Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
١٣ - باب: في بيان كثرة طرق الخير
كَالحَافِرِ مِنَ الدَّابَّةِ. قَالَ: وَرُبَّمَا اسْتُعِيرَ فِي الشَّاةِ(١).
حماد (الجوهري:) الإِمام في النحو واللغة والصرف صاحب الصحاح. توفي لاختلاط
أصابه ووسواس بسبب غريب، وذلك أنه أخذ مصراعي باب وضمهما إلى جنبيه وشدهما
بخيط ونهض للطيران من سطح داره، فرمى بنفسه فمات سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. وله
شعر منه قوله :
قطعت حبل الناس بالياس
لو كان لي بدّ من الناس
لا بد للناس من الناس
العز في العزلة لكنه
(الفرسن) قال القاضي عياض في المشارق: بكسر الفاء والسين قال في فتح الباري :
ونونه أصلية وقيل: زائدة. قال السيوطي في مختصر النهاية: هو عظم قليل اللحم. (من
البعير كالحافر من الدابة) أي: ذوات الأربع كالحمار والبغل (قال: وربما استعير) أي
الفرسن فاستعمل (في الشاة) كما في الحديث والذي لها إنما هو الظف قال المصنف في
شرح مسلم: قالوا أي: أهل اللغة ولا يقال - أي الفرسن - إلا في الإِبل ومرادهم أن أصله
مختص بالإِبل، ويطلق على الغنم استعارة. وهذا النهي عن الاحتقار نهي للمعطية
المتصدقة والمهدية، ومعناه لا تمتنع جارة من الصدقة والهدية لجارتها لاستقلالها واحتقارها
الموجود عندها، بل تجود بما تيسر، وإن كان قليلاً كفرسن شاة فهو خير من العدم قال
تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ (٢) وقال ويلشير: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)). وقال
القاضي: وهذا التأويل هو الظاهر، وهو تأويل مالك لإِدخاله هذا الحديث في باب الترغيب
في الصدقة. قال: ويحتمل أن يكون نهياً للمعطاة عن الاحتقار. قال الحافظ في فتح
الباري: وحمله على الأعم من ذينك أولى اهـ. و((لو)) في الحديث مثلها في الحديث
الآخر: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة)) قال ابن هشام في المغني في ذكر معاني لو: وذكر ابن
هشام اللخمي وغيره أنها تجيء للتقليل، قال: ومثل له بقوله تعالى: ﴿ولو على
(١) أخرجه البخاري في كتاب: أول كتاب الهبة وفي الأدب، باب: لا تحقرن جارة لجارتها (١٤٤/٥
و ١٤٥).
وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: الحث على الصدقة ولو بالقليل ولا تمتنع من القليل لاحتقاره.
(الحديث: ٩٠).
(٢) سورة الزلزلة، الآية: ٧.

٣٦٢
كتاب: دليل الفالحين
١٢٥ - النَّاسِعُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النّبِيِّي ◌َ، قَالَ: ((الإِيمانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَو
بِضْعٌ وَسِتُّونَ
أنفسكم﴾(١) قال: وفيه نظرٌ قال بن أقبرس: لعل النظر في خصوص مثاله لا في إفادتها معنى
التقليل في نحو: ((ولو بشق تمرة)) ((ولو خاتماً من حديد)) اهـ.
١٢٥ - (وعنه) أي أبي هريرة رضي الله عنه (عن النبي مَّر قال: الإِيمان بضع) بكسر
الباء وقد تفتح. سيأتي معناها (وسبعون) أي: شعبة ولذا صح الإِخبار عنه بستة وسبعون.
وهي غيره ضرورة مغايرة الجزء للكل، وبه يعلم ما في قول المصنف: الحديث نصٌ في
إطلاق اسم الأيمان على الأعمال اهـ. فحاصله أن التقدير شعب الإِيمان (أو) شك من
الراوي، والشك المذكور عند مسلم وكذا عند البخاري من طريق أبي ذر الهروي كما نقله
العيني. وعليه: فقول المصنف متفق عليه في محله (بضع وستون) ورجح بعضهم رواية
وستون بأنها المتيقنة، وما عداها مشكوك فيه، وصوب القاضي الأولى بأنها التي في سائر
الأحاديث، ولسائر الرواة ورجحها جماعة منهم المصنف بأن فيها زيادة ثقة فتقبل، واعترضه
الكرماني بأن زيادة الثقة أن يزاد لفظ في الرواية، وإنما هذا اختلاف روايتين مع عدم التنافي
بينهما في المعنى، إذ ذكر الأقل لا ينافي الأكثر. أو أنه يَ لّ أخبر أولاً بالستين ثم أعلم بزيادة
فأخبر بها. ويجاب: بأن هذا متضمن للزيادة كما اعترف به الكرماني فصح ما قاله
المصنف، نعم اعترض عليه بأن من زادها لم يستمر على الجزم بها لا سيما مع اتحاد
المخرج ثم هذا العدد. قيل: المراد به: التكثير والمبالغة، وعليه فهي ترجع إلى أصلٍ
واحدٍ وهو تكميل النفس بصلاح المعاش المؤدي إلى تحسين المعاد. وذلك بأن يعتقد الحق
ويستقيم في العمل، ولذا قال ◌َ ◌ّر لسفيان الثقفي حين قال له: قل لي في الإِسلام قولاً لا
أسأل عنه أحداً غيرك: ((قل آمنت بالله ثم استقم)). وأيد بعضهم أن المراد التكثير بأنه لو أراد
التحديد لم يبهم. قال: فذكر البضع للترقي، لأن الشعب لا نهاية لها لكثرتها. وقال
آخرون: بل المراد حقيقة العدد ويكون النص وقع أولاً على البضع والستين، لكونه الواقع،
ثم تجددت العشرة الزائدة فنص عليها، وبهذا يجاب عن اختلاف الروايات. فيقال بتقدير
صحة الجمع لعله يَّر نطق بأقلها ثم أعلم بأزيد منها، وهكذا والإِبهام فيه لا دليل فيه،
الاحتمال أنه سير اتكل على إفهام السامعين مع ذكر المراتب الثلاث الآتية في الحديث، التي
(١) سورة النساء، الآية: ١٣٥

٣٦٣
١٣ - باب: في بيان كثرة طرق الخير
شُعْبَةً :
إذا حقق النظر في المقايسة بها أدرك ذلك، إلا أن هذا صعب الارتقاء رفيع الذرا،
ولاختلاف النظر في تلك المقايسة اختلف تعداد قوم من العلماء لبقية تلك الشعب، ولم
ينالوا بخوض غمرة تفاصيلها بيان تلك التفاصيل على الحقيقة مع خطر التعيين واحتمال أنه
لم يصادف مراده ◌ّ كابن حبان وغيره ممن يأتي النقل عنه (شعبة) بضم أوله المعجم
وسكون ثانيه المهمل وبالموحدة قال الحافظ ابن حجر: لم يتفق من عد الشعب على نمط
واحد وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان، فإنه قال: عددت كل طاعة عدها الله تعالى في
كتابه والنبي ◌َّ في سنته فإذا هو تسع وسبعون لا تزيد ولا تنقص. فعلمت أنه المراد، وقد
نقلها كذلك الكازروني في شرح المشارق، وبين كل ما جاء من الكتاب والسنة ولم يعز ذلك
إليه وهو محتمل لتواردهما على عد ذلك، وإن كان فيه بعد. وأن يكون ناقلاً عنه، وترك
العزو إليه مع كونه الأولى للاتفاق على مقتضاه. وضبطها كل من البيضاوي والكرماني
بطريقة. قال الحافظ: وقد رأيتها تتفرع عن أعمال القلب وأعمال اللسان وأعمال البدن.
((فأعمال القلب)) المعتقدات والنيات وتشتمل على أربع وعشرين خصلة: الإِيمان بالله،
ويدخل فيه الإِيمان بذاته وصفاته وتوحيده، وبأنه ليس كمثله شيء، واعتقاد حدوث ما دونه،
والإِيمان بملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره، والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه
المسألة في القبر والبعث والنشور والحساب والميزان والصراط والجنة والنار، ومحبة الله
والحب والبغض فيه، ومحبة النبي وَلّر، واعتقاد تعظيمه. ويدخل فيه الصلاة عليه واتباع
سنته، والإِخلاص. ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق، والتوبة والخوف والرجاء والشكر والصبر
والرضا بالقضاء والتوكل والرحمة، والتواضع. ويدخل فيه توقير الكبير ورحمة الصغير وترك
التكبر والعجب وترك الحسد وترك الحقد وترك الغضب. ((وأعمال اللسان)) تشتمل على سبع
خصال: التلفظ بالتوحيد وتلاوة القرآن وتعلم العلم وتعليمه والدعاء والذكر. ويدخل فيه
الاستغفار واجتناب اللغو. ((وأعمال البدن)) تشتمل على ثمان وثلاثين خصلة: ((منها)) ما
يختص بالأعيان وهي خمس عشرة، التطهر حساً وحكماً. ويدخل فيه اجتناب النجاسة وستر
العورة والصلاة فرضاً ونفلاً والزكاة كذلك وفك الرقاب والجود. ويدخل فيه إطعام الطعام
وإكرام الضيف والصيام فرضاً ونفلا والحج والعمرة كذلك، والطواف والاعتكاف والتماس
ليلة القدر والفرار بالدين. ويدخل فيه الهجرة من دار الكفر والوفاء بالنذر والتحري في
الأيمان وأداء الكفارات. ((ومنها)) ما يتعلق بالاتباع وهي ست خصال: التعفف بالنكاح
والقيام بحقوق العيال وبر الوالدين، ومنه اجتناب العقوق وتربية الأولاد وصلة الرحم وطاعة

٣٦٤
كتاب: دليل الفالحين
فَأَفْضَلُها قَوْلُ لَا إِلَه إِلَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الَأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ. والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ
الإِيمانِ»
السادة والرفق بالعبيد. ((ومنها)) ما يتعلق بالعامة: وهي سبع عشرة، القيام بالأمرة مع العدل
ومتابعة الجماعة وطاعة أولي الأمر والإصلاح بين الناس. ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة
والمعاونة على البر، ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود والجهاد،
ومنه المرابطة وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس والقرض مع وفائه وإكرام الجار وحسن
المعاملة، ومنه جمع المال من حله وإنفاق المال في حقه، وفيه ترك التبذير والإسراف ورد
السلام وتشميت العاطس وكف الضرر عن الناس واجتناب اللهو وإماطة الأذى عن الطريق.
فهذه تسع وستون خصلة، ويمكن عدها تسعاً وسبعين باعتبار أفراد ما ضم بعضه إلى بعض.
وقال الحافظ السيوطي في حاشية سنن أبي داود بعد أن رجح رواية بضع وسبعون: وإنه
لا يلتفت إلى الشك فإن غيره من الثقات قد جزم بأنه بضع وسبعون، ورواية من جزم أولى.
قال: ومقصود الحديث إن الأعمال الشرعية تسمى إيماناً وإنها منحصرة في ذلك العدد، غير
أن الشرع لم يعين ذلك العد لنا ولا فصله، وقد تكلف بعض المتأخرين ذلك فتصفح خصال
الشريعة وعددها حتى انتهى بها في زعمه إلى ذلك العدد، ولا يصح له ذلك لأنه يمكن
الزيادة على ما ذكره، والنقصان منه ببيان التداخل. والصحيح ما صار إليه أبو سليمان
الخطابي وغيره أنها منحصرةً في علم الله وعلم رسوله، وموجودةً في الشريعة مفصلةٍ فيها.
غير أن الشرع لم يوقفنا على أشخاص تلك الأبواب ولا عين لنا عددها ولا كيفية انقسامها،
وذلك لا يضرنا في علمنا بتفاصيل ما كلفنا به من شريعتنا ولا في عملنا إذ كل مفصل مبين
في جملة الشريعة، فما أمرنا بالعمل به عملنا وما نهينا عنه انتهينا، وإن لم نحط بحصر
أعداد ذلك اهـ. (فأفضلها) هي خبرٌ لشرطٍ محذوف أي إذا كان الإِيمان ذا شعبٍ متفاوتةٍ
فأفضلها (قول لا إله إلا الله) لإِنبائها عن التوحيد المتعين على كل مكلفٍ، والذي لا يصح
غيره من الشعب إلا بعد صحته فهو الأصل المبني عليه سائرها (وأدناها) أدونها مقداراً من
الدنو بمعنى القرب. ولذا استعمل في مقابلة الأعلى (إماطة) بالمهملة أي: إزالة (الأذى) أي
المؤذي وإن خف كشوكة أو حجر، وفي رواية: ((إماطة العظم)) (عن الطريق) ووجه كونها
أدناها إنها لدفع أدنى ضرر يتوقع حصوله لأحد من الناس (والحياء) بالمد وهو لغة: تغير
وانكسار يعتري الإِنسان من خوف ما يعاب به ويذم عليه. أو انحصار النفس خوف ارتكاب
القبائح، وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح شرعاً. ويمنع من التقصير في حق
ذي الحق (شعبة) عظيمة كما يومىء إليه التنكير (من الإِيمان) لتكفله بحصول سائر الشعب

٣٦٥
١٣ - باب: في بيان كثرة طرق الخير
مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. ((الْبِضْعُ)) مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلى تِسْعَةٍ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَقَدْ تُفْتَحُ. و((الشُّعْبَةُ القِطْعَةُ(١).
١٢٦ - العَاشِرُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ، قَالَ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشي
لأنه يحجز صاحبه عن المعاصي، إذ الحييّ يخاف فضيحة الدارين فينزجر عن كل معصية
ويمتثل كل طاعة، وأرفع الحياء الحياء من الله، وهو ألا يراك حيث نهاك. وإنما ينشأ هذا من
مراقبةٍ ثابتةٍ للحق والمعرفة به وهي مقام الإِحسان. والإِيمان لا يخرج عن فعل المأمور
واجتناب المنهي، فلذا أفرد الحياء بالذكر لأن رتبته متوسطة بين الأعلى والأدنى، ولما
أشار ◌َّ إلى أعلى الشعب وأوسطها وأدناها ترك بيان الباقي للعلم به بالمقايسة إلى أحد تلك
الثلاثة، فمن عرف تلك المقايسة فواضح. ومن لا، فيلزمه الإِيمان بعموم العدد وإن
لم يعرف جميع أفراده، كما يجب الإِيمان بالملائكة وإن جهلت أعيانهم وأسماؤهم كذا في
شرح المشكاة لابن حجر وقال الدميري: إنما جعله بعض الإِيمان. وسيأتي في الحياء
وفضله بسط (متفق عليه) فيه نظرٌ فإن قوله ((فأفضلها قول لا إله إلا اللّه وأدناها إماطة الأذى
عن الطريق)) لمسلم فقط فيؤول كلامه: على أن أصل الحديث بدون هذه الزيادة فيهما، وقد
تنبه لذلك الحافظ السيوطي في الجامع الصغير فقال: بعد إيراده باللفظ المذكور أخرجه
مسلم وأبو داود وابن ماجه ووقع لصاحب المشكاة كما وقع للمصنف واعترضه شارحها
الشيخ ابن حجر المكي بما ذكر. ثم الإخبار عن الإِيمان بأنه كذا وكذا شعبة من باب إطلاق
الأصل وهو الإِيمان على الفرع وهو الأعمال. والحقيقة أنها تنشأ عنه لا أنها هو (والبضع من
ثلاثة إلى تسعة) تقديم التاء أي: ما بينها. هذا هو الأشهر، وفيه حديثٌ مرفوعٌ: ((البضع ما
بين الثلاث إلى التسع)) رواه الطبراني وابن مردويه عن نيار بن مكرم. وقيل: ما بين الثلاثة.
وقيل: اثنين والعشرة. وقيل: من واحدٍ إلى تسعة. وفي القاموس: هو ما بين الثلاث إلى
التسع أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى الأربعة أو من أربع إلى تسع أو هو سبع، وإذا
جاوزت لفظ العشر ذهب البضع، لا يقال بضع وعشرون أو يقال ذلك اهـ. (والشعبة) في
اللغة (القطعة) والغصن من الشجر وفرع كل أصل. وأريد بها في هذا الحديث الخصلة أو
الجزء أي: الإِيمان ذو خصال أو أجزاء متعددة .
١٢٦ - (وعنه أن رسول الله بَلل قال: بينما رجل يمشي بطريق) أي: فيها (اشتد عليه
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الإِيمان باب: أمور الإِيمان (٤٨/١ و٤٩).
وأخرجه مسلم في كتاب: الإِيمان باب: بيان عدد شعب الإِيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه
من الإِيمان. (الحديث: ٣٥).

