Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ ٣ - باب: في الصبر فِيْنَا بِالعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىَ قَالَ لِنَبِيْهِ ﴿: ((خُذِ العَفْوَ، وَأْمُرْ بالعُرْفِ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلينَ)) وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلينَ، وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا، وَكَانَ وَقَّافاً عِنْدَ كِتابِ اللَّهِ تَعَالَى. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١). ٥١ - وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ﴿ِ، قَالَ: ((إِنَّها سَتَكُونُ يستأثر به عن مستحقيه (ولا تحكم فينا بالعدل) وهو ما جاء به الكتاب، والسنة نصاً، أو استنباطاً (فغضب عمر رضي الله عنه) أي: لما رماه به من منع المال عن مستحقه من الأنام، وعدم العدل في الأحكام (حتى هم) بتشديد الميم أي : أراد (أن يوقع به) بضم التحتية وكسر القاف، والمفعول محذوف أي: شيئاً من العقوبة، وذلك لجفائه، وسوء أدبه معه (فقال له) أي: لعمر، وقدمه على الفاعل اهتماماً به (الحر: يا أمير المؤمنين) تقدم أول الكتاب أنه أول من لقب به من الخلفاء (إن الله تعالى قال لنبيه وية) محرضاً له على الحلم والصفح أي : ولكم في رسول الله أسوة حسنة (خذ العفو) التيسير من أخلاق الناس ولا تبحث عنها. وفي البخاري عن عبد الله بن الزبير: ((ما نزلت: خذ العفو وأمر بالعرف. إلا في أخلاق الناس)) وفي رواية قال: ((أمر رسول الله وميّ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس)) وكذا في جامع الأصول (وأمر بالعرف) أي: المعروف (وأعرض عن الجاهلين) فلا تقابلهم بسفههم. روي أنه ((لما نزلت هذه الآية قال رسول الله وَسير لجبريل: ما هذا؟ قال لا أدري حتى اسأل. ثم رجع فقال إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك. وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك)). ذكره البغوي في تفسيره بلا سند قال جعفر الصادق: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه (وإن هذا من الجاهلين) المأمور به بالصفح عنهم، والتجاوز عن سوء فعلهم، والخطاب له وَّيّ يدخل في حكمه أمته إلا ما قام الدليل على اختصاصه به (والله ما جاوزها) أي: الآية (عمر) أي: ما خرج عما تضمنته من الصفح، والتجاوز (حين تلاها) الحر عليه (وكان وقافاً عند) حدود (كتاب الله) كناية عن امتثاله لها، والاهتمام بأمرها، وعدم تجاوز ذلك والوقاف بالتشديد للثاني من الوقوف كذا في النهاية (رواه البخاري) في التفسير، وفي الاعتصام. ٥١ - (وعن) عبد الله (بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله وم ثير قال: إنها ستكون) (١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير/ الأعراف، باب: خذالعفو وأمر بالعرف. وفي الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: الاقتداء بسنن رسول اللّه ◌َا (٢٢٩/٨ و٢١٧/١٣، ٢١٩). ٢٠٢ كتاب: دليل الفالحين بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرونَها))، قَالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: ((تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. و((الأثَرَةُ): الانْفِرَادُ بِالشَّيْءٍ عَمَّنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ (١). ٥٢ - وَعَنْ أَبِي يَحْيَى أُسَيْد بْنِ حُضَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأنْصَارِ قَالَ: تحصل (بعدي) أي: بعد وفاتي بمدة كما تومىء إليه السين (أثرة) بالمثلثة والراء اسم مصدر استأثر، أو اسم مصدر آثر يؤثر أي: يستأثر عليكم أي: يفضل غيركم في نصيبه من الفيء، والاستئثار الانفراد بالشيء (وأمور تنكرونها) كما وقع من تأخير الصلوات، وبعض المنكرات (قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا) نفعله حينئذ (قال: تؤدون) بضم الفوقية وفتح الهمزة وتشديد المهملة أي: تعطون (الحق الذي) كتب (عليكم) من الانقياد لهم، وعدم الخروج عليهم (وتسألون الله الذي لكم) من الحق في بيت مال المسلمين، أي: تطلبون منه ذلك، وهو يسخر قلوبهم لأداء ذلك، أو يعوضكم عنه، ولا يجوز لكم الخروج عليهم لمنع أداء الحق الواجب عليهم، وما نقل عن بعض السلف من الخروج على ولاة زمنه فذاك اجتهاد له. وفي الحديث الصبر على المقدور، والرضا بالقضاء حلوه، ومره، والتسليم لمراد الرب العليم الحكيم (متفق عليه) رواه البخاري في علامات النبوة وفي الفتن، ورواه مسلم في المغازي ورواه الترمذي في جامعه وقال: حسن صحيح (والأثرة) بفتح أوليه ويقال: الأثرة بضم الهمزة، وبالكسر وسكون المثلثة وكالحسنى. كذا في مختصر القاموس (الانفراد بالشيء) أي: الاختصاص به أو ببعضه (عمن له فيه حق) فهو منع المستحق من نصيبه مثلاً، أو من بعضه. ٥٢ - (وعن أبي يحيى) كني بابنه يحيى وقيل: كنيته أبو عيسى كناه بها النبي ◌َّه وقيل: أبو عتيك، وقيل: أبو حضير، وقيل: أبو عمرو (أسيد بن حضير) وسيأتي ضبط هذين الاسمين. وأسيد بن حضير (رضي الله عنه) أنصاري أوسي أشهلي، أسلم قبل سعد بن معاذ على يد مصعب بن عمير بالمدينة بعد العقبة الأولى، وقيل: الثانية وكان الصدیق یکرمه، ولا يقدم عليه أحداً، ويقول إنه لا خلاف عنده، وشهد العقبة الثانية، وكان نقيباً لبني عبد الأشهل، واختلف في شهوده بدراً، وشهد أحداً وما بعدها، آخی ێڑ بينه، وبین زید بن (١) أخرجه البخاري في كتاب: الفتن، باب: قول النبي ◌َّروسترون بعدي أموراً تنكرونها (٤/١٣). وأخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: وجوب الوفاء ببيعه الخلفاء الأول فالأول. (الحديث: ٤٥). ٢٠٣ ٣ - باب: في الصبر يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلَاناً وَفُلَاناً؟ فَقَالَ: ((إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الحَوْضِ)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. و((أُسَيْدُ)) بِضَمِّ الهَمْزَةِ. و ((حُضَيْرٌ)) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ ، حارثة، وكان من أحسن الصحابة صوتاً بالقرآن، وكان أحد العقلاء الكمل أصحاب الرأي، وأخرج في أسد الغابة عن أبي هريرة أن النبي ◌َّ قال: ((نعم الرجل أسيد بن حضير)) روي له عن رسول الله وَلتر ثمانية عشر حديثاً قاله ابن حزم في سيرته، اتفقا منها على حديث واحد. وهو هذا. وانفرد البخاري عنه بحديث آخر أخرجه تعليقاً. توفي أسيد في شعبان سنة عشرين، وحمل عمر رضي الله عنه السرير حتى وضعه بالبقيع وصلى عليه، وكان قد أوصى إلى عمر في وفاء دينه، فوجد عليه أربعة آلاف دينار فسده من ثمر نخله، باعه بذلك أربع سنين (أن رجلاً من الأنصار) قال الشيخ زكريا: قيل هو أسيد بن حضير الراوي ا هـ. قال السيوطي: ولا بدع أن الراوي يبهم نفسه، كما سيأتي في حديث أبي سعيد في قصة الرقية بالفاتحة (قال: يا رسول الله ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام أداة عرض (تستعملني) أي: تصيرني عاملاً في بلاد ونحوها (كما استعملت فلاناً) هو عمرو بن العاص (وفلاناً) أي: استعمالاً كاستعمال فلان وفلان. قال ابن السراج: لفظ فلان يكنى به عن اسم سمي به المحدث عنه خاص بالناس غالباً، ويقال في النداء: يافل بحذف الألف والنون، وقد يحذفان في غير النداء ضرورة ويقال في غير الناس الفلان، والفلانة بأل هذا ما ذكره الجوهري قال المصنف في التهذيب: ورد عن أبي يعلى في مسنده بإسناد على شرط مسلم عن ابن عباس قال: ((ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت يا رسول الله: ماتت فلانة تعني الشاة)) الحديث. قال: كذا هو النسخ المعتمدة فلانة من غير أل وهذا تصريح بجوازه فهما لغتان اهـ. (فقال: إنكم) أي: يا معشر الأنصار (ستلقون بعدي أثرة) تقدم ما فيه من اللغات والمعنى المراد منه. (فاصبروا) على استئثارهم عليكم بما تستحقونه (حتى تلقوني على الحوض) أي: إلى الموت الكائن بعد البعث منه لقاؤهم له وَّر على الحوض. فإن قلت ما وجه المناسبة بين قوله ((إنكم ستلقون إلخ))، وما سأله من العمل. قلت: لعله أن من شأن العامل الاستئثار إلا من عصم الله، فأشفق عليه وَ ر من أن يقع فيما يقع فيه بعض من يأتي بعده من الملوك، فيستأثر على ذوي الحقوق، ويمنعهم منه، وهذا من جملة معجزاته ودي، فقد وقع كما أخبر، وفي الحديث إيماء إلى أن الخلافة بعده وَّ ر لا تكون فيهم، وقد أوصى عليهم بَّر (متفق عليه. وأسيد بضم الهمزة) وفتح السين المهملة وسكون التحتية آخره دال مهملة (وحضير بالحاء المهملة المضمومة فضاد معجمة مفتوحة) عرف ٢٠٤ كتاب: دليل الفالحين واللَّهُ أَعْلَمُ (١). ٥٣ - وَعَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَفِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ، انْتَظَرَ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ الحاء، ونكر الضاد تفنناً في التعبير، وبعد الضاد تحتية ساكنة فراء مهملة. ٥٣ - (وعن أبي إبراهيم) وقيل؛ أبو معاوية. وقيل: أبو محمد (عبد الله بن أبي أوفى) واسم أبي أوفى، علقمة بن خالد بن الحارث بن أبي أسيد بن رفاعة بن ثعلبة بن هوازن بن أسلم الأسلمي. هو وأبوه صحابيان (رضي الله عنهما) بايع عبد الله بيعة الرضوان، وشهد خيبر، وما بعدها من المشاهد. ولم يزل بالمدينة حتى قبض رسول الله وَّر. ثم تحول إلى الكوفة، وهو آخر من توفي بها من أصحاب النبي ◌َّار. أخرج ابن الأثير في أسد الغابة عنه: ((أنه سئل عن أكل الجراد. فقال غزوت مع رسول الله ليس ست غزوات نأكل الجراد)» روي له عن رسول الله * خمسة وتسعون(٢) حديثاً اتفقا منها على عشرة وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بواحد. توفي عبد الله بالكوفة سنة ست وقيل سبع وثمانين بعدما كف بصره رضي الله عنه (أن رسول الله وَليل في بعض أيامه) أي: أيام غزواته وحروبه وهو متعلق بقوله الآتي (انتظر)) (التي لقي فيهما العدو) وتقدم في باب التوبة إن عدد المغازي التي خرج لها رسول الله وَّل بنفسه سبع وعشرون، قاتل في تسع منها بنفسه تقدم بيانها ثمة، والعدو بفتح العين فضم الدال المهملتين وتشديد الواو يطلق على الواحد، والجمع والمراد منه الكفار (انتظر) أي: أخر قتالهم (حتى إذا مالت الشمس) عن كبد السماء إلى جهة المغرب، وهو وقت الزوال، أي: كان يؤخر القتال إلى ميل الشمس، ليبرد الوقت على المقاتلة، ويخف عليهم حمل السلاح التي يؤلم حملها في شدة الهاجرة، وقيل: بل كان يفعل ذلك الانتظار هبوب ريح النصر التي نصر بها، وفي حديث عند أبي داود: ((كان ◌َّ ينتظر حتى تزول الشمس، وتهب رياح النصر)) (قام فيهم) وحتى لبيان غاية الانتظار أي: ما زال منتظراً إلى ميل الشمس، وقام جواب، إذا والظرف حال من الضمير في قام أي : قام فيهم منبهاً لهم (١) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب علامات النبوة في الإِسلام (١٣ /٤) وفي كتاب الفتن، باب: قول النبي ◌َّ سترون بعدي أموراً تنكر ونها . وأخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم. (الحديث: ٤٨). (٢) في نسخة ((وعشرون)) بدل ((وتسعون)). ش ٢٠٥ ٣ - باب: في الصبر قَامَ فِيهِمْ، فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، واعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ)) ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: على ما فيه صلاحهم (فقال: يأيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو) زاد في رواية: ((فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم)) وحكمة النهي كما قاله ابن بطال: إن المرء لا يعلم مآل أمره، وهو نظير سؤال العافية من الفتن، وقال الصديق: ((لأن أعافي فأشكر أحب إليّ من أبتلى فأصبر)) وقيل إنما نهى عنه لما فيه من صور الإِعجاب والاتكال على القوة، والوثوق بها، وقلة الاهتمام بأمر العدو وكل ذلك مباين للاحتياط، والأخذ بالحزم زاد المصنف: وهو نوع بغي وقد وعد الله من بغي عليه بالنصر. وقيل: إن ذلك للخوف من أدالة العدو على المسلمين، وظفره بهم وقد جاء في هذا الحديث: ((فإنهم ينصرون كما تنصرون)) وفي هذا المحل بسط تام في شرح الأذكار فراجعه (واسألوا الله العافية) قال المصنف: كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية وهي من الألفاظ المتناولة لدفع جميع الآفات في البدن في الظاهر، والباطن: في الدين، والدنيا، والآخرة (فإذا (لقيتموهم) أي: العدو (فاصبروا) على قتالهم ولا تجبنوا عن حربهم فإنه تعالى مع الصابرين بالمعونة وقد وعد جنده بالظفر فقال: ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾(١) ففيه الحث على الصبر، وهو من أهم المطلوب في الجهاد (واعلموا أن الجنة تحت ظلال) بكسر الظاء المعجمة جمع ظل (السيوف) أي: حاصلة بها قال التوربشتي : معناه ثواب الله، والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيف، ومشي المجاهد في سبيل الله، فاحضروا بصدق نية واثبتوا. وقال القرطبي هذا من الكلام النفيس البديع الذي جمع ضروب البلاغة من جزالة اللفظ، وعذوبته وحسن استعارته، وشمول المعاني الكثيرة مع الألفاظ المقبولة الوجيزة بحيث تعجز الفصحاء اللسن البلغاء عن إيراد مثله، وأن يأتوا بنظيره، وشكله. فإنه استفيد منه مع وجارته، الحض على الجهاد والإِخبار بالثواب عليه، والحض على مقاربة العدو، واستعمال السيوف والاعتماد عليها، واجتماع المقاتلين حين الزحف بعضهم بعض، حتى تكون سيوفهم بعضها يقع على العدو، ويرتفع عليهم حتى كأن السيوف أظلت الضاربين بها، ويعني أن الضارب بالسيف في سبيل الله، يدخل الجنة بذلك، وهذا كما قال في الحديث الآخر: ((الجنة تحت أقدام الأمهات)) ويعني أن من بر أمه، وقام بحقها دخل الجنة (ثم قال) داعياً بالنصر، وقدم الثناء عليه تعليماً للأدب فيه، وهو أن يقدم الداعي أمام دعائه ذكر بعض أسمائه تعالى، وأوصافه مما يناسب حاجته، ومطلوبه: (١) سورة الصافات، الآية: ١٧٣. ٢٠٦ كتاب : دليل الفالحين ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ)) لأنه (رَّة) مطلوبه هنا النصرة وهي من آثار القدرة، والمذكور يناسبها أيَّ مناسبة (اللهم) يا (منزل الكتاب) أل فيه للجنس، والكتب المنزلة إلى الدنيا بتخفيف الزاي ويجوز تشديدها مائة وأربعة: ستون صحف شيث، وثلاثون صحف إبراهيم، وعشر صحف موسى قبل التوراة، والتوراة، والإِنجيل، والزبور، والفرقان. ويجوز أن تكون أل للعهد، والمراد به القرآن، وفي ذكره إيماء إلى وعده بنحو قوله: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾(١) ولذا جاء عنه: ((لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده)) (ومجري السحاب) بإثبات واو العطف، ووقع في بعض نسخ الحصن حذفها والذي في الصحيح إثباتها (وهازم الأحزاب) الطوائف من الكفار الذين تحزبوا على رسول اللّه ◌َار، واحده حزب بالكسر، وكانت وقعة الأحزاب في السنة الخامسة من الهجرة، وقيل في الرابعة منها، وإنما خصت بالذكر لأن هزمهم فيها مع كثرة عددهم وعددهم إنما كان بمحض القدرة الإلهية لا دخل فيه لمباشرة الأسباب، بخلاف باقي الحروب فإنه كان عقب مقاتلتهم، بل وأعجب من ذلك، أن هزمهم كان بما يستراح به الشيء عادة، وهي ريحٍ الصبا التي تستريح بها النفوس، ويرتاح بها المأنوس، فكان ذلك لهم دافعاً، ولكيدهم مانعاً ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً (اهزمهم) أي: القوم المحاربين حينئذ أي : اغلبهم (وانصرنا عليهم) أي: عجل به وإلا فرسل الله هم المنصورون، وجند الله هم الغالبون، وخص الدعاء عليهم بما ذكر دون الإِهلاك، لأن فيه سلامة نفوسهم وقد يكون فيها رجا لإسلامهم بخلاف الإِهلاك. وفي الحديث استعمال السجع في الدعاء، قال المصنف وغيره: والسجع المذموم في الدعاء هو المتكلف لأنه يذهب الخشوع، والخضوع، والإِخلاص، ويلهي عن الضراعة، والافتقار وفراغ القلب، أما ما حصل بلا كلفة، ولا إعمال فكر لكمال فصاحة الداعي، ونحو ذلك أو لكونه محفوظاً فلا بأس به بل هو حسن اهـ. وفي الحديث الدعاء حال الشدائد والخروج من الحول، والقوة، وذلك من أعظم الأسباب لبلوغ المآرب، ونيل المطالب وفي الحديث: ((لا حول ولا قوة إلا بالله دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهم)) والله أعلم. وفي فعله وَّر جمع بين الحقيقة والشريعة. فالشريعة أخذه العدة من السلاح، وغيره، والخروج للقتال، وتحريض الصحابة على ذلك، والحقيقة هي دعاؤه بَير، وإظهاره للافتقار وتعلقه بربه، وكذا كان عليه الصلاة والسلام يفعل (١) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٥ . ٢٠٧ ٤ - باب: في الصدق مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ(١). ٤ - باب: في الصدق قَالَ اللَّه تَعَالَى(٢): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. في جميع أموره يبالغ في امتثال الحكمة، ثم بعد ذلك يرجع إلى الحقيقة فيتعلق بالله تعالى ويرد الأمر إليه (متفق عليه) ورواه أحمد، وأبو داود، وقال العارف بالله ابن أبي جمرة: قيل في الحديث دليل للصوفية في المجاهدة التي يأخذون بها لأنفسهم في كل ممكن يمكنهم بالمال، وبالأيدي، وبالألسنة، لأنه إذا فعل ذلك في الجهاد الأصغر فكيف به في الجهاد الأكبر، وكيفيته في الجهاد الأكبر ألا يتصرف في شيء من ذلك إلا باتباع أمر الله تعالى، واجتناب نهيه، وفيه أيضاً دليل لهم في كونهم يطلبون العافية لأنفسهم، ولا يعرضون بأنفسهم إلى المجاهدة(٣) التي لا قدرة لهم عليها إلا أن يضطروا إلى ذلك فيفعلونه للاضطرار لأنه وس( نهى عن تمني لقاء العدو في الجهاد الأصغر، وأمر بطلب العافية، فكيف به في الجهاد الأكبر. فعلى هذا فشأن المرء أن يطلب العافية في كل الأشياء ولا يعرض نفسه لشيء، وهو لا يقدر عليه اللهم إلا إن أتاه أمر وفاجأه، فوظيفته إذ ذاك الصبر والتثبت والأدب فیما أقيم فيه ا هـ. باب في الصدق قال العلامة ابن أبي شريف في حواشي شرح العقائد: الصدق استعمله الصوفية بمعنى استواء السر والعلانية، والظاهر، والباطن، بألا تكذب أحوال العبد أعماله، ولا أعماله أحواله، وجعلوا الإِخلاص لازماً أعم، فقالوا: كل صادق مخلص، وليس كل مخلص صادقاً اهـ. وفي شرح رسالة القشيري للشيخ زكريا: سئل الجنيد أهما واحد، أم بينهما فرق، فقال بينهما فرق. الصدق أصل والإِخلاص فرع، والصدق أصل كل شيء، والإِخلاص لا يكون إلا بعد الدخول في الأعمال، والأعمال لا تكون مقبولة إلا بهمااهـ. (قال الله عز) أي: غلب على مراده (وجل) عما لا يليق بشأنه، ويجوز فيهما من (١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب: الجنة تحت بارقة السيوف وباب لا تتمنوا لقاء العدو (١٠/ ٤٢٣). وأخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: كراهة تمني لقاء العدوّ، والأمر بالصبر عند اللقاء (الحديث: ٢٠). (٢) سورة التوبة، الآية: ١١٩. (٣) أي مجاهدة النفس . ع ٢٠٨ كتاب : دليل الفالحين وَقَالَ تَعَالَىَ (١): ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى(٢): ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾. وَأَمَّا الأَحَادِيثُ: ٥٤ - فَالأَوَّلُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ الْنَّبِيِّ وَهِ قَالَ: ((إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى الْبِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ الحالية، والاستئناف ما سبق في جملة تعالى، (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله) بترك معاصيه (وكونوا مع الصادقين) في الإِيمان، والعهود. بأن تلزموا الصدق، وقال بعضهم: مع الصادقين المقيمين على منهاج الحق، وقال بعضهم: مع من ترتضي حاله سراً وإعلاناً، ظاهراً وباطناً، وقال بعضهم: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾(٣) أي: الذين لم يخلفوا الميثاق الأول فإنها أصدق كلمة، قال أبو سليمان: الصحبة على الصدق، والوفاء تنفي كل علة من المصطحبين إذا قاما وثبتا على منهاج الصدق: لأن الله تعالى يقول: ﴿اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ (٤). (وقال تعالى) في تعدد محاسن الأوصاف التي قيل بأنها التي ابتلي بها إبراهيم وَليّة (والصادقين) فى الإِيمان (والصادقات) فيه وقيل: فى القول والعمل. (وقال تعالى: فلو صدقوا الله) في الإِيمان والطاعة (لكان) الصدق (خيراً لهم). - (وأما الأحاديث) النبوية . ٥٤ - (فـ) الحديث (الأول عن) عبد الله (ابن مسعود) ابن غافل الهذلي (رضي الله عنه عن النبي (18) حال كونه قد (قال: إن الصدق) أي: تحريه في الأقوال (يهدي) بفتح أوله، أي: يرشد، ويوصل (إلى البر) أي: العمل الصالح الخالص من كل مذموم. والبراسم جامع للخير كله، وقيل البر: الجنة، ويجوز أن يتناول العمل الصالح. والجنة كذا قال المصنف، وفيه أن تفسير البر هنا بالجنة يأباه قوله: (وإن البر يهدي إلى الجنة) فالتفسير (١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٥. (٢) سورة محمد، الآية: ٢١. (٣) سورة التوبة، الآية: ١١٩. (٤) سورة التوبة، الآية: ١١٩. ٢٠٩ ٤ - باب: في الصدق صِدِّيقً، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّاباً)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). ٥٥ _ الثانِي عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا الأول هنا متعين (وإن الرجل) أل فيه للجنس وذكره لأنه الأشرف. وإلا فذلك جار في المرأة أيضاً (ليصدق) أي: يلازمه، ويتحراه وفي رواية في الصحيح: ((ليتحرى الصدق)) (حتى يكتب عند الله صديقاً) من أبنية المبالغة. وهو من يتكرر منه الصدق، حتى يصير سجية له، وخلقاً (وإن الكذب يهدي) يوصل (إلى الفجور) الأعمال السيئة (وإن الفجور يهدى) يوصل (إلى النار) لأن المعاصي يقود بعضها إلى بعض، وهي سبب الورود إلى النار (وإن الرجل ليكذب) وفي رواية في الصحيح: ((ليتحرى الكذب)) (حتى يكتب عند الله كذاباً) أي: يحكم له بتحقق مبالغة الكذب منه، وأنها الصفة المميزة له، مبالغة في كذبه فهو ضد الصديق. قال المصنف: ومعنى يكتب هنا: يحكم له بذلك، ويستحق الوصف بمنزلة الصديقين، وثوابهم أو بصفة الكاذبين، وعقابهم، والمراد إظهار ذلك للمخلوقين: إما بأن يكتبه في ذلك، ليشتهر بحظه من الصفتين في الملأ الأعلى، وأما بأن يلقى ذلك في قلوب الناس وألسنتهم كما يوضع له القبول أو البغضاء، وإلا فقدر الله سبحانه وتعالى، وكتابه السابق قد سبق بكل ذلك اهـ. قال القرطبي: حق على كل من فهم عن الله أن يلازم الصدق في الأقوال، والإِخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال، فمن كان كذلك لحق بالأبرار، ووصل إلى رضا الغفار، وقد أرشد تعالى إلى ذلك كله بقوله عند ذكر أحوال الثلاثة التائبين: ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾(٢) والقول في الكذب المحذر عنه على الضد من ذلك اهـ. (متفق عليه) ورواه بنحوه من حديث ابن مسعود أحمد، والبخاري في الأدب والترمذي وفي أوله عندهم: ((عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإياكم والكذب)) الحدیث. ٥٥ - (الثاني عن أبي محمد الحسن) كناه وسماه بذلك رسول الله وَّر (ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما) أمه فاطمة الزهراء رضي الله عنها. قال أبو أحمد العسكري: سماه (١) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ (٤٢٣/١٠). وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: قبح الكذب، وحسن الصدق، وفضله. (الحديث: ١٠٣). (٢) سورة التوبة، الآية: ١١٩. ٢١٠ كتاب: دليل الفالحين قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَه: ((دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ؛ فَإِنَّ الْصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَالْكَذِبَ رِيبَةٌ)) رَوَاهُ الْتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَديثٌ صَحِيحٌ. قَوْلُهُ: ((يَرِيبُكَ)) بِفْحِ النبي ◌َّ الحسن، وكناه أبا محمد. قال: ولم يكن هذا الاسم يعرف في الجاهلية، ثم روي عن ابن الأعرابي عن المفضل قال: إن الله حجب اسم الحسن، والحسين حتى سمى بهما النبي ◌َّ ابنيه، قال: قلت فالذي باليمن، قال ذاك حسن بإسكان السين، وحسين بفتح الحاء وكسر السين ولد منتصف رمضان سنة ثلاث من الهجرة على الأصح، ومات مسموماً من زوجته بإرشاء يزيد بن معاوية لها على ذلك على ما قيل سنة أربع أو خمسة أو تسع وأربعين أو خمسین أو إحدی وخمسین أو ثمان وخمسين، ودفن بالبقيع وصلی علیه سعيد بن العاص، وقبره مشهور فيه، ويكفيك في فضله الحديث الصحيح أن النبي وسم# كان يخطب فرقي إليه الحسن، فأمسكه وَ ي* والتفت إلى الناس ثم قال: ((إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)» فكان كذلك، فإنه لما استخلف بعد موت أبيه، وخرج لقتال معاوية وعرف أنه لا يخلص الأمر لأحد حتى يقتل جمع كثير من الجانبين، امتثل إشارة جده وَّر، ورغب عن الخلافة، ونزل عنها لمعاوية، وسلمها له طوعاً، وزهداً، وحقناً لدماء المسلمين وأموالهم على شروط وفى له معاوية بمعظمها ومناقبه كثيرة، وفضائله جمة شهيرة، وهو من الحكماء الكرماء الأسخياء. روي له عن النبي وَلّر ثلاثة عشر حديثاً، وروى له أصحاب السنن الأربعة (قال: حفظت من رسول الله (يسار: دع) أمر ندب لأن توقي الشبهات مندوب على الأصح (ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة) وعند ابن حبان: ((فإن الخير طمأنينة وإن الشر ريبة)) وهو كالتمهيد لما قبله، والتقدير إذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء، فاتركه: فإن نفس المؤمن جبلت على أنها تطمئن إلى الصدق، وتنفر من الكذب، وإن لم تعلم أن الذي اطمأنت إليه كذلك في نفس الأمر وإذا جبلت على ذلك، فعليك أن تأخذ برغبتها، ورهبتها إذا جربت منها الإصابة كما هو شأن كثير من النفوس الصافية، لأن الله أطلعهم على حقائق الوجود، وهم في أماكنهم بإلقاء ما يحب، وقال بعضهم: لما علم الله أن قلب المؤمن الكامل ذي النفس الزكية المطهرة من رديء أخلاقها، يميل، ويطمئن إلى كل كمال ومنه كون القول، أو الفعل صدقاً، أو حقاً، وينفر من كون أحدهما كذباً، أو باطلاً، جعل ميله، وطمأنينته علامة واضحة على