعون ربهم بالغداة﴾(٣) بطلب التوفيق والتيسير، وبالعشي بطلب
العفو عن التقصير، وقيل: معناه يذكرون الله من بعد صلاة الفجر وصلاة العصر، وقيل:
يصلون الصبح والعصر، وقال ابن عباس: يصلون صلاة الخمس، وقال يحيى بن أبي
(١) سورة الأنعام، الآية: ٥٢.
(٢) سورة الكهف، الآية: ٢٨.
(٣) سورة الكهف، الآية: ٢٨.

٧٨
كتاب: دليل الفالحين
رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
٢٦٢ - وَعَنْ أَبِي هُبَيْرَةَ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلالٍ فِي نَفَرٍ فَقَالُوا:
كثير: هي مجالس الفقهاء بالغداة والعشي، وقيل: يعني به دوام أعمالهم وعبادتهم، وخص
طرفي النهار؛ لما تقدم من أنهما وقتا عمل وشغل، فإذا لم يلهوا فيهما ففي غيرهما أولى،
وقوله يريدون وجهه، أي: يخلصون في عبادتهم وعملهم لله تعالى، ويتوجهون إليه بذلك لا
لغيره، ويصح أن يقال: يقصدون بذلك رؤية وجهه الكريم، أي: ذاته المقدسة عن صفات
المخلوقين (رواه مسلم) في الفضائل من صحيحه، ورواه النسائي في المناقب، ورواه ابن
ماجه في الزهد بنحوه، ومداره عندهم على سريج بن هانىء بن يزيد بن نهيك الكوفي، عن
سعد كما في الأطراف للحافظ المزي .
٢٦٢ - (وعن أبي هبيرة) بضم الهاء وفتح الموحدة وسكون التحتية بعدها راء ثم هاء.
(عائذ) بالعين المهملة وبعد الألف همزة فذال معجمة. (ابن عمرو) بن هلال، بن
عبيد، بن يزيد، بن رواحة، بن رايبية، بن عدي، بن عامر، بن ثعلبة، بن ثور، بن
هدمة، بن لاطم، بن عثمان، بن عمرو بن أد، بن طابخة، بن مضر (المزني) بضم الميم
وفتح الزاي وبعدها نون، نسبة إلى مزينة أم عثمان وأخيه أوس ابني عمرو، قاله في أسد
الغابة. (وهو من أهل بيعة الرضوان) أي: من الذين بايعوا النبي ◌َّر بالحديبية تحت
الشجرة على أن لا يفروا، وفي رواية على الموت، وكانوا ألفاً وأربعمائة، وفي رواية
وخمسمائة، وجمع بينهما بأن المائة المزيدة، لعلهم أتباع أولئك، فأنزل الله تعالى: ﴿لقد
رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾(٢) فسميت بيعة الرضوان؛ لأنها سبب
ذلك، تقدمت ترجمته. (رضي الله عنه) في باب الأمر بالمعروف. (أن أبا سفيان) صخر بن
حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. (أتى على سلمان) بسكون اللام، وهو
الفارسي، في السنة الأولى من الهجرة (وصهيب) بن سنان الرومي (وبلال) مولى الصديق
(في نفر) من نفر الصحابة، وكان إتيانه وهو كافر في الهدنة بعد صلح الحديبية، (فقالوا ما
أخذت سيوف الله من عدو الله) يعنون أبا سفيان، (مأخذها) أي: أنه لم تعمل فيه سيوف
(١) أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه،
(الحديث: ٤٦).
(٢) سورة الفتح، الآية: ١٨.