٣٦٦
كتاب : دليل الفالحين
بِطَرِيقٍ، اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِثْراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ
يَأْكُلُ الثَّرِى مِنَ العَطَشِ. فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ
قَدْ بَلَغَ مِنِّي، فَتَزَلَ الِْثْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءَ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ، فَسَقَى الْكَلْبَ
فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْراً؟ فَقَالَ: ((فِي كُلِّ ..
العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب) منها (ثم خرج فإذا) للمفاجأة (كلب يلهث) يدلع لسانه
من العطش وليس غيره من الحيوان كذلك (يأكل الثرى) أي: التراب الندي. قال الحافظ
في فتح الباري: يجوز أن تكون الجملة خبراً ثانياً وأن تكون حالاً، وفي شرحٍ مسلم
للمصنف يقال: لهث بفتح الهاء وكسرها يلهث بفتحها واللهاث بضم اللام، ورجلٌ لهثان
وامرأة لهثى، وهو الذي أخرج لسانه من شدة العطش اهـ. (من) تعليلية (العطش) وأكله
للثرى لقربه من الماء في التبريد (فقال الرجل) أخذ من قرينة أكله الثرى الذي لا يكون منه
إلا من العطش (لقد بلغ هذا الكلب) بالنصب في النسخ المصححة وكذا ضبطه الزركشي
وشيخ الإِسلام زكريا في تحفته (من) ابتدائية (العطش مثل) فاعل بلغ (الذي كان بلغ بي)
منه (فنزل البئر فملأ خفه) ساقط من رواية البخاري وكذا قوله: ((حتى رقي)) (ثم أمسك بفيه
حتى رقي) بكسر القاف على اللغة الفصيحة المشهورة. ويقال رقى وهي لغة طىء (فسقى
الكلب فشكر الله له) قال العارف بالله ابن أبي جمرة: هل الشكر من الكلب لله أو من الله
لعبده، وإذا قلنا إن الشكر يكون بالقول أو بالحال احتمل والقدرة صالحة، فإذا قلنا إن الشكر
من الله تعالى لعبده فيكون الشكر بمعنى القبول، فكان ◌َ لل يقول قبل الله عمله وأثابه بالجنة
عليه اهـ. وعلى الوجه الأخير اقتصر المصنف في شرح مسلم (فغفر له) وفي الحديث: أن
أفضل القرب الخير المتعدى فإنه إذا جوزي بهذا الجزاء الحسن على هذا الفعل اليسير مع
هذا الحيوان المندوب إلى قتله بشرطه، فكيف به مع من هو صالح. وفيه دليلٌ على
التحضيض على فعل البر وإن قل إذ لا يدرى فيم تكون السعادة. وفيه دليل على أن
الإِخلاص هو الموجب لكثرة الأجر، إذ حال الرجل كان كذلك، إذ هو في البرية ولم يره
أحد حال سقيه وكان مخلصاً في ذلك العمل. وفيه دليل على أن إكمال الأجر يكون بإكمال
العمل يؤخذ من قوله في رواية: ((فسقى الكلب حتى أرواه)) فبإكمال ريه أكمل الله نعمته
عليه. ويؤخذ من الخبر إفساد بعض الأمتعة إذا ترتب عليه الثواب الأخروي، ألا ترى إلى
غرفة الماء بالخف المفسد له عادة، لكن لما كان في ذلك صلاح آخرته فهو في صلاح.
ويؤخذ منه تعب الفاضل للمفضول إذا احتاج المفضول إليه، إذ تعب الرجل للكلب. ونوع

٣٦٧
١٣ - باب: في بيان كثرة طرق الخير
كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوايَةٍ لِلبخارِيِّ: ((فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ فَأَدْخَلَهُ
الْجَنَّةَ)) وَفِي رِوايَةٍ لَهُمَا: ((بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ قَدْ كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ
مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَزَعَتْ مُوقَها فَاسْتَقَتْ لَهُ بِهِ فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ)). ((المُوقُ)):
الْخُفُّ. و((يُطِيفُ)): يَدُورُ حَوْلَ ((رَكِيَّةٍ)) وَهِيَ: الْبِثْرُ(١).
١٢٧ - الْحادي عَشَرَ عَنْه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَ، قَالَ: ((لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا
يَتَقَلَّبُ فِي الجَنَّةِ
الإِنسان أفضل من باقي الحيوان. كذا يؤخذ ملخصاً من بهجة النفوس للعارف ابن أبي جمرة
(قالوا: يا رسول الله) لما ذكر لهم هذه القصة وحرضهم على صنيع المعروف وإن قل. فإن
المقصود من ذكره وله لقصص من مضى التحريض على الفعل الممدوح والنهي عن ضده
وغير ذلك من الفوائد، إذ العبث لا يقع منه # (وإن لنا في) سببية (البهائم) أي: بسببها
(أجراً فقال في كل) أي: في إرواء كل (كبد رطبة أجر) والرطوبة كناية عن الحياة، فإن
الميت يجف جسمه وكبده، وقيل: الكبد إذا ظمئت ترطبت. ففي الحديث: ((الإِحسان إلى
الحيوان المحترم)). وهو ما لا يؤمر بقتله فيحصل بسقيه، والإِحسان إليه الأجر سواء كان حراً
أو مملوكاً له أو لغيره، أما المأمور بقتله فيمتثل أمر الشرع في قتله (متفق عليه. وفي رواية
للبخاري فأدخله الله الجنة) أي: ابتداء مع الناجين، وهي لازمة للرواية السابقة إذ من غفر له
دخلها كذلك. (وفي رواية لهما بينما كلب يطيف) بضم التحتية (بركية) لظمئه (قد) للتقريب
(كاد يقتله العطش) لاشتداده به (إذا رأته بغي) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتية
أي: زانية والبغاء: الزنى ولا تنافي بين كون الفاعل هنا امرأة. وفي الحديث: ((قبله رجلاً)»
لاحتمال تعدد القصة (من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها) بضم الميم وفتح القاف قيل:
خفها. فارسي معرب. وقيل: الذي يلبس فوق الخف، ويقال له الجرموق (فاستقت له
(فسقته) أي: حتى روي (فغفر) بالبناء للمفعول (لها به. الموق: الخف، ويطيف: يدور)
قال في شرح مسلم: بضم الياء يقال طاف وأطاف إذا دار حوله (والركية) بفتح الراء المهملة
وكسر الكاف وشد التحتية (وهي البئر) مطلقاً وقيل: قبل أن تطوى.
١٢٧ - (وعنه عن النبي ◌ّ قال: لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة) أي: يتنعم فيها
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الشرب، باب: فضل سقي الماء والمظالم باب الآبار على الطرق (٣١/٥،
٣٢ و٨٢ و٣٦٦/١٠، ٣٦٧).
وأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: فضل ساقي البهائم المحترقة وإطعامها (الحديث: ١٥٣).

