Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ ترجمة الإمام النووي فخرجتُ معه إلى القبور التي دُفن فيها بعض شيوخه، فزارهم، وبكى، ثم زار أصحابه الأحياء، ثم سافر صبيحة ذلك اليوم . وقال ابن العطار: وجرى لي معه وقائع ورأيت منه أموراً تحتمل مجلّدات. فسار إلى نّوى، وزار القدس والخليل عليه السلام، ثم عاد إلى نَوى، فمرض فيها في بيت والده، فَلَغَنِي مرضُهُ، فقدِمْتُ من دمشق لِعيادته، ففرح بي، وقال: ((ارجع إلى أهلك)). وودّعته وقد أشرف على العافية، يوم السبت العشرين من رجب سنة ست وسبعين وستمائة، وتُوقّي ليلة الأربعاء الرابع والعشرين من رجب، ودُفن صبيحتها بنوى. قال: فبْنا أنا نائم تلك الليلة، إذا منادٍ ينادي بجامع دمشق : ((الصلاة على الشيخ ركن الدين الموقع)). فصاح الناس لذلك النداء، فاستيقظتُ، فَبَلَغَنا ليلة الجمعة موتُه، وصُلّي عليه بجامع دمشق، وتأسّف المسلمون عليه تأسُّفاً بليغاً، الخاصّ والعام، المادح والذّام. ٢٣ المقدمة بشِـ الحمد لله الذي جعل ذكره رياض الصالحين، ومناجاته غذاء أرواح الفالحين والخضوع بين يديه والتضرع إليه عز العارفين، والتخلق بالأخلاق المحمدية والأخلاف النبوية شأن العالمين العاملين، أحمده سبحانه على نعمه. وأسأله المزيد من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تبلغ القاصد من فضله سؤله وأمله وتنیله من بحر جوده ما قصده وأمله، ويعطيه بها من أنوار العرفان ما أشرق قلبه ونوره وكمله، وأشهد أن سيدنا ونبينا ووسيلتنا إلى ربنا محمداً بَلَّ عبده ورسوله، وصفيه وحبيبه وخليله، المؤيد بأنواع المعجزات الباهرة، المكرم بالمكرمات الباطنة والظاهرة، الذي لا تحصى نعوته الشريفة ومناقبه ولا تعد ولا تحصر آياته المنيفة ومواهبه. حد فيعرب عنه ناطق بفم فإن فضل رسول الله ليس له صلى الله وسلّم عليه وزاده فضلاً وشرفاً لديه، وعلى آله وأصحابه، وأتباعه ووارثيه العلماء العاملين وأحزابه، صلاة وسلاماً دائمين متلازمين دائبين بدوام ملك الله تعالى وأمداده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، كلما ذكره ذاكر، وغفل عن ذكره غافل. أداء لبعض حقوق سيد عباده آمين. وبعد فهذا ما دعت إليه الحاجة من وضع تعليق لطيف، على نهج منيف، على كتاب (رياض الصالحين) تأليف شيخ الإِسلام، علم الأئمة الأعلام، أوحد العلماء العاملين، والأولياء الصالحين، عين المحققين، وملاذ الفقهاء والمحدثين، وشيخ الحفاظ، وإمام أرباب الضبط المتقنين، شيخ الإِسلام والمسلمين، الشيخ أبي زكريايحيى محيي الدين بن شرف النواوي الشافعي، تغمده الله برحمته وأسكنه بحبوح جنته، وأعاد عليّ وعلى المسلمين من بركته، لما أنه قد جمع ما يحتاج إليه السالك في سائر الأحوال، واشتمل على ما ينبغي التخلق به من الأخلاق، والتمسك به من الأقوال والأفعال، مغترفاً له من عباب الكتاب والسنة النبوية، ناقلاً لتلك الجواهر من تلك المعادن السنية، ولم أقف على كتابة عليه، ٢٤ كتاب: دليل الفالحين تكون كالدليل للسالك إليه، فاستخرت الله تعالى بالروضة الشريفة النبوية، عند سيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وإمام الخلائق أجمعين صلى الله وسلم عليه وزاده فضلاً وشرفاً لديه، في وضع هذا التعليق عليه ليكون كالرامز إليه والمسؤول من الله سبحانه أن يعين على إتمامه. والسداد في تحرير أحكامه، وأن يجعله مصوناً من الخطأ والخطل، محفوظاً من الزيغ والزلل، خالصاً لوجهه الكريم، ذخيرة معدة عند سيدنا ونبينا وشفيعنا سيد المرسلين، عليه أفضل الصلاة والتسليم والله المعين وبه أستعين، وسميته دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين. قال المصنف رحمه الله تعالى : ٢٥ المقدمة شِـ ◌ِنَ الَ مِ الرّيم الْحَمْدُ للَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (بسم الله الرحمن الرحيم) أي: أؤلف والاسم مأخوذ من السمو، وهو العلو والله علم على الذات الواجب الوجود، المستحق لجميع المحامد، والرحمن الرحيم صفتان بنيتا للمبالغة من رحم، كعلم بعد نقله إلى باب فعل. كشرف، أو تنزيله منزلة اللازم، والمراد من الرحمة في حقه تعالى لاستحالة قيام حقيقتها به من الميل النفساني، غايتها، وهو إرادة الإِحسان والتفضل. أو نفس الإِحسان مجازاً مرسلاً. من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم. فعلى الأول تكون صفة ذات، وعلى الثاني تكون صفة فعل (الحمد لله) الحمد اللفظي لغة: الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التعظيم. وعرفاً: فعل ينبىء عن تعظيم المنعم، لكونه منعماً على الحامد، أو غيره، فبينهما عموم، وخصوص وجهي، وجملة الحمد لله خبرية لفظاً، إنشائية معنى، وقيل: خبرية لفظاً ومعنى، وقيل: يجوز أن تكون موضوعة شرعاً لإِنشاء الحمد، وهي مفيدة لاختصاصه بالله تعالى سواء أجعلت أل فيه للاستغراق كما عليه الجمهور، أم للجنس كما عليه الزمخشري، أم للعهد كما أجازه بعضهم، واللام في الله للاختصاص. وبدأ بالبسملة، ثم بالحمدلة، اقتداء بالكتاب العزيز، وعملاً بمقتضى خبر: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم - وفي رواية بالحمد لله، فهو أبتر)) وإشارة إلى أنه لا تعارض بين الابتداءين. إذ الابتداء حقيقي وهو ما لم يسبق بشيء البتة، وإضافي، وهو ما سبق بغير ما التصنيف بصدده، أو يقال: الابتداء أمر عرفي يعتبر ممتداً إلى الشروع في المقصود فيسع أمرين فأكثر (الواحد) أي: ذاتاً وصفة وفعلاً فلا شريك له في شيء منها (القهار) أي: الذي قهر الخلائق وقسرهم بقدرته الأزلية، فلا يكون سوى مراده، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن بوجه من الوجوه، (العزيز) أي: الذي لا يغالب في حكمه، ولا يدافع في أمره، ولا يمانع في مراده، (الغفار) أي: الستار على ذنوب العصاة بعدم المؤاخذة بها، وفي التصدير بهذه الأسماء إيماء إلى أنه ينبغي أن ٢٦ كتاب: دليل الفالحين مُكَوِّرِ اللّيْلِ عَلَى النّهَارِ تَذْكِرَةٍ لُأُولِي الْقُلُوبِ وَالأَبْصَارِ، وَتَبْصِرَةً لِذَوِي الأَلْبَابِ والاعْتِبَارِ، الّذِي أَيْقَظَ مِنْ خَلْقِهِ مَنْ يكون الرجاء، والخوف للإِنسان، أي: حال الصحة بمثابة جناحي الطائر، وذلك أنه أشار إلى مقام الخوف بذكر الأسماء الثلاثة، والرجاء بالاسم الأخير. والحكمة في المبالغة في المقام الأول، أن من شأن النفس لا سيما عند عدم رياضتها، الميل إلى المخالفات والمنهيات، فصدر بذكر ما يدل على مقام الخوف والتحذير من بطشه سبحانه، ليكون قائداً للعبد إلى أبواب مولاه وإحسانه، وسبباً للانزجار عن المخالفات (مكور الليل على النهار) قال الواحدي في الوسيط: أي يدخل هذا على هذا، والتكوير طرح الشيء على الشيء، واكتفى بذكر تكوير الليل عن ذكر مقابله، وإنما اقتصر عليه لشرفه، لأنه موسم الخيرات للسالكين، ومحل الاشتغال بالذكر، والصلاة والمناجاة مع رب العالمين (تذكرة) مفعول له علة للتكوير، أو حال منه (لذوي القلوب) أي: لأصحاب القلوب العظيمة (والأبصار) في مفردات الراغب: البصر يقال للجارحة: الناظرة، وللقوة التي فيها، ولقوة القلب المدركة، ويقال لها بالمعنى الأخير: بصيرة أيضاً اهـ. وعلى كل، فالعطف هنا من عطف المغاير: أما على الأولين فواضح، وأما على الأخير فإن البصر، والبصيرة اسمان لقوة القلب المدركة لا للقلب، وأتى به دون البصائر؛ ليكون اللفظ شاملاً لكل ذلك بناء على مذهب إمامنا الشافعي رضي الله عنه من جواز استعمال المشترك في معانيه، ومراعاة للسجع المستلذ في السمع (وتبصرة) هو كالتبصير مصدر لبصر المضاعف، كقدم تقدمة وتقديماً (لذوي الألباب) جمع لب أي العقول ويجمع على ألبّ، كبؤس على أبؤس، ونعم على أنعم. قال في القاموس: ويجمع على ألبب. (والاعتبار) والمراد منهم الذين يتفكرون في الآلاء ويعرفون أنها لم تخلق عبثاً وأن له سبحانه في كل مغنى معنى، وما أحسن قول من قال: كل دار للعامرية دار لا تقل دارها بشرقيّ نجد وعلى كل دمنة آثار ولها منزل على كل ماء فيستدلون بالآثار على عظيم الاقتدار، ويعرفون بما يرد عليهم من الأحوال أنه لهم بذلك متعرف (الذي أيقظ) أي: نبه من سنة الغفلة، ففيه استعارة مكنية يتبعها استعارة تخييلية، شبه الغفلة بالنوم بجامع انتفاء الكمال في كل منهما، وقد ورد في الحديث: ((مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله مثل الحي والميت)). والتشبيه المضمر في النفس استعارة مكنية، وإثبات الإِيقاظ الذي هو من لوازم المشبه به استعارة تخييلية (من خلقه) أي: ٢٧ المقدمة اصْطَفَاهُ فَزَهَّدَهُمْ في هذِهِ الدَّارِ، وَشَغَّلَهُمْ بِمُرَاقَتِهِ وَإِدَامَةِ آلْأَفْكَارِ، وَمُلَزَمَةِ الاتِّعَاظِ والادكار مخلوقاته، وهو بيان لمن في قوله (من اصطفاه) من الصفوة بتثليث الصاد، وهو الخلوص، أي: اختاره (فزهدهم في هذه الدار) أي: في الدنيا يعني لما أيقظهم أدركوا حقيقة الدنيا، وأنها كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، فزهدوا فيها وأعرضوا عن زهراتها، وأخذوا منها قدر الضرورة، وجعلوا ما وصل إليهم من ذلك من غير تطلع إليه مقدماً بين أيديهم، وعند مولاهم ذخيرة (وشغلهم) بتخفيف الغين المعجمة وتشديدها للمبالغة (بمراقبته) أي: بدوام نظر أنه سبحانه وتعالى ناظر لأعمالهم محيط بأقوالهم، وأفعالهم، فأقلبوا على إحسان العمل، وحفظوا أنفسهم من الزيغ والزلل، إذ لا يقع العصيان إلا مع الغفلة المعترية للإِنسان (ومداومة) وفي نسخة وإدامة (الأفكار) أي: التفكر في مصنوعاته، والاستدلال بذلك على ألوهيته، وعظيم قدرته. قال تعالى: ﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض﴾(١) الآية. وفي الحديث: ((تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذات الله)) وجاء بلفظ: ((تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنكم لا تقدرون قدره)) وفي الحديث أيضاً مرفوعاً كما في الكشاف: ((بينما رجل مستلق في فراشه، إذ رفع رأسه إلى النجوم وإلى السماء، فقال: أشهد أن لك رباً وخالقاً اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له، فقال وهلة: (لا عبادة كالتفكر)) وقيل: ((الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكرة))، وقد روي: ((أن يونس عليه السلام كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض)» قالوا: وإنما كان ذلك التفكر في أمر الله الذي هو عمل القلب؛ لأن أحداً لا يقدر أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض انتهى ما في الكشاف. قال ابن عباس وأبو الدرداء: ((فكرة ساعة خير من قيام ليلة)) قال السري السقطي: ((فكرة ساعة خير من عبادة سنة ما هو إلا أن تحل أطناب خيمتك فتجعلها في الجنة)) كذا في شرح رسالة ابن أبي زيد لداود (وملازمة الاتعاظ) أصله الايتعاظ بياء تحتية ساكنة بعد الهمزة المكسورة وبعدها تاء الافتعال فقلبت الياء تاء فوقية وأدغمت في تاء الافتعال على القاعدة في ذلك أي: أنهم كلما نزل بهم فقد شيء من مال أو إنسان اتعظوا بذلك، ونظروا إلى أن مآل الجميع الفناء وأن ما نزل بأخيك كأنه قد نزل بك، فالسعيد من اتعظ بغيره، وأقبل على ما فيه في المعاد أنواع خيره (وملازمة الأذكار) (١) سورة آل عمران، الآية: ١٩٠ - ١٩١. ٢٨ كتاب : دليل الفالحين وَوَفَّقَهُم لِلُّؤوبِ فِي طَاعَتِهِ وَالتَّهُّبِ لِدَارِ الْقَرَارِ، وَالحَذرِ مِمَّا يُسْخِطُهُ وَيُوجِبُ دَارَ الْبَوَارِ، وَالْمُحَافِظَةِ عَلَى ذَلِكَ مَعَ تَغَايُرِ الْأُحْوَالِ والْأَْوَار. بالمعجمة، والمهملة، وأصله اذتكار بمعجمة، ثم فوقية فأبدلت الفوقية لما في التلفظ بها بعد الذال المعجمة من الثقل ذالاً معجمة أو مهملة(١) وأدغم فيها فاء الفعل، والأذكار هو الذكر بعد النسيان، والتنبه بعد سنة الغفلة (ووفقهم) من التوفيق، وهو خلق القدرة على الطاعة في العبد، وهو عزيز، ولذا لم يذكر في القرآن إلا في قوله تعالى: ﴿وما توفيقي إلّ بالله﴾(٢)، وأما قوله تعالى: ﴿إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً﴾(٣) وقوله تعالى: ﴿يوفق الله بينهما﴾(٤) فمن مادة الوفاق (للدأب) أي: المداومة، والاجتهاد (في) مزاولة (٥) (طاعته والتأهب) أي: الاستعداد (لدار القرار) أي: الدار الآخرة (والحذر) بالجر عطفاً على الدأب، أو على التأهب، قولان في مثله الراجح منهما الأول ما لم تقم قرينة على خلافه (مما يسخطه) أي: يكون سبباً لسخطه سبحانه من المخالفات والعصيان، وفي مفردات الراغب: السخط من الله تعالى إنزال العقوبة اهـ. وهو بيان المراد منه إذا وصف به الباري سبحانه (ويوجب دار البوار) كالمفسر للسخط ثم الذي يوجب النار، هو الموت على الكفر، والعياذ بالله تعالى، وفي نسبة الإِيجاب إليه تجوز في الإِسناد، إذ الموجب لذلك بذلك هو الله سبحانه أما باقي العصيان فالصغائر المتصلة بحقوق الله تعالى مكفرة بصالح العمل، ومنه اجتناب الكبائر، والمتعلقة بحق العباد لا بد من إرضاء مستحقها، والكبائر لا يكفرها إلا التوبة، أو فضل الله سبحانه (و) وفقهم (للمحافظة على ذلك) أي: المذكور من الدأب في الطاعة والحذر مما يوجب السخط (مع تغاير الأحوال) أي: اختلافها ظرف وقع حالاً من المحافظة، يعني أن تغاير الأحوال أي: اختلافها بالخصب والجدب والرخاء والشدة والفراغ والشغل بالتجارة ونحوها من مزاولة أعمال النفس، والعيال لم يؤثر في سلوكهم وإقبالهم على عبودية مولاهم من امتثال أوامره واجتناب زواجره، إجلالاً له سبحانه قال الله تعالى: ﴿رجال (١) بالمعجمة قليل، قرىء فهل من مذكر. ش. (٢) سورة هود، الآية: ٨٨. (٣) سورة النساء، الآية: ٦٢ (٤) سورة النساء، الآية: ٣٥. (٥) زاوله مزاولة وزوالاً عالجه وحاوله وكالبه. ا هـ قاموس. ٢٩ المقدمة أَحْمَدُهُ أَبْلَغِ حَمْدٍ وَأَزْكاه، وَأَشْمَلَهُ وَأَنْمَاهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّ اللَّهُ الْبُرُّ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾(١) وقال ◌َله: ((ليذكرن الله قوم على الفرش الممهدة)» وقال الشاعر: لما حن الفؤاد إلى سواكا فلو قطعتني إربا فاريا والأحوال جمع حال، يجوز تذكير لفظها، وتأنيثه، بأن يقال: حالة وتذكير معناها وتأنيثه، والأرجح تأنيث معناها، فيقال: حال حسنة، قال الراغب في مفرداته: الحال ما يختص به الإنسان وغيره من أموره المتغيرة في نفسه، وجسمه، وشأنه، والحول ما له من القوة في أحد هذه الأصول الثلاثة (و) تغاير (الأطوار) أي: الاختلاف في الخلق والخلق كما يفهم من مفردات الراغب (أحمده) أي: أصفه بجميع صفاته إذ كل منها جميل، ورعاية جميعها أبلغ في التعظيم، قيل: وهو أبلغ من الأول(٢) لأنه حمد بجميع الصفات برعاية الأبلغية، وذاك بواحد منها وهي المالكية(٣) وإن لم تراع الأبلغية بأن يراد الثناء ببعض الصفات، فذلك البعض أعم من هذه الواحدة لصدقه بها، وبغيرها الكثير، فالثناء بهذا أبلغ في الجملة أيضاً، نعم الثناء بالأول من حيث تفصيله أي: تعيينه أوقع في النفس من هذا، وقيل: بل التحقيق أن الحمد بالأول أبلغ، وأفضل ومن ثم قدم بل أخذ البلقيني من إيثار القرآن الحمد لله رب العالمين بالابتداء به أنه أبلغ صيغ الحمد. وعلى الأول فآثر القرآن الجملة الاسمية لأن الحمد فيه لمقام التعليم والتعيين فيه أولى، وجمع بين الحمد بالجملتين تأسياً بحديث: ((إن الحمد لله نحمده))، وليجمع بين ما يدل على دوام الحمد، واستمراره، وهو الأول، وعلى تجدده، وحدوثه، وهو الثاني ((أبلغ حمد)) أي: أنهاه من حيث الإجمال لا التفصيل، لعجز الخلق عنه حتى الرسل حتى أكملهم نبينا وَالر حيث قال: ((لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)) (وأشمله) أعمه (وأزكاه) (أنماه) (وأكمله وأشهد) أي: أعلم وأبين (أن لا إله) أي: لا معبود بحق (إلا الله) بالرفع، وجوز فيها النصب، وقد بسطت الكلام في ذلك في باب فضل الذكر من شرح الأذكار للمصنف رحمه الله تعالى، وأتى بها لحديث أبي داود والترمذي الصحيح: ((كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء)) أي: القليلة البركة (البر) بفتح الموحدة قال في النهاية: هو العطوف (١) سورة النور، الآية: ٣٧. (٢) أي من قوله الحمد لله الواحد القهار الخ . ع. (٣) لعل الصواب أن يقول. وذاك ببعضها وهو ما ذكر من الوحدانية والقاهرية الخ وربما ظن الشارح أن المصنف قال الحمد لله رب العالمين فرتب عليها قوله وهي المالكية، والخطب سهل. ع. ٣٠ كتاب: دليل الفالحين الْكَرِيم، الرّؤُوفُ الرَّحِيمُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيِّدنا مُحمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ، على عباده بيره ولطفه. والبر والبار بمعنى واحد وإنما جاء في اسم الله تعالى البرّ دون البار (الكريم) قال البيضاوي: هو من صفات الذات، والله تعالى لم يزل ولا يزال كريماً، ومعناه تقدسه عن النقائص، والصفات المذمومة، والنفيس يقال له: كريم ومنه كرائم الأموال، وقيل: الكريم الدائم البقاء الجليل الذات الجميل الصفات، وقيل: هو من صفات الأفعال، وعليه فقيل: هو من ينعم قبل السؤال ولا يحوجك إلى وسيلة ولا يبالي من أعطي ولا ما أعطي، وقيل غير ذلك مما ذكرت بعضه ثمة (الرؤوف الرحيم) الرأفة شدة الرحمة، فهو أبلغ من الرحيم، وأخر والقياس يقتضي الترقي من الأدنى للأعلى مراعاة للسجع، وقيل: الفرق بين الرأفة والرحمة إن الرأفة إحسان مبدؤه شفقة المحسن، والرحمة إحسان مبدؤه فاقة المحسن إليه، ثم الرحمة لكونها عطفاً نفسانياً يستحيل قيامها به تعالى المراد بها غايتها كما تقدم قريباً. قال ابن حجر الهيتمي - وهو مرادي إذا أطلقت لفظ ابن حجر - في شرح المشكاة: الرأفة باطن الرحمة، والرحمة من أخص أوصاف الإِرادة بناء على أنها صفة ذات، أي إرادة الإِنعام - ومنه كشف الضر ودفع السوء - بنوع من اللطف، والرأفة بزيادة رفق ولطف، وفي الإِتيان بهذه الأسماء في هذا المقام إيماء إلى أن التوفيق إلى سلوك مقام العبودية والخروج عن أوصاف البشرية من محض عطاء، وكرم البر الكريم، ورأفة ورحمة الرؤوف الرحيم قال تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء﴾(١) وقال من قال: لولا تعرفهم ما كنت تعرفهم (وأشهد أن محمداً) علم منقول من اسم مفعول المضعف سمي به نبينا وَ الر مع أنه لم يؤلف قبل أوان ظهوره بإلهام من الله لجده عبد المطلب، إشارة إلى كثرة خصاله المحمودة ورجاء أن يحمده أهل الأرض، والسماء، وقد حقق الله تعالى رجاءه قيل: وكما اشتملت ذاته على كمال سائر الأنبياء والمرسلين اشتمل اسمه الشريف بحساب الجمل على عدة الرسل، بناء على أنهم ثلاثمائة وأربعة عشر(٢) (عبده) قدم لأنه أسنى أوصافه، ومن ثم ذكر في أفخم مقاماته: أسرى بعبده. نزل الفرقان على عبده فأوحى إلى عبده. قال لها: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) أي: لا أفتخر بالسيادة إنما فخري بعبوديته سبحانه وتعالى. ذكره العارف أبو العباس المرسي (ورسوله) هو من البشر، ذكر (١) سورة النور، الآية: ٢١. (٢) كيفية ذلك أن تبسط حروفه هكذا ميم حاميم ميم دال ثم يحسب ذلك بالجمل الصغير فيكون المجموع ثلاثمائة وأربعة عشر. ع. ٣١ المقدمة أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه، فإن لم يؤمر فنبي فحسب، وهو أفضل من النبي إجماعاً، لتميزه بالرسالة التي هي على الأصح خلافاً لابن عبد السلام أفضل من النبوة فيه. وزعم تعلقها بالحق يرده أن الرسالة فيها ذلك مع التعلق بالخلق فهو زيادة كمال فيها (وحبيبه) الأكبر كما يشهد به حديث: ((ألا وأنا حبيب الله ولا فخر)) إذ محبة الله للعبد المستفادة من قوله تعالى: ﴿يحبهم ويحبونه﴾(١) على حسب معرفته به، وأعرف الناس بالله تعالى نبينا وَّار، فهو أحبهم له وأخصهم باسم الحبيب، وسيأتي الكلام على المحبة إن شاء الله تعالى في قوله في الحديث القدسي: ((قال الله تعالى: ومن عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه)) الحديث. وحبيب، فعيل بمعنى مفعول من أحبه فهو محب أو من حبه يحبه بكسر الحاء فهو محبوب (وخليله) الأعظم كما يؤذن به حديث: ((لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً)) وهو فعيل بمعنى مفعول أيضاً من الخلة بالفتح، وهي الحاجة أو بالضم، وهي تخلل المودة في القلب لا تدع فيه خلاء إلا ملأته، وقد خالل قلبه وَلّ من أسرار الهيبة، ومكنون الغيوب والمعرفة والاصطفاء ما لم يدع أن يطرق قلبه نظر لغيره. هكذا قال ابن حجر. ثم اقتصاره على كون فعيل فيه بمعنى مفعول لعله لكونه أنسب بمقام الأدب، وأشرف لكونه المختار للخلة التي هي غاية الأرب، وإلاّ ففي النهاية: الخليل الصديق، فعيل بمعنى فاعل، وقد يكون بمعنى مفعول من الخلة بضم أوله الصداقة، والمحبة التي تخللت القلب فصارت في خلاله أي : باطنه وقيل: هي تخلل المودة في القلب بحيث لا تدع فيه خلاء إلا ملأته، أو من الخلة بالفتح، وهي الحاجة والفقراهـ. ثم الذي رجحه جمع متأخرون كالبدر الزركشي وغيره أن الخلة أرفع، لأنها نهاية المحبة، وغايتها قال ابن القيم: وظن أن المحبة أرفع من الخلة، وأن إبراهيم خليل، ومحمداً حبيب، غلط وجهل، وما احتج به لأن المحبة أرفع من الخلة من نحو حديث البيهقي: ((إنه تعالى قال له وَ لهير ليلة الإسراء: يا محمد سل تعط. فقال: يا رب إنك اتخذت إبراهيم خليلاً فقال: ألم أعطك خيراً من هذا، إلى قوله واتخذتك حبيباً» وإن الحبيب يصل بلا واسطة، بخلاف الخليل قال تعالى في نبينا: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ (٢) وفي إبراهيم: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض﴾(٣) والخليل (١) سورة المائدة، الآية: ٥٤. (٢) سورة النجم، الآية: ٩. (٣) سورة الأنعام، الآية: ٧٥. ٣٢ كتاب : دليل الفالحين الهَادِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم، وَالدَّاعِي إِلَى دِينٍ قَويم، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ النَّبِّينَ، وَآلِ كُلِّ وَسَائِرِ الصَّالحينَ. قال: ﴿لا تخزني﴾(١) والحبيب قيل له: ﴿يوم لا يخزي الله النبي﴾(٢) وغير ذلك إنما يقتضي تفضيل ذات محمد ير على ذات إبراهيم عليه السلام، مع قطع النظر عن وصفي المحبة والخلة، وهذا لا نزاع فيه، إنما النزاع في الأفضلية المستندة إلى أحد الوصفين، والذي قامت عليه الأدلة أن استنادها إلى وصف الخلة الموجودة في كل من الخليلين أفضل، فخلة كل منهما أفضل من محبته، واختصا بها لتوفر معناها السابق فيهما أكثر من بقية الأنبياء، ولكون هذا التوفر في نبينا أكثر منه في إبراهيم كانت خلته أرفع من خلة إبراهيم صلى الله عليهما وسلم اهـ. (الهادي) أي: الدال (إلى صراط) قال الراغب: الصراط الطريق المستقيم اهـ. فيكون قوله: (مستقيم) إما إطناباً، أو جرد لفظ الصراط وأريد منه مطلق الطريق وفيه اقتباس من قوله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾(٣) وليس شرط الاقتباس إيراد اللفظ القرآني من غير تغيير، بل يحصل وإن وجد التغيير. نقله الحافظ السيوطي في أوائل حاشيته على تفسير البيضاوي وقوله: (والداعي إلى دين قويم) هي الشريعة الحنيفية السمحة التي جاء بها * إلى أمته أشرف الأمم، إطناب لأن ما قبله بمعناه، أو من عطف العام على الخاص، لأن الهداية الدلالة بلطف، والدعوة تشمل ذلك وغيره (صلوات الله وسلامه عليه) الصلاة منه تعالى رحمة مقرونة بتعظيم ولفظها مختص بالمعصوم من نبي وملك تعظيماً لهم، وتمييزاً لمراتبهم عن غيرهم، والسلام هو تسليمه إياه من كل آفة ونقص، والجملة خبرية لفظاً، إنشائية معنى، وأتى بالصلاة بعد الحمد لخبر: ((كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة عليّ فهو أقطع أبتر ممحوق من كل بركة)) وسنده ضعيف، لكنه في الفضائل، وهي يعمل فيها بذلك، وخبر: ((من صلى على رسول الله 18 في كتاب صلت عليه الملائكة غدوة ورواحاً ما دام اسم رسول الله بَّ في ذلك الكتاب)) نازع ابن القيم في رفعه قال: والأشبه أنه من كلام جعفر بن محمد لا مرفوع (وعلى سائر) أي: باقي من السؤر بالهمز بقية نحو الطعام (النبيين) مر تعريف النبي وأنه أعم من الرسول (وآل كل) أي: كل واحد من النبيين، فحذف المضاف إليه لدلالة السياق عليه. (١) سورة الشعراء، الآية: ٨٧. (٢) سورة التحريم، الآية: ٨. (٣) سورة الشورى، الآية: ٥٢. ٣٣ المقدمة أَمّا بعدُ قَالَ اللهُ تَعَالَى(١): ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّ لِيَعْبُدُونِ وأصل آل أول بفتح الواو تحركت الواو، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، وقيل: أهل لتصغيره على أهيل، والصحيح جواز إضافته إلى الضمير، وآل نبينا ◌َّ عند الشافعي مؤمنو بني هاشم، والمطلب، هذا بالنسبة لنحو الزكاة دون مقام الدعاء، ومن ثم اختار الأزهري وغيره من المحققين أنهم هنا كل مؤمن تقي، لحديث فيه. وآل إبراهيم إسماعيل وإسحاق وغيرهما من المسلمين من ذريته (وسائر الصالحين) وهم القائمون بحقوق الله وحقوق العباد، فدخل الصحابة كلهم لثبوت وصف الصلاح والعدالة لجميعهم، ودخل غيرهم ممن اتصف بذلك جعلنا الله منهم (أما بعد) كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى آخر، وأتى بها تأسياً به *، فإنه كان يأتي بها في خطبه ونحوها كما صح عنه، بل رواها عنه اثنان وثلاثون صحابياً، والمبتدىء بها قيل داود عليه السلام فهي فصل الخطاب الذي أوتيه، لأنها تفصل بين المقدمات والمقاصد والخطب، والمواعظ. قال العلقمي في حاشية الجامع الصغير: وبهذا قال كثير من المفسرين. وقيل: قس بن ساعدة. وقيل: كعب بن لؤي. وقيل: يعرب بن قحطان. وقيل: سحبان بن وائل. وعليها ففصل خطاب داود، هو البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وقال المحققون: فصل الخطاب الفصل بين الحق والباطل. ويجوز في دالها الضم والفتح منوناً وغير منون، ووجوه ذلك لا تخفى. لكنها منوناً تكون على لغة من يقف على المنون المنصوب بالسكون وهم ربيعة، ولكون أما نابت عن اسم شرط هو مهما أجيبت بالفاء إذ التقدير مهما يكن من شيء بعد ما تقدم من الحمد، والصلاة، والسلام (فقد قال الله تعالى) عما لا يليق بشأنه، وهي جملة في محل الحال اللازمة إن أبقيت على خبريتها، وإلا فاستئنافية مسوقة لإِنشاء الثناء عليه سبحانه: ﴿وما خلقت الجن والإِنس إلا ليعبدون﴾ (٢) قال الكواشي في تفسيره الكبير: أومأ تعالى إلى أنه لم يخلق الخلق ولم يرسل رسله عبثاً، وإنما خلقهم لأمر عظيم، هو توحيده، وطاعته مع غناه عن ذلك تفضيلاً لهم وتشريفاً، ثم هذا خاص بأهل الطاعة من الفريقين، ويؤيده أنه قرىء: ﴿وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين﴾ (٣) وقيل عام معناه ما خلقتهم إلا لأمرهم بالعبادة، لقوله: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ (٤) وقيل: المعنى ما خلقت السعداء (١) سورة الذاريات: الآيتان ٥٦ و ٥٧. (٢) سورة الذاريات، الآية: ٥٦. (٣) سورة الذاريات، الآية: ٥٦. (٤) سورة البينة، الآية: ٥ ٣٤ كتاب: دليل الفالحين مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾، وَهذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُمْ خُلِقُوا لِلْعِبَادَةِ، فَحَقَّ عَلَيْهِم الاعْتِنَاءُ بِمَا خُلِقُوا لَه وَالإِعْرَاضُ عن حُظُوظِ الدُّنْيَا بِالزَّهَادَةِ؛ فإنّهَا دَارُ نَفَادٍ لَ مَحْلُ من الفريقين إلا لعبادتي والأشقياء منهما إلا لمعصيتي، وقيل: إلا ليعبدون. ليعرفون لأنه لو لم يخلقهم لم يعرفوا وجوده كقوله: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾(١) وأصل العبادة الخضوع والتذلل، والمعنى إلا ليخضعوا ويتذللوا، وكل مخلوق خاضع ذليل لقضاء الله تعالى. وقيل: إلا ليعبدون ليوحدون، فالمؤمن يوحده في كل حال، والكافر يوحده في الضراء، لقوله تعالى: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين﴾(٢) وقال بعضهم إلا ليعرفون، ويعبدون على بساط المعرفة ليتبرءوا من الرياء، والسمعة. وقال ابن عطاء: إلا ليعرفون وما يعرفه حقيقة من وصفه بما لا يليق به اهـ. وللزمخشري في كشافه في هذه الآية رمز إلى دسيسة اعتزالية نبهت عليها في شرح الأذكار(٣) ولما كلفهم خدمته أخبرهم أنه قد كفاهم مؤنة ما يحتاجون إليه فقال تعالى: ﴿ما أريد منهم من رزق﴾ أي: ما أريد أن يرزقوا أنفسهم ولا أحد من خلقي: ﴿وما أريد أن يطعمون﴾ يعني أنفسهم ولا أحداً من خلقي ونسب الإطعام إلى الله، لأن الخلق عياله سبحانه، ومن أطعم عيال أحد، فكأنما أطعمه (وهذا) أي: القول المدلول عليه بقوله قال الله تعالى (تصريح بأنهم خلقوا للعبادة) أي: فقط كما يفيده الاستثناء