Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
٢٦ - باب: في تحريم الظلم
٢٠٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرِ
مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٢٠٨ - وَعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَهِ: ((إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي
٢٠٧ - (وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله (وَلافي قال: من ظلم قيد) بكسر القاف
وسكون التحتية وبالدال المهملة أي: قدر (شبر من أرض) وذكر الشبر إشارةً إلى استواء
القليل والكثير في الوعيد المدلول عليه بقوله: (طوقه) بالبناء للمجهول أي: طوقه الله (من
سبع أرضين) بفتح الراء، ويجوز إسكانها قال الخطابي: قوله: ((طوقه)) له وجهان: أحدهما
أن معناه كلف نقل ما ظلم منها في القيامة إلى المحشر، ويكون كالطوق في عنقه لا أنه طوق
حقيقة والثاني أن معناه: أنه يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين فيكون كل أرض في تلك
الحالة طوقاً في عنقه اهـ. قال الحافظ ابن حجر: ويؤيد الثاني رواية ابن عمر في البخاري
بلفظ: ((خسف به إلى سبع أرضين)). وقيل: معناه كالأول، لكن بعد أن ينقل جميعه يجعل
كله في عنقه طوقاً، ويعظم قدر عنقه حتى يسع ذلك كما ورد في غلظ جلد الكافر ونحو
ذلك. ويحتمل وهو الوجه الرابع أن المراد بقوله: ((طوقه)) أن يكلف أن يجعل له طوقاً، ولا
يستطيع ذلك فيعذب بذلك كما جاء في حق من كذب في منامه كلف أن يعقد بين شعيرتين.
ويحتمل وهو الوجه الخامس أن يكون التطويق تطويق الإِثم، والمراد أن الظلم المذكور لازمٌ
له في عنقه ومنه قوله تعالى: ﴿ألزمناه طائره في عنقه﴾(٢) وبالوجه الأول جزم أبو الفتح
القشيري وصححه البغوي، ويحتمل أن تتنوع هذه الصفات لصاحب هذه الجناية، أو تنقسم
أصحاب هذه الجناية فيعذب بعضهم بهذا وبعضهم بهذا بحسب قوة المفسدة وضعفها اهـ.
(متفق عليه) قال السيوطي في الجامع الصغير أخرجه الشيخان وابن ماجه عن عائشة وعن
سعيد بن زيد اهـ. وذكره المزي في الأطراف من حديث سعيد بن زيد، وقال: أخرجه
البخاري في المظالم، ولم يذكر مسلماً وابن ماجه فيمن خرجه والله أعلم.
٢٠٨ - (وعن أبي موسى) الأشعري (رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلير: إن الله يملي)
(١) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في سبع أرضين وفي المظالم، باب: إثم من ظلم
شيئاً من الأرض. (٧٦/٥).
وأخرجه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها (الحديث: ١٤٢).
(٢) سورة الإسراء، الآية: ١٣ .

٥٢٢
كتاب: دليل الفالحين
لِلظَالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ
ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾(١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٢٠٩ - وَعَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فَقَالَ: ((إنَّكَ تَأْتِي
قَوْماً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إلى شَهَادَةِ أَنْ لا إلَهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ
بضم التحتية أي: يمهل (للظالم) ولا يعاجله بالعقوبة (فإذا أخذه) أي: عاقبه بذنبه (لم يكد
يفلته) أي: لم يكد يخلصه أي: إذا أهلكه لا يرفع عنه الهلاك أبداً. أي: إن كان كافراً، فإن
حمل الظلم على أعم من الشرك حمل كل على ما يليق به. قال في الفتح: وهذا أولى من
قول بعضهم معنى ((لم يفلته)) لم يؤخره، لأنه يتبادر منه أن الظالم إذا صرف عن منصبه وأهين
لا يعود إلى غيره والمشاهد في بعضهم بخلاف ذلك، والأولى حمله على ما ذكرناه اهـ.
وقريب منه قولي الكرماني لم يفلته لم يخلصه لكثرة مظالمه، والنفي على التأييد إن كان منها
الكفر، وإن كان مؤمناً لم يخلصه مدة طويلة وفي رواية: ((لم يفلته)) بحذف يكد (ثم قرأ)
مستدلاً لذلك قوله تعالى: (وكذلك) أي: مثل الأخذ المذكور في الآي قبلها (أخذ ربك)
قال البيضاوي: وقرىء أخذ بالفعل، فيكون محل الكاف أي التي في قوله: ((وكذلك))
النصب على المصدر (إذا أخذ القرى) أي: أهلها (وهي ظالمة) حال من القرى. وهي في
الحقيقة لأهلها، لكنها لما أقيمت مقامه أجريت عليها. وفائدتها الإِشعار بأنهم أخذوا
لظلمهم، وإنذار كل ظالم لنفسه أو غيرها من وخامة الظلم (إن أخذه أليم شديد) موجع غير
مرجو الخلاص عنه، وهو مبالغة ومحمول على التهديد والتحذير، وأجراها المعتزلة على
ظاهرها في سائر العصاة (متفق عليه) ورواه الترمذي وابن ماجه.
٢٠٩ - (وعن معاذ) بضم الميم بعدها عين مهملة ثم ألف بعدها ذال معجمة ابن جبل
الأنصاري (رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله وَلي) أي: أميراً على اليمن، وذلك أواخر
سنة تسع عند منصرفه من تبوك رواه الواقدي. ولم يزل على اليمن أي: إن قدم في عهد عمر
فتوجه إلى الشام فمات بها في طاعون عمواس (فقال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب) يعني
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير/ هود/، باب: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى ... ﴾
(٢٦٧/٨).
وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم، (الحديث: ٦١).
(٢)) سورة هود، الآية: ١٠٢ .

٥٢٣
٢٦ - باب: في تحريم الظلم
هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ أَفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ
وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ أَفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةٌ تُؤْخَذُ مِنْ
به: اليهود والنصارى لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب وأغلب، وإنما نبهه على
هذا ليتهيأ لمناظرتهم ويعد الأدلة لإِفحامهم، لأنهم أهل علم سابق بخلاف المشركين وعبدة
الأوثان (فادعهم) أي: أولاً (إلى شهادة أن لا إله إلا الله و) إلى شهادة (أني رسول الله فإن همٍ
أطاعوك لذلك) أي: بالنطق بكلمتي التوحيد قال القرطبي: وهذا الذي أمر النبي وَّر به معاذاً
هو الدعوة قبل القتال التي كان يوصي بها النبي ◌َّ أمراءه، وقد اختلف في حكمها، وعلى
هذا ففي الحديث حجة لمن يقول: أول الواجبات التلفظ بكلمتي الشهادة مصدقاً بها، وقد
اختلف في أول الواجبات على أقوال كثيرة، والذي عليه أئمة الفتوى ومن بهم المقتدى
كمالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم من السلف أن أول الواجبات على كل مكلف الإِيمان
التصديقي الجزمي الذي لا ريب معه بالله ورسله وكتبه، وما جاءت به الرسل، كيفما حصل
ذلك الإِيمان وبأي طريق إليه يوصل. وأما النطق باللسان فمظهر لما استقر في القلب من
الإِيمان. وسبب ظاهر ترتب عليه أحكام الإِسلام، ولا حجة في الخبر لمن قال بعدم مخاطبة
الكفار بالفروع أخذاً من أمرهم بها(١) بعد إطاعتهم إلى النطق بالشهادتين، لأن ذلك يحتمل
أنه إنما قدم لكون الإِيمان شرطاً مصححاً للأعمال الفرعية لا للخطاب بالفروع، إذ لا يصح
فعلها إلا بتقدم وجوده، ويصح الخطاب بالإِيمان وبالفروع معاً في وقتٍ واحدٍ وإن كانت في
الوجود متعاقبة. قال القرطبي: وهذا الاحتمال أظهر مما تمسكوا به، ولو لم يكن أظهر فهو
مساوٍ له، فيكون ذلك الخطاب مجملاً بالنسبة إلى هذا الحكم. أو أن النبي و ◌َل﴿ إنما رتب
هذه القواعد ليبين الأهم فالأهم والله أعلم. اهـ. ملخصاً. (فأعلمهم أن الله قد افترض
عليهم خمس صلوات في) مجموع (كل يوم وليلة) وإن هنا وفيما بعد شرطية وهم فاعل
فعل محذوف وجوباً دل عليه ما بعده، فهو نظير: ﴿وإن أحدٌ من المشركين استجارك﴾(٢)
فالجواب: جملة فأعلمهم (فإن هم أطاعوك لذلك) بالإِقرار بالوجوب والعزم على فعلها
(فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة) أي: زكاة كما في رواية مسلم، وسميت صدقةً
لأنها تدل على صدق إيمان باذلها (تؤخذ من أغنيائهم) أي: من أموالهم. وعند مسلم:
((تؤخذ من أموالكم)). قال المصنف: ويستدل بلفظ، من أموالهم على أنه إذا امتنع من دفع
(١) قوله بها أي بالفروع وقوله إلى النطق متعلق بإطاعة. ع.
(٢) سورة التوبة، الآية: ٦.