الحل، وانزعاجه، ونفرته علامة على الحرام وأمر في الأول بمباشرة الفعل، وفي الثاني بالإِعراض عنه ما أمكن اهـ. (رواه الترمذي) ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم (وقال:) الترمذي (حديث حسن صحيح) ولا يضر توقف أحمد في أبي الجوز رواية عن الحسن، فقد وثقه النسائي ٢١١ ٤ - باب: في الصدق الْيَاءِ وَضَمِّها. وَمَعْنَاهُ: اتْرُكْ مَا تَشُكُّ فِي حِلّهِ وَاعْدِلْ إِلَى مَا لَا تَشُكْ فِيهِ(١). ٥٦ - الثَّالثُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ الطّويلِ وابن حبان، وبه يندفع قول بعضهم: إنه مجهول لا يعرف، وقد أخرجه أحمد أيضاً عن أنس، والطبراني عن ابن عمر مرفوعاً، وبه يرد قول الدارقطني: إنما يروى هذا من قول ابن عمر. وروي عن الإِمام مالك من قوله وروي بإسناد ضعيف عن أبي هريرة عن النبي وَالر إنه قال الرجل: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) فقال: وكيف لي بالعلم بذلك. قال: ((إذا أردت أمراً فضع يدك على صدرك فإن القلب يضطرب للحرام ويسكن للحلال، وإن المسلم الورع يدع الصغيرة مخافة الكبيرة)) زاد الطبراني قيل له: فمن الورع؟ قال: ((الذي يقف عند الشبهة)) (قوله:) وَلّ (يريبك بفتح الياء) التحتية (وضمها) والفتح أفصح، وأشهر من راب وأراب بمعنى شكك، وقيل: راب لما تتيقن فيه الريبة، وأراب لما تتوهم منه (ومعناه) أي : معنى قوله دع ما يريبك الخ (اترك) ندباً (ما تشك في حله واعدل إلى ما لا تشك فيه) أي: في حله، وقيل: وهذا نظير ما في الحديث الآخر: ((ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه، وعرضه)) وحاصله التنزه عن الشبه، وورود صافي الحلال البين. ٥٦ - (الثالث عن أبي سفيان صخر) بفتح المهملة فسكون المعجمة بعدها راء مهملة (ابن حرب) بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي المكي (رضي الله عنه) ولد قبل الفيل بعشر سنين، وأسلم ليلة الفتح، وكان من المؤلفة، ثم حسن إسلامه. وشهد حنيناً، وأعطاه وَّر من غنائمها مائة بعير وأربعين أوقية، وأعطى لابنيه يزيد، ومعاوية، فقال أبو سفيان: ((والله إنك لكريم فداك أبي وأمي، ولقد حاربتك، فنعم المحارب كنت ولقد سالمتك، فنعم المسالم أنت، فجزاك الله خيراً)) ثم شهد الطائف، وفقئت عينه يومئذ، وفقئت عينه الأخرى يوم اليرموك، استعمله النبي ◌َّ على نجران، فمات النبي ◌َّ وهو عليها: روي له حديث هرقل بطوله، أخرج الشيخان الحديث بطوله عنه المذكور بعضه هنا، فأخرجه البخاري كذلك في بدء الوحي وفي الجهاد، وأخرجه في الإِيمان، والجهاد ببعضه، وفي التفسير، والاستئذان مختصراً، وأخرجه مسلم في المغازي بتمامه، ورواه أبو داود مختصراً وكذا الترمذي. وقال حسن صحيح. ورواه النسائي بتمامه انتهى ملخصاً من الأطراف للمزي. مات بالمدينة سنة إحدى أو اثنين وثلاثين وله ثمان وثمانون أو ثلاث وتسعون سنة وصلى عليه عثمان رضي الله عنه (في حديثه الطويل في قصة هرقل) بكسر (١) أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة، باب: ٦٠ (الحديث: ٢٥١٨). ٢١٢ كتاب: دليل الفالحين فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ قَالَ مِرَقْلُ: فَمَاذَا يَأْمُرُكُمْ (يَعْنِ النَّبِيَِِّ)، قَالَ أَبُو سُفْيانَ: قُلْتُ يَقُولُ: ((اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤْكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالْصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالْصِّلَةِ)). الهاء وفتح الراء وسكون القاف. وهو ملك الروم، ولقبه قيصر كما يلقب ملك الفرس بکسری، أي في قصته لما كتب إليه ول# يدعوه للإسلام فأرسل إلى من بالشام من قريش، وكان أقربهم منه و # أبا سفيان، وكان ذلك في سنة ست من الهجرة (قال هرقل: ) متعرفاً أحوال النبي وَّ ر (فماذا يأمركم) يدل على أن الرسول من شأنه أن يأمر قومه والأصل ماذا يأمركم به (يعني النبي ◌َّر) هذا مدرج لبيان المستفهم عنه (قال أبو سفيان: قلت: يقول: اعبدوا الله وحده) فيه أن الأمر صيغة معروفة، لأنه أتى بقول: اعبدوا الله في جواب ما يأمركم، وهو من أحسن الأدلة لأن أبا سفيان من أهل اللسان، وكذا الراوي عنه ابن عباس. بل هو من أفصحهم وقد رواه عنه مقراً له (لا تشركوا به شيئاً) كذا هو في الرياض بحذف الواو وهي رواية المسلمي فيكون تأكيداً لقوله وحده، وفي رواية لهما بإثباتها، فيكون كالعطف التفسيري، قال البرماوي: قوله اعبدوا الله الخ هو والجملتان بعده بمعنى، وقال الشيخ زكريا: متلازمات. قالا: وبالغ أبو سفيان في ذلك لأنه أشد الأشياء عليه والإِبعاد منها أهم، أو أنه فهم أن هرقل من الذين يقولون من النصارى بالإِشراك فأراد تنفيره من دين التوحيد (واتركوا ما يقول آباؤكم) أي: مقولهم، أو ما يقوله آباؤكم وهي كلمة جامعة لترك ما كانوا عليه في الجاهلية وإنما ذكر الآباء تنبيهاً على عذرهم في مخالفتهم له، لأن الآباء قدوة عند الفريقين أي: عبدة الأوثان والنصارى (ويأمرنا بالصلاة) أي: بإقامتها (والصدق) وفي رواية للبخاري ((الصدقة)) بدل ((الصدق)) ورجحها السراج البلقيني. قال الحافظ ابن حجر: ويقويها رواية المؤلف: يعني البخاري في التفسير للزكاة قلت: وكذا هو عند مسلم قال: واقتران الصلاة بالزكاة معتاد في الشرع، ويرجحها أيضاً أنهم كانوا يستقبحون الكذب فذكر ما لم يألفوه أولى. قلت: وفي الجملة ليس الأمر بذلك ممتنعاً كما في أمرهم بوفاء العهد، وأداء الأمانة، وقد كانا من مألوفاتهم، وقد ثبنا عند المؤلف في الجهاد من رواية أبي ذر عن شيخيه الكشمهيني والسرخسي قال: ((بالصلاة، والصدق، والصدقة)) وفي قوله: ويأمرنا بعد قوله يقول اعبدوا الله إشارة إلى المغايرة بين الأمرين فيما يترتب على مخالفتهما إذ مخالف الأول كافر والثاني عاص اهـ. (والعفاف) الكف عن المحارم وخوارم المروءة. قال في المحكم: العفة الكف عما لا يحل، ولا يجمل (والصلة) أي: صلة الأرحام، وكل ٢١٣ ٤ - باب: في الصدق مُتَّفَقْ عَلَيْهِ (١). ٥٧ _ الرَّابِعُ عَنْ أَبِي ثَابِتٍ. وَقِيلَ أَبِي سَعِيدٍ. وَقِيلَ أَبِي الْوَلِيدِ سَهْلِ بْنِ خُنَيْفٍ وَهُوَ بَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ وَ، قَالَ: ((مَنْ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنازِلَ الشُّهَداءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ما أمر الله أن يوصل، وذلك بالبر والإِكرام، وحسن المراعاة (متفق عليه). ٥٧ - (الرابع عن أبي ثابت) بالمثلثة وبعد الألف موحدة فمثناة (وقيل:) يكنى