Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
٢ - باب: في التوبة
النَّبِيِّ وَِّ، قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ تْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ)) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،
وقالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ(١).
(إن الله عز) جده (وجل) شأنه (يقبل توبة العبد) أي: المذنب المكلف، ذكراً، أو أنثى،
كرماً منه، وفضلاً كما سبق (ما لم يغرغر) أي: تصل روحه حلقومه من الغرغرة، وهي جعل
الشراب في الفم ثم ترديده إلى أصل حلقومه فلا يبلعه، وهذا مأخوذ من قوله تعالى:
﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾(٢)
وفسر ابن عباس حضوره بمعاينة ملك الموت. وقال غيره: مراده تيقن الموت لا خصوص
رؤية ملكه لأن كثيراً من الناس لا يراه، ورد بأن قوله تعالى: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي
وكل بكم﴾(٣) يدل على أن كل أحد يراه فمدعي العدم يلزمه الدليل عليه، قلت: وفي
الاستدلال ما لا يخفى، إذ لا يلزم من توفيه لكل رؤية كل منهم له، قيل: السر في عدم
قبولها حين اليأس أن من شرطها عزمه على ألا يعود، وذلك إنما يتحقق مع تمكن التائب من
الذنب، وبقاء أوان الاختيار. وقال في فتح الإِلَّه بعد كلام قدمه: والحاصل أنه متى فرض
الوصول لحالة لا تمكن الحياة بعدها عادة، لا تصح منه حينئذ توبة ولا غيرها، وهذا مراد
الحديث بيغرغر، ومتى لم يصل لذلك صحت منه التوبة، وغيرها اهـ. (رواه) الإِمام
الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة (الترمذي) بضم المثناة وفتحها، وكسرها نسبة
إلى مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له جيحون، كذا في لب اللباب للنيسابوري،
وسكت عن بيان حركة ميمه، وبينها السمعاني فقال بكسر الفوقية والميم، ويضمهما وبفتح
الفوقية، وكسر الميم اهـ. قال ابن سيد الناس: المتداول بين أهل تلك المدينة فتح
الفوقية، وكسر الميم. والذي نعرفه قديماً كسرهما معاً، والذي يقوله المتقنون من أهل
المعرفة بضمهما اهـ. وهو الإِمام الحافظ أحد الأئمة الستة قيل كف في آخر عمره وقيل إنه
ولد أکمه، قال ابن حبان في الثقات: كان ممن جمع وصنف، وحفظ، وذاكر ولد سنة ٢٠٩
مائتين وتسع. قال المستغفري: وتوفي في شهر رجب سنة ٢٩٧ سبع وتسعين ومائتين وهذا
هو الصحيح. وقول الخليلي: إنه مات بعد الثمانين رده العراقي، وغيره، بل قال بعضهم:
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده.
(الحديث: ٣٥٣٧).
(٢) سورة النساء، الآية: ١٨.
(٣) سورة السجدة، الآية: ١١.

١٠٢
كتاب: دليل الفالحين
١٩ - وَعَنْ زِرّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: أَتَيْتُ صَفْوَانَ بْن عَسَّالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَسْأَلُهُ
إنه باطل. ومن كمال حفظه ما ذكره المروزي عنه قال: كنت في طريق مكة، وكنت كتبت
جزأين من أحاديث شيخ فمر بنا ذلك الشيخ، فذهبت إليه، وأنا أظن أن الجزأين معي،
وحملت معي جزأين كنت أظنهما إياهما فسألته القراءة، فأجابني، فأخذت الجزأين، فإذا
هما بياض فتحيرت، فجعل الشيخ يقرأ علي من حفظه، ثم نظر فرأى البياض في يدي
فقال: أما تستحي، فقصصت عليه القصة. وقلت له: أحفظه كله، فقال: اقرأ: فقرأت
جميع ما قرأه على الولاء، ولم أخطىء في حرف منه، فقال ما مر بي مثلك قط. ثم الحديث
رواه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي كما في الجامع الصغير (وقال:)
يعني الترمذي (حديث حسن) إن قلت: قد قال المصنف في خطبة الكتاب والتزم فيه ألا
أذكر إلا حديثاً صحيحاً. قلت: يحتمل أن يراد من الصحيح في كلامه السابق المقبول، كما
تقدم، فيشمل الحسن. وفي فتاوى الحافظ ابن حجر العسقلاني التي جمعها تلميذه
السخاوي ((مسألة)) هل يطلق الصحيح على الحسن كما صنع النووي حيث قال في رياض
الصالحين: والتزم ألا أذكر إلا حديثاً صحيحاً. مع ذكره فيه الحسن ((الجواب)) الحسن يصح
إطلاق الصحيح عليه، بشرط أن يكون حسنه لذاته، بخلاف الذي حسنه لغيره فإنه لا يكون
حسناً حتى ينجبر بمجيئه من طريق أخرى فصاعداً، فإن كان فرداً لم ينجبر ولا يصير حسناً،
بخلاف الحسن لذاته فإنه إذا جاء من وجه آخر صح إطلاق الصحة عليه بالنظر إلى
المجموع، وهو حسن في حد ذاته، ومن أصحاب الحديث من أطلق الصحيح على كل ما
يصلح للاحتجاج به سواء أكان من الصحيح، أم من الحسن، وهذا ليس بشائع في
المتأخرين. وقد نبّه عليه ابن الصلاح في علوم الحديث، فلعل النووي سلك ذلك إن كان
في كتابه المذكور ما هو حسن لغيره اهـ. قيل والأولى حمل قوله السابق: والتزم الخ. على
الغالب.
١٩ - (وعن زر) بكسر الزاي، وتشديد الراء (بن حبيش) بضم المهملة، وفتح الموحدة
وسكون التحتية آخره معجمة، وزر تابعي، قال في الكاشف: أدرك الجاهلية. سمع عمر
وعلياً. قال زر: قال لي أبيّ بن كعب: ((يا زر ما تريد أن تدع آية إلا سألتني عنها)) عاش مائة
وعشرين سنة، وتوفي سنة اثنتين وثمانين اهـ. (قال: أتيت صفوان بن عسال) بفتح المهملة
وسكون الفاء، وعسال بفتح المهملة الأولى وتشديد الثانية (رضي الله عنه) قال المصنف في
تهذيب الأسماء، واللغات: صفوان مرادي كوفي غزا مع رسول اللّه ◌َير اثنتي عشرة غزوة،
ومن مناقبه أن عبد الله بن مسعود روى عنه، وروى عنه جماعة من التابعين، قال ابن

١٠٣
١ - باب: في التوبة
عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْحُفَّيْنِ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا زِرُّ؟ فَقُلْتُ: ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ، فَقَالَ
إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضاً بِمَا يَطْلُبُ. فَقُلْتُ: إِنَّهُ قَدْ حَكَّ فِي
صَدْرِي الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَعْدَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، وَكُنْتَ آَمْرَأْ مِنْ أَصْحَابٍ
النَّبِّ وََّ، فَجِئْتُ أَسْأَلُكَ هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ فِي ذَلِكَ شَيْئاً؟ قَالَ: نَعَمْ كَانَ يَأْمُرُنَا إِذَا
كُنَّا سَفْراً - أَوْ مُسَافِرِينَ، أَنْ لَ نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ
الجوزي في المستخرج المليح من التقليح: روي له عن النبي مَّ ر أحد وعشرون حديثاً
(اسأله عن المسح على الخفين) استئناف بياني، لسبب المجيء إليه، أو حال من فاعل
أتيت (فقال: ما جاء بك) أي ما حملك على المجيء (يا زر فقلت: ابتغاء العلم) مفعول
له (فقال: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم) حقيقة، وإن لم نشاهده للقاعدة
المشهورة: أن كل ما ورد وأمكن حمله على ظاهره حمل عليه ما لم يرد ما يصرفه عنه، أي:
تكف أجنحتها عن الطيران وتنزل لسماع العلم. وقيل: هو مجاز إما عن التواضع نظير:
﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾(١) أو عن المعونة، وتيسير السعي في طلب
العلم. والملائكة يحتمل كونهم ملائكة الرحمة ونحوهم من الساعين في مصالح بني آدم،
ويحتمل أنهم كلهم. قيل: والأول أنسب بالمعنى الحقيقي، والثاني بالمعنى المجازي
(رضي) منها (بما يطلب) أي: من العلوم ورضى مفعول له أي: لأجل الرضى الحاصل
منها، أو لإرضائها بما يطلب، وما يحتمل أن تكون موصلة، والعائد محذوف وأن تكون
مصدرية (فقلت إنه قد حك) بفتح المهملة، وتشديد الكاف أي: أثر وفي نسخة حيك، (في
صدري المسح على الخفين) فاعل حك، وقوله: (بعد الغائط) وهو في الأصل المكان
المنخسف من الأرض سمي به الخارج للمجاورة حال، أو صفة (والبول، وكنت) بفتح التاء
للمخاطب حال و(امرأ) بفتح الراء تبعاً لحركة آخره عند الكوفيين، ومنع البصريون ذلك
أي: شخصاً (من أصحاب النبي ، فجئت أسألك هل سمعته يذكر في ذلك شيئاً؟)
والمسؤول عند قدر مدته بدليل قوله في الجواب (قال: نعم) أي: سمعته يذكر فيه، ثم بين
المسموع بقوله: (كان يأمرنا إذا كنا سفراً) بفتح المهملة، وسكون الفاء جمع سافر، وقيل:
اسم جمع له إذ لم ينطقوا به (أو) شك من الراوي (مسافرين) جمع مسافر شك هل قال
سفراً، أو قال: مسافرين (ألا ننزع) بكسر الزاي مفعول يأمرنا (خفافنا) بكسر المعجمة جمع
خف بضمها (ثلاثة أيام ولياليهن) أي: فإن نزع الخف، والمراد به ظهور شيء من محل
(١) سورة الشعراء، الآية: ٢١٥

١٠٤
كتاب: دليل الفالحين
إلَّ مِنْ جَنَابَةٍ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ، فَقُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَهُ يَذْكُرُ فِي الْهَوَى شَيْئً؟ قَالَ:
نَعَمْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهَِّ فِي سَفَرٍ فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ إِذْ نَادَاهُ أَعْرَابِيُّ بِصَوْتٍ لَهُ
جَهْوَرِيٍّ: يَا مُحَمَّدُ. فَأَجَابَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ نَحْواً مِنْ صَوْتِهِ ((هَاؤُمْ)) فَقُلْتُ لَهُ: وَيْحَكَ!
الفرض من القدم، يبطل المدة فإن كان محدثاً توضأ وضوءاً كاملاً، وإن كان بطهر المسح
لزمه غسل قدميه فقط على الصحيح، وكالنزع فيما ذكر انقضاء المدة، وبطلانها بنحو شك
في انقضائها، وغيره مما ذكروه في الفروع (إلا من جنابة) وكذا ما في معناها مما يوجب
الغسل من حيض، أو نفاس، فيلزمه نزعه ولو غسل القدم في باطن الخف، نزع الخف
ولبسه على طهارة كاملة، ثم يمسح على قدميه، فوجوب النزع لصحة المسح، لا لارتفاع
الحدث، وصحة الصلاة، وفارق الحدث الأكبر الأصغر بأنه لا يتكرر تكرره، فلا يشق النزع
فيه، وكذا يلزمه النزع فيما إذا تنجست رجله في الخف، وتعذر تطهيرها فيه وبه تبطل المدة
و(لكن) مفادها مخالفة ما قبلها نفياً أو إثباتاً مخففاً، أو مثقلاً، وحينئذ فالتقدير أمرنا
رسول الله ﴿ إذا كنا سفراً أن ننزع خفافنا من الجنابة في المدة المذكورة، ولكن لا ننزعها
فيها (من غائط أو بول أو نوم) وزعم بعضهم رد هذه الرواية؛ لأن ظاهرها ينافي العطف
بلكن ليس في محله غاية ما فيه أنها تحتاج إلى تأويل حتى توافق تلك القاعدة (فقلت: هل
سمعته) أي: النبي ◌َّا﴾ (يذكر في الهوى) مقصوراً أي: الحب يقال: هوی کعلم يهوي هوى
(شيئاً؟ قال: نعم كنا مع النبي ◌َّر في سفر، فبينا) قيل ألفه مزيدة، لكفه عن الإِضافة إلى
المفرد كما تقدم في بينما بل لكفها عن الإِضافة للجملة، إلا أن رفع ما بعد بينما واجب،
وبعد بينا جائز، بل الأحسن جر المصدر بعدها نظراً إلى أن ألفها ملحقة لإِشباع الفتحة،
وشذ من قال ألفها للتأنيث، وجملة (نحن عنده) في محل الجر على الإضافة على القول
الأول (إذ) وذكر إذ هنا مع بينا يرد على الحريري زعمه أن بينا لا تلتقي بها ولا بإذا بخلاف
بينما، ويرد عليه الحديث الصحيح: ((بينا أنا نائم إذ جيء بمفاتيح الأرض فوضعت في
يدي)) (ناداه أعرابي) بفتح الهمزة اسم جمع، وهم سكان البوادي، والعرب يعم ذلك،
وسكان القرى، ونسب إلى الجمع: قيل لأنه أجري مجرى القبيلة كأنمار ولأنه لو نسب إلى
الواحد أعني لفظ عرب فقيل: عربي اشتبه المعنى إذ العربي كل من كان من ولد إسماعيل
سواء كان حاضراً، أو بادياً. والأعرابي يختص بالأخير وفي هذا المقام بسط أودعته في باب
المساجد من شرح الأذكار، وسيأتي في باب الحلم إن شاء الله تعالى (بصوت) متعلق بنادى
(له جهوري) بفتح الجيم، وإسكان الهاء، والياء فيه للنسبة منسوب إلى جهور بصوته كما

١٠٥
٢ - باب: في التوبة
أَغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ فَإِنَّكَ عَنْدَ النَّبِيِّ وَِّ وَقَدْ نُهِيتَ عَنْ هُذَا، فَقَالَ: وَاللَّهِلَا أَغْضُضُ. قَالَ
الْأَعْرَابِيُّ: الْمَرْءُ يُحِبُّ الْقَوْمَ وَلَّمَّا يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ
في النهاية، والجهوري الشديد العالي (يا محمد) لعله قبل تحريم ندائه وسلّ باسمه، أو لم
يكن يعلم ذلك لكونه ببادية بعيدة (فأجابه رسول الله وير نحواً) مفعول مطلق أي: إجابة
نحواً (من صوته) أي: في الرفع (هاؤم) قال أبو حيان في النهر: قال الكسائي وابن السكيت
يقال: هاء(١) للرجل وللاثنين رجلين أو امرأتين هاؤما، وللرجال هاؤم، وللمرأة هاء بهمزة
مكسورة بغير ياء(٢)، وللنساء هاؤن: ومعنى هاؤم خذوا. وقد ذكرنا في شرح التسهيل فيها
لغات وهاؤم إن كان مدلولها تعالوا فهي متعدية للمفعول بواسطة إلى اهـ. (فقلت له:) أي:
للأعرابي (ويحك) بفتح الواو والمهملة، وإسكان المثناة بينهما، كلمة ترحم، وتوجع، تقال
لمن وقع في هلكة لا يستحقها وقد تستعمل في المدح كما في النهاية (اغضض) أي : انقص
(من صوتك: فإنك عند النبي ◌َّه وقد نهيت عن هذا) أي: عن رفع الصوت، وعلوه بين
يديه ويقر (فقال:) لما قام عنده من الحال المقتضي للجهر بالصوت (والله لا أغضض) أي:
من صوتي حذف لدلالة الكلام السابق عليه (فقال الأعرابي:) سائلاً النبي وَّر (المرء) لغة
في امريء أي: الشخص، والمراد منه ما يعم المثنى والجمع لتساوي الكل في الحكم
الآتي، أو ما يقابلهما. وعلم حكمهما من تساويهما في مثل هذه الأحكام (يحب القوم) أي:
الأخيار أحياء، وأمواتاً (ولما يلحق بهم) أي: في الأعمال، وطرق الكمال أي: لم يعمل
بعملهم، إذ لو عمله لكان منهم، ومثلهم، ولما لنفي الماضي المستمر، فتدل على نفيه في
الماضي، والحال بخلاف لم، فإنها تدل على الماضي فقد (قال النبي ◌َّ: ) جواباً عن ذلك
(المرء مع من أحب) فيه فضل حب الله ورسوله ◌َّ، والأخيار أحياء وأمواتاً، ومن أفضل(٣)
محبة الله ورسوله امتثال أمرهما واجتناب نهيهما، والتزام الآداب الشرعية، ثم لا يلزم من
كونه مع من أحب أن نكون منزلته وجزاؤه مثلهم من كل وجه، وقد جاء في صحيح مسلم
حديث لأنس فيه مثل هذه البشرى وفيه قال أنس: ((ما فرحنا بعد الإِسلام فرحاً أشد مما فرحنا
بقول النبي ◌َّر: المرء مع من أحب)) قال القرطبي: وإنما كان فرحهم بهذا القول منه وَل
(١) بفتح الهمزة أما التي بالكسر للرجل فبمعنى هات. ع.
(٢) وأما التي بالياء للمرأة فبمعنى هاتي. ع.
(٣) لعله ومن علامة محبة الخ. ش.