٣٦٨
كتاب : دليل الفالحين
فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ)) رَوَاهُ
مُسْلِمٌ(١) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: ((مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ فَقَالَ وَاللَّهِ لُّأَنَخِّيَنَّ
هذَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ لا يُؤْذِيهِمْ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ)). وفي رِوَايَةٍ لَهُمَا: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشي
بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ)(٢).
١٢٨ - الثَّانِي عَشَرَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَلِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ
فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ
بملاذها (في شجرة قطعها من ظهر الطريق) أي: بسبب قطعه لها (كانت تؤذي المسلمين)
ففيه فضل إزالة الأذى عن الطريق، وقد تقدم أنه من شعب الإيمان. وفيه فضيلة كل ما نفع
المسلمين وأزال عنهم ضرراً (رواه مسلم. وفي رواية له) أي: لمسلم من حديث أبي هريرة
أيضاً مرفوعاً (مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال والله لأنحينَّ) من التنحية الإِزالة
أي: لأزيلن (هذا) أي: المضر (عن) طريق (المسلمين لا يؤذيهم) أي: إرادة ألا يؤذيهم
(فأدخل الجنة) بالبناء للمفعول. وظاهر هذا الخبر دخوله الجنة بمجرد نيته للفعل الجميل،
ويحتمل أنه فعل ذلك. وترك ذكره الراوي إما سهواً وإما لأمرٍ آخر (وفي رواية لهما) عن أبي
هريرة مرفوعاً (بينما رجل) بالرفع لكف بين عن الإِضافة للمفرد لها (يمشي بطريق) أي: فيه
(وجد غصن شوك على الطريق فأخره) بتشديد الخاء المعجمة أي : نحاه عن الطريق. وفي
نسخة فأخذه بتخفيف المعجمة وبالذال المعجمة أي: أخذه من الطريق إذهاباً لضرره
(فشكر الله له) ذلك الفعل اليسير أي: قبله منه (فغفر) بالبناء للفاعل (له).
١٢٨ - (وعنه قال: قال رسول الله ربي من توضأ فأحسن الوضوء) بإسباغه والإتيان بآدابه
وسننه (ثم أتى الجمعة) أي: إلى المسجد لصلاتها. وهي بضم الجيم والميم وسكونها وقد
تفتح سميت بذلك لاجتماع الناس لها (فاستمع) الخطبة (وأنصت) عن الكلام المباح (غفر
له) صغائر (ما بينه وبين الجمعة الماضية) قال بعض أصحابنا: والمراد بما بينهما من صلاة
(١) أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: فضل إزالة الأذى عن الطريق (الحديث: ١٢٧ -
١٢٨ - ١٢٩ - ١٣٠).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: في صلاة الجماعة، باب: فضل التهجير إلى الظهر والمظالم (١١٦/٢
و ٢٠٢١/٤).

٣٦٩
١٣ - باب: في بيان كثرة طرق الخير
ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَا فَقَدْ لَغَا)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
١٢٩ - الثّالِثَ عَشَرَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ، قَالَ: ((إِذَا تَوَضَّأَ
الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْها بِعَيْنَيْهِ
وخطبتها إلى مثل ذلك الوقت من الجمعة الثانية، فيكون سبعة أيام بلا زيادة ولا نقص (و) يضم
إليها (زيادة) عليها ذنوب (ثلاثة أيام) فتكفر ذنوب عشرة أيام. قال العلماء: معنى المغفرة له
ما بين الجمعتين وثلاثة أيام أن الحسنة بعشر أمثالها وصار يوم الجمعة الذي فعل فيه هذه
الأفعال الجميلة في معنى الحسنة التي تجعل بعشر أمثالها (ومن مس الحصى) وفي معناه
سائر العبث في حال الخطبة (فقد لغا) ففي الحديث إشارةٌ إلى الحث على إقبال القلب
والجوارح على الخطبة. والمراد من اللغو الباطل المذموم المردود (رواه مسلم).
١٢٩ - (وعنه أن رسول الله وسلم قال: إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن) شك من الراوي
في أيهما لفظه ◌َّ وإن كان يلزم من تحقق أحدهما شرعاً تحقق الآخر (فغسل وجهه) الفاء
تفصيلية (خرج من وجهه كل خطيئة) صغيرة متعلقة بحق الله تعالى (نظر إليها) أي: إلى
سببها إطلاقاً لاسم المسبب على السبب مبالغة وكذا البواقي (بعينه) قال القرطبي : هذه عبارة
مستعارة المقصود بها الإِعلام بتكفير الخطايا ومحوها، وإلا فليست الخطايا أجساماً حتى
يصح منها الخروج. وفي قوت المغتذى للسيوطي بعد نقل مثله عن ابن العربي : وأقول بل
الظاهر حمله على الحقيقة. وذلك أن الخطايا تؤثر في الباطن والظاهر سواداً يطلع عليه
أرباب الأحوال والمكاشفات والطهارة تزيله، ثم استشهد لتأثير الخطايا بأحاديث ثم قال بعد
نقل حديث تأثير خطايا المشركين في الحجر الأسود حتى صار أسود ما لفظه: فإذا أثرت
الخطايا في الحجر ففي فاعلها أولى، فإما أن يقدر: خرج من وجهه سواد كل خطيئة. أي:
السواد الذي أحدثته. وإما أن نقول: إن الخطيئة نفسها تتعلق بالبدن على أنها جسم لا
عرض بناء على إثبات عالم المثال، وإن ما هو في هذا العالم عرض له صورة في عالم
المثال. وقد حققت ذلك في تأليف مستقل (مع الماء أو مع آخر قطر الماء) أو للشك من
الراوي في أي اللفظين قاله ويسر. ويدلك على أنها للشك زيادة مالك ((أو نحو ذلك)) قيل:
وخصت العين بالذكر مع أن في الوجه الفم والأنف لأنها طليعة القلب ورائده، فأغنت عن
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الجمعة، باب: فضل من استمع وأنصت في الخطبة. (الحديث: ٢٧).

٣٧٠
كتاب: دليل الفالحين
مَعَ الِمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ
بَطَشَتْها يَدَاهُ، مَعَ المَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ
مَشَتْها رِجْلَاهُ، مَعَ المَاءِ أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ المَاءِ حَتَّى يَخْرُجُ نَقِياً مِنَ الذُّنوبِ)»
رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١) .
١٣٠ - الرَّابعَ عَشَرَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَ، قَالَ: «الصَّلَواتُ
الخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضانَ مُكَفِّراتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا
اجْتُنِبَتِ الگبائِرُ»
غيرها. واعترض بأن كونها طليعة لا ينتج الجواب عن تخصيص خطيئتها بالمغفرة، فالذي
يتجه في الجواب أن سبب التخصيص أن كلاً من الفم والأنف له طهارة مخصوصة خارجة
عن طهارة الوجه فكانت متكفلة بإخراج خطاياه، بخلاف العين فإنها ليس لها طهارة إلا في
غسل الوجه، فحطت خطيئتها عند غسله دون غيرها (فإذا غسل يديه خرج من يديه كل
خطيئة كانت) اسمها ضمير الشأن (بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل
رجليه خرجت كل خطيئة مشتها) أي: مشت إليها أو مشت المشية (رجلاه مع الماء أو مع
آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب) الصغائر المذكورة (رواه مسلم) ومالك في
الموطأ.
١٣٠ - (وعنه عن رسول الله وسلم قال الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان
إلى رمضان مكفرات ما بينهن) من الصغائر المتعلقة بحقوق الله تعالى (إذا اجتنبت الكبائر)
قال الحافظ وليّ الدين العراقي: استند العلماء في تقييد الذنوب المكفرة بالعمل الصالح
بالصغائر لهذا الحديث، فجعلوا التقييد فيه مقيداً للإِطلاق في غيره اهـ. ملخصاً. ونظر فيه
ابن دقيق العيد وحكى ابن التين فيه خلافاً فقال: اختلف هل يغفر الله له بهذه المذكورات
الكبائر إذا لم يصر عليها أم لا يغفر له سوى الصغائر؟ قال: وهذا كله لا يدخل فيه مظالم
العباد. وقال القرطبي: لا يعد في أن يكون بعض الأشخاص تغفر له الكبائر والصغائر
بحسب ما يحضره من الإِخلاص ويراعيه من الإِحسان والآداب، وذلك فضل الله يؤتيه من
يشاء اهـ. قلت: وقد سبق إلى ذلك ابن العربي وجزم به فقال: لو وقعت الطهارة باطناً
بتطهير القلب عن أوصاب المعصية وظاهراً باستعمال الماء على الجوارح بشرط الشرع،
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: خروج الخطايا مع ماء الوضوء. (الحديث: ٣٢).