أي: خلقوا لذلك لا لجمع الدنيا، والأرزاق ونحوها مما يحتاج إليه فإن الله تعالى قد كفاهم مؤنة ذلك ولذا عقب هذه الآية بقوله كما تقدم: ﴿ما أريد منهم من رزق﴾ (٤) (فحق) أي: وجب وفي نسخة بتنوينه أي: فواجب فيكون خبراً لقوله الاعتناء (عليهم الاعتناء بما خلقوا له) والاعتناء توجيه العناية إلى ما خلقوا له من معرفة الله تعالى، وأداء حق العبودية (والإِعراض) أي: التولي يقال: أعرض عن كذا ولى مبدياً عرضه قال (١) سورة الزخرف، الآية: ٨٧. (٢) سورة العنكبوت، الآية: ٦٥ . (٣) قال في الكشاف أي وما خلقت الجن والإنس إلا لأجل العبادة ولم أرد من جميعهم إلا إياها فإن قلت: لو كان مريداً للعبادة لكانوا كلهم عباداً، قلت: إنما أراد منهم أن يعبدوه مختارين لا مضطرين إليها لأنه خلقهم متمكنين فاختار بعضهم ترك العبادة مع كونه مريداً لها، ولو أرادها على القسر والإلجاء لوجدت من جميعهم الخ. (٤) سورة الذاريات، الآية: ٥٧. ٣٥ المقدمة إِخْلَادِ، وَمَرْكَبُ عُبُورٍ لَ مَنْزِلُ حُبُورِ، وَمَشْرَعُ انْفِصَامٍ لَ مَوْطِنُ دَوَامِ؛ فَلِهَذَا كَانَ الأَبْقَاظُ تعالى: ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾(١) كذا في مفردات الراغب (عن حظوظ الدنيا) أي: الترفهات المعتادة الزائدة على ما به القوام من دار تکنه، وثوب يستر عورته، وجریش الخبز، والماء، قال پ﴾: ((لا حق لابن آدم إلا في ثلاثة طعام يقيم به صلبه وثوب يواري به عورته، وبيت يكنه فما زاد فهو حساب)) أورده الغزالي في الإِحياء وقال العراقي في تخريج أحاديثه: رواه الترمذي وقال وجلف(٢) الخبز والماء بدل قوله طعام يقيم به صلبه وقال صحيح. أما حقوق الدنيا مما ذكر فالإِعراض عنه ليس بمطلوب، لكن من غير أن يشغله ذلك عن القيام بفريضة الوقت (بالزهادة) مصدر كالزهد وسيأتي تعريفه (فإنها) أي: الدنيا (دار نفاد) أي: فناء قال الله تعالى: ﴿إن هذا لرزقنا ماله من نفاد﴾(٣) (لا محل إخلاد) عدل إليه عن خلود للسجع (٤) (ومركب عبور لا منزل حبور) أي: أنها مركب يتوصل بها إلى الدار الآخرة، وليست منزل الفرح والسرور. قال ◌َله: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) وأخرج الترمذي وغيره حديثاً فيه أنه وسلم قال: ((ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)) (ومشرع انفصام) أي: انقطاع (لا موطن دوام) ولا يخفى ما في عبارته من الاستعارات، وذلك أنه شبه الدنيا أولاً بالمركب الذي يتوصل به إلى المكان المراد بجامع أن كلا منهما يوصل لما بعده فالدنيا لا يوصل بها إلى الآخرة إلا بالعبور فيها، والمرور منها لسبقها عليها. والبلد المراد لا يوصل إليه إلا بركوب نحو الدابة، وثانياً بالمشرع أي: محل الماء بجامع الورود لكل وأطلق عليها اسم المشبه به ففيه تشبيه بليغ (فلهذا) أي: ما ذكر (كان الأيقاظ) جمع يقظ بكسر القاف في النهاية رجل فطن ويقظ (١) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩ . (٢) لفظ الحديث ليس لابن آدم حق فيها سوى هذه الخصال بيت يكنه وثوب يواري عورته وجلف الخبز والماء اهـ. والجلف بكسر فسكون الغليظ اليابس من الخبز أو الخبز غير المأدوم أو حرف الخبز وفي رواية وجلف بكسر ففتح وهو جمع جلفة وهي الكسرة. وفي رواية وجرف بكسر الجيم وفتح الراء وهي جمع جرفة وهي الكسرة أيضاً. قال الصاغاني ليست الأشياء المذكورة بخصال ولكن المراد إكنان بيت ومواراة ثوب وأكل حرف وشرب ماء فحذف ذلك كقوله تعالى واسأل القرية اهـ. ملخصاً من تاج العروس. ع. (٣) سورة ص، الآية: ٥٤. (٤) الخلود بالضم الدوام والبقاء، والخلد بضم فسكون دوام البقاء، وإخلاد المرء إلى صاحبه: ميله وركونه إليه، وإخلاد المرء بالمكان إقامته فيه وخلد الله فلاناً تخليداً وأخلده إخلاداً جعله خالداً. ع. ٣٦ كتاب : دليل الفالحين مِنْ أَهْلِها هُم الْعُبَّدُ، وَأَعْقَلُ النَّاسِ فِيهَا هُمُ الزُّهَّادِ. قَالَ اللَّهُ تعالى(١): ﴿إِنّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعَامُ، حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيِّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلَا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ، كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكِّرُونَ﴾، والآياتُ في هذا المَعنَى كثيرةٌ. ولقد ويقظان إذا كان فيه معرفة وفطنة اهـ. (من أهلها) أي: الدنيا (هم العباد) وأعلاهم فيها أرباب العرفان بالله (وأعقل الناس فيها هم الزهاد) قال الدميري في منظومه رموز الكنوز: هم الذين زهدوا فيما ترى وأكيس الناس وأعقل الورى إذ نبذوا الدنيا لعلمهم بها ورغبوا في أختها لقربها (قال الله تعالى) مبيناً حال الدنيا في زوالها، وسرعة تحولها، وانتقالها: ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به) أي: اختلط لسبب المطر (نبات الأرض) واشتبك بعضه في بعض. ومحل (مما يأكل الناس والأنعام) حال من نبات أو صفة له (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها) زينتها، وحسنها، وظهر الزهر (وازينت) بالزهر، والنبات. وقرىء وأزينت مخففة وازيانت كابياضت (وظن أهلها أنهم قادرون عليها) متمكنون من تحصيل ثمارها (أتاها أمرنا) قضاؤنا (ليلا أو نهاراً) أي: في أحدهما (فجعلناها) أي: فجعلنا زرعها (حصيداً) أي: محصوداً (كأن لم تغن)(٢) لم تقم (بالأمس) بالزمان الماضي لا اليوم الذي قبل يومك فقط، وقرىء يغن بالتحتية. ذكره الكواشي في التفسير الصغير (كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) قال البيضاوي: الآية في الأصل، العلامة الظاهرة وتقال للمصنوعات من حيث إنها تدل على وجود الصانع، وعلمه، وقدرته، ولكل طائفة