٥٢٤
كتاب: دليل الفالحين
أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةً
الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ))
الزكاة أخذت من ماله بغير اختياره، وهذا الحكم لا خلاف فيه، ولكن هل تبرأ ذمته ويجزئه
في الباطن؟ وجهان لأصحابنا (فترد) وعند مسلم: ((وترد)) (على فقرائهم) واستدل به مالك
على أن الزكاة لا تجب قسمتها على الأصناف المذكورين في الآية، وأنه يجوز للإِمام صرفها
إلى صنف واحدٍ من الأصناف المذكورين في الآية إذا رآه نظراً ومصلحة دينية، قاله
القرطبي. قال ابن دقيق العيد: وفيه بحث لاحتمال أن يكون ذكر الفقراء لكونهم الغالب في
ذلك وللمطابقة بينهم وبين الأغنياء (فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم) منصوبٌ
بفعلٍ مضمرٍ لا يجوز إظهاره، قال ابن قتيبة: لا يجوز حذف الواو. والكرائم جمع كريمة
أي: نفيسة. ففيه ترك أخذ خيار المال، والنكتة فيه أن الزكاة لمواساة الفقراء فلا يناسب ذلك
الإِجحاف بمال الأغنياء إلا إن رضوا بذلك (واتق دعوة المظلوم) قال الحافظ ابن حجر:
أي: تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم وفيه التنبيه على المنع من جميع الظلم، والنكتة
في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم، الإِشارة إلى أن أخذها ظلم. وقال بعضهم: واتق
عطف على عامل إياك المحذوف وجوباً، فالتقدير: اتق نفسك أن تتعرض للكرائم. أو أشار
بالعطف إلى أن أخذ الكرائم ظلمٌ، ولكنه عمم إشارة إلى التحذير عن الظلم مطلقاً (فإنه)
قال القرطبي الرواية الصحيحة بضمير المذكر على أن يكون ضمير الأمر والشأن. ويحتمل
أنه يعود على مذكر الدعوة فإن الدعوة دعاءً. ووقع في بعض النسخ أي: من مسلم. ((فإنها))
بهاء التأنيث، وهو عائدٌ على لفظ الدعوة (ليس بينها وبين الله حجاب) أي: ليس لها صارف
يصرفها ولا مانعٌ. والمراد: أنها مقبولة وإن كان عاصياً كما جاء في حديث أبي هريرة عند
أحمد: ((دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجراً، ففجوره على نفسه)). وإسناده حسن.
وليس المراد أن الله حجاباً يحجبه عن الناس. قال الطيبي: فقوله: ((اتق دعوة المظلوم))
تذييل لاشتماله على الظلم الخاص من أخذ الكرائم، وعلى غيره. وقوله: فإنه تعليل للاتقاء
وتمثيلٌ للدعاء، كمن يقصد دار السلطان مظلوماً فلا يحجب. قال ابن العربي: إلا أنه وإن
كان مطلقاً فهو مقيدً بالحديث الآخر. إن الداعي على ثلاث مراتب: إما أن يعجل له ما
طلب، وإما أن يدخر له أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله. وهذا كما قيد مطلق
قوله تعالى: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه﴾(١) بقوله: ﴿فيكشف ما تدعون إليه إن
(١) سورة النمل، الآية: ٦٢.

٥٢٥
٢٦ - باب: في تحريم الظلم
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٢١٠ - وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
شاء﴾(٢).
((فائدة)»: لم يقع في الحديث ذكر الصوم والحج، مع أن بعث معاذ كان أواخر الأمر
كما تقدم. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني نقلاً عن شيخه شيخ الإِسلام يعني سراج الدين
البلقيني: إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منها بشيء كحديث ابن عمر:
((بني الإِسلام على خمس)) أما إذا كان في الدعاء إلى الإِسلام، اكتفى بالأركان الثلاثة:
الشهادة والصلاة والزكاة، ولو كان بعد وجوب فرض الصوم والحج كقوله تعالى: ﴿فإن تابوا
وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾(٣)، في الموضعين من ((براءة)) مع أن نزولها بعد فرض الصوم
والحج قطعاً. وكحديث ابن عمر: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله
ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة))، وغير ذلك من الأحاديث. قال: والحكمة في ذلك أن الأركان
الخمسة اعتقادي وهو الشهادة، وبدني وهو الصلاة، ومالي وهو الزكاة، فاقتصر في الدعاء
إلى الإِسلام عليها ليفرع الركنين الآخرين عليها، فإن الصوم بدني محض والحج بدني
مالي، وأيضاً فكلمة الإِسلام هي الأصل، وهي شاقةٌ على الكفار، والصلوات شاقةٌ
لتكررها، والزكاة شاقةٌ لما في جبلة الإِنسان من حب المال، فإذا أذعن لهذه الثلاثة كان ما
سواها أسهل عليه بالنسبة إليها اهـ. (متفق عليه) فأخرجه البخاري في كتاب الزكاة، وفي
التوحيد، وفي مواضع أخر من صحيحه بأسانيد. وأخرجه مسلم في كتاب الأيمان وأخرجه
أبو داود في كتاب الزكاة وأخرجه الترمذي في الزكاة بتمامه. وفي البر («دعوة المظلوم)) حسب
وقال: حسن صحيح. والنسائي وابن ماجه في الزكاة، كذا لخص من كتاب الأطراف
للمزي .
٢١٠ - (وعن أبي حميد) بضم الحاء المهملة وفتح الميم وسكون التحتية بعدها مهملة
(عبد الرحمن الساعدي رضي الله عنه) قال الذهبي في تجريد الصحابة: أبو حميد الساعدي
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة وغيرها والمغازي، باب: بعث أبي موسى ومعاذ
إلى اليمن والتوحيد: ماجاء في دعاء النبي وَلا أمته إلى توحيد الله (٢٨٣/٧، ٢٨٥).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (الحديث: ٢٩).
(٢)) سورة الأنعام، الآية: ٤١ .
(٣) سورة التوبة، الآية: ٥.

٥٢٦
كتاب: دليل الفالحين
اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ◌َ رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللُِّْيَّةِ عَلى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ:
هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إليَّ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ
قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ فَإِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَنِي اللَّهُ، فَيَأْتِي
فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِ، أَفَلاَ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِهِ أَوْ أُمِِّ حَتَّى تَأْتِيَهُ
هو عبد الرحمن بن عمرو بن سعد وقيل: المنذر بن سعد، زاد ابن الأثير بن مالك بن
خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج، زاد المصنف في التهذيب ابن ساعدة بن
كعب بن الخزرج. ويقال: ابن عمروبن سعد بن المنذر بن مالك يعد في أهل المدينة.
توفي آخر خلافة معاوية، روي له عن رسول الله وَ الر مائة وعشرون حديثاً اتفق الشيخان على
ثلاثة منها وانفرد البخاري بحديث ومسلم بآخر (قال: استعمل النبي ◌َّ رجلاً من الأزد) قال
الحازمي في عجالة المبتدي: والأزد اسمه داود ويقال: دراء بن الغوث بن مالك بن ردد بن
كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وإليه جماع الأنصار، وكان أنس بن مالك
يقول: إن لم نكن من الأزد فلسنا من الناس، وجاء في الحديث: ((الأزد جرثومة العرب))
وجاء ذكرهم في غير حديث والثناء عليهم عن أنس عن النبي ◌َّ: ((الأزد أسد الله في الأرض
يريد الناس أن يضعوهم ويأبى الله إلا أن يرفعهم، وليأتين على الناس زمان يقول الرجل يا
ليتني كان أبي أزدياً يا ليتني كانت أمي أزدية)). هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا
الوجه، ويقال فيه: الأسد بالسين المهملة بدل الزاي ا هـ ملخصاً. (يقال له: ابن اللتبية)
بضم اللام وإسكان المثناة الفوقية بعدها موحدة فتحتية مشددة. نسبة لبني لتب بطن من
الأسد قال المصنف في التهذيب: ويقال فيه: ابن اللتبية بفتح الفوقية وابن الأتبية بالهمزة
وإسكان التاء وليسا بصحيحين والصواب الأول واسم هذا الرجل عبد الله. كذا في التهذيب
وقال الذهبي في التجريد: يقال اسمه عبد الله (على الصدقة) أي: الزكاة (فلما قدم) بكسر
الدال (قال: هذا لكم) معشر المسلمين (وهذا أهدى) بالبناء للمجهول (إلي فقام
رسول الله ◌َي على المنبر) بكسر الميم وسكون النون وفتح الموحدة من النبر وهو الارتفاع
(فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد) بالبناء على الضم أي: بعد ما ذكر من الحمد والثناء
(فإني أستعمل الرجل منكم) أي: أجعله (على العمل مما) من العمل الذي (ولاني الله)
العائد ضمير المفعول محذوف أي: ولآنيه الله أي: جعل لي التصرف فيه من الزكوات
والغنائم (فيأتي) أي: من عمله (فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت لي) هذا الكلام المنكر
على العامل ولم يصرح باسم القائل لأن مراده التحذير من مثل ذلك، سواء فيه القائل أولاً،

٥٢٧
٢٦ - باب: في تحريم الظلم
هَدِيَّتُهُ إِنْ كَانَ صَادِقَاً، وَاللَّهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئاً بِغَيْرٍ حَقُّهِ إلَّ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالى
يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَ أَعْرِفَنَّ أَحَداً مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرَاً لَهُ رُغَاءُ أَوْ بَقْرَةً لَهَا
خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ،)) ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ هَلْ
وغيره وهذا من مزيد فضله وحسن خلقه (أفلا جلس في بيت أبيه أو) قال ابن حجر الهيثمي :
للشك أو للتنويع (بيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً) في قوله هذا أهدي إلي. إذ
ظاهره أنه أهدي له لذاته، وإنما أهدي إليه لولايته عليهم، ففيه كما قال العاقولي : تعبير له
وتحقير لشأنه وتعريض بأنه لولا هذه الولاية لكان فقيراً محتاجاً لا يلتفت إليه، فالهدية إليه
ليست لذاته بل لتوليته عليهم. وفي الحديث دليلٌ على حرمة هدايا العمال مطلقاً (والله) أتى
به تأكيداً للأمر (لا يأخذ أحد منكم) معاشر العمال على الأعمال (شيئاً) مما يعطاه وهو عامل
(بغير حق إلا لقي الله يحمله يوم القيامة) زاد في رواية في الصحيحين: ((على رقبته))، فإن
قلت الذي في الآية: ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم﴾(١) قلت: الظهور تشمل ما
هو قريب منها أو الآية في أوزار الكافرين، وهذا في أوزار المؤمنين أو ذاك في مطلق
الأوزار، وهذا في عامل الزكاة فقط تمييزاً لها لمزيد قبحها باعتبار أن فيها حقين، حقاً لله
تعالى وحقاً للآدمي (فلا أعرفن أحداً منكم لقي الله) حال كونه (يحمل بعيراً له رغاء) بضم
الراء وبعدها غين معجمة وبعدها ألف ممدودة. صوت الإِبل يقال: رغا يرغو (أو بقرة لها
خوار) بضم الخاء المعجمة وتخفيف الواو وآخره راء: صوت البقرة (أو شاة تيعر) بمثناة
فوقية فمثناة تحتية فعينٌ مهملةٌ مكسورةٌ ومفتوحة ومعناه: تصيح. ومصدره اليعار. وهو صوت
الشاة وحكمة تلك الأصوات من تلك المحمولات الزيادة في تحقيره وفضيحته (ثم رفع يديه
حتى) غاية لمحذوف أي: وبالغ في الرفع إلى أن (رأينا عفرة إبطيه) بضم العين المهملة
وفتحها والفاء ساكنة فيهما أي: بياضهما الذي ليس بالناصع بل فيه شيء كلون الأرض،
مأخوذ من عفرة الأرض وهو وجهها، وذلك في إبطيه إما باعتبار ما يرى من البعد أو لوجود
شعر بفرض أن ثم شعراً. وفي روايات غير هذا الحديث التعبير: ((ببياض إبطيه)) ولعله
باعتبار النظر إليهما من قرب مع عدم الشعر بهما، فلا تنافي بين الروايتين. قال الحافظ زين
الدين العراقي: والقول بأن من خصائصه الر عدم نبات الشعر بإبطيه لم يثبت ما يدل له
ورواية بياض إبطيه معارضة برواية عفرة إبطيه نعم. من خصائصه وم طر أن لا ريح لإِبطيه (ثم
(١) سورة الأنعام، الآية: ٣١.

٥٢٨
كتاب: دليل الفالحين
بَلَّغْتُ؟)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).
٢١١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ
مَظْلِمَةٌ لِخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينارٌ
وَلَ دِرْهَمٌ، إنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحْ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرٍ مَظْلِمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ
أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(٢).
قال:) بعد تمام الرفع إلى ما ذكر (اللهم هل بلغت متفق عليه) ورواه أبو داود في الخراج قاله
المزي في الأطراف.
٢١١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي يسار قال: من كانت عنده مظلمة) بفتح
الميم وضم اللام (لأخيه من عرضه) في محل الحال بيان لمظلمة (أو من شيء) من عطف
العام على الخاص، فتدخل فيه اللطمة ونحوها، وفي رواية الترمذي من عرض أو مال
والعرض كما في الصحاح: النفس. يقال: أكرمت عنه عرضي أي: صنت عنه نفسي.
وفلان نقي العرض أي: برىء من أن يشتم أو يعاب. وقد قيل: عرض الرجل حسبه اهـ.
وقال في التوشيح: العرض بالكسر موضع المدح والذم من الإِنسان سواء كان نفسه أو سلفه
(فليتحلله منه اليوم) أي: في الدنيا (من قبل ألا يكون) يوجد (دينار ولا درهم) أي: يوم
القيامة. قال العسقلاني: وثبت ذلك في رواية علي بن الجعد عن ابن أبي ذئب عن
الإسماعيلي (إن كان له) أي: لمن عنده المظلمة (عمل صالح أخذ) يحتمل أن يكون بالبناء
للفاعل أي: صاحب المظلمة، وأن يكون بالبناء للمفعول أي: أمر الله أن يؤخذ (منه بقدر
مظلمته وإن لم تكن له حسنات) مفهوم الجمع غير مراد أي: وإن لم تكن له حسنة، إذ من
له حسنة داخل في العمل الصالح فلا يكون من أفراد هذا القسم القسيم لذلك (أخذ) بالبناء
للمفعول (من سيئات صاحبه) أي: وهو صاحب المظلمة (فحمل عليه) أي: على الظالم
(رواه البخاري) قال الحافظ ابن حجر: وهذا الحديث قد أخرج مسلم معناه من وجه آخر،
وهو أوضح سياقاً من هذا ولفظه: ((المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الهبة، باب: من لم يقبل الهدية لعلة وفي الحيل، باب: احتيال العامل
ليهدى له وفي الزكاة، باب: قوله تعالى ﴿والعاملين عليها﴾ (١٦٢/٥).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: تحريم هدايا العمال (الحديث: ٢٦).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: المظالم، باب: من كانت له مظلمة. (٧٣/٥).

٥٢٩
٢٦ - باب: في تحريم الظلم
٢١٢ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ:
((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ،
وزكاة)). يعني الحديث الآتي أواخر الباب، ولا تعارض بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿ولا تزر
وازرة وزر أخرى﴾(١) لأنه إنما يعاقب بسبب فعله وظلمه، ولم يعاقب بغير جناية منه بل
بجنايته، فقوبلت الحسنات بالسيئات على ما اقتضاه عدل الله في عباده اهـ.
٢١٢ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما) قال المصنف: العاص أكثر ما
يأتي في كتب الحديث والفقه بحذف الياء وهي لغة. والصحيح الفصيح العاصي بإثبات الياء
ولا اعتبار بوجودها في كتب الحديث، أو أكثرها بحذفها اهـ. وقال الهروي في المرقاة:
الأصح عدم ثبوت الياء إما تخفيفاً أو بناءً على أنه أجوف، ويدل عليه ما في القاموس:
الأعياص من قريش أولاد أمية بن عبد شمس بن العاص، وأبو العاص والعيص وأبو العيص،
فعليه لا يجوز كتابة العاص بالياء ولا قراءته بها لا وقفاً ولا وصلاً فإنه معتل العين، بخلاف
ما يتوهمه بعض الناس أنه اسم فاعل معتل اللام من عصى، فحينئذ يجوز إثبات الياء
وحذفها وقفاً ووصلا بناءً على أنه معتل اللام اهـ. (عن النبي ◌َّ قال: المسلم) أي:
الكامل الإِسلام قال المصنف: وليس المراد نفي أصل الإِسلام عمن لم يكن بالصفة
المذكورة في قوله: (من سلم المسلمون من لسانه ويده) بل هذا كما يقال: العلم ما نفع.
أو العالم زيد أي: الكامل أو المحبوب، فكله على التفضيل لا الحصر، ثم ذكر المسلمين
هنا خرج مخرج الغالب لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه أشد، ولأن الكفار
بصدد أن يقاتلوا وإن كان فيهم من يجب الكف عنه والإِتيان بجمع التذكير للتغليب، فإن
المسلمات يدخلن في ذلك، وخص اللسان بالذكر لأنه المعبر عما في النفس واليد، لأن
أكثر الأفعال بها. والحديث عامٌ بالنسبة إلى اللسان دون اليد، لأنه يمكنه القول في الماضين
والموجودين والحادثين بعد بخلاف اليد. نعم يمكن أن يشارك اللسان في ذلك بالكتابة وإن
أثرها في ذلك لعظيم، ويستثنى من ذلك شرعاً تعاطي الضرب باليد في إقامة الحدود
والتعازير على المسلم المستحق لذلك، وفي التعبير باللسان دون القول نكتة فيدخل فيه من
أخرج لسانه على سبيل الاستهزاء، وفي ذكر اليد دون غيرها من الجوارح نكتةً فيدخل فيها
اليد المعنوية كالاستيلاء على حق الغير بغير حق .
((فائدة)»: كمال الإِسلام والمسلم متعلقٌ بخصال أخر كثيرة، وإنما خص ما ذكر لما
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.

٥٣٠
كتاب: دليل الفالحين
والْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٢١٣ - وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ◌َهَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ
فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((هُوَ فِي النَّارِ)) فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عَبَاءَةٌ قَدْ
دعا إليه من الحاجة الخاصة (والمهاجر) من الهجر وهو الترك وهو بمعنى المهاجر، وإن كان
لفظ المفاعلة يقتضي وقوع فعل من اثنين. لكنه هنا للواحد كالمسافر، ويحتمل أن يكون هنا
على بابه، لأن من لازم كونه هاجراً وطنه مثلاً أنه مهجور منه، والهجرة ضربان ظاهرة وهي
الفرار بالدين من الفتن، وباطنة وهي ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء وهو ما أشار إليه
بقوله: (من هجر ماحرم الله) وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرد التحول
من دارهم حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، ويحتمل أن يكون هذا القول وقع بعد انقطاع
الهجرة. قاله: لما فتحت مكة تطبيباً لقلب من لم يدرك ذلك. أي: أن حقيقة الهجرة
يحصل لمن هجر ما نهى الله عنه فاشتملت هاتان الجملتان على جوامع معاني الكلم
والحكم (متفق عليه) قال في الجامع الصغير: ورواه أبو داود والنسائي.
٢١٣ - (وعنه) أي: عن عبد الله بن عمرو (كان على ثقل رسول الله وَّ) الثقل بفتح
المثلثة والقاف العيال وما يثقل حمله من الأمتعة (رجل يقال له: كركرة) قال الحافظ ابن
حجر: ذكر الواقدي أنه كان أسود يمسك دابة رسول الله صلّ في القتال، وروى أبو سعد
النيسابوري في شرف المصطفى أنه كان نوبياً أهداه له هودة بن علي الحنفي صاحب اليمامة
فأعتقه. وذكر البلاذري: أنه مات في الرق، واختلف في ضبطه فذكر عياض: أنه بفتح
الكافين وبكسرهما قال النووي: إنما اختلف في كافه الأولى أما الثانية: فمكسورة اتفاقاً وقد
أشار البخاري إلى الخلاف في ذلك (فمات فقال رسول الله وَلاير: هو في النار) أي: يعذب
على معصيته. أو المراد هو النار إن لم يعف اللّه عنه (فذهبوا ينظرون إليه) أي: إلى السبب
الذي قد يحال عليه العذاب (فوجدوا عباءة) قال القاضي عياض في المشارق العباء ممدود
قال ابن دريد: العباء كساء معروف والجمع أعبية وقال الخليل: العباءة ضرب من الأكسية
فيه خطوط سود وأدخله الزبيدي في حرف الباء وغير المهموز وقال غيره: العباءة لغة فيه
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الإِيمان، باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. (٥٠/١).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان، باب: بيان تفاضل الإِسلام (الحديث: ٦٤).