٣٧١
١٣ - باب: في بيان كثرة طرق الخير
رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
١٣١ - الخَامِسَ عَشَرَ عنهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ﴿((أَلَا أَدُلُّكُمْ
واقترنت به صلاة، جرد فيها القلب عن علائق الدنيا وطرد الخواطر واجتمع الفكر على آخر
العبادة، كما انعقد عليه إحرامها واستمر الحال حتى خرج بالتسليم عنها، فإن الكبائر تغفر
وكذلك كان وضوء السلف اهـ. والذي عليه جمهور العلماء أن صالح العمل لا يكفر
الكبائر، إنما يكفرها التوبة أو فضل الله تعالى. قال المصنف: وقد يقال: إذا كفر الوضوء
فماذا تكفر الصلوات، وإذا كفرت الصلوات فماذا تكفر الجمعات ورمضان وغيرها مما ورد
فيه ذلك؟ فالجواب ما أجاب به العلماء: أن كل واحد من هذه المذكورات صالحٌ للتكفير،
فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن لم يصادف كبيرة ولا صغيرة كتبت له به حسنات
ورفعت له به درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجونا أن يخفف عنه
منها. واعترضه ابن سيد الناس في قوله: رجونا إلخ. بأن هذا موقوف على التوقيف لا مجال
فيه لغيره. قال السيوطي: استشكل بأن الصغائر مكفرةً باجتناب الكبائر، وحينئذ فما الذي
تكفره الصلوات. والتحقيق في الجواب ما أشار إليه البلقيني أن الناس أقسام: من لا ذنب له
مطلقاً، وهذا له رفع الدرجات، ومن له صغائر بلا إصرار فهي المكفرة باجتناب الكبائر إلى
موافاة الموت على الإِيمان، ومن له صغائر مع الإصرار فهي التي تكفر بصالح الأعمال،
ومن له كبائر وصغائر، فالمكفر بصالح العمل الصغائر فقط، ومن له كبائر فقط فيكفر منها
على قدر ما كان يكفر من الصغائر اهـ. قال شيخ الإِسلام زكريا: فإن قلت يلزم من جعل
الصغائر مكفرة بالمذكورات عند اجتناب الكبائر اجتماع سببين على سبب واحد، وهو
ممتنع. قلت: لا مانع من ذلك في الأسباب المعروفة لأنها علامات لا مؤثرات، كما في
اجتماع أسباب الحدث اهـ. وقوله: ((إذا اجتنبت الكبائر إلخ)) قال العلقمي في حاشيته على
الجامع الصغير: قال شيخنا يعني السيوطي قال النووي معناه: أن الذنوب كلها تغفر إلا
الكبائر فإنها لا تغفر، وليس معناه أن الذنوب تغفر ما لم تكن كبيرة، فإن كانت فلا يغفر شيء
فإن هذا وإن كان محتملاً فسياق الأحاديث يأباه (رواه مسلم) ورواه أحمد والترمذي .
١٣١ - (وعنه قال: قال رسول الله ويليه: ألا) بتخفيف اللام أداة استفتاح ليتنبه السامع لما
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان
مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر. (الحديث: ١٦).

٣٧٢
كتاب : دليل الفالحين
عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟)) قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ:
(إِسْباغُ الْوُضُوءِ عَلَى المَكارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطا إِلَى المَساجِدِ، وَانِتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ
الصَّلاةِ؛ فَذَلِكُمُ الرِّباطُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
بعدها (أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا) أي من ديوان الحفظة أو يمحو بمعنى: يغفر
(ويرفع به الدرجات) أي: المنازل في الجنة (قالوا بلى) هي الإيجاب النفي المذكور في
السؤال أي: دلنا على ذلك يا رسول الله (قال: إسباغ الوضوء) أي: استيعاب أعضائه
بالغسل والمسح مع استيفاء آدابه ومكملاتها (على) بمعنى: مع (المكاره) جمع مكره بفتح
الميم. من الكره المشقة والألم (وكثرة الخطا إلى المساجد) فيه فضل الدار البعيدة عن
المسجد على القريبة. ويؤيده الخبر الآتي: ((دياركم تكتبٍ آثاركم)) ولا ينافيه عده وَّ من
شؤم الدار بعدها من المسجد، لأن بعدها وإن كان فيه شؤم من حيث إنه قد يؤدي إلى
تفويت لكن فيه فضل عظيم إذا توجه منها إلى الصلاة بالمسجد، فشؤمها وفضلها باعتبارين
فلا تنافي (وانتظار الصلاة) أي: وقتها أو جماعتها (بعد الصلاة) منفرداً أو في جماعة. وذلك
بأن يجلس في المسجد أو في بيته أو سوقه أو شغله لانتظارها، وذلك لتعلق فكره وقلبه بها،
فهو دائم الحضور والمراقبة غير ملته عن أفضل العبادات البدنية بشيء (فذلكم) عدل إليه
عن فهذا الذي هو القياس للدلالة على بعد منزلته وعظمها (الرباط) لا غيره كما أفاده تعريف
الجزأين الدال على الحصر لكنه إضافي، أي: ما ذكرت من تلك الثلاث هو المستحق لاسم
الرباط، والرباط الحقيقي وهو ملازمة الثغر لحفظ عورة المسلمين، لا يستحق ذلك الاسم
بالنسبة إليها لما فيها من أعظم القهر لأعدى عدو الإِنسان وهي نفسه الأمارة بالسوء، وقمع
شهواتها وقلع مكائد الشيطان من جميع أجزائها، فإن هذه الأعمال تسد طرق الشيطان
والهوى عن النفس وتقهرها وتمنعها من قبول الوسواس والشهوات. فكانت هي الرباط
الحقيقي وهو الجهاد، وفي هذا أعظم تأييد لخبر رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر
أي: من جهاد العدو إلى جهاد النفس. إذ جهاد الكفار إنما شرع بالخروج عن النفس
والأولاد والأموال لإعلاء كلمة الله تعالى مع تكميل النفس بخروجها عن مألوفاتها
ومستلذاتها، لكنه لا يدوم زمنه بل يكون برهة وتنقضي. وهذه الأعمال دائمة وذلك التكميل
موجود فيها بزيادة (رواه مسلم) وعند مالك: ((فذلكم الرباط فذلكم الرباط)) وردد مرتين.
وفي رواية الترمذي ثلاثاً. وحكمته مزيد تقرير ذلك، والاهتمام بشأنه المرة بعد المرة.
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، باب: فضل إسباغ الوضوء على المكاره (الحديث: ٤١).