١٠٦
كتاب : دليل الفالحين
يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) فَمَا زَالَ يُحَدِّثْنَا حَتَّى ذَكَرَ بَاباً مِنَ الْمَغْرِبِ مَسِيرَةُ عَرْضِهِ أَوْ يَسِيرُ الرَّاكِبُ
فِي عَرْضِهِ أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ عَاماً (قَالَ سُفْيَان أَحَدُ الرُّوَاةِ: قِبَلَ الشَّامِ) خَلَقَهُ اللَّهُ
تَعَالَىَ يَوْمَ خَلَقَ السموات وَالأَرْضَ مَفْتُوحاً لِلَّوْبَةِ لَا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْهُ))
أشد من فرحهم بسائر أعمال البر لأنهم لم يسمعوا أن في أعمال البر ما يحصل به ذلك
المعنى من القرب من النبي وَ لهر، والكون معه، إلا حب الله، ورسوله، فأعظم بأمر يلحق
المقصر بالمشمر، والمتأخر بالمتقدم، ولما فهم أنس أن هذا اللفظ محمول على عمومه
علق به رجاءه، وحقق فيه ظنه، فقال: أنا أحب الله ورسوله ويسلم وأبا بكر، وعمر، فأرجو أن
أكون معهم وإن لم أعمل بعملهم، والوجه الذي تمسك به أنس يشمل من المسلمين
المحبين كل ذي نفس، فلذا تعلقت أطماعنا بذلك، وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة
الرحمن وإن كنا غير مستأهلين اهـ. (فما زال يحدثنا) إن كان من كلام صفوان كما هو
الظاهر، فالمحدث لهم النبي # وإن كان من كلام زر فهو صفوان، ثم رأيت في الترغيب
بعد أن روى قوله: ((إن من قبل المغرب لباباً)) مرفوعاً (١) من طريق الترمذي: وفي رواية
للترمذي وصححها أيضاً قال يعني زربن حبيش: فما برح يعني صفوان يحدثني حتى
حدثني بأن الله عز وجل جعل بالمغرب باباً عرضه مسيرة سبعين عاماً للتوبة، لا يغلق ما لم
تطلع الشمس من قبله. وكذلك قوله تعالى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً
إيمانها﴾(١) الآية. وليس في هذه الروايات، ولا الأولى تصريح برفعه كما صرح به البيهقي،
وإسناده صحيح أيضاً اهـ. (حتى ذكر) في حديثه (باباً من المغرب مسيرة عرضه) أي: بين
طرفيه (أو يسير الراكب في عرضه) شك من الراوي (أربعين أو سبعين عاماً) لكمال سعته
(قال سفيان) بتثليث السين وسكون الفاء، وهو ابن عيينة كما صرح به المزي في أطرافه
(أحد الرواة) لهذا الحديث أي: أحد رجال إسناده (قبل الشأم) بالهمز، والقصر ويجوز ترك
الهمز، والمد مع فتح الشين ضعيف. أي: وهي غربي المدينة وحدها طولاً ما بين العريش،
والفرات، وعرضاً من جبل طي من نحو القبلة إلى نحو أرض الروم وما سامت ذلك من البلاد
وقال ابن حبان: أوله باياس وآخره العريش اهـ. (خلقه الله تعالى) أي: أوجده (يوم خلق)
أي: أوجد (السموات والأرض مفتوحاً) حال ويحتمل أن يكون مفعولاً ثانياً لخلق بتضمينه
معنى جعل (للتوبة) أي: لقبولها سواء كانت من الكفر، أو من الذنب (لا يغلق) ذلك الباب
المترتب عليه عدم قبولها (حتى تطلع الشمس منه) أي: من المغرب ويحتمل من ذلك
(١) قوله مرفوعاً حال من المقول، وقوله وفي رواية الخ مفعول رأيت. ع. (١) سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.

١٠٧
٢ - باب: في التوبة
رَوَاهُ التَّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (١)
الباب. قال في المفاتيح: وإنما لم تقبل بعد طلوع الشمس من مغربها؛ لأنه من علامات
القيامة، فحينئذ كأنها ظهرت الساعة. وظهور الساعة انقضاء التكليف اهـ. (رواه الترمذي)
بكسر الفوقية والميم، وقيل بضمهما، وقيل بفتح ثم كسر ميمها مع إعجام الذال، نسبة
لمدينة قديمة على طرف جيحون نهر بلخ كما تقدم قريباً في ترجمته. ثم إنه روي الحديث
بجملته في الدعوات وفي الزهد من قوله: ((جاء أعرابي))، إلى قوله: ((المرء مع من أحب))،
وفي الطهارة قصة المسح (وغيره) فروى النسائي في التفسير الحديث، وليس فيه قصة
المسح، وفي الطهارة بقصة المسح، ورواه ابن ماجه في الطهارة بقصة المسح وفي الفتن،
وروى مسلم وغيره قوله : ((المرء مع من أحب))، لكن في قصة أخرى وروى البيهقي
حديث باب التوبة لكن باللفظ الذي نقلته عن الترغيب قال المنذري: وإسناده صحيح
(وقال:) يعني الترمذي (حديث حسن صحيح) قال الحافظ ابن حجر في شرح نخبته: إذا
جمع الصحيح والحسن في وصف حديث واحد فللتردد الحاصل من المجتهد في الناقل،
هل اجتمعت فيه شروط الصحة، أو قصر عنها، وهذا حيث يحصل منه التفرد بتلك الرواية،
قال: ومحصل الجواب أن تردد أئمة الحديث في ناقليه اقتضى للمجتهد ألا يصفه بأحد
الوصفين بل يقول فيه. حسن أي: باعتبار وصف ناقله عند قوم صحيح باعتبار وصفه عند
قوم آخرين، وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد، لأن حقه أن يقول حسن، أو صحيح
كما حذف منه حرف العطف في الذي بعده(٢) وعلى هذا فما قيل فيه حسن صحيح دون ما
قيل فيه صحيح؛ لأن الجزم أقوى من التردد، وهذا حيث حصل التفرد، وإلا أي وإن لم
يحصل التفرد فإطلاق الوصفين معاً على الحديث يكون باعتبار إسنادين أحدهما صحيح،
والآخر حسن وعلى هذا فما قيل في: حسن صحيح فوق ما قيل فيه صحيح فقط، إذا كان
فردا؛ لأن كثرة الطرق تقوي اهـ. وقال الحافظ السيوطى: أو يكون المراد أنه حسن لذاته
صحيح لغيره. وأن المراد حسن باعتبار إسناده، صحيح أي: أنه أصح شيء ورد في الباب،
فإنه يقال: أصح ما ورد كذا وإن كان حسناً، أو ضعيفاً، والمراد أرجحه وأقله ضعفاً اهـ.
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده.
(الحديث: ٣٥٣٥)
(٢) أي الآتي في تمام تقرير هذا المقام وهو الحديث الذي له سندان أحدهما حسن والآخر صحيح فكان
المقتضي أن يقال فيه حسن وصحيح بالعطف لكنهم حذفوا حرف العطف اختصاراً. ش.
00