بـ (أبي سعيد) وقيل بأبي سعد (وقيل:) بـ (أبي الوليد) بفتح الواو وكسر اللام وقيل أبي عبد الله (سهل) بفتح أوله المهمل وسكون ثانيه (ابن حنيف) بضم المهملة ففتح النون فسكون التحتية آخره فاء (وهو بدري) مدني (رضي الله عنه) شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول اللّه وَّر، وثبت يوم أحد مع رسول الله وَطير، لما انهزم الناس، وكان بايعه في يومئذ على الموت، ثم صحب سهل علياً فاستخلفه على المدينة، حين سار إلى البصرة، وشهد معه صفين، وولاه بلاد فارس فأخرجه أهلها، فاستعمل عليهم زياد بن أبيه، فصالحوه، وأدوا الخراج، مات سهل بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلى عليه علي وكبر ستاً وقال: إنه بدري. روي له عن رسول الله والر أربعون حديثاً. اتفق الشيخان منها على أربعة، وانفرد مسلم باثنين وخرج له أصحاب السنن الأربع (قال: قال رسول الله وَالر: من سأل الله تعالى الشهادة) أي: إنالته إياها (بصدق) أي: حال كونه صادقاً في سؤالها (بلغه الله) بنيته الصادقة (منازل الشهداء) العليا (وإن مات على فراشه) ففي الحديث، أن صدق القلب سبب لبلوغ الأرب، وإن من نوى شيئاً من عمل البر أثيب عليه، وإن لم يتفق له عمله، كما تقدم في حديث: ((إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حبسهم العذر)) قال المصنف: ففي الحديث استحباب طلب الشهادة، واستحباب نية الخير (رواه مسلم) قال الحافظ ابن حجر في أمالي الأذكار: وأخرجه أبو عوانة، وأبو داود، والنسائي، وابن (١) أخرجه البخاري في آخر كتاب بدء الوحي والصلاة (٣٠/١ و٤١) وغيرهما. وأخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب : كتاب النبي ◌َّه إلى هرقل يدعوه إلى الإِسلام. (الحديث: ٧٤). (٢) أخرجه مسلم في كتاب: الإِمارة، باب: ذم من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو. (الحديث: ١٥٨). ٢١٤ " كتاب: دليل الفالحين ٥٨ - الْخَامِسُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مِلَ: ((غَزَا نَبِيُّ مِنَ الْأَنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلَا أَحْدُ بَنَى بُيُوتَاً لَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلَ أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَماً أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ أَوْلَادَها، فَغَزَا فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ صَلَةَ الْعَصْرِ أَوْ قَرِيباً مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورُ الّلهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا، ماجه، وفي الجامع الصغير أخرجه مسلم والأربعة، ومثله في التيسير للديبع فقال: أخرجه الخمسة . ٥٨ - و(الخامس عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّل: غزا نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) قال السيوطي في التوشيح هو يوشع بن نون (فقال لقومه: لا يتبعني) في الخروج للحرب (رجل ملك بضع امرأة) بضم الباء وسكون المعجمة يطلق على الفرج، والنكاح، والجماع (وهو يريد أن يبني بها ولما) بتشديد الميم (يين) أي: يدخل (بها) وكان عادة العرب إذا دخل الزوج على المرأة بنى عليها قبة من. شعر، ونحوه فأطلق البناء، وأريد به الدخول من إطلاق اللازم، وإرادة الملزوم (ولا أحد بنى بيوتاً ولم يرفع سقوفها) أي: لم يتم عملها (ولا أحد اشترى غنماً) أي: حوامل بدليل ما بعده (أو خلفات وهو ينتظر ولادها) ويحتمل أن هذا خاص بالإِبل، وإن شراء الغنم عذر في التخلف لاشتغال قلب صاحبها بها، وإن لم تكن حوامل لضعفها وحاجتها إلى القائم بأمرها، ولا كذلك الإِبل قال القرطبي : نهى النبي قومه عن اتباعه على أحد هذه الأحوال لأن أصحابها يكونون متعلقي النفوس بهذه الأسباب، فتضعف عزائمهم، وتفتر رغباتهم في الجهاد، والشهادة وربما يفرط ذلك التعلق فيفضي إلى كراهة الجهاد، وأعمال الخير، ومقصود هذا النبي ◌َّة، تفرغهم من العوائق، والاشتغال إلى تمني الشهادة بنية صادقة وعزم حازم، ليحصلوا على الحظ الأوفر، والأجر الأكبر ا هـ (فغزا فدنا من القرية) وقع في جميع نسخ مسلم: ((أدنى)) رباعياً قال المصنف: وهو إما أن يكون تعدية لدنا أي: قرب فمعناه أدنى جيوشه، وجموعه للقرية، وأما أن يكون أدنى بمعنى حان، أو قرب فتحها من قولهم: أدنت الناقة إذا حان نتاجها، ولم يقولوه في غير الناقة اهـ. قال القرطبي: والذي يظهر لي أن هذا من باب أنجد وأغار فيكون معنى أدنى دخل في الموضع الداني منها اهـ. ومنه يعلم أن اللفظ المذكور للبخاري، والقرية هي أريحاء (صلاة العصر أو قريباً من ذلك فقال للشمس إنك) وعند مسلم أنت (مأمورة) أي: مسخرة بأمر الله عز وجل (وأنا مأمور) أي: ٢١٥ ٤ - باب: في الصدق فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ فَجَاءَتْ (يَعْنِي النَّارَ) لِتَأْكُلَهَا فَلَمْ تَطْعَمْها، فَقَالَ: إِنَّ فِيَكُمْ ◌ُغُلولاً فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمْ الْغُلولُ فَلْتُبَيِعْنِي قَبِيلْتُكَ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمْ الْغُولُ، فَجَاؤُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقْرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ فَوَضَعَها فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا، فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لَأَحَدٍ قَبْلَنَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ، لَّمَّا . مسخر كذلك(١) وكذا جميع الكائنات، غير أن أمر الجمادات أمر تسخير، وتكوين، وأمر العقلاء أمر تكليف (اللهم احبسها علينا، فحبست) معجزة له، وقد حبست لنبينا مّ في قصة الإِسراء، وفي حفر الخندق. قال القاضي عياض: وقد اختلف هل ردت على أدراجها أو وقنت، أو بطئت حركاتها. وعلى كل فهو من معجزات النبوة (حتى فتح الله عليه) البلاد، . وفي نسخة فتح عليه بالبناء للمفعول (فجمع الغنائم فجاءت النار لتأكلها فلم تطعمها) وعند مسلم: ((فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله فلم تطعمه)) وهذه كانت عادة الأنبياء صلى الله عليهم وسلم في الغنائم أي: يجمعوها فتجيء نار من السماء فتأكلها، فيكون ذلك علامة قبولها، وعدم الغلول فيها، فلما جاءت هذه النار، فلم تأكلها علم أن فيها غلولاً، قال الكرماني: وعبر بلم تطعمها دون لم تأكلها للمبالغة إذ معناه لم تذق طعمها، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن لم يطعمه﴾(٢) (فقال: إن فيكم غلولاً) بضم أوليه المعجمة فاللام: الخيانة في المغنم (فليبايعني من كل قبيلة رجل) لعسر مبايعة كل واحد واحد، لكمال کثرتهم، فإنهم كانوا نحو سبعين ألفاً كما ذكره بعضهم (فلزقت يد رجل) منهمٍ (بيده) إعلاماً بأنه ممن غل قومه، فلذا قال (فقال: إن فيكم) القبيلة التي منها ذلك الرجل (الغلول فلتبايعني قبيلتك) أي: كل فرد منهم (فلزقت يد رجلين أو ثلاثة) وكان علامة الغلول عندهم، التصاق يد الغال (بيده فقال:) النبي (فيكم) أي: عندكم (الغلول فجاؤًا(٣)) أي: الغال المذكور (برأس مثل رأس بقرة من الذهب) بيان لرأس (فوضعها) في جملة الغنيمة (فجاءت النار) المؤذن أكلها بالقبول (فأكلتها فلم تحل الغنائم) بفتح الفوقية وكسر الحاء المهملة على البناء للمفعول (لأحد قبلنا) من سائر الأنبياء، والأمم السابقين (ثم أحل الله لنا الغنائم) أي: للنبي وَ*، كما في الحديث الآخر، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، ولأمته، ولم (١) عبارة الكرماني (إنك مأمورة) بالغروب (وأنا مأمور) بالصلاة أو القتال قبل الغرب. ش. (٢) سورة البقرة، الآية: ٢٤٩. (٣) الذي في صحيح مسلم في نسخة صحيحة ((فجاؤوا))، وبعد ذلك ((فوضعوها)) ش. ٢١٦ كتاب: دليل الفالحين رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا)) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. ((الْخَلِفَاتُ)) بِفَتْحِ الخاءِ المُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللامِ جَمْعُ خَلِفَةٍ وَهِيَ : النَّقَةُ الحَامِلُ(١). ٥٩ - السَّادِسُ عَنْ أَبِي خَالِدٍ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ تحل لأحد غيرهم أصلاً (رأى) علم (ضعفنا) في الأبدان (وعجزنا) عن قوى الأعمال (فأحلها) أي: الغنائم (لنا) أورده الديبع في التيسير بلفظ: ثم أحل الله لنا الغنائم، لما رأى عجزنا وضعفنا، فأحلها لنا. وقال: أخرجاه. وقوله فأحلها يحتمل أن يكون جواب لما (٢) دخلت فيه الفاء، كما أجازه بعض النحاة، ويحتمل أن جوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه وما بعد الفاء معطوف (متفق عليه ((الخلفات)) بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام جمع خلفة) بفتح الخاء وكسر اللام أيضاً، ويجمع على خلف كذلك بحذف الهاء كما في مختصر القاموس، وعلى خلائف كما في مختصر النهاية (وهي الناقة الحامل) كذا في النهاية وغيرها، وقال القرطبي : هي الناقة التي دنا ولادها. ٥٩ - و(السادس عن أبي خالد حكيم) بفتح المهملة وكسر الكاف (ابن حزام) بكسر المهملة بعدها الزاي، وهذا الضبط في كل ما جاء على هذه الصورة من أسماء قريش وما جاء منه في أسماء الأنصار، فهو بالمهملتين المفتوحتين، وابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، القرشي الأسدي (رضي الله عنه) ولد في الكعبة، ولم يتفق ذلك لغيره وهو من مسلمة الفتح (٣) وكان من أشراف قريش، ووجوهها في الجاهلية والإِسلام، وكان من المؤلفة، أعطاه وس18 يوم حنين مائة بعير، ثم حسن إسلامه، ولم يصنع شيئاً من المعروف في الجاهلية إلا صنع مثله في الإِسلام، وكانت بيده دار الندوة، فباعها من معاوية بمائة ألف درهم، فقال له ابن الزبير: بعث مكرمة قريش فقال حكيم: ((ذهبت المكارم إلا التقوى)) وتصدق بثمنها، وحج في الإِسلام ومعه مائة بدنة، قد جللها بالجرة أهداها، ووقف فيها بمائة وصيف بعرفة في أعناقهم أطواق الفضة، منقوش فيها عتقاء الله عن حكيم بن حزام، وأهدى ألف شاة وكان جواداً، كف قبل موته، وعاش مائة وعشرين سنة نصفها في الجاهلية ونصفها في الإِسلام، ونظر فيه ابن الأثير في أسد الغابة. وتوفي سنة أربع وخمسين أيام (١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: قول النبي وسلم: أحلت لكم الغنائم (١٥٤/٦، ١٥٦). وأخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة. (الحديث: ٣٢). (٢) أي التي في رواية التيسير. ش. (٣) أي من الذين أسلموا حين الفتح. ش. ٢١٧ ٤ - باب: في الصدق رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((البَيِّعَانِ بِالْخِيارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيََّا بُورِكَ لَهُما فِي بَيْعِهِما، وَإِنْ كَتما وَكَذَبا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ(١). معاوية، وقيل: سنة ثمان وخمسين. روي له عن رسول الله وَ ل أربعون حديثاً، أخرج منها الشيخان أربعة أحاديث، اتفقا عليها، وسيأتي إن شاء الله في باب القناعة، والاقتصاد مزيد في ترجمته (قال: قال رسول الله وَّر: البيعان) بتشديد التحتية (بالخيار) بكسر الخاء المعجمة، اسم من الاختيار، والتخيير وهو طلب خير الأمرين من الفسخ والإِجازة (ما لم يتفرقا) قال الفضل بن سلمة: افترقا بالكلام، وتفرقا بالأبدان (فإن صدقا) فيما يخبران به: البائع في المبيع، والمشتري في الثمن، قدراً وصفة، وإن أثمن انتهت الرغبات فيه إلى كذا، ويخبر بما يترتب عليه تفاوت الرغبات، من عيب، ونحوه (وبينا) البائع ما في المبيع والمشتري ما في الثمن، من غش، وشبهة قوية قامت قرائن أحوال أحدهما أنه إذا اطلع على مثلها لا يأخذه (بورك لهما في بيعهما) وشرائهما بتسهيل الأسباب المقتضية لزيادة الربح، من كثرة الراغبين، وحسن المعاملين، ومنع الخيانة في المبتاع، والحسد والعداوة المقتضية للخسران (وإن كتما) ما في السلعة من العيوب، ونحوها (وكذبا) فيما يمدحانها (محقت) ذهبت وتلفت (بركة بيعهما) فلم يحصلا منه إلا على مجرد التعب (متفق عليه) وكذا أخرجه أصحاب السنن الأربع، غير ابن ماجه. وفي رواية: ((فإن صدق البيعان وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما فعسى أن يربحا ربحاً ما، ويمحقا بركة بيعهما، اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للربح))(٢) أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي كذا في التيسير مع تصرف يسير. ((فائدة)) كما أن التاجر إذا صدق في سلعته، ولم يغش بورك له في معاملته كذلك العبد، إذا صدق في معاملته مع ربه، ولم يغش في أداء حق عبوديته برياء، أو سمعة، أو نظر لعمله بورك له في تلك المعاملة، وأعطي أمله: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾ (٣) ولكون صدق المعاملة مبنياً على كمال المراقبة تارة ومحصلاً له أخرى. كما تقدم، وأن البر يهدي إلى الجنة، عقب باب الصدق به فقال: (١) أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا وغيره (٢٧٥/٤، ٢٧٦). وأخرجه مسلم في كتاب: البيوع، باب: الصدق في البيع والبيان. (الحديث: ٤٧). (٢) رواية المنذري فيها الكسب بدل الربح . (٣) سورة التوبة، الآية: ١١١ . ٢١٨ كتاب: دليل الفالحين ٥ - باب: في المراقبة قَالَ اللّه تَعَالَى(١): ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى (٢): ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى (٣): ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلاَ فِي السَّماءِ﴾ باب المراقبة هو أحد مقامي الإِحسان المشار إليه في حديث جبريل الآتي بقوله: ((فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) وفي الحديث عن عبادة بن الصامت: قال: قال رسول الله وَ له: ((أفضل إيمان. المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان)) وما أحسن ما قيل: وآخر يرعى ناظري وجناني کان رقيباً منك يرعى خواطري وقال ابن عطاء في الحكم: إلهي عميت عين لا تراك عليها رقيباً. (قال الله تعالى:) مخاطباً لنبيه وَّير (الذي يراك حين تقوم) إلى الصلاة (وتقلبك) في أركان الصلاة قائماً وقاعداً وراكعاً وساجداً (في الساجدين) أي المصلين. وقال الواسطي: في أصلاب الأنبياء والمرسلين. وقيل: تقلب سرك في القربة، فإن السجود محل القربة، والاقتراب. وقيل في الآية إشارة إلى أن من لزم الإِقبال عليه بنحو الصلاة، سارعت إليه العناية به، ومن خصوصياته * أنه كان يرى من خلفه، والآية محتملة لإِفادة هذه الخصوصية . (وقال تعالى: وهو معكم) بعلمه (أينما كنتم) لا يحجبه مكان، ولا يخفى عليه شأن قال تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور * ألا يعلم من خلق﴾(٤). (وقال تعالى: إن الله لا يخفى عليه شيء) كائن (في الأرض ولا في السماء) لعلمه بما يقع في العالم من كلي، وجزئي. وخصهما بالذكر لأن الحس لا يتجاوزهما، وقيل فيه: لا يخفى عليه شيء، فطالعوا همومكم أن تكون خالية عن الأهواء، والشبه وطالعوا أسراركم (١) سورة الشعراء، الآيتان: ٢١٨، ٢١٩. (٢) سورة الحديد، الآية: ٤. (٣) سورة آل عمران، الآية: ٥. (٤) سورة الملك، الآيتان: ١٣ و١٤. ٢١٩ ٥ - باب: في المراقبة وَقَالَ تَعَالَى(١): ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى(٢): ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنُ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. وَالْآَيَاتُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ مَعْلومَةٌ . وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ: ٦٠ - فَالأَوَّلُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مِِّ ذَاتَ يَوْمٍ لا يكون فيها شيء غير الحق والتعلق به فإنه لا يخفى عليه شيء وقال جعفر في قوله تعالى: ﴿إن الله لا يخفى عليه شيءٍ﴾(٣) لا: يطلعن عليك فيرى في قلبك سواه فيمقتك. (وقال تعالى: إن ربك لبالمرصاد) يرصد أعمال العباد لا يفوته منها شيء. (وقال تعالى: يعلم) أي: الله (خائنة الأعين) بمسارقتها النظر إلى محرم (وما تخفي الصدور) أي: القلوب قيل: فيه إشارة إلى التذكير بصغائر الذنوب، فكيف بالكبائر، وأنه تعالى يعلم البواطن أي: ومن علم ذلك، علم الظواهر بالقياس العادي . (والآيات في الباب كثيرة معلومة) كقوله تعالى: ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾ (٤) (وأما الأحاديث) جمع أحدوثة، بمعنى الحديث، ويجوز أن يكون جمع حديث على غير قياس كما تقدم أي الأحاديث النبوية . ٦٠ - (فالأول) منها (عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله (85* ذات يوم) بينما كبينا ظرفا زمان فيهما معنى المفاجأة ومعنى الشرط، ولذا استدعيا جواباً، وأصلهما بين التي هي ظرف بمعنى وسط، دخلت عليها ما الكافة عن الجر، وأشبعت أخرى فتحة النون فصارت ألفا، والعامل فيها هنا معنى المفاجأة في قوله : (١) سورة الفجر، الآية: ١٤. (٢) سورة غافر، الآية: ١٩. (٣) سورة آل عمران، الآية: ٥. (٤) سورة يونس، الآية: ٦١ . ٢٢٠ كتاب: دليل الفالحين إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَديدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِّ ◌َِّ فَأَسْنَدَ رُكْبَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ؟ (إذ طلع علينا رجل) والمعنى وقت حضورنا في أشرف مجلس فاجأنا طلوع ذلك الرجل، وقال ابن جني: عامل بينا محذوف، وطلع عامل في إذ بناء على عدم إضافتها إليه، وقال الشلوبين: عامل بينا محذوف وإذ بدل منه والجملة في محل جر بإضافة إذ إليها، وقيل: إذ مبتدأ خبره ذات يوم أي: طلوع ذلك الرجل وقع بين تلك الأحوال، وذات يوم ظرف، ويجوز أن يكون ((ذات)) صلة أي: نحن عنده يوماً. والإتيان بها للتوكيد، ودفع توهم أنه تجوز باليوم عن مطلق الزمان. وقوله: إذ طلع، هو مستعار من طلعت الشمس لا يذكر إلا فيما له شأن كما حققه في الكشاف في قوله تعالى: ﴿أطلع الغيب﴾ (١) (شديد بياض الثياب. شديد سواد الشعر. لا يرى) بضم التحتية بالبناء للمجهول وبفتح النون للمتكلم ومعه غيره مبني للفاعل (عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد) معناه التعجب المتضمن لدعوى كونه ملكاً، إذ لو كان غريباً، لكان عليه أثر السفر وشعته، ولو كان مدنياً لعرفوه، واستبدل به على ندب حسن الهيئة. قال بعض المحققين: طلوعه كذلك يقوي معنى قولهم: حسن الأدب في الظاهر عنوان حسن الأدب في الباطن، ولذا استحب التزين في الجمعة، والعيد وشديد صفة لرجل، وأل في المضاف إليه أغنت عن الضمير العائد منه إليه. والأصل شديد بياض ثيابه شديد سواد شعره، واختار قوله: ((ولا يعرفه منا أحد)) على قوله: لا نعرفه؛ لأنه آكد في تنكيره (حتى جلس إلى النبي (وَ ل#) قيل: يتعلق بمحذوف تقديره استأذن وأتى حتى جلس. قال العاقولي في شرح المصابيح: وفيه نظر، لأن الكلام مستقيم من دون هذا التقدير لأن معنى طلع علينا: أتانا، والاستئذان لا حاجة للملك إليه، بل معنى المفاجأة يدل على عدمه اهـ. وفيه أن الاستئذان للدنو وقد جاء التصريح به عند النسائي من حديث أبي هريرة وأبي ذر فذكر القصة إلى أن قال: السلام عليكم يا محمد. فرد عليه السلام فقال: ادنويا محمد قال: ادنه فما زال يقول: أدنو. مراراً ويقول: ادنه حتى وضع يديه على ركبتي النبي وَثله . واستئذانه ليعمي أمره على القوم (فأسند ركبتيه) أي: جبريل (إلى ركبتيه) أي: إلى ركبتي النبي ◌َّيهو زيادة في التقريب الباعث على التنبيه على أنه إنما جاء لأمر كلي (ووضع كفيه على فخذيه) أي: فخذي نفسه كما هو الأدب، وهي جلسة المتعلم بين يدي المعلم، قال (١) سورة مريم، الآية: ٧٨.