٣٧٣
١٣ - باب: في بيان كثرة طرق الخير
١٣٢ - السَّادِسَ عَشَرَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ.
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: ((مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الجَنَّةَ)) مُتَّفَقُ عَلَيْهِ. ((البَرْدَانِ)»:
الصُّبْحُ وَالعَصْرُ(١).
١٣٣ - السَّابِعَ عَشَرَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((إِذَا مَرِضَ
١٣٢ - (وعن أبي موسى الأشعري) تقدمت ترجمته أول باب الإِخلاص (رضي الله عنه
قال: قال رسول الله وَالله: من صلى البردين) بفتح الموحدة وسكون الراء تثنية برد. والمراد:
صلاة الفجر والعصر كما سيأتي. زاد مسلم في روايته يعني العصر والفجر. قال الخطابي :
سميا بردين لأنهما يصليان في بردي النهار وهما طرفاه حين يطيب الهواء وتذهب شدة الحر
(دخل الجنة) قال العلقمي قال القزاز في وجه تخصيص هذين الوقتين ما حاصله: من
موصولة لا شرطية. والمراد: من صلاهما أول فرض الصلاة ثم مات قبل فرض الخمس
فإنها فرضت أولاً ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، ثم فرضت الخمس قال فهو خبر عن
ناس مخصوصين لا عموم فيه. قلت: ولا يخفى ما فيه من التكلف وإلا وجه أن من شرطية
وقوله: دخل الجنة جواب الشرط. وعدل إليه عن المضارع إرادة التأكيد في وقوعه بجعل
ما سيقع كالواقع اهـ. وعلى الأوجه فوجه تخصيصهما بالذكر أن وقت الصبح يكون عند
النوم ولذته، ووقت العصر يكون عند الاشتغال بتتمات أعمال النهار وتجارته وتهيئة العشاء.
ففي صلاته لهما مع ذلك دليل على خلوص النفس من الكسل ومحبتها للعبادة، ويلزم من
ذلك إتيانه بجميع الصلوات الأخر، وأنه إذا حافظ عليهما كان أشد محافظة على غيرهما،
فالاقتصار عليهما لما ذكر لا لإِفادة أن من اقتصر عليهما بأن أتى بهما دون باقي الخمس
يحصل له ذلك، لأنه خلاف النصوص. وقيل: المراد بالبردين الصبح والعشاء ووجه
تخصيص العشاء أن في وقتها يكثر النعاس فيثقل البدن بواسطته مع الامتلاء بالعشاء،
فتتعطل الحركة فتشق الصلاة. وأسبابها حينئذ مشقة ظاهرة، فمن صلاها مع ذلك استحق
دخول الجنة من غير سابقة عذاب (متفق عليه البردان الصبح والعصر).
١٣٣ - (وعنه قال: قال رسول الله ◌َّي: إذا مرض العبد) قال في الصحاح: المرض
(١) أخرجه البخاري في كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة الفجر (٤٣/٢).
وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة
عليهما. (الحديث: ٢١٥).

٣٧٤
كتاب: دليل الفالحين
العَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقيماً صَحِيحً)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١)
١٣٤ - الثَّامِنَ عَشَرَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مِ ﴿: «كُلُّ
مَعْروفٍ صَدَقَةٌ)) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ(٢).
١٣٥ - التَّاسِعَ عَشَرَ وَعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَا مِنْ
السقم اهـ. وفي المصباح: مرض الحيوان مرضاً من باب تعب، والمرض حال خارجة عن
الطبع ضار بالطبع. ويعلم من هذا أن الآلام والأورام أعراض عن المرض (أو سافر) أي:
في غير معصية قال الجوهري: السفر قطع المسافة. وفي المصباح: سفر الرجل سفراً من
باب ضرب، فهو سافر والجمع سفر مثل راكب وركب. والاسم السفر بفتحتين وهو قطع
المسافة. يقال: إذا خرج للارتحال أو لقصد موضع فوق مسافة العدوى سفر. وقال بعض
المصنفين: أقل السفر يوم انتهى. والحديث شامل لطويل السفر وقصيره بأن يخرج لضيعة أو
إلى مكان لا تلزمه فيه الجمعة، لعدم سماعه النداء. ولا يخالف قول المصباح إن أهل
العرف لا يسمونه سفراً، فإن المراد سفراً طويلاً (كتب له) من البر (مثل ما كان يعمل مقيماً
صحيحاً) وعند أبي داود كأصلح ما كان يعمل. وهو صحيح مقيم قال ابن بطال هذا في أمر
النوافل، أما صلاة الفرض فلا تسقط بسفر أو مرض (رواه البخاري) ورواه أحمد وغيره.
ويؤخذ من الحديث تأييد من ذهب إلى أن الأعذار في ترك الجماعة مسقطة للحرج محصلة
للفضيلة، خلافاً للمصنف في الأخيرِ وحملَ كلامُ المصنف على من لم يعتد ملازمتها مع
عدم العذر، أو لم ينوها لولا العذر، وكلام غيره على ما إذا نواها وكان معتاداً لها.
١٣٤ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﴿ ﴿ كل معروف) أي: كل ما يفعل
من أعمال البر والخير (صدقة) أي: ثوابه كثوابها فإطلاقها على ذلك بطريق الاستعارة كما
تقدم (رواه البخاري) وأحمد (ورواه مسلم) وأحمد وأبو داود (من حديث حذيفة رضي الله
عنه) فلا يقال فيه: متفق عليه، لأن الشيخين لم يتفقا على سنده وإن اتفقا على معناه ومبناه.
١٣٥ - (وعنه قال: قال رسول الله وَله: ما من مسلم يغرس غرساً) بالفتح مصدر (إلا كان
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد باب يكتب للمسافر ... إلخ (٩٥/٦).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف
(الحدیث) ٥٢).

٣٧٥
١٣ - باب: في بيان كثرة طرق الخير
مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسَاً إِلَّ كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَلا يَرْزَؤُهُ
أَحَدٌ إِلَّ كَانَ لَهُ صَدَقَةً)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وفي رِوايَةٍ لَهُ: ((لاَ يَغْرِسُ المُسْلِمُ غَرْسَاً فَيَأْكُلُ
مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلَ دَابَّةٌ وَلاَ طَيْرُ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً إِلَى يَوْمِ القِيامَةِ)) وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ
((لاَ يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْساً وَلاَ يَزْرَعُ زَرْعاً فَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلَ دَابَةٌ وَلاَ شَيْءٌ إِلَّ كَانَتْ لَهُ
صَدَقَةً)) وَرَوَيَاهُ جَمِيعَاً مِنْ رِوَايَةٍ أَنَسٍ
ما أكل منه) أي: مما غرسه (له صدقة) يعني: يحصل للغارس ثواب التصدق بالمأكول إن
لم يضمنه الآکل (وما سرق منه له صدقة) يعني يحصل له مثل ثواب صدقة المسروق، وليس
المعنى أن المأخوذ صار ملكاً للآخذ، كما لو تصدق به عليه (ولا يرزؤه) بفتح التحتية وراء
مهملة ثم زاي ثم همزة. وسيأتي أن معناه ينقصه (أحد إلا كان له صدقة رواه مسلم. وفي
رواية له:) أي: لمسلم عن جابر (لا يغرس المؤمن غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان)
أي: على وجه التصدق عليه والإِكرام، أو بطريق الغصب ما لم يؤد بدله (ولا) تأكل منه أو
تتلفه (دابة) لعل المراد منها كل ما يدب على الأرض لكونه أعم (ولا طير) قيل: إنه اسم
جمع لطائر، وقيل: جمع له كصحب وصاحب (إلا كان) أي: المأكول (له) في محل الحال
و (صدقة) خبر كان ويستمر ما استمرت هي أو ما تولد منها (إلى يوم القيامة) قال الأبي ولا
يبعد أن يدوم له الثواب، وإن انتقل الملك إلى غيره إلى يوم القيامة وهذا ممكن في الغراس
قلت: قال ابن العربي: من سعة كرم الله تعالى أن يثيب على ما بعد الحياة كما يثيب على
ذلك في الحياة، وذلك في ستة: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له أو غرس
أو زرع أو الرباط، فللمرابط ثواب عمله إلى يوم القيامة. قلت: ولا يختص حصول هذه
الصدقات بمن باشر الغرس أو الزراعة، بل يتناول من استأجر لعمل ذلك، والصدقة حاصلة
حتى فيما عجز عن جمعه كالسنبل المعجوز عنه بالحصد، فيأكل منه حيوان فإنه مندرج
تحت مدلول الحديث. (وفي رواية له) عن جابر أيضاً (لا يغرس) بالرفع (المسلم غرساً ولا
يزرع) أي المسلم (زرعاً) والغرس في الأشجار (فيأكل) بالنصب في جواب النفي (منه) أي
من ثمرة ما ذكر (إنسان ولا دابة ولا شيء) أي: من طائر وجني فهو أعم من الروايات قبله
(إلا كانت) أي: الزروع والمغروسات. فالتأنيث لذلك أو نظراً إلى تأنيث الخبر (له صدقة
وروياه) أي: الشيخان (من رواية أنس بن مالك) قال المصنف: وقد اختلف العلماء في
أطيب المكاسب وأفضلها فقيل: التجارة. وقيل: الصنعة باليد وقيل: الزراعة وهو الصحيح .
وفي الحديث: ((أن الثواب في الآخرة مختص بالمسلمين وأن الإِنسان يثاب على ما سرق