١٠٨
كتاب: دليل الفالحين
٢٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَعْد بْنِ مَالِك بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ
نَبِيَّ اللَّهِ وَهِ، قَالَ: ((كَانَ فِيَمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ
أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسَاً فَهَلْ لَهُ
مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ لَا، فَقَتَلَهُ فَكَمّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمْ أَهْلِ الأَرْضِ ، فَدُلَّ عَلَى
٢٠ - (وعن أبي سعيد) كنية (سعد بن مالك بن سنان) بكسر السين المهملة، وبنونين
بينهما ألف (الخدري) بضم المعجمة، وسكون المهملة، نسبة إلى خدرة بهذا الضبط، وهو
الأبجر بالموحدة فالجيم، بطن من الخزرج وقيل: خدرة أم الأبجر. ثم سعد وأبوه
صحابيان. استشهد أبوه في وقعة أحد، وحينئذ فلا يظهر إفراد الضمير في قول الشيخ
(رضي الله عنه) وكان حقه رضي الله عنهما، كما هو المطلوب عند ذكر صحابي ابن
صحابي، روي لأبي سعيد عن النبي ◌َّر، ألف ومائة وسبعون حديثاً اتفقا منها على ستة
وأربعين، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين. عن حنظلة بن أبي سفيان
الجمحي، عن أشياخه قالوا: لم يكن أحد من أحداث الصحابة أفقه من أبي سعيد، وفي
رواية أعلم، ومناقبه كثيرة. توفي بالمدينة يوم الجمعة، سنة أربع وستين. وقيل وسبعين،
ودفن بالبقيع (أن) بفتح الهمزة، ويجوز كسرها، بتقدير القول (نبيّ الله وَلير قال:) مرغباً في
التوبة والإِنابة إلى الله تعالى ومومئاً إلى صغر الذنب وإن عظم، في جنب عفوه سبحانه (كان
فيمن قبلكم) أي من الأمم (رجل) اسم كان، والظرف قبله حال منه، وقيل الظرف صلة لمن
الموصولة، وقوله (قتل) خبر كان (تسعة وتسعين نفساً) أي: على وجه العدوان فهبت عليه
نفحات الوصول، وآن ابان ساعة الإِنابة، والقبول (فسأل عن أعلم أهل الأرض) أي: في
ذلك الوقت (فدل) بالبناء للمجهول (على راهب) أي: عابد من عباد بني إسرائيل (فأتاه
فقال: إنه) عدل إليه عن حكاية لفظه وهو إني بضمير المتكلم تنبيهاً على الأدب في حكاية
مثل ذلك، مما يكره النطق به، فيؤتى فيه بضمير الغيبة كما قال الحاكي للفظ أبي طالب عند
موته. فكان آخر ما كلمهم به، أنه على ملة عبد المطلب. نبّه عليه المؤلف في ذلك المقام
من شرح مسلم (قتل تسعة وتسعين نفساً) عدواناً (فهل له من توبة) من مزيدة للتأكيد(فقال لا
فـ) لما أوقعه في ميدان القنوط (قتله فكمل به مائة) من القتلى. قال القرطبي: وهذا من
الراهب دليل على قلة علمه، وعدم فطنته حيث لم يصب وجه الفتيا، ولا سلك طريق التحرز
في نفسه ممن صار له القتل عادة معتادة، فقد صار هذا مثل الأسد الذي لا يبالي بمن يفترسه
فکان حقه ألا يشافهه بمنع التوبة مداراة لدفع القتل عن نفسه، کما یدارى الأسد الضاري،

١٠٩
٢ - باب: في التوبة
رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ
وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ أَنْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُناساً يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالَى فَأَعْبُدِ
لكنه أعان على نفسه، فإنه لما آيسه من التوبة، قتله بحكم سبعيته، ويأسه من رحمة الله،
وتوبته عليه (ثم) لما لم يزل لطف الله تعالى مصاحباً لذلك القاتل بقي في نفسه الرغبة في
السؤال عن حاله، فما زال يحثه على هذا الأمر حتى (سأل) ثانياً (عن أعلم أهل الأرض)
أي: في ذلك الزمن (فدل على رجل) أتى به توطئة لقوله: (عالم فقال) عطف على مقدر
أي: فأتاه فقال، وحذف لذكره في نظيره (إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة) أي: مقبولة
(فقال) ناطقاً بالحق، والصواب مجيباً عن السؤال، منكراً على من ينفيها عنه (نعم ومن)
استفهام إنكار أي: أي شيء (يحول) بالحاء المهملة، أي: يكون حائلاً وفاصلا (بينه) أي:
التائب من الذنب (وبين التوبة) وعبر بمن تغليباً، أي: لا مانع بينك، وبينها من شخص،
ولا غيره، وأتى بضمير الغائب، مراعاة لحسن الأدب في الخطاب، وهو ألا يضاف ما فيه لوم
ولو على سبيل الرمز للمخاطب. وقبول توبة القاتل عمداً، مذهب أهل العلم وإجماعهم ولم
يخالف أحد منهم إلا ابن عباس، وما نقل عن بعض السلف من خلاف ذلك فمراد قائله،
الزجر، والتورية، لا اعتقاد بطلان توبته، وهذا الحديث ظاهر فيما قاله أهل العلم، وهو وإن
كان شرعاً لمن قبلنا، وفي الاحتجاج به خلاف فليس هذا من موضع الخلاف، إنما موضعه
إذا لم يرد شرعنا بموافقته، وتقريره. فإن ورد كان شرعاً لنا بلا خلاف، وهذا ورد شرعنا به .
قال تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلّهاً آخر، ولا يقتلون﴾(١) إلى قوله: ﴿إلا من
تاب﴾(٢) الآية. وجاءت أحاديث كثيرة بمعنى ذلك، وأما قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمناً
متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها﴾(٣) فالصواب في معناه: إن جزاءه جهنم (٤) وقد يجازى
بها، وقد يجازى بغيرها، وقد لا يجازى، بل يعفى عنه. كذا في شرح مسلم للمصنف. ثم
إن العالم دل السائل على ما فيه نفعه بقوله: (انطلق إلى أرض كذا وكذا) اسمها بصرى،
واسم القرية التي كان بها كفرة رواه الطبراني. ليفارق دار الفساد، وأصحابه الذين كانوا
يعينونه عليه ما داموا كذلك. قال القرطبي : وبهذا يعرف فضل العلم على العبادة؛ لأن الأول
(١) سورة الفرقان، الآية: ٦٨.
(٢) سورة الفرقان، الآية: ٧٠.
(٣) سورة النساء، الآية: ٩٣.
(٤) أي أنه مستحق لذلك ولا يلزم من الاستحقاق الفعل. ع.

١١٠
كتاب: دليل الفالحين
اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَأَنْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ
أَتَاهُ الْمَوْتُ؛ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ. فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ
الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِباً مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إلَى اللَّهِ تعَالَى، وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ
خَيْرَاً قَطُ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةٍ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأرْضَيْنِ
غلبت عليه الرهبانية، واغتر بوصف الناس له بالعلم، فأفتى بغير علم فهلك في نفسه،
وأهلك غيره. والثاني كان مشتغلا بالعلم، فوفق للحق فأحياه الله، وأحيى به اهـ. وقوله
كذا وكذا كأن الراوي شك في اللفظ، فكنى عنه بذلك، وهي من ألفاظ الكنايات مثل كيت،
وكيت ومعناه مثل ذا قاله في النهاية، وقوله: (فإن بها أناساً) بضم الهمزة (يعبدون الله تعالى
فاعبد الله تعالى معهم) أتى بالمظهر، والمقام للضمير استلذاذاً فذكر المحبوب محبوب (ولا
ترجع إلى أرضك) أي: التي كنت بها زمن العصيان (فإنها أرض سوء) بفتح المهملة، وفيه
تنبيه على وجه استبدال تلك الأرض بأرضه، وفيه الانقطاع عن إخوان السوء، ومقاطعتهم
ما داموا على حالهم، واستبدال صحبة أهل الخير، والعلم، والصلاح والعبادة، والورع،
ومن يقتدى به، وينتفع بصحبته؛ لتتأكد بذلك توبته، وتقوى أوبته فإن كل قرين يقتدي بقرينه
(فانطلق) تائباً من زلته، مفارقاً لمحلته، قاصداً لما أمر بالرحلة إليه، واستمر كذلك (حتى إذا
نصف الطريق) بتخفيف الصاد المهملة المفتوحة أي: بلغ نصفها (أتاه الموت فاختصمت
فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى)
قال القرطبي : هذا نص صريح في أن الله تعالى أطلع ملائكة الرحمة على ما في قلبه من
صحة قصده إلى التوبة، وحرصه عليها وأن ذلك خفي على ملائكة العذاب، حتى أخبر اله
عنها بقوله: (وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط) بضم الطاء ظرف الاستغراق
الزمن الماضي إذ لو اطلعت على ما في قلبه من التوبة، لما صح لها أن تقول هذا، ولا أن
تنازع ملائكة الرحمة في قولها إنه جاء تائباً الخ بل كانت تشهد بما في علمها، كما شهد
الأولون بما تحققوه. ولما كانت شهادة ملائكة الرحمة على إثبات، وملائكة العذاب على
عدم، وشهادة الإِثبات مقدمة، فلا جرم لما حصل التنازع بين الصنفين، وخرج كلاهما عن
الشهادة إلى الدعاوى بعث الله إليهما ملكاً حاكماً يفصل بينهما كما قال: (فأتاهم ملك في
صورة آدمي) صور بصورته إخفاء عن الملائكة، وتنويهاً ببني آدم وأن منهم من يصلح لأن
يفصل بين الملائكة إذا تنازعوا (فجعلوه بينهم) حجة لمن قال بلزوم حكم المحكم
للخصمين المتراضيين به (فقال: قيسوا ما بين الأرضين) أي: التي خرج منها والتي ذهب