من كلمات القرآن المتميزة عن غيرها بفصل، واشتقاقها من أيّ لأنها تبين أياً من أي. أو من أوي إليه وأصلها(٣) أية أو أوية. كتمرة فأبدلت عينها على غير قياس أو أيية أو أوية كرمكة (٤) (١) سورة يونس: آية ٢٤. (٢) في البيضاوي كأن لم تغن أي لم يغن زرعها أي لم ينبت. (٣) يؤخذ من شرح القاموس أن الآية وزنها فعلة بفتح فسكون وأصلها اية بالتشديد قلبت الياء ألفاً لانفتاح ما قبلها وهو قلب شاذ، أو وزنها فعلة بالتحريك وأصلها أوية قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، أو وزنها فاعلة وأصلها أيية حذفت الياء الثانية ففتحت الأولى وأما ما قيل من أن المحذوف هو الياء الأولى فقد رد عليه الفراء وقال إنه خطأ. ع. (٤) بفتحات. وهي الفرس، والبرذونة التي تتخذ للنسل. ع. ٣٧ المقدمة أَحْسَنَ الْقَائِلُ: طَلِّقُوا الدُّنْيَا وَخَافُوا الْفِتْنَا إنَّ لِلّهِ عِبَادَاً فُطَنًا أَنَّهَا لَيْسَتْ لِحَيٍّ وَطَنَا نَظَرُوا فيها فَلَمَّا عَلِمُوا فأعلت، أو آئية كقاتلة فحذفت الهمزة تخفيفاً اهـ. (والآيات في هذا المعنى كثيرة) منها قوله تعالى: ﴿واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح﴾(١) (ولقد أحسن القائل) في بيان سرعة فناء الدنيا (إن لله عباداً) عظيمين كما يؤذن به التنوين (فطناً) بضم الفاء وفتح الطاء المهملة جمع فطن من له عقل ونظر في العواقب (طلقوا الدنيا) كناية عن الزهد فيها، وترك الاشتغال بشأنها (وخافوا الفتنا) بكسر الفاء، وفتح الفوقية جمع فتنة وهي: الامتحان والاختبار كما في النهاية، وفي مفردات الراغب: الفتنة تستعمل في إدخال الإِنسان النار أو فيما يحصل عنه العذاب، وفي الاختبار جعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يعتري الإِنسان من شدة ورخاء، وهما في الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالاً اهـ. والحاصل أن الفتن المترتبة على الاشتغال بالدنيا ومخالطتها كثيرة كالشره وجمع المال من غير اعتبار حله والضنة به (٢) ومنع الحق الواجب فيه، والتكبر، والعجب (نظروا فيها) أي: نظروا في الدنيا بعين البصيرة فعرفوا سرعة زوالها، وتحولها، وانتقالها، كأنك بالدنيا ولم تكن، وبالآخرة ولم تزل (فلما علموا) بجلاء البصيرة أي شهدوا ذلك، وصار لهم حالاً، ومذاقاً، وإلا فكل عاقل يعلم أن الدنيا دار زوال، وانتقال، لكن حجبت بصائرهم غشاوة الغفلة فمالوا إلى لذاتها مع علمهم بحقيقة ذاتها (أنها ليست لحي وطناً) أي: داراً يتوطن فيها على الأبد لأن الإِنسان في هذه الدار كالمسافر المرتحل، وقد سبق حديث: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) وقال الشاعر في المعنى : ألا إنما الدنيا كمنزل راكب أقام عشياً وهو بالصبح رائح والوطن الحقيقي هو الدار الآخرة التي لا نهاية لآخرها بإرادة الله تعالى وقدرته كما جاء في الحديث: ((يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت)) قال بعضهم: هذا هو المراد من حديث: ((حب الوطن من الإِيمان)) أي: فينبغي لكامل الإِيمان أن يعمر وطنه، (١) سورة الكهف، الآية: ٤٥ (٢) أي البخل ٣٨ كتاب: دليل الفالحين جَعَلُوها لُجَّةً واتَّخَذُوا صَالِحَ الأَعْمَالِ فِيهَا سُفْنَا فَإِذَا كَان حالُها ما وَصَفْتُهُ، وَحَالْنَا، وَمَا خُلِقْنَا لَهُ مَا قَدَّمْتُهُ، فَحَقَّ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَذْهَبَ بِنَفْسِهِ مَذْهَبَ الأُخْيَارِ، وَيَسْلُكَ مسلَكَ أُولِي النُّهَى وَالأَبْصَارِ، وَيَتَأَهَّبَ بالعمل الصالح، والإِحسان (جعلوها لجة) في النهاية لجة البحر معظمه. والمراد أنهم جعلوها بمثابة البحر الذي يتوصل بالعبور فيه إلى المقصد، ففي العبارة تشبيه بحذف الأداة (واتخذوا صالح الأعمال) من إضافة الصفة لموصوفها (فيها) أي: في اللجة (سفناً) فيه أن العمل الصالح بمثابة المركب الذي يعبر به لجة البحر وقد جاء في الحديث: ((إن صاحب العمل الصالح يركبه يوم القيامة)) قال تعالى: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً﴾(١) كما أن العمل السيىء يركب صاحبه قال تعالى: ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم﴾(٢) (فإذا كان حالها ما وصفته) من الزوال، وسرعة التحول، والانتقال (وحالنا وما خلقنا له) عطف تفسير لما قبله. وفي نسخة بحذف العاطف قبل ما، فيكون حالنا مبتدأ أولاً، وما موصولاً اسمياً مبتدأ ثانياً. وقوله: (ما قدمته) خبراً عنه، وهو وما قبله خبر الأول، أو يكون ما تابعاً لحالنا، وما بعده خبراً عما قبله، والمراد من قوله ما قدمته أي: من القيام بأعباء العبادة (فحق) أي: واجب بناء على تنوينه، وهو كذلك بالقلم بضبط محدث اليمن الشيخ سليمان العلوي، أو فحق أي وجب، وثبت (على المكلف) البالغ، العاقل سمي بذلك لأنه مأمور بما فيه كلفة (أن يذهب بنفسه مذهب الأخيار) وأن ومدخولها خبر، أو فاعل حقّ، والأخيار هم القائمون بما أمروا به، والتاركون لما نهوا عنه. جمع خير أو خير على الحذف للتخفيف كأموات جمع ميت، أو ميت كذا في إعراب الهمداني المسمى بالعقد الفريد (ويسلك مسلك أولي) أي: أصحاب لا واحد له من لفظه، بل من معناه وهو ذو، وكتبت الواو بعد همزته حال النصب، والجر، فرقا بينه وبين إلى الجارة، وحملت حالة الرفع عليهما (النهى) بضم النون، جمع نهية بالضم، أي: العقول والألباب، سميت بذلك لأنها تنهى صاحبها عن القبيح (والأبصار) جمع بصر بمعنى البصيرة أي: القلب. في مفردات الراغب: يقال لقوة القلب المدركة بصيرة وبصر نحو: ﴿فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد﴾(٣)، وجمع البصر أبصار، وجمع البصيرة بصائر، ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة (ويتأهب) من الأهبة (لما أشرت إليه) من أداء العبودية، والإِعراض عن أعراض الدنيا (١) سورة مريم، الآية: ٨٥. (٢) سورة الأنعام، الآية: ٣١. (٣) سورة قّ، الآية: ٢٢ . ٣٩ المقدمة لِمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ، وَيَهْتَمَّ بِمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ. وَأَصْوَبُ طَرِيقٍ لَه فِي ذَلِكَ، وَأَرْشَدُ ما يَسْلُكُهُ مِنَ الْمَسَالِكِ، الَّدُّبُ بِمَا صَحَّ عَنْ نَبِّنَا سَيِّدِ الأُوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَأَكْرَمِ السَّابِقِينَ وَاللَّحِقين، الدنية، (ويهتم) أي: يعتني بهمته، (بما نبهت عليه) من الذهاب مذهب الأخيار، وسلوك مسلك أولي النهى، والأبصار، (وأصوب طريق له في ذلك) أي: في تحصيل ذلك، وفيه رمز إلى أن طرق المشايخ وإن كان فيها بعض محدثات، كالخلوات وبعض الأعمال هي صواب أيضاً، لما فيها من رياضة النفوس، ومجاهدتها حتى تدخل زمام العبودية، وللوسائل حكم المقاصد. (وأرشد ما يسلكه من المسالك) جمع مسلك مكان السلوك (التأدب بما صح عن نبينا) وَل لو قال بما جاء لكان أعم، لأن الحديث الحسن، كالصحيح في الأحكام وغيرها، والضعيف، يتأدب به في فضائل الأعمال، ويؤخذ به في الترغيب، والترهيب، ويمكن أن يقال ما ذكر من الضعيف وإن عمل به فيما ذكر إلا أن العمل بما صح أصوب وأرشد، وتظهر ثمرة ذلك، عند تعارض صحيح، وضعيف، فالتعبد بالصحيح هو الأصوب، والأرشد، والضعيف فيما يعمل به، فيه من الصواب، والرشاد، والحسن داخل فيما صح، بأن يراد به ما يقابل الضعيف. والأدب قال الحافظ السيوطي في التوشيح: هو استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً، وقيل: الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل: الوقوف مع المستحسنات، وقيل: تعظيم من فوقك، والرفق بمن دونك. يقال إنه مأخوذ من المأدبة، وهي الدعوة إلى الطعام. سمي به؛ لأنه يدعى إليه اهـ. والحديث الصحيح بالمعنى، الشامل للحسن، ما اتصل سنده، بنقل العدل، الضابط له، عن مثله، وسلم من العلة، والشذوذ، أو بنقل المغفل، أو كثير الخطأ، وجاء من طرق أخرى (سيد الأولين) حتى جميع الأنبياء، والمرسلين (و) سيد (الآخرين وأكرم السابقين) من الخلق (واللاحقين) منهم، أي: أجمعهم لأنواع الخير، والشرف، والفضائل، فهو سيد الخلائق، وأكرمهم كلهم؛ بشهادة قوله ويطر: ((أنا سيد الناس يوم القيامة)) رواه البخاري وقوله وسلم: ((أنا سيد العالمين)) رواه البيهقي، والعالمون وإن اختص بالعقلاء على الأصح، فهم أفضل سائر الأنواع من المخلوقات، فإذا فضل هذا النوع، فقد فضل سائر الأنواع بالضرورة، وقوله: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي آدم فمن دونه إلا تحت لوائي» رواه الترمذي. ومن آخر هذا، وصدر الأولين علمت أفضليته على آدم. فقوله: ((أنا سيد ولد آدم))، إما للتأدب مع آدم، أو لأنه علم، فضل بعض بنيه عليه كإبراهيم عليه السلام. فإذا ٤٠ كتاب : دليل الفالحين صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَمُه عَلَيه وعَلَى سَائِرِ النَّبِّينِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعالَى (١): ﴿وَتَعَاوَنُوا على الْبِّ وَالتَّقْوَى﴾، وَصَحِّ عَنْ رَسُولِ اللهِوَّهِ أَنَّهُ قالَ: ((وَاللَّهُ فِي عَوْنٍ فضل نبينا الأفضل (٢) من آدم، فقد فضل آدم بالأولى، ولا ينافي التفضيل بين الأنبياء قوله تعالى: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ (٣) ولا ما في الأحاديث الصحيحة من قوله وقلت: ((لا تفضلوني)). وفي رواية: ((لا تخيروني على الأنبياء)). وفي أخرى: ((لا تخيروا بين الأنبياء))، ولا تفضيل (٤) نبينا عليهم، قوله ◌َّ في الحديث المتفق عليه: ((من قال أنا خير من يونس بن متى، فقد كذب)) وذلك؛ لأن عدم التفرقة بينهم إنما هي في الإِيمان بهم، وبما جاءوا به. وأما النهي فإما عن تفضيل في ذات النبوة، أو الرسالة؛ لأنهم فيها سواء، أو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص بعضهم، أو إلى خصومة، أو على التواضع منه، أو قبل علمه بتفضيله عليهم، وإن استبعد بأن راويه أبو هريرة، وما أسلم إلا سنة سبع، فيبعد أنه لم یعلمه، إلا بعد هذا. وأجاب جمع کمالك وإمام الحرمین، عن خبر يونس بما حاصله: أن تفضيل نبينا بالأمور الحسية، كالشفاعة الكبرى، وكونه تحت لوائه سائر الأنبياء، والإِسراء به إلى فوق سبع سموات، مع النزول بيونس إلى قعر البحر معلوم بالضرورة. فلم يبق إلا النهي بالنسبة إلى القرب من الله تعالى؛ لتوهم التفاوت فيه، بين من هو فوق السموات، ومن في قعر البحر، فبين ◌َّله، أنهما حينئذ بالنسبة إلى القرب من الله تعالى، على حد سواء، لتعاليه تعالى عن الجهة، والمكان علواً كبيراً. ففيه أبلغ رد على الجهوية والمجسمة(٥). واعلم أن في حديث: ((أنا سيد العالمين)) أبلغ رد على المعتزلة، وإن وافقهم الباقلاني، والحليمي في تفضيلهم الملائكة على الأنبياء، واستدلوا بما هو مردود. ومعنى تفضيل البشر عليهم؛ أن خواصهم وهم الأنبياء، أفضل من خواص الملائكة، وهم جبريل، وإسرافيل، وميكائيل وعزرائيل، وحملة العرش، والمقربون، والكروبيون، والروحانيون، وخواصهم أفضل من عوام البشر إجماعاً، بل ضرورة. وعوام البشر، وهم الصلحاء دون الفسقة، كما قال البيهقي وغيره: أفضل من عوامهم، وقوله: (صلوات الله وسلامه عليه (١) سورة المائدة، الآية: ٢ . (٢) الأفضل مفعول فضل والمراد به إبراهيم عليه السلام. ع. (٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٥. (٤) أي ولا ينافي تفضيل الخ. ع. (٥) الجهوية القائلون بأن الله جهة والمجسمة القائلون بأن الله جسم. ع