٣٧٦
كتاب : دليل الفالحين
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَولُهُ: ((يَرْزَؤُهُ)): أَيْ يَنْقُصُهُ(١).
١٣٦ - العِشْرونَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلوا قُرْبَ المَسْجِدِ
فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿َ، فَقَالَ لَهُمْ: ((إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ
المَسْجِدِ؟)) فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ: ((بَنِي سَلِمَةَ: دِيَارَكُمْ
تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِنَّ بِكُلِّ خَطْوَةٍ
دَرَجَةً)) وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضَاً بِمَعْناهُ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. و((بُنْو سَلِمَةَ))
بِكَسْرِ اللَّامِ : قَبِيلَةٌ مَعْروفَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ و ((آثَارُهُمْ)): خُطَاهُمْ(٢) ..
من ماله أو أتلفته دابة أو طائر أو نحوهما)) (قوله) في الحديث (يرزؤه أي ينقصه).
١٣٦ - (وعنه قال أراد بنو سلمة) بكسر اللام. قبيلة معروفة من الأنصار. قال ابن
عبد البر في كتاب الأنساب: إنه سلمة بن سعد بن الخزرج. وقال الكازروني في شرح
المشارق: قبيلة منسوبة إلى سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن سادرة بن زيد بن جشم بن
الخزرج بن حارثة. وهم بطن من الأنصار (أن ينتقلوا) من منزلهم الذي كانوا به وكان بعيداً
من المسجد النبوي (قرب المسجد) لخلوه كما صرح به في رواية في مسلم (فبلغ ذلك) أي
إرادتهم التحول (النبي ◌َّ فقال لهم: إنه) الضمير للشأن (بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا
قرب المسجد فقالوا: نعم قد أردنا ذلك فقال بني سلمة ) بحذف حرف النداء (دياركم)
منصوب على الإِغراء أي: الزموا دياركم ولا تنتقلوا إلى قرب المسجد (تكتب) بالجزم
جواب الشرط المقدر (آثاركم) أي: آثار أقدامكم وخطاكم إلى الجمعة والجماعة (رواه
مسلم. وفي رواية:) لمسلم عن جابر فنهانا رسول الله ول﴾ (فقال: إن لكم بكل خطوة) تقدم
أنه بضم الخاء ما بين القدمين وبفتحها المرة من الخطوات (درجة) أي: في الجنة (ورواه
البخاري أيضاً بمعناه من رواية أنس) ولفظ روايته قال قال النبي وسلم: ((يا بني سلمة ألا
تحتسبون آثاركم)) (وبنو سلمة بكسر اللام) والنسبة إليها السلمي بفتح أوليه من تغيير النسب
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الحرث والمزارعة، باب: فضل الزرع والغرس (٢/٥).
وأخرجه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: فضل الغرس والزرع (الحديث: ٨ - ٩ - ١٠ - ١٢).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الجماعة، باب: احتساب الآثار (١١٧/٢).
وأخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل كثرة الخطا إلى المساجد. (الحديث:
٢٧٩ - ٢٨١).

٣٧٧
١٣ - باب: في بيان كثرة طرق الخير
١٣٧ - الحَادِي وَالعِشْرونَ: عَنْ أَبِي المُنْذِرِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
كَانَ رَجُلٌ لَا أَعْلَمُ رَجُلًا أَبْعَدَ مِنَ المَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَةٌ، فَقِيلَ لَهُ،
أَوْ فَقُلْتُ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَاراً تَرْكَبُهُ فِي الظُّلْمَاءِ وَفِي الرَّمْضَاءِ؟ فَقَالَ: مَا يَسُرُّنِي
أَنَّ مَنْزِي إِلى جَنْبِ المَسْجِدِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشايَ
(قبيلة معروفة من الأنصار وآثارهم) بالمد (خطاهم) بضم الخاء جمع خطوة أي : خطواتهم
في ذهابهم إلى المسجد للجمعة والجماعة.
١٣٧ - (وعن أبي المنذر) بضم الميم وسكون النون بعدها ذال معجمة فراء مهملة وهذه
الكنية كناه بها رسول اللّه الر، ويكنى بأبي الطفيل ولده كناه بها عمر بن الخطاب (أُبي) بضم
الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتية (ابن كعب) ابن قيس بن عبيد بن عبد يزيد بن
معاوية بن عمروبن مالك بن النجار - واسم النجار: تيم اللات. وقيل تيم الله. وسمي
بالنجار قيل: لأنه اختتن بالقدوم. وقيل: لأنه ضرب وجه زوجته بالقدوم فنجره ـ- ابن
ثعلبة بن عمروبن الخزرج الأكبر الأنصاري الخزرجي النجاري القارئي المدني
(رضي الله عنه) شهد أبي العقبة الثانية في السبعين من الأنصار، وشهد بدراً وغيرها من
المشاهد مع رسول الله ﴾. روى عن رسول اللّه وَّل مائة حديث وأربعة وستين حديثاً، اتفقا
منها على ثلاثة وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بسبعة. وله فضائل كثيرة، ومن أسناها: حديث
الصحيحين عن أنس أن رسول اللّه وَلهل قرأ على أبي بن كعب سورة ((لم يكن الذين كفروا))
وقال: ((أمرني الله عز وجل أن أقرأ عليك)) وهي منقبة عظيمة لم يشاركه فيها غيره. توفي
بالمدينة ودفن بها قيل: سنة ثلاثين في خلافة عثمان. قال أبو عثمان الأصفهاني: وهو
الصحيح. وقال ابن عبد البر: الأكثر على أنه مات في خلافة عمر، كذا نقل ملخصاً من
التهذيب للمصنف (قال: كان رجل) لم أرَ من سماه (لا أعلم رجلاً أبعد) الناس منزلاً (من
المسجد منه وكان لا تخطئه) بضم الفوقية أي: تفوته (صلاة فقيل له أو فقلت له) شك من
الراوي عن أبي، ويحتمل أن يكون منه بأن نسي أيهما كان لطول الزمان (لو) للتمني فلا
تحتاج لجواب، ويحتمل أن تكون شرطية وحذف جوابها أي: لكان أحسن لفهمه من السياق
(اشتريت حماراً تركبه في) الليلة (الظلماء وفي الرمضاء فقال ما يسرني) أي: يعجبني (أن
منزلي إلى جنب المسجد) لما يفوت بالقرب من أجر تعدد الخطا المرتب على بعد الدار منه
(إني أريد أن يكتب) بالبناء للمفعول، ويحتمل أن يكون مبنياً للفاعل (لي) أجر (ممشاي)

٣٧٨
كتاب: دليل الفالحين
إِلَى المَسْجِدٍ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ
ذَلِكَ كُلَّهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ)). ((الرَّمْضَاءُ)): الْأَرْضُ الَّتي
أَصَابَها الحَرُّ الشَّديدُ(١).
١٣٨ - الثَّانِي والعِشْرونَ عَنْ أَبِي محَمَدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِوبْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((أَرَبَعُونَ خَصْلَةٌ أَعْلَاهَا مَنِيحَةُ العَنْزِ مَا مِنْ عَامِلٍ
أي: مشبي فهو مصدر ميمي (إلى المسجد و) أجر (رجوعي إلى أهلي) منه (إذا رجعت) فيه
إثبات الثواب في الرجوع من الصلاة كما في الذهاب إليها (فقال رسول الله وكلية: قد
جمع الله لك) لصحة نيتك وحسن قصدك (ذلك) أي: الذي رجوت (كله) تأكيدٌ معنوي
(رواه سلم. وفي رواية) لمسلم (أن لك) أي: عند الله أجر (ما احتسبت) أي: عملته من
تكثير الخطا في الذهاب إلى المساجد احتساباً (الرمضاء) بالمد (الأرض التي أصابها الحر
الشدید) حتی حمیت من ذلك.
١٣٨ - (وعن أبي محمد) وقيل: أبو عبد الرحمن. وقيل: أبو نصير بضم النون
(عبد الله بن عمرو بن العاص) بن وائل بن هاشم بن سعيد مصغراً ابن سهم بن عمرو بن
هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي السهمي الزاهد العابد الصحابي ابن الصحابي
(رضي الله عنهما) بينه وبين أبيه في السن ثنتا عشرة سنة. أسلم قبل أبيه وكان كثير العلم
مجتهداً في العبادة. تلّء للقرآن، وكان أكثر الناس أخذاً للحديث والعلم عن
رسول الله ﴾. ثبت في الصحيح عن أبي هريرة قال: ما كان أحدٌ أكثر حديثاً عن
رسول الله ب18َّ مني إلا عبد الله بن عمرو كان يكتب ولا أكتب. روي له عن رسول الله وَالآ.
سبعمائة حديث، اتفقا على سبعة عشر منها وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بعشرين. وإنما
قلّت الرواية عنه مع كثرة ما حمل لأنه سكن مصر، وكان الواردون إليها لأخذ العلم قليلين.
بخلاف أبي هريرة فإنه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة. روي عنه قال:
حفظت عن النبي ◌َّ ألف مثل وأنه قال: لخير أعمله لله اليوم أحب إليَّ من مثليه مع
رسول الله وَل، لأنا كنا مع رسول الله وَ ل تهمنا الآخرة ولا تهمنا الدنيا، وإنا اليوم مالت بنا
الدنيا. توفي بمصر سنة ثلاث وقيل: خمس وستين. وقيل: بمكة سنة ست وستين. وقيل:
(١) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل كثرة الخطا إلى المساجد (الحديث:
٢٧٨).