١١١
٢ - باب: في التوبة
فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَّهُ، فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ
مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ ((فَكَانَ إِلَى القَرْيَةِ الصَّالِحَةِ
أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَجْعِلَ مِنْ أَهْلِهَا)) وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ: ((فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى
هَذِهِ أَنْ تَّبَاعَدِي وَإِلَى هَذِهِ أَنَّ تَقَرَّبِي وَقَالَ قِيْسُوا مَا بَيْنَهُمَا فَوَجَدُوهُ إِلَى هذِهِ
إليها (فإلى أيتهما كان أدنى فهو له) أي: لذلك الأدنى إليه منهما، أي: الجنة والعذاب
(فقاسوا) أي: ملائكة الصنفين (فوجدوه) أي: التائب (أدنى) أي: أقرب (إلى) جهة
(الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة) لكونه أقرب إلى أرض الصلاح. قال القرطبي
وفيه دليل على أن الحاكم إذا تعارضت الأقوال عنده، وتعذرت الشهادة، وأمكنه الاستدلال
بالقرائن على ترجيح بعض الدعاوى، نفذ الحكم بذلك كما فعله سليمان عليه السلام حيث
قال: ائتوني بالسكين اشقه بينكما. وقال المصنف: قياس الملائكة ما بين القريتين، وحكم
الملك الذي جعلوه بينهم بذلك، محمول على أن الله تعالى أمرهم عند اشتباه الأمر عليهم
واختلافهم فيه، أن يحكموا رجلاً ممن يمر بهم فمر الملك في صورة رجل، فحكم بذلك
اهـ. (متفق عليه) رواه البخاري في ذكر بني إسرائيل ومسلم في التوبة. ورواه ابن ماجه في
سنده. قال المزي: قلت واللفظ المذكور لمسلم (وفي رواية في الصحيح) عند مسلم من
حديث أبي سعيد أيضاً (فكان إلى القرية الصالحة) إسناد مجازي من إسناد الشيء إلى مكانه
كنهر جار، أي الصالح من فيها، وفيه إيماء إلى أن شرف المكان بشرف المكين، وما أحسن
ما قيل :
بسكانها تغلو الديار وترخص
وقول الآخر.
ولكن حب من سكن الديارا
وما حب الديار شغفن قلبي
(أقرب بشير) أي: بعد الأمر للقرية الصالحة بأن تقرب، فلا تخالف الرواية الآتية
(فجعل من أهلها) أي: الجنة فأخذه أهلها ففيه مجاز إطلاق اللازم وإرادة الملزوم (وفي
رواية) أخرى (في الصحيح) هي: عندهما، واللفظ للبخاري (فأوحى الله تعالى) أي: أشار
(إلى هذه) أي: أرض الفساد (أن تباعدي) أي: تباعدي عن ذلك الإنسان بأن ينضام
بعضهما لبعض (و) أوحى أي: أشار (إلى هذه) أي: أرض الصلاح (أن تقربي) بانبساط
أجزائها، وامتدادها (وقال) أي: الحكم (قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه) أي: أرض

١١٢
كتاب: دليل الفالحين
أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ)) وَفِي رِوَايَةِ ((فَنَأَى بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا))(١).
٢١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ بَنِهِ
حِينَ عَمِيَ، قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ
عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَهِ فِي غَزْوَة تَبُوكُ، قَالَ كَعْبُ: لَمْ أَتَخلَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّ فِي
الصلاح (أقرب بشبر) بسبب امتدادها، وانبساطها، وانزواء تلك، وانقباضها (فغفر له)
فأخذته ملائكة الرحمة، ففيه مجاز كما تقدم في نظيره قال القرطبي : يفهم منه أن الرجل كان
أقرب إلى الأرض التي خرج منها، فلو تركت الأرض على حالها لقبضته ملائكة العذاب،
لكن غمرته الألطاف الإِلَهية، وسبقت له العناية الأزلية، فقربت البعيد، وألانت الحديد،
ويستفاد منه أن الذنوب، وإن عظمت، فعفو الله أعظم منها، وأن من ألهمه الله صدق التوبة،
فقد سلك به طريق اللطف، والقربة اهـ. (وفي رواية) أي: في الصحيح أيضاً رواها مسلم
(فناء) بتقديم الألف على الهمزة، وفي نسخة من مسلم: نأى(١) بتقديم الهمزة عليها أي:
نهض مع ثقل ما أصابه من الموت (بصدره نحوها) وفيه دليل لصحة توبته، وصدق رغبته.
٢١ - (وعن عبد الله بن كعب بن مالك) بن كعب الأنصاري السلمي أي: بفتحتين قال
في أسد الغابة: ذكره أبو أحمد العسكري فيمن لحق بالنبي بَّرَ اهـ. (وكان قائد كعب
رضي الله عنه من) بين (بنيه) وهم عبد الله هذا، وعبد الرحمن، وعبيد الله (حين) أي: زمن
(عمي) أي: صار أعمى (قال:) بيان للمروي عن عبد الله (سمعت كعب بن مالك رضي الله
عنه) شهد العقبة، والمشاهد كلها إلا بدراً، وتبوك، وجرح يوم أحد، أحد عشر جرحاً في
سبيل الله، وهو أحد شعراء النبي ( المجاهدين بألسنتهم، وأيديهم، وهم ثلاثة؛ حسان،
وكعب، وابن رواحة، وكان حسان يقع في الأنساب، وابن رواحة يعيرهم بالكفر، وكعب
يخوفهم وقائع السيف. روي له عن رسول الله وَّر، ثمانون حديثاً. اتفقا على ثلاثة منها،
وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين. توفي بالمدينة سنة خمسين رضي الله عنه
(يحدث حديثه) مفعول مطلق، أو منصوب بنزع الخافض (حين تخلف عن) الخروج مع
(النبي) وفي نسخة عن رسول الله (َّر في غزوة تبوك) بفتح الفوقية، وضم الموحدة،
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (٣٧٣/٦، ٣٧٤).
وأخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: قبول توبة القاتل وإن كثر قتله. (الحديث: ٤٦).
(٢) عبارة المنذري: وفي رواية أنه لما أتاه ملك الموت نأى يصدره نحوها.

١١٣
٢ - باب: في التوبة
غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ إلَّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ غَيْرَ أَنِّي قَدْ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتَبْ
أَحَد تَخَلَّفَ عَنْهُ، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ وَالْمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ عِيرِ قُرَيْشٍ حَتَّى
جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَىَ غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَهُ
يصرف إن أريد به المكان، ولا يصرف إن أريد به البقعة وكانت غزوة تبوك في التاسعة من
الهجرة. قال الفناري في شرح الموطأ من رواية محمد بن الحسن: قيل: سميت بتبوك
لأنه وسلو رأى قوماً من أصحابه يبوكون عين تبوك، أي: يدخلون فيها القدح ويحركونه ليخرج
الماء. فقال ما زلتم تبوكونها تبوكاً اهـ. (قال كعب:) بيان لحديثه (لم أتخلف عن
رسول الله ◌َ﴿ في غزوة غزاها قط) وعدة الغزوات التي خرج فيها رسول الله رَّ بنفسه سبع
وعشرون قاتل في تسعة منها بنفسه، بدر، وأُحد، والمريسيع والخندق، وقریظة، وخیبر،
وفتح مكة على القول بأنها فتحت عنوة، والصحيح عند أئمتنا خلافه، وحنين والطائف،
وقيل: إنه قاتل بني النضير، وكانت سراياه التي بعث فيها سبعاً وأربعين سرية (إلا في غزوة
تبوك) ثم استثنى من قوله لم أتخلف الخ قوله: (غير أني قد تخلفت) أي: عنه ◌َّ (في
غزوة بدر) قرية مشهورة تنسب إلى بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة، كان نزلها، وقيل:
بدر بن الحارث حافر بئرها، وقيل: بدر اسم البئر التي فيها سميت به لاستدارتها، أو
لصفائها ورؤية البدر فيها، وحكى الواقدي عن غير واحد من شيوخ بني غفار إنكار هذا كله
قال: وإنما هي مالنا ومنازلنا، وما ملكها أحد قط يقال له بدر، وإنما هو علم عليها كغيرها
من البلاد، والسبب في ترك استثناء بدر مع تبوك بلفظ واحد، كونه تخلف في تبوك مختاراً
لذلك مع تقدم الطلب، ووقوع العتاب على من تخلف بخلاف بدر في ذلك كله فلذا غاير
بين التخلفين. قاله الحافظ في الفتح: (ولم يعاتب أحداً) من المسلمين، هو بفتح الفوقية
مبني للمجهول، وفي رواية لم يعاتب أحداً (تخلف عنه) فيها (إنما خرج رسول الله وَل
والمسلمون يريدون عير قريش) علة لعدم العتاب. والعير الإِبل التي عليها أحمالها. وذلك
أن أبا سفيان، كان بالشأم في ثلاثين راكباً منهم عمرو بن العاص، فأقبلوا في قافلة عظيمة
فيها أموال قريش حتى إذا كان قريباً من بدر، بلغ النبي وغير ذلك، فندب أصحابه إليهم،
وأخبرهم بكثرة المال، وقلة العدو، فلما بلغ النبي ◌ّير الروحاء أتاه الخبر عن مسير قريش،
ليمنعوا عن غيرهم، فكان سبب الحرب المشار إليها بقوله: (حتى جمع الله بينهم وبين
عدوهم) أي: من كفار قريش (على غير ميعاد) أي: موعد (ولقد شهدت مع رسول الله وال

١١٤
كتاب : دليل الفالحين
لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِيْنَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلامِ وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ وَإِنْ
كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا. وَكَانَ مِنْ خَبَرِي حِينَ تَخَلَّقْتُ عَنْ
رَسُولِ اللَّهِوَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِيْنَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ
فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ؛ وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْن قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ،
وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ يُرِيدُ غَزْوَةً إلَّ وَرَّى بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، فَغَزَاهَا
ليلة العقبة) أي: الليلة التي بايع النبي رو الأنصار فيها على الإِسلام، وأن يؤووه،
وينصروه، وهي العقبة التي في طرف منى، التي تضاف إليها جمرة العقبة، وكانت بيعة
العقبة مرتين؛ في السنة الأولى كانوا إثنى عشر، وفي السنة الثانية سبعين، كلهم من
الأنصار، بمسجد بقرب العقبة المذكورة، وإذا أطلق ذكر العقبة فالمراد الأخيرة (حين
تواثقنا) بالمثلثة بعد الألف، بدل من ليلة، وتواثقنا (على الإِسلام) أي: تبايعنا عليه،
وتعاهدنا وأخذ بعضنا على بعض الميثاق. وفي بعض النسخ: توافقنا بالفاء بدل المثلثة (وما
أحب أن لي بها) أي: بدل الليلة أو العقبة (مشهد بدر) بالنصب اسم أن أي: ما أحب أني
شهدت بدراً ولم أشهدها(١) قال ذلك لما ظهر له بحسب نظره أن ليلة العقبة كانت أفضل
لأنها وقعت قبل الهجرة، والمسلمون قليل، والإِسلام ضعيف (وإن كانت بدر أذكر)
بالنصب أي: أشهر ذكراً (في الناس منها) بالفضيلة، وقد قدموا في عد طباق الصحابة من
شهد العقبة الثانية على من شهد بدراً (فكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله واليوم
في غزوة) بإسكان الزاي، ويقال: غزاة بفتح المعجمة، والزاي وإبدال الواو ألفاً، فهما
مفردا غزوات، وعن ثعلب: الغزوة المرة، والغزاة عمل سنة كاملة. ذكره أول المغازي من
الفتح (تبوك أني) بفتح الهمزة، هي ومدخولها اسم كان (لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني) فيه
تفضيل الشيء على نفسه باعتبار تعدد الزمان، كما فضل الكحل حال كونه في عين زيد مثلاً
على نفسه حال كونه في عين غيره، باعتبار تعدد المكان في قولهم: ما رأيت أحداً أحسن في
عينه الكحل منه في عين زيد (حين) أي: زمن (تخلفت عنه في تلك) الغزوة (والله ما جمعت
قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة) بيان لكونه أيسر، وكذا لكونه أقوى إن أريد
به القوة العارضية الحاصلة بالأسباب، وإن أريد به القوة في البدن، فسكت عن ذكر ما يبينه
(١) أي العقبة. ع

١١٥
٢ - باب: في التوبة
رَسُولُ اللَّهِ وَ فِي حَرِّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرَاً بَعِيداً وَمَفَازَاً، وَاسْتَقْبَلَ عَدَداً كَثِيراً،
فَجَلَا لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِمُ الَّذِي يُرِيدُ،
وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ كَثِيرٌ وَلَ يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظُ (يُرِيدُ بِذَلِكَ الدِّيَانَ)
قَالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إلَّ ظَنَّ أَنَّ ذُلِكَ سَيَخْفَى مَا لَمْ يَنْزِلِ فِيهِ وَحْيٌ
(ولم يكن رسول الله ول# يريد غزوة إلا ورى بغيرها) أي: أوهم، زاد أبو داود: وكان يقول:
((الحرب خدعة)) (حتى) غاية للتورية (كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله وَّر في حر شديد)
يخاف منه الهلاك (واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً) ويقال: مفازة أي: برية طويلة قليلة الماء
وهو بفتح الميم: قيل: مأخوذ من فاز الرجل، إذا هلك، وقيل على سبيل التفاؤل بفوزه،
ونجاته منها. كما يقال للديغ: سليم (واستقبل عدداً كثيراً) وفي بعض نسخ الصحيح عدواً،
وكأن حكمة إعادة العامل أن هذا نوع غير معمول ((استقبل)) المذكور أولاً (فجلا للمسلمين
أمرهم) بتخفيف اللام، وتشديدها أي: كشفه، وأوضحه، وعرفهم ذلك من غير تورية
(ليتأهبوا أهبة غزوهم) بضم الهمزة وإسكان الهاء أي: ليستعدوا بما يحتاجون إليه في
سفرهم، ثم هو كذا في نسخ الرياض بالمعجمة فالزاي، وهو كذلك في صحيح مسلم،
وفي صحيح البخاري ((عدوهم)) بالمهملتين وتشديد الواو (فأخبرهم بوجهه) أي: بقصده،
وهو كذلك بالموحدة أوله في بعض نسخ مسلم، وفي غيره ((توجههم)) بالفوقية بدل
الموحدة، أي: مقصدهم (الذي يريد) وفي تلك ((الذي يريدون)) والعائد محذوف عليهما،
وسبب تلك الغزوة، أنه سي بلغه أن الروم تجمعت بالشام مع هرقل أي: لحربه فندب وَالّ
الناس إلى الخروج لذلك (والمسلمون مع رسول الله وَلل كثير) جملة حالية من فاعل غزا(١)
وعدة من كان معه ، ثلاثون ألفاً، وعن أبي زرعة: سبعون ألفاً، وفي رواية عنه أيضاً:
أربعون ألفاً، ووجه الجمع أن من قال كانوا سبعين عد التابع، والمتبوع. ومن قال ثلاثين،
أو أربعين عد المتبوعين. أو أهل القتال (ولا يجمعهم كتاب حافظ) حال متداخلة، ثم روي
في صحيح البخاري بتنوينهما، وفي صحيح مسلم بالإِضافة قال ابن شهاب الزهري (يريد)
أي: كعب (بذلك) أي: بالكتاب الحافظ (الديوان) بكسر الدال على المشهور، وحكي
فتحها فارسي معرب، وقيل عربي (قال كعب: فقل: رجل) وفي البخاري فما رجل (يريد
أن يتغيب) أي: يغيب (إلا ظن أن سيخفى له) وقع في جميع نسخ مسلم بإسقاط إلا . قال
(١) أي في قوله سابقاً: فغزاها رسول الله * في حر شديد
FOX