٥٣١
٢٦ - باب: في تحريم الظلم
غَلَّهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١).
٢١٤ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ نُفْعِ بْنِ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ:
(إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْثَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ. السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً
مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ. ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٍ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ
ويقال: كل كساء فيه خطوط فهو عباءة (قد غلها) الغلول هنا الخيانة في المغنم قال ابن
قتيبة: سمي بذلك لأن آخذه يغله في متاعه أي: يخفيه فيه ونقل المصنف الإِجماع على أنه
من الكبائر قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث تحريم قليل الغلول وكثيره (رواه البخاري)
في كتاب الجهاد وأخرجه ابن ماجه فيه أيضاً.
٢١٤ - (وعن أبي بكرة) بفتح الموحدة وسكون الكاف. كني بذلك لأنه دلى نفسه ببكرة من
حصن الطائف لما حاصرهم النبي ◌َّر كما تقدم (نفيع) بضم النون وفتح الفاء وسكون
التحتية بعدها مهملة (ابن الحارث رضي الله عنه عن النبي ◌َّ قال:) في خطبة يوم النحر في
حجة الوداع (إن الزمان) هو عند المتكلمين من أهل السنة مقارنة متجدد موهوم لمتجدد
معلوم إزالة للإِيهام من الأول لمقارنة الثاني، والمراد بالزمان هنا السنة، كما يدل عليه قوله
على وجه الاستئناف لبيان ذلك السنة اثنا عشر شهراً وإن الزمان (قد استدار) هو ((كدار))
الطواف حول الشيء والعود إلى الموضع الذي ابتدأ منه. وهو المراد من قوله (كهيئته) أي :
استدارة مثل هيئته وهي: صورته وشكله وحالته التي كان عليها (يوم خلق الله السموات
والأرض) أي: النيرين فيهما، لأن حقيقة الزمان المشتمل على الأعوام والشهور والأيام إنما
وجدت من حين خلق النيرين وأما قبل ذلك فالأمر فيه، كهو في الجنة إذ ما فيها لا يسمى
زماناً. أي: إن الزمن عاد في انقسامه إلى الأعوام والعام في انقسامه إلى الأشهر المعهودة
إلى الموضع الذي اختار الله وضعه عليه (السنة اثنا عشر شهراً) جملة مستأنفة كما تقدم لبيان
الاستدارة المذكورة (منها أربعة حرم ثلاث) حذف التاء هنا دون أربع تغليباً لليالي هنا
وللأيام ثمة أو إيماء إلى جواز تأنيث العدد وتذكيره عند حذف المعدود (متواليات) هي (ذو
القعدة) بفتح القاف، وقد تكسر وقد يحذف ذو منه ومما بعده (وذو الحجة) بالكسر وقد تفتح
(والمحرم) بصيغة المفعول (ورجب مضر) عطف على ثلاث، وأضيف إلى مضر بوزن عمر
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد باب القليل من الغلول (١٣٠/٦).

٥٣٢
كتاب: دليل الفالحين
الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ، أَيُّ شَهْرِ هَذَا؟)) قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى
ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: ((أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟)) قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: ((فَأَيُّ بَلَدٍ
هَذَا؟)) قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ:
(أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟)) قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: ((فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟)) قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتْ
حَتَّى ظَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. فَقَالَ: ((أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟)) قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: ((فَإِنَّ
وضاده معجمة لأنها كانت تحافظ على تحريمه أشد من سائر العرب (الذي بين جمادى
وشعبان) زيادة تأكيد في بيانه لعظم شأنه، وإزاحة للريب الحادث فيه من النسيء، وأنه عاد
كما كان بين جمادى وشعبان فأشار بهذا الحديث إلى بطلان النسيء الذي كانت تفعله
العرب في الجاهلية، وذلك أنهم إذا احتاجوا إلى الحرب في شهر محرم استحلوه وأخروا
حرمته للشهر بعده، ونادوا بذلك في قبائل العرب، وجعلوا حساب الحج تابعاً لذلك. مثلاً:
إذا احتاجوا للحرب في رجب جعلوه حلالاً وجعلوا شعبان رجباً وبنوا عليه حساب حجهم،
فاتفق في ذلك العام الذي وقع فيه حجة الوداع استدارة الزمن على الوضع الأصلي، فكان
آخر ذلك العام ذا الحجة في نفس الأمر وأول ما بعده المحرم فأشهر ◌َّر هذا الكلام في هذا
المقام في ذلك الجمع العام إبطالاً للنسيء، كي يذيع إبطاله، ولا يرجع إليه بوجهٍ .
والراجح: أن الاستدارة من سنة فتح مكة، ولذا أمر هير عتاباً أن يحج بالناس في تلك السنة
والصديق أن يحج بهم في السنة التاسعة، ولولا ذلك لكان الحج باطلاً لوقوعه في غير زمنه،
والشارع لا يأذن فضلاً عن أن يأمر في تعاطي نسك باطل والله أعم. (أي شهر هذا)
الاستفهام فيه لتقرير حرمة الشهر في نفوسهم، فيصح بناء ما سيذكره عليها (قلنا: الله ورسوله
أعلم) فيه مراعاة الأدب وتوقف عما لا يعلم الغرض من السؤال عنه (فسكت حتى ظننا أنه
سيسميه بغير اسمه) أي: توهموا أن طول سكوته لتردده في وضع اسم مناسب له غير اسمه
المشهور يضعه عليه بدله، وما ذكر في الاستفهام وجوابهم فسكت الخ. يجري في نظيره
الآتي (قال: أليس) أي: اسمه (ذا الحجة) وما قدرناه هو ما يدل عليه السياق (قلنا: بلى)
أي: هو ذو الحجة (قال: أي بلد هذا قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه
بغير اسمه فقال أليس) أي: هذا المكان (البلدة) وفي نسخة البلد (الحرام) وجه تخصيص
مكة بها مع شمولها لسائر البلدان، فصار علماً عليها بالغلبة، الإِشارة إلى أنها البلدة الجامعة
لسائر الفضائل المتفرقة في غيرها، مع زيادات لا توجد في غيرها (قلنا: بلى. قال: فأي يوم
هذا. قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: اليس يوم النحر

٥٣٣
٢٦ - باب: في تحريم الظلم
دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا في
شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَ فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً
يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ، أَلَا لِيُبْلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ أَنْ
قلنا: بلى قال: فإن دماءكم) الفاء فيه فصيحة أي: فإذا علمتم ما ذكر فتيقظوا إلى حرم أخرى
هي أعظم منها، وهي الدماء وما بعدها، وتقدم أن وجه التشبيه مع أنها في الحرمة أفضل من
المشبه به، كون المشبه به أشهر وتشبيه ما لم يشتهر وإن كان أفضل بما اشتهرّ، وإن كان
مفضولاً واقع جعل منه قوله: صل على محمد كما صليت على إبراهيم. ولاحتياج المقام
إلى التأكيد زاد فيه فأتى بأن المفيدة له. وبدأ بالدماء مع أن الإِعراض أخطر لأن الابتلاء بها
أكثر، وخطرها أكبر، ومن ثم كان أكبر الكبائر بعد الشرك القتل على الأصح (وأموالكم)
قدمها على الأعراض، لأن ابتلاء الناس بالجناية فيها أكثر (وأعراضكم) قال في فتح الإِلَه:
المراد منه تحريم التعرض للإِنسان بما يعير أو ينقص به في نفسه أو أحد من أقاربه، بل
يلحق به كل من له به علقة، بحيث يؤول تنقيصه أو تغييره إليه، وهذا أعم من قول النهاية
العرض موضع المدح والذم من الإِنسان، سواء كان في نفسه أو في سلفه اهـ. ملخصاً.
(عليكم حرام كحرمة يومكم هذا) أي: المعصية فيه حال كون اليوم على جهة التجوز (في
بلدكم هذا) وحرمة المعصية بها عظيمة إجماعاً إنما اختلف في تضاعفها كالحسنات وعدمه .
والراجح عدمه. كمالاً كيفاً، كما يدل عليه عموم قوله تعالى: ﴿ومن جاء بالسيئة فلا يجزى
إلا مثلها﴾(١) ولا مخصص له (في شهركم هذا) وهو لعظم شرفه تعظم المعصية فيه
(وستلقون ربكم) في الدار الآخرة ناظرين إليه على وجه منزه من الحلول والاتحاد والجهة
والتحيز والإِحاطة بالذات الأعلى (فيسألكم عن أموالكم) وفي نسخة: ((أعمالكم والنار عن
شمائلكم والجنة عن أيمانكم والموازين قد نصبت والصراط قد نصب على متن جهنم،
والرسل شعارهم يومئذ سلم سلم، والشهود والجوارح والحاكم الأعظم قد تجلى وغضب
غضباً لم يغضب قبله ولا بعده مثله) (ألا) أداة استفتاح فلما حذرتم وبين لكم (لا ترجعوا)
أي: لا تصيروا (بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) تقدم الكلام عليه في الثالث من
أحاديث الباب (ألا ليبلغ) بتشديد اللام وتخفيفها، والتبليغ واجبٌ عيناً على من انحصر فيه،
وإلا فكفاية (الشاهد منكم) لما قلته العالم به سماعاً أو روايةً (الغائب) عنه بأن لم يحصل
علمه (فلعل بعض من يبلغه) بالبناء للمجهول ونائب فاعله الضمير المستتر والبارز مفعول له
(١) سورة الأنعام، الآية: ١٦٠.

٥٣٤
كتاب: دليل الفالحين
يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ مَنْ سَمِعَهُ)) ثُمَّ قَالَ: ((أَلَ هَلْ بَلَّغْتُ أَلَ هَلْ بَلَّغْتُ؟)) قُلْنَا:
نَعَمْ. قَالَ: ((اللَّهُمَّ اشْهَدْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١).
٢١٥ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةً إِيَاسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْحَارِثِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَل
ثان أي: فلعل المبلغ لجودة فهمه وقوة استعداده وتوجهه لذلك الأمر (أن يكون أوعى له)
أي: افهم لمعناه (من بعض من سمعه) فيستفيد من الخبر الذي يبلغه، ويفيد الناس ما لا
يحصل لمن سمعه مني، لا لقصور فهمه عنه بل لاشتغاله عنه بما هو أهم منه من الجهاد
الأعظم الذي وقع لأكثر الصحابة بعده وير فلا يقال: كيف يكون في التابعين أو من بعدهم
من هو أعلم من الصحابي، وهو يَّ كان إذا وقع نظره الكريم للبدوي الجلف صار ينطق
بالحكمة لوقته، وعدوا ذلك من خصائصه العلية، ولا يعترض بالمنافقين، لأن الكلام فيمن
لا مانع فيه للتلقي من الحضرة النبوية وأولئك فيهم موانع صيرتهم كالجماد، ويمكن أن
يقال: قد يكون في المفضول مزية ليست في الفاضل، فنحن وإن قلنا بالأصح إن جميع
الصحابة أفضل ممن بعدهم، يجوز أن يكون عند غير الصحابي من الفهم والاستنباط ما
ليس عنده، وإن كان الصحابي أفضل وأجل بمراتب، وهذا أوفق بظاهر قوله: ((فلعل من
يبلغه)) الخ. ثم ذكر بعض ثمرات التبليغ، ومنها انتشار العلم وعموم النفع به وحفظه على
توالي الأزمنة إلى قبيل القيامة كما أخبر به وَلير (ثم قال: ألا هل بلغت) أي: ما أمرت به (ألا
هل بلغت) والتكرير للتأكيد (قلنا: نعم) أي: بلغت الرسالة والأمانة فقد بلغ الرسالة والأمانة
ونصح الأمة وكشف الغمة وجاهد في الله حق جهاده فجزاه الله خير ما جزى نبياً عن أمته
ورسولاً عن قومه، وأفضل على كل ما هو له أهل (ثم قال: اللهم اشهد متفق عليه) قال
المزي: ورواه النسائي زاد الحافظ في النكت الظراف، ورواه أبو داود في كتاب الحج وابن
ماجه في السنة من سننه اهـ.
٢١٥ - (وعن أبي أمامة) بضم الهمزة وميمين بينهما ألف (إياس) بكسر الهمزة بعدها تحتية
وآخره سين مهملة (ابن ثعلبة) بفتح المثلثة وسكون المهملة وبعد اللام موحدة. هذا هو
المشهور في اسمه وقال أبو حاتم الرازي: اسمه عبد الله بن ثعلبة ويقال: ثعلبة بن عبد الله
ذكره المصنف في شرح مسلم الأنصاري (الحارثي) أحد بني الحارث بن الخزرج، وقيل:
إنه بلوى، وهو حليف بني حارثة، وهو ابن أخت أبي بردة بن دينار (رضي الله عنه) قال
(١) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ماجاء في سبع أرضين وفي العلم والحج وغيرهما. (٨٣/٨).
وأخرجه مسلم في كتاب: القسامة، باب: تغليظ تحريم الدماء ... (الحديث: ٢٩).

٥٣٥
٢٦ - باب: في تحريم الظلم
قَالَ: ((مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ
الْجَنَّةَ)) فَقَالَ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيئاً يَسِيراً يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: ((وَإِنْ كَانَ قَضِيباً مِنْ
الذهبي في التجريد: روي له ثلاثة أحاديث قلت: ذكر ابن حزم في سيرته، وابن الجوزي
في المستخرج المليح أبا أمامة الحارثي فيمن له حديثان، وانفرد مسلم عن البخاري بالرواية
عنه. فروى له حديث الباب توفي منصرف النبي وله من أحد فصلى عليه قال ابن الأثير في
أسد الغابة: على أن الصحيح أنه لم تكن وفاته مرجع النبي ◌ّله من أحد وإنما كانت وفاة أمه
عند منصرف رسول الله وسلّ إلى بدر، فأراد الخروج معه فمنعه مرضها من شهود بدر ومما
يقوي أنه لم يقتل بأحد أن مسلماً يروي في صحيحه بإسناده عن عبد الله بن كعب عن أبي
أمامة بن ثعلبة من اقتطع حق مسلم الحديث، فلو كان مات بأحد لكان منقطعاً أي: لأن
عبد الله بن كعب لم يدرك النبي وَّر ولم يخرجه مسلم في الصحيح اهـ. قال المصنف في
شرح مسلم: ولقد أحسن أبو البركات الجزري المعروف بابن الأثير في كتاب معرفة
الصحابة حيث أنكر هذا القول في وفاته (أن رسول الله وسلم قال: من اقتطع) أي: أخذ (حق
امرىء مسلم بيمينه) دخل فيه من حلف على غير مال كجلد ميتة وسرجين، وغير ذلك من
النجاسات التي ينتفع بها وكذا سائر الحقوق التي ليست بمال كحد القذف ونصيب الزوجة
في القسم. والتقييد بالمسلم لا يدل على عدم تحريم مال الدمي، بل إنما يدل على هذا
الوعيد المذكور في قوله (فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة) فاقتطاع مال الذمي حرامٌ
لكن لا يلزم أن تكون فيه هذه العقوبة العظيمة. هذا على مذهب من يقول بالمفهوم. أما من
لا يقول بالمفهوم فلا يحتاج إلى تأويل. ثم قوله: فقد أوجب الله الخ. محمولٌ على
المستحل لذلك، وقد مات كذلك فإنه يكفر ويخلد في النار ومعناه: أنه استحق هذا، ويجوز
العفو عنه وحرم عليه دخول الجنة أول وهلة مع الفائزين. قاله المصنف. قال: وهذا الوعيد
لمن مات قبل التوبة، أما من تاب توبة صحيحة، فندم على فعله ورد الحق إلى صاحبه فقد
سقط عنه الإِثم (فقال:) أي: أبو أمامة. ويحتمل أن يكون فقال بعض من حضر (وإن كان)
أي: المقتطع (شيئاً يسيراً يا رسول الله فقال) وَ ل﴿ل (وإن قضيب من أراك) قال المصنف:
هكذا هو في بعض الأصول أو أكثرها يعني وإن قضيب بالرفع. وفي كثير منها وإن قضيباً،
على أنه خبر كان المحذوفة، أو أنه مفعول لفعل محذوف تقديره وإن اقتطع اهـ. والأراك
شجر معروف يستاك بأعواده بل هو أفضل ما يستاك به كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب
فضل السواك وما أحسن قول من قال:

٥٣٦
كتاب: دليل الفالحين
أَرَاكٍ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٢١٦ - وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ هِ يَقُولُ:
((مَنِ اسْتَعْمَلْنَهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطَاً فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ)) فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَسْوَدُ مِنَ الْأَنْصَارِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْبَلْ
وقبلت أغصانه الخضر فاك
بالله إن جزت بوادي الأراك
فإنني والله مالي سواك
فابعث إلى الملوك من بعضها
(رواه مسلم) قال المزي: ورواه النسائي وابن ماجه.
٢١٦ - (وعن عدي) بفتح أول مهمليه وكسر ثانيهما (ابن عميرة) بفتح العين المهملة وكسر
الميم قال المصنف: لم يأت هذا الاسم في الرجال إلا بفتح العين، وجاء في النساء بالفتح
والضم وعميرة، هو ابن فروة بن زرارة أبو زرارة الكندي ذكر له الحافظ المزي في الأطراف
ثلاثة أحاديث انفرد مسلم بالرواية عنه دون البخاري فروى هذا الحديث عنه (رضي الله عنه
قال: سمعت رسول الله وَل يقول: من استعملناه منكم على عمل) من جمع مال الزكاة أو
الغنائم أو نحو ذلك (فكتمنا) بميم مفتوحة والفاعل مستتر يعود إلى من، وأفرده باعتبار لفظها
وقوله: (مخيطاً) بكسر الميم وسكون المعجمة هو الإِبرة (فما فوقه) في الصغر وهذا في
الكلام كقولك: أتراه قصيراً فيقول القائل: أو فوق ذلك أي: هو أقصر مما ترى (كان) أي :
المكتوم المدلول عليه بقوله: كتمنا نظير ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾(٢) (غلولاً) بضم العين
المعجمة (يأتي به يوم القيامة) يحمله كما تقدم في أحاديث الباب، وفي رواية أبي داود فهو
غل يأتي به يوم القيامة. قال ابن رسلان: الغل الحديدة التي يجمع بها يد الأسير إلى عنقه.
يأتي به يوم القيامة إلى المحشر وهو حاملٌ له كما ذكر مثله في الغال ويحتمل أن يكون الغل
في يده يوم القيامة في جهنم. وفيه وعيدٌ شديدٌ وزجرٌ أكيدٌ في الخيانة من العامل في القليل
والكثير. وإنه من الكبائر العظام اهـ. وعلى رواية مسلم ففيه أن ما أخفاه العامل غلولٌ
والغلول حرامٌ وإن قلّ، وهو من الكبائر، ويجب عليه رده بالإِجماع، فإن كان قد غله من
الغنيمة وتفرق الجيش وتعذر إيصال حق كل واحد إليه، ففيه خلاف للعلماء: فقال الشافعي
وطائفة: يجب تسليمه للإِمام كسائر الأموال الضائعة. وقال ابن مسعود وابن عباس ومعاوية
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم ... (الحديث: ٢١٨).
(٢) سورة المائدة، الآية: ٨.

٥٣٧
٢٦ - باب: في تحريم الظلم
عَنِّي عَمَلَكَ. قَالَ: ((وَمَا لَكَ؟)) قَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: ((وَأَنَا أَقُولُهُ
الآنَ: مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلى عَمَلٍ فَلْيَجِىءٌ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ وَمَا
نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٢١٧ - وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ
والحسن والزهري ومالك والثوري والليث وأحمد والجمهور: يدفع خمسه إلى الإِمام
ويتصدق بالباقي (فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه) لم أر من ذكر اسمه لا
المصنف في شرح مسلم ولا ابن رسلان في شرح سنن أبي داود (فقال: يا رسول الله اقبل
عني عملي) قال ابن رسلان: النزول عن العمل الذي هو ولاية لا يحتاج إلى قبول، بل لو
قال: عزلت نفسي، انعزل فيحمل هذا على الاستئذان فإن فيه نوع استشارة (قال: ومالك)
كذا هو في الرياض. وكذا رأيته في أصلي من صحيح مسلم بالظرف خبر عن ما
الاستفهامية، لكن قال ابن رسلان في سنن أبي داود بعد أن ذكر لفظه: وما ذلك اسم إشارة
مقرون بكاف الخطاب وقبلها اللام، ولفظ مسلم: ((وما ذاك)) أي: بحذف اللام أي: وأي
شيء لك داع (قال: سمعتك تقول كذا وكذا) من ألفاظ الكنايات مثل كيت وكيت ومعناه
مثل ذا ويكنى بها عن المجهول وعما لا يراد التصريح به، كما في النهاية وقد تقدم (قال:
وأنا أقوله الآن من استعملناه منكم على عمل) يدخل فيه القضاء والحسبة وسائر الأعمال
(فليجىء بقليله وكثيره) اللام في فليجىء لام الأمر وهذا كما قال القرطبي: يدل على أن
العامل لا يقتطع منه شيئاً لنفسه أجرة ولا غيرها ولا لغيره إلا أن يأذن له الإِمام الذي تلزمه
طاعته. قال ابن رسلان: ويدخل في عموم ما أهدى له لحديث ابن اللتبية، إذ لو كان في
بيت أمه لم يهد له. وما تحت يده من صدقة فرض ونفل، فمتى اقتطع منه شيئاً خانه في
أمانته وولايته (فما أوتي) بالبناء للمفعول أعطي (منه أخذ) بالبناء للفاعل (وما نهى) بالبناء
للمفعول (عنه انتهى) بالبناء للفاعل أي: امتنع العامل عن أخذه. قال ابن رسلان: فيذكر
العامل الجهات التي قبض منها المال وصفتها، فيأخذ ما جاز أخذه ويترك ما لم يجز أخذه،
بل يرده على دافعه، ويفعل ما تقتضيه الشريعة، وهذا ما ظهر لي ولم يتكلم عليه النووي ولا
القرطبي (رواه مسلم) في كتاب الجهاد وأبو داود في كتاب الأقضية.
٢١٧ - (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لما كان يوم خيبر) يجوز فيها الصرف
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: تحريم هدايا العمال، (الحديث: ٣٠).