٧٩
٣٣ - باب: في ملاطفة اليتيم
مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عَدُوِّ اللَّهِ مَأْخَذَها، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَتَقُولونَ
هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ؟! فَأَتَى النَّبِيِّ رَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرِ لَعَلَّكَ
أَغْضَبْتَهُمْ؟ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ. فَأَتَاهُمْ فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهُ؟
آَغَضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لاَ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ
المسلمين، (فقال أبو بكر) الصديق (رضي الله عنه) تألفاً لأبي سفيان وتعظيماً، ليسكن
الإِيمان في قلبه، ويميل إلى المؤمنين وتوادهم (أتقولون هذا) أي: القول، فهو مفعول
مطلق. (لشيخ قريش وسيدهم) فإنه كان عقيدهم في الحروب، وإليه مرجعهم فيها، لكونه
كان أكبر بني عبد مناف حينئذ (فأتى) الصديق (النبي ◌ّ فأخبره) بما وقع من أولئك، ومنه
في جوابهم (فقال يا أبا بكر لعلك أغضبتهم) أي: زجرتهم، أو أسأت إليهم فتسبب عن ذلك
غضبهم، ثم بين ما يترتب على غضبهم، مؤكداً بالقسم المقدر المؤذن به اللام في قوله :
(لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك)؛ لأنهم أولياؤه، وفي الحديث القدسي : ((ومن عادى
لي ولياً فقد آذنته بالحرب)» وفي التعبير بربك المؤذن إلى أنه رباه بنعمه، ونقله من حالة إلى
حالة أكمل منها بفضله وكرمه، وذلك مستلزم للمحبة، فقد جبل الإِنسان على حب
الإِحسان، ومن أحب شيئاً أحب ما يتعلق به ويرجع إليه، وهؤلاء لكونهم جنده وحزبه
محبوبون له، فمن أغضبهم فقد غفل عن ذلك وتعرض لغضب الباري سبحانه وتعالى،
الإِيماء إلى طلب محبة أوليائه المؤمنين والتلطف بهم، وهذا الحديث فيه دلالة على عظم
رتبة المذكورين فيه عند الله تعالى، وفيه احترام الصالحين واتقاء ما يؤذيهم أو يغضبهم،
(فأتاهم فقال يا إخوتاه) يا فيه للنداء للاستغاثة بهم، وإذا استغيث بالاسم المنادى ولم تدخل
عليه لام الجر ((كيا لزيد)) فالأكثر أن يتصل بآخره ألف كقوله:
يا يزيد الأمل نيل عز وغنى بعد فاقة وهوان
ولك إذا وقفت حينئذ أن تأتي بهاء السكت، كذا في التوضيح وغيره، وحينئذ فلعل
الصديق وقف على هذا المنادى، فلذا أتى فيه بالهاء، أو أنه أتى بها على لغة من يلحقها
لغير المندوب، وهي لغة قليلة حكاها ابن السيد في شرح الجمل وغيره، (أغضبتكم) أي:
بما قلته من جهة أبي سفيان، (قالوا: لا) أي: لم يحصل لنا من ذلك غضب، وذلك لعلمهم
بأن الصديق لم يحتقرهم ولا قصد إيذاءهم، إنما أراد تألفه ليكثر سواد المسلمين بإيمانه
وإيمان تابعيه، وقوله: (يغفر الله لك) جملة دعائية مزيدة على الجواب، وفي اللطف
واللطائف للثعالبي: ((أن الصديق رضي الله عنه رأى في يد دلال متاعاً فقال: أتبعيه؟ فقال لا

٨٠
كتاب: دليل الفالحين
يَا أَخِي)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَوْلُهُ: ((مَأْخَذَهَا)) أَيْ لَمْ تَسْتَوْفِ حَقَّهَا مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: ((يَا أَخِي)
رُوِيَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وَكَسْرِ الخَاءِ وَتَخْفِيفِ الياءِ. وَرُوِيَ بِضَمِّ الهِمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الياءِ (١).
يرحمك الله، فقال له الصديق: قل لا ويرحمك الله لئلا يشتبه الدعاء لي بالدعاء على)) وقد
نقل مثله المصنف في شرح مسلم فقال: قال القاضي : وقد روي عن الصديق أنه نهى عن
مثل هذه الصيغة، وقال: قل وعافاك الله ولا تزد، أي: ولا تقل قبل الدعاء لا، فتصير صورته
صورة نفي الدعاء، وقال بعضهم: قل ويغفر الله لك اهـ. قال بعض الأدباء؛ وهي أحسن
من واو الأصداغ (يا أخي) وفي تعبيرهم بهذا اللفظ إيماء إلى سبب عدم تأثرهم من كلامه،
وحملهم له على أحسن المحامل؛ لأن هذا شأن الإِخوان وإن قل ذلك في الكثير من أبناء
الوقت والزمان، وبالله المستعان. (رواه مسلم) في الفضائل من صحيحه، والنسائي في
المناقب بنحوه. (فائدة) من فضائل سلمان قوله يلي: ((لو كان العلم بالثريا لناله سلمان))،
وفي رواية: ((لناله رجال من فارس)) وقوله وَّر: ((إن الله أمرني أن أحب أربعة وأخبرني أنه
بحبهم، علي وأبو ذر والمقداد وسلمان)) وقول علي رضي الله عنه: ((سلمان علم العلم الأول
والآخر بجر لا يترف هو منا أهل البيت)) وقوله أيضاً: ((سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم)).
ومن فضائل صهيب قوله وَّة: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحب صهيباً حب الوالدة
ولدها)). وقوله وَله: ((صهيب سابق الروم، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة))
اهـ. ملخصاً من المفهم للقرطبي. (قوله مأخذها) قال المصنف: ضبطوه بوجهين،
أحدهما مأخذها بالقصر وفتح الخاء المعجمة، والثاني بالمد وكسر الخاء، وكلاهما
صحيح. (أي لم تستوف حقها منه) تفسير لمجموع قولهم: إن سيوف الله الخ. (وقوله)
أي: القائل من النفر، واكتفى به لأن الظاهر من أخباره عن نفسه وباقي النفر. (يا أخي روي
بفتح الهمزة وكسر الخاء) أي: المعجمة (وتخفيف الياء وروي بضم الهمزة وفتح الخاء
وتشديد الياء) على صيغة التصغير، وهو تصغير تحبب وترفق وملاطفة، وما أحسن قول
الشاعر:
ما قلت حبيبي من التحقير
بل يعذب اسم الشخص في التصغير
ثم هذا الذي حكاه المصنف هنا من أنه روي بالوجهين، قد يخالفه قوله في شرح
مسلم، وأما قوله يا أخي، فضبطوه بضم الهمزة على صيغة التصغير.
(١) أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل سلمان، (الحديث: ١٧٠).