١١٦
كتاب : دليل الفالحين
مِنْ اللَّهِ تَعَالَىَ، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ تِلْكَ الْغَزْوَةِ حِينَ طَابَتِ الثَّمَارُ وَالظَّلَالُ فَأَنَا إِلَيْهَا
أَصْعَرِ، فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللّهَ بَّهِ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَطَفِقْتُ أَغْدُر لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُ،
وَلَمْ أَقْضِ شَيْئاً، وَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَرَدْتُ فَلَمْ يَزَلْ
ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ غَادِياً وَالْمُسْلِمُونَ
مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضٍ مِنْ جَهازِي شَيْئاً، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئاً
فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتْمَادَى بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الغَزْوُ فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَجِلَ فَأَدْرِكَهُمْ
فَا لَيْتَنِي فَعَلْتُ! ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُروِجِ رَسُولٍ
المصنف في شرحه: والصواب إثباتها. قال القرطبي: هي لإِيجاب ما تضمنه قل من معنى
النفي، لأن معنى قل رجل ما رجل، فكأنه قال: ما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن اهـ. (ما
لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل) منبه على تغيبه (وغزا رسول الله وير تلك الغزوة حين
طابت الثمار) أي: أينعت، ونضجت وآن وقت أكلها (و) طابت (الظلال) بكسر الظاء
المعجمة جمع ظل (فأنا إليها أصعر) بالمهملتين أي: أميل، والصعر الميل (فتجهز
رسول الله وَ ل﴿ و) تجهز (المسلمون معه وطفقت) من أفعال الشروع جعلت يقال: طفق
بكسر الفاء، وفتحها وبإبدال الفاء بموحدة (أغدو لكي أتجهز معه فأرجع ولم أقض) شيئاً من
أمري (وأقول في نفسي أنا قادر على ذلك) أي: على التجهيز (إذا أردت) أي: لسعة الوقت
(فلم يزل ذلك) أي: التسويف في الأمر (يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد) بكسر الجيم
أي: الاجتهاد في أمر السفر، وشأنه (فأصبح رسول الله وَّ ر غادياً و) أصبح (المسلمون معه)
أي: مصاحبين له في السفر (ولم اقض من جهازي) بفتح الجيم، وكسرها أي: أهبة سفري
(شيئاً ثم غدوت) أي: سرت أول النهار (فرجعت) من غدوي (ولم أقض شيئاً) أي: من
جهازي (فلم يزل ذلك) أي: الغدو لقضاء الجهاز، وعدم قضائه (يتمادى بي حتى أسرعوا)
بالمهملات، وصحفه الكشمهيني، فرواه في صحيح البخاري ((شرعوا)) بحذف الهمزة،
وإعجام الشين (وتفارط) بفوقية ففاء وراء، وطاء مهملتين (الغزو) بإعجام الغين، أي: تقدم
الغزاة، والفارط، والفرط المتقدم وجمعه أفراط (فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا) قوم (ليتني
فعلت) وخلصت من ورطة التخلف، وفيه الندم على ما فات من عمل البر، والنهي عنه على
ما فات محمول على ما فات من الأعراض الفانية (ثم لم يقدر ذلك) أي: الارتحال (لي) وما
لم يقدر لا يكون (فكنت إذا أخرجت في الناس) أي: المتخلفين من مؤمن معذور، أو منافق

١١٧
٢ - باب: في التوبة
اللّهِ وَ﴿ يَحْزُنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلّ رَجُلًا مَغْمُوصاً عَلَيْهِ فِي النَّفَاقِ، أَوْ رَجُلًا مِمِّنْ عَذَّرَ
اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الضُّعَفاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ وَ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ؛ فَقَالَ
وَهُوَ جَالِسٌ فِي القَوْمِ بِتَبُوكَ: ((مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟)) فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةً:
يَا رَسُولَ اللـه حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ! فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْس
مَا قُلْتُ! واللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّ خَيْراً.
مغرور. (بعد خروج رسول الله # يحزنني) بفتح التحتية، وضم الزاي من حزن، ويجوز
ضم التحتية، وكسر الزاي، من أحزن (أن) وفي نسخة أني (لا أرى لي أسوة) فاعل يحزن.
والظرف في محل الحال، من أسوة وهي بضم الهمزة، وقد تكسر، القدوة (إلا رجلاً
مغموصاً) بإعجام الغين، وإهمال الصاد أي: مطعوناً (عليه) في دينه محتقراً متهماً (في
النفاق) أي: إظهار الإِسلام، وإخفاء الكفر. ولا يخفى ما اشتملت عليه هذه الجملة من
الاستعارة المكنية، وما يتبعها من الاستعارة التخييلية (أو رجلاً ممن عذر الله) أي: عذره الله
(من الضعفاء) بيان لمن (ولم يذكرني رسول الله (َ ل ﴿ حتى بلغ تبوك) هكذا في نسخ الرياض
ممنوع الصرف على إرادة البقعة قال المصنف: وهو في أكثر نسخ الصحيحين تبوكاً
بالصرف، وكأنه صرفه لإِرادة المكان دون البقعة (فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل
كعب بن مالك. فقال رجل من بني سلمة:) بكسر اللام بطن من الأنصار، واسم ذلك
الرجل عبد الله بن أنيس(١) كما قاله الواقدي في المغازي (يا رسول الله حبسه برداه) بضم
الباء، يعني الرداء، والإِزار، أو الرداء، والقميص، وسماهما بردين؛ لأن الإِزار والقميص قد
يكونان من برد، والبرود ثياب من اليمن فيها خطوط، ويحتمل أن أحدهما كان بردا،
وتسميتهما بردين على طريقة العمرين، والقمرين (والنظر في عطفيه) بكسر المهملة الأولى
أي: جانبيه كناية عن العجب. قال القرطبي: وكأن هذا القائل كان في نفسه حقد على
كعب، ولعله كان منافقاً فنسب كعباً إلى الزهو، والكبر، وكانت نسبة باطلة بدليل رد العدل
الفاصل معاذ بن جبل عليه كما قال: (فقال له معاذ بن جبل رضي الله عنه بئسما) أي : بئس
هو قولاً (قلت: والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً) ففيه جواز ذم المتكلم بالعيب،
والقبيح في حق المسلم، ونصرة المسلم في غيبته، والرد عن عرضه اهـ. وما زعمه من
احتمال نفاق القائل فيه نظر: لأن عبد الله بن أنيس لم يتهم بذلك، والأولى حمله على أنه
صدر منه ذلك من غير فكر وروية وقصد إلى معايبه القبيحة الردية، والله أعلم بحقيقة الحال
(١) قال في الفتح وهو غير الجهني الصحابي المشهور. ع.

١١٨
كتاب: دليل الفالحين
فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ وَ، فَبَيْنَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ رَأَى رَجُلًا مُبَيْضاً يَزُولُ بِهِ
السَّرابُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((كُنْ أَبا خيثمة)) فإذا هُوَ
أَبو خَيْئَمَةَ الْأَنْصَارِي، وَهُوَ الَّذي تَصدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِينَ لَمَزَهُ
المُنَافِقُونَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَهَ قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلاً مِنْ تَبُوكَ
حَضَرَنِ بِّي، فَطَفِقْتُ أَتَذَكّرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ بِمَا أخْرُجُ مِنْ سَخِطِهِ غَداً؟ وَأَسْتَعِينُ
(فسكت رسول الله وَله) أي: عن السؤال عن حال كعب. زاد مسلم على البخاري (فبينا هو
على ذلك رأى رجلاً مبيضاً) بكسر التحتية اسم فاعل من البياض أي: لابس البياض يقال
هم المبيضة والمسودة بالكسر أي: لابسوا البياض، والسواد (يزول) أي: يتحرك وينهض
(به السراب) هو ما يظهر للإِنسان في الهواجر في البراري كأنه ماء (فقال رسول الله الشله: كن
أبا خيثمة) لفظه لفظ الأمر، ومعناه الدعاء كما يقال: أسلم أي سلمك الله قاله السهيلي
وقال المصنف في شرح مسلم: قيل معناه أنت أبو خيثمة، قال ثعلب: العرب تقول: كن
زيداً، أي: أنت زيد، قال القاضي عياض: والأشبه عندي أن كن هنا للتحقيق، والوجود
أي: لتوجد يا هذا الشخص أبا خيثمة حقيقة، وهذا الذي قاله القاضي هو الصواب وهو
معنى وقال صاحب التحرير: تقديره اللهم اجعله أبا خيثمة اهـ. (فإذا هو أبو خيثمة
الأنصاري) إذا فجائية، والجملة بعدها في محل جر بالإِضافة (و) أبو خيثمة (هو الذي
تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون) واللمز الطعن. انتهت زيادة مسلم. واسم أبي
خيثمة، عبد الله بن خيثمة وقيل: مالك بن قيس ولهم أبو خيثمة صحابي آخر اسمه
عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي (قال كعب فلما بلغني أن رسول الله (مطار) بفتح الهمزة،
هي ومعمولاها فاعل بلغ (قد توجه قافلاً) أي: راجعاً (من تبوك) بالصرف، وعدمه على
ما تقدم (حضرني بثي) جواب للما وعند البخاري: ((حضرني همي)) والبث أشد الحزن، وبه
يعلم أن عطف الحزن عليه في قوله تعالى: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾(١) من عطف
العام على الخاص لا المرادف خلافاً لما في شرح ((بانت سعاد)) لابن هشام (فطفقت) أي:
أخذت من باب أفعال المقاربة تقدمت لغاتها (أتذكر الكذب) أي: ما يقبله السامع من الآتي
به والجملة خبر طفق (وأقول) عطف على خبر طفق (بما) كذا هو بإثبات الألف في الأصول
المصححة، ومقتضى قاعدة وجوب حذف ألف ما الاستفهامية إذا جرت نحو عم يتساءلون
(١) سورة يوسف، الآية: ٨٦.

XxxxX60
١١٩
٢ - باب: في التوبة
عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَدْ أَظَلَّ قَادِماً زَاحَ عِنِّي
الْبَاطِلُ حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَمْ أَنْجُ مِنْهُ بِشَيءٍ أَبَدَأَ فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَأَصْبَحَ
رَسُولُ اللَّهِ مِ﴿ قَادِمَاً، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِ بَدَأَ بِالمَسْجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَّيْنِ ثُمَّ
أن يكون بحذفها ولعله جاء على الاستعمال القليل(١) أي: أقول بأي شيء من الأعذار
مطابقة للواقع أم لا كما يدل عليه السياق (أخرج من سخطه) بفتحتين، أو بضم فسكون أي
من كراهيته لتخلفي، وعدم رضاه به (غداً وأستعين) عطف على أتذكر (على ذلك) أي:
المخرج لي من سخطه، وعدم رضاه (بكل ذي) أي: صاحب (رأي من أهلي) ثم لا يشكل
ما ذكره من تذكره الكذب، والاستعانة عليه بما تقرر من عدالة الصحابة لأنه رأى جواز فعل
ذلك لما فيه من ارتكاب أخف الضررين دفعاً لأشدهما، وهو سخطه وَطير، على أن الله
سبحانه وتعالى قد حفظه من فعل ذلك وسلك به عنه بصدقه أحسن المسالك (فلما قيل)
أي: تحدث وليس المراد منه تضعيف المخبر عنه (إن رسول الله ير) بكسر الهمزة محكي
بالقول، وهو نائب الفاعل لأن الإِسناد لفظي، أي: قيل هذا اللفظ (قد أظل) بالمعجمة
المشالة، أي: أقبل ودنا، كأنه ألقى عليه ظله (قادماً) حال من فاعل أظل (زاح عني الباطل)
أي: زال وذهب، ويقال أزاح أيضاً، والمصدر زوحاً قاله الأصمعي، وزيحا كما في
المصباح، وزيحانا قاله الكسائي، والمراد بالباطل ما كان عزم عليه من التنصل من سخطه
بالأخبار بغير مطابق للواقع (حتى) استئنافية، أو عاطفة (عرفت أني لم أنج) بفتح الهمزة،
وسكون النون، وضم الجيم (منه) أي: من سخطه نجاة نافعة (بشيء) أي: من الكذب،
وفي نسخة: ((بشيء فيه كذب)) (أبداً) أي: لا أنجو به نجاة أبدية، وإن نجوت به في الحال
لكن يحصل خلافه عند كشف الله لنبيه عن حقيقة الأمر كما جرى للمنافقين، والأبد الزمن
المستقبل (فأجمعت صدقه) أي: عزمت عليه يقال أجمع أمره، وعلى أمره، وعزم عليه
بمعنى (وأصبح رسول الله وَ ر قادماً وكان إذا قدم) بكسر الدال مضارعه يقدم بفتحها (من
سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين) تحية المسجد، إنما كان يفعل ذلك، ليبدأ بتعظيم
بيت الله قبل بيته، وليقوم بشكر نعمة الله عليه في سلامته، وليسن ذلك في شرعه لأمته. كذا
في المفهم. ثم جملة وكان تحتمل العطف على جملة أصبح والحالية من فاعل أصبح (ثم
(١) في التجريد للزبيدي ((بماذا أخرج الخ)) وعليها لا إشكال ثم إن إثبات ألف ما المجرورة بالحرف حكاه
الأخفش لغة، والمجرورة بالاسم جوزه الشاطبي ونقله عن سيبويه. ع

١٢٠
كتاب : دليل الفالحين
جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ، جَاءَهُ الْمُخَلَّقُونَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا
بِضَعاً وَثَمَانِنَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ
إلَى اللَّهِ تَعَالَىَ حَتَّى جِئْتُ، فَلَمَّا سَلَّمتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ ثُمَّ قَالَ: ((تَعَالَ))
جلس للناس) أي: ليسلموا عليه، ويهنئوه بالسلامة (فلما فعل ذلك) أي: المذكور من صلاة
التحية، والجلوس للناس معتكفاً كما یومیء إليه علو مقامه فلذا دارت أفعاله بين الوجوب،
والندب، والاعتكاف يحصل بما زاد على الطمأنينة، ولا يتوقف على الصوم (جاءه
المخلفون) اسم مفعول أي: عن الخروج معه إلى تبوك قال أبو حيان في النهر: لفظ
المخلفون يقتضي الذم، والتحقير. وهي أمكن من لفظ المتخلفين إذ هم مفعول بهم ذلك
اهـ. فطفقوا (يعتذرون إليه) من تخلفهم عنه (ويحلفون له) على ما يعتذرون به (وكانوا
بضعاً وثمانين رجلاً) والبضع، والبضعة بكسر الباء الموحدة وسكون المعجمة ما بين الثلاث
إلى التسع من العدد، وفي هذا الرد على منع استعماله فيما فوق العشرين، ثم منهم من
اعتذر بالمرض ومنهم من اعتذر بغيره، مما هو كاذب فيه (فقبل منهم علانيتهم) بتخفيف
التحتية اسم مصدر من علن الأمر يعلن علوناً كدخل، أو من علن يعلن علناً، كطرب أي:
ما أظهروه إجراءاً للأحكام على ظاهر الأمر (وبايعهم) بالموحدة (واستغفر لهم) أي:
سأل الله غفر ذنب المتخلف عنه (ووكل) بتخفيف الكاف (سرائرهم) جمع سريرة أي: ما
أخفوه من النفاق، وقصد الإخبار بخلاف الواقع (إلى) علم (الله تعالى) وفي الحديث: ((إنما
أحكم بالظواهر والله يتولى السرائر)) (حتى جئت) حتى حرف ابتداء لدخولها على الماضي،
وليست حرف جر بعدها أن مضمرة خلافاً لابن مالك فقد رده عليه ابن هشام بأنه لا يعرف له
فيه سلفاً. ولا عاطفة لأنها لا تعطف الجمل، خلافاً لابن السيد في زعمه إجازة ذلك. قال
في المغني: وذلك لأن شرط معطوفها أن يكون جزءاً مما قبلها، أو كجزئه ولا يتأتى ذلك إلا
في المفردات اهـ وحينئذ فالجملة مستأنفة (فلما) الفاء فصيحة أي جئت فسلمت فلما
(سلمت عليه تبسم تبسم المغضب) بفتح المهملة من الأول فعل ماض جواب لما، وضمها
من الثاني مصدر مفعول مطلق، والمغضب اسم مفعول أي: الغضبان وفي التعبير به دونه
إيماء إلى أن الغضب منه وَّ إنما يكون عارضياً بسبب أمر يقتضيه، وإلا فخلقه الكريم
الرضي، والعفو والصفح، والتجاوز عما لا معصية فيه من الأمور قال أنس: ((خدمت
النبي وَّل عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته، ولا لشيء تركته لم تركته)) (ثم قال:
تعال) بفتح اللام (فجئت) أي: عقب الأمر من غير تراخ ففيه ما كان عليه الصحابة من البدار