٥٣٨
كتاب: دليل الفالحين
أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَِّ فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ وَفُلَانٌ شَهِيدٌ. حَتَّى مَرُوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا:
فُلَانٌ شَهِيدٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: (كَلَّ إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
٢١٨ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْحَارِثِ بْنِ رِبْعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ أَنَّهُ
باعتبار المكان ومنعه باعتبار البقعة وعدم الصرف أكثر في ألسنة المحدثين، وكانت وقعة
خيبر سنة ست من الهجرة عقب مرجعهم من الحديبية، ثم ما ذكر من أنها خيبر بالمعجمة
أولها والراء آخرها هو الصواب. وذكر القاضي عياض أن أكثر رواة الموطأ رووه هكذا، وأن
بعضهم رواه حنين بالحاء المهملة والنون والله أعلم. (أقبل نفر) اسم جمع يقع على جماعة
من الرجال خاصة ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه كذا في النهاية (من
أصحاب النبي _ فقالوا: فلان) قال ابن السراج: كناية عن اسم يسمى به المحدث عنه
خاص غالباً كما تقدم (شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل) يحتمل أن يكون المراد:
انتهوا في الذكر. ويحتمل أن يكون المراد، المرور عليه ميتاً والأول أقرب (فقالوا:) عنه
(فلان شهيد)(فقال: النبي ◌َّر كلا) أي: انته وانزجر عن هذا القول، والحكم له بالشهادة
المتضمنة الحكم له بالسعادة الأبدية والمنازل العلية، الشاهد بذلك قوله تعالى: ﴿بل أحياء
عند ربهم﴾(٢) الآية (إني رأيته في النار في بردة) بضم الموحدة ثوب مخطط (غلها) أي:
أخذها من الغنيمة قبل أن تقسم (أو) شك من الراوي (عباءة) تقدم في الباب ضبطها (رواه
مسلم) في كتاب الأيمان ورواه الترمذي في السير من جامعه بنحوه قيل: يا رسول الله إن
فلاناً استشهد قال: ((كلا)) الحديث وقال: حسن صحيح.
٢١٨ - (وعن أبي قتادة) بالقاف فالمثناة الفوقية (الحارث بن ربعي) بكسر الراء وسكون
الموحدة وكسر العين المهملة. ابن بلرمة بن حناس بن عبيد بن غنم بن كعب بن سلمة بن
سعد الأنصاري الخزرجي السلمي فارس رسول الله وي طهر. وقيل: اسمه النعمان (رضي الله
عنه) اختلف في شهوده بدراً وشهد أحداً وما بعدها من المشاهد كلها، أصابه سهم بوجهه
يوم ذي قرد فبصق على محله النبي _ # فما ضرب عليه بعد قط ولا قاح، ودعا له رَّ في
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: غلظ تحريم الغلول ... (الحديث: ١٨٢).
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.

٥٣٩
٢٦ - باب: في تحريم الظلم
قَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، فَقَامَ
رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَتْكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ
لَهُ رَسُولُ اللّهِوَهِ: ((نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنْتَ صَابِرٌ، مُخْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ
مُذْبِر)»
ذلك اليوم فقال: ((اللهم بارك في شعره وبشره)) وفي سفر آخر قال له: ((حفظك الله كما
حفظت نبيه)) أخرجه أبو داود. توفي سنة أربع وخمسين قيل: بالمدينة وقيل: بالكوفة في
خلافة علي، فصلى عليه علي فكبر سبعاً وعن الشعبي أن علياً كبر عليه ستاً قال: وكان
بدرياً. روي له عن رسول الله وسير مائة وسبعون حديثاً، اتفقا منها على أحد عشر وانفرد
البخاري بحديثين ومسلم بثمانية (عن رسول الله وَيقر أنه) بفتح الهمزة وكسرها كما سبق (قام
فيهم) أي: خطيباً (فذكر لهم) أي: بعد حمد الله والثناء عليه (أن الجهاد في سبيل الله) أي:
لإعلاء كلمة الله كما يدل عليه قوله في سبيل الله (والإِيمان بالله) والواو لمطلق الجمع فلا يرد
ما قد يتوهم من أن محل الاعتبار بصالح العمل تقدم الإِيمان عليه (أفضل الأعمال) أما بالنظر
إلى المجموع فهو على إطلاقه. وكذا بالنظر إلى الأفراد بالنظر إلى الإِيمان، وأما بالنسبة إلى
الجهاد فبالنسبة إلى ذلك الوقت أو هو على تقدير، من وهذا يجري فيما ورد في الحديث أنه
أفضل الأعمال، وهو من أفضلها كالصلاة أول الوقت ونحو ذلك. قال القرطبي: وإنما قرن
الجهاد بالإِيمان هنا في الأفضلية ولم يجعله من مباني الإِسلام في حديث ابن عمر؛ لأنه لا
يتمكن من إقامة تلك المباني على تمامها وكمالها، ولم يظهر دين الإِسلام على الأديان كلها
إلا بالجهاد، فكأنه أصلٌ في إقامته، والإِيمان أصلّ في تصحيح المباني، فجمع بين
الأصلين في الأفضلية (فقام رجل فقال: أرأيت) بفتح التاء أي: أخبرني (إن قتلت) بالبناء
للمجهول (في سبيل الله) أي: لإعلاء كلمة الله، واستغنى عنه لظهور إنما الأعمال بالنيات
ولما تقدم (تكفر) مبني للمجهول، والهمزة قبله مقدرة أي: أتكفر (عني خطاياي) يشمل ما
يتعلق بحق الله وما يتعلق بحق العباد (فقال له رسول الله ويلي: نعم) بفتح أوليه حرف جواب
(إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر) أي: على ملاقاة القرن وجراحات السيوف وطعن الرماح
وغير ذلك من أتعاب الحرب (محتسب) أي: مخلص لله تعالى، فإذا قاتل لمعصية أو لغنيمة
أو لصيت فلا يحصل له ما ذكر في الخبر من الثواب ولا غيره (مقبل غير مدبر) أي: على
وجه الفرار أما لو أدبر ليكر على العدو بعد، أو ليأتي بالفئة، فالظاهر حصول الثواب
المذكور، ويحتمل على بعد أن ذلك مسقط للإِثم لا محصل للأجر والله أعلم، وجواب إن

٥٤٠
كتاب: دليل الفالحين
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ:((كَيْفَ قُلْتَ؟)) قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَتْكَفِّرُ عَنِّي
خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((نَعَمْ وَأَنْتَ صَابِرٌ، مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُذْبِرٍ، إلّ الدَّيْنَ
فَإِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
٢١٩ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَهَ قَالَ: «أَتَدْرُونَ
مَا الْمُفْلِسُ؟)) قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعٍ، فَقَالَ: ((إنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ
الشرطية محذوفٌ اكتفاءً بوجوده في السؤال (ثم قال رسول الله وَله:) مستدركاً للدين، ومثله
سائر حقوق العباد من عموم كلامه السابق (كيف قلت:) أي: أيها السائل (قال:) أي:
السائل (قلت: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي فقال رسول الله وَطير: نعم
وأنت صابر) جملة حالية حذف صاحبها وعاملها لدلالة وجودهما في الكلام السابق أي: إن
قتلت وأنت صابر (محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين) قال المصنف: فيه تنبيه على جميع
حقوق الآدميين، وإن الجهاد والشهادة لا تكفر حقوق الآدميين، إنما تكفر حقوق الله أي :
الصغائر منها اهـ. قال القرطبي: لكن هذا كله إذا امتنع من أداء الحقوق مع تمكنه منه،
وأما إذا لم يجد للخروج من ذلك سبيلاً، فالمرجو من كرم الله تعالى إذا صدق في قصده
وصحت توبته، أن يرضى عنه خصومه كما قد جاء نصاً في حديث أبي سعيد الخدري
المشهور في هذا (هكذا قال لي جبريل) قال المصنف: يحمل على أنه أوحي إليه به في
الحال (رواه مسلم) في كتاب الجهاد وكذا رواه الترمذي والنسائي في كتاب الجهاد. وقال
الترمذي: حسن صحيح. ثم هذا الحديث مقدمٌ على الحديث بعده في نسخة مصححةٍ وفي
نسخة أخرى بالعكس.
٢١٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَ ل﴿ قال: أتدرون) أي: أتعلمون من
الدراية قال البيضاوي: هي علم فيه احتيال وخداع (من المفلس قالوا:) بحسب ما يعرفونه
فيه عرفاً (المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع) قال في النهاية: هو كل ما ينتفع به من
عروض الدنيا قليلها وكثيرها (فقال:) مشيراً إلى أن هذا لانقطاع أمور الدنيا ونصبها لا ينبغي
أن يعد حقيقة المفلس، وقد يزول عنه لعارضٍ من يسار ونحوه (إن المفلس) مفلس
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: من قتل في سبيل الله ... (الحديث: ١١٧).