٣٧٩
١٣ - باب: في بيان كثرة طرق الخير
يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعودِها إِلَّ أَدَخْلَهُ اللَّهُ بِهَا الجَنَّةَ)) رَوَاهُ
بالطائف سنة خمس وخمسين. وقيل: ثمان وستين. وقيل: ثلاث وسبعين، وهو ضعيف،
كان عمره اثنتين وسبعين سنة رضي الله عنه، وسيأتي ما يتعلق بياء ((العاصي)) إثباتاً وحذفاً في
باب تحريم الظلم (قال: قال رسول الله وَليل أربعون خصلة) بفتح المعجمة وسكون المهملة
أي: نوعاً من البر (أعلاها) في المرتبة (منحة) بكسر الميم وسكون النون وفتح المهملة.
وهي: العطية. وأصلها عطية الناقة أو الشاة. ويقال: لا يقال منيحة إلا للناقة وتستعار للشاة .
قال إبراهيم الحربي: يقولون منحتك الناقة أغرستك النخلة أعمرتك الدار أخدمتك العبد كل
ذلك هبة منافع كذا في فتح الباري: وقال في أواخر باب الهبة: من الفتح أربعون مبتدأ
أعلاهن مبتدأ ثان ومنيحة خبر الثاني والجملة خبر الأول اهـ. وفي نسخة منيحة بوزن
عظيمة (١) (العنز) بفتح المهملة وسكون النون بعدها زاي معروفة. وهي واحدة المعز
والجمع أعنز وعنوز وعناز (ما من) زائدة لتأكيد العموم واستغراقه (عامل) أي: وهو مسلم
(يعمل خصلة) وفي نسخة بخصلة بزيادة باء (منها رجاء) ممدود مفعول لأجله (ثوابها)
من الله تعالى (وتصديق) منصوب أيضاً (موعودها) أي: ما وعد به فيها، فالإِضافة لأدنى
ملابسة (إلا أدخله الله بها) أي: بسبب قبوله عمله بفضله ومنه (الجنة) فدخولها بفضله لا
بعمله. أي: مع الفائزين وتمام الحديث كما في البخاري: قال حسان فعددنا ما دون منيحة
المعز من رد السلام وتشميت العاطس وإماطة الأذى عن الطريق ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ
خمس عشرة خصلة اهـ. قال الحافظ العسقلاني : قال ابن بطال ما ملخصه: ليس في قول
حسان ما يمنع من وجدان ذلك، وقد حض ري سيلر على أبواب من أبواب الخير والبر لا تحصى
كثرة. ومعلوم أنه وسير كان عالماً بالأربعين المذكورة، وإنما لم يذكرها لمعنى هو أنفع لنا من
ذكرها، وذلك خشية أن يكون التعيين لها مزهداً في غيرها من أنواع البر. قال: وقد بلغني أن
بعضهم تطلبها فوجدها تزيد على الأربعين فمما زاده إعانة الصانع والصنعة لأخرق، وإعطاء
شسع النعل والستر على المسلم والذب عن عرضه وإدخال السرور عليه والتفسح له في
المجلس والدلالة على الخير والكلام الطيب والغرس والزرع والشفاعة وعيادة المريض
والمصافحة والمحبة في الله والبغض لأجله والمجالسة والتزاور والنصح والرحمة، وكلها في
الأحاديث الصحيحة وفيها ما قد ينازع في كونه دون منيحة العنز، وحذفت مما ذكر أشياء
(١) في القاموس منحه الناقة جعل له وبرها ولبنها وولدها وهي المنحة - أي بكسر فسكون - والمنيحة - أي
بفتح فکسر. ع.

٣٨٠
كتاب : دليل الفالحين
البُخاريُّ. ((المَنِيحَةُ)): أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهَا لِيَأْكُلَ لَبنَها ثُمَّ يَرُدُّها إِلَيْهِ(١)
١٣٩ - الثَّالثُ والِعِشْرونَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ
النَّبِيَّ وَ يَقُولُ: ((اتَّقوا النَّار وَلَوْ بِشَقِّ تَمْرَةٍ)) متَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْهُ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمانَ، فَيَنْظُرُ
أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَ يَرَى إِلَّ مَا قَدَّمَ، ويَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلا يَرِىْ إلَّ ما قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ
تعقب ابن المنير بعضها، وقال: إن الأولى ألا يعتني بعدها لما تقدم. وقال الكرماني : جميع
ما ذكره رجم بالغيب، ثم من أين عرف أنها أدنى من المنحة؟ قلت: وإنما أردت بما ذكرته
منها تقريب الخمس عشرة التي عدها حسان بن عطية، وهي إن شاء الله لا تخرج عما
ذكرته، ومع ذلك فأنا موافق لابن بطال في إمكان تتبع أربعين خصلة من خصال الخير،
أعلاها منيحة العنز وموافق لابن المنير في رد كثير مما ذكره ابن بطال مما هو ظاهر أنه فوق
المنحة اهـ. كلام الحافظ (رواه البخاري) ورواه أبو داود أيضاً (المنيحة) بوزن عظيمة (أن
يعطيه إياها ليأكل لبنها ثم يردها إليه) هذا أحد معنييها كما سيأتي في باب الكرم والجود عن
أبي عبيد.
١٣٩ - (وعن عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَل يقول:
اتقوا النار) بأن تتخذوا ما يقيكم من عذابها من صالح العمل والصدقة (ولو) كان التصدق
(بشق) بكسر الشين المعجمة أي: نصف (تمرة) قال السيوطي في مختصر النهاية : شق كل
شيء نصفه. وقال ابن ملك: هنا ببعض تمرة، وتجوز بالشق عنه (متفق عليه) ورواه النسائي
من حديث عدي أيضاً، ورواه أحمد عن عائشة والبزار والطبراني في الأوسط والضياء والبزار
عن النعمان بن بشير، وعن أبي هريرة والطبراني في الكبير عن ابن عباس وعن أبي أمامة .
كذا في الجامع الصغير للسيوطي (وفي رواية لهما) أي: للشيخين (عنه) أي: عن عدي
(قال قال رسول الله ير ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه) بالكلام النفسي القائم بذاته عز
وجل، ويسمعه كما يريد الله كما سمعه الكليم (ليس بينه) أي: الله (وبينه) أي: المكلم
(ترجمان) بضم الفوقية وتفتح الذي يترجم الكلام من لغة إلى أخرى والألف والنون
زائدتان. قال ابن ملك: والمراد هنا الرسول لأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء. فيكون
كلامه في الآخرة بالوحي لا بالرسول (فينظر العبد أيمن منه) أي: في الجانب الأيمن (فلا
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الهبة، باب: فضل المنيحة (١٠٨/٥).