Indexed OCR Text
Pages 61-80
المحور الثاني: معالجة أصول الإشكالات المثارة على حجية السنة النبوية ٦١ ٦٢ الإشكالات المثارة حول حجية السنة والإجابة عنها بعد أن اجتهدنا في إقامة البنيان جاء الوقت لنبعد عنه ما أثير حوله من إشكالات. وأود أن أُقَدِّم بذكر نقاط مهمة، ينبغي أن تراعى عند نقاش المُشكّكين في السنة، ألا وهي: النقطة الأولى: البراهين المذكورة سابقاً في هذا الكتاب هي الأصل في الموقف من السنّة، ومنها نستقي الردود على الشبهات، وفيها الإثبات القاطع على حجية السنّة، وصحّة علم الحديث. فأي إشكال أو سؤال يُثار بعد ذلك، فإنه يجب ألا يعود على ذلك الأصل بالإبطال؛ لأنه ثبت بیقین. وعلى ذلك؛ فلا بد أن يكون عند من يتصدى للدفاع عن السنة يقين بهذا الأصل. وإنّ من ضعف الشخصية والعزيمة والرأي أن يهدم المرء ما تقرر لديه بأصول شرعية كثيرة بسبب إشكال يسير لا يعرف الإجابة عنه، فيشك في الأصل !. والموقف الأكثر نُضجاً أمام الإشكالات الجزئية التي تعارض ما تقرر بالأصول الشرعية المتظافرة إن لم يعرف عنها جوابًا، هو الأخذ بالأصول الواضحة المحكمة، وردّ المُتشابه إليها. فإنَّ عَدَمَ معرفة المرء بالجواب ليس لأنه لا يوجد جواب، إذ إنَّ عدم العلم ليس علماً بالعدم! بل لأن هذا الشخص تنقصه المعرفة التامة. ولذلك؛ ذكر الله - سبحانه وتعالى - أن أهل الزيغ يتبعون المتشابه، ويتركون المحكم، بينما أهل الحق يأخذون المحکم، ویردّون المتشابه إلیه. النقطة الثانية: أنّ المُشككين في السنّة يتناسون قدر الإشكالات التي ستواجههم حال إنكارهم لها، فلئن كانوا أنكروا السنّة لاستشكالهم خمس روايات أو عشرة تَرِد عليهم حال الإثبات فإن عشرات النصوص والأحكام ستُشكل علیهم بسبب الإنكار. ولمعرفة مقدار الشذوذ والانحراف الذي يلزم القائلین بعدم الأخذ بأي حکم لم یذکر نصا في القران فإن لك أن تستعرض العبادات التي يقوم بها المسلمون في اليوم، والأسبوع، والشهر، والعام، لترى قدر الإشكالات التي تواجه المُنكرين؛ والأمثلة أكثر من أن تحصر في هذا المقام المحدود. ٦٣ هل أبدأ بأركان الإسلام؟ فمن أين عرفنا أن للإسلام أركانا خمسة؟. أترك لهم الإجابة وإن كنت لا أتعجب من بعضهم لو أنكر أن أركان الإسلام خمسة !. وإن انتقلنا للصلاة؛ فالإشكالات التي ستواجههم كثيرة : عدد الصلوات، ركعاتها، مواقيتها، صفتها، أذكارها، التشهد، سجود السهو. وإن انتقلنا للزكاة، فالسؤال الأكبر الموجه لهم: ما القدر الذي إذا أخرجه المرء من ماله تكون قد برئت ذمته وامتثل الأوامر القرآنية بإيتاء الزكاة؟. فالذي يملك مليار ريال مثلاً، وزكى منها مائة ريال فقط، هل تبرأ ذمته؟. إن قالوا لا؛ فما الدليل؟ وإن قالوا نعم فهذا مُشكِلٍ، فبأيّ قدر يكون الإجزاء؟؛ إذ إنّ الناس يتفاوتون في مقدار ما يملكون من الأموال. وقبل ذلك هل كُلّ من ملك شيئا من المال تجب عليه الزكاة؟ أم أن هناك نصاباً معينا إذا بلغه المال تجب زكاته؟ فالذي يملك غرامًا واحداً من الذهب هل تجب عليه زکاته؛ لئلا يدخل في الوعيد الوارد في القرآن على الذين يكنزون الذهب والفضة؟. وما المقدار الذي يجب إخراجه من الحبوب والثمار؟. وهل هناك فرق بينما سُقي بالنضح وبينما سقته السماء؟. وإن انتقلنا للصيام : فهل على الحائض صوم؟ وما الدليل من نص القران؟ وهل على من جامع أهله في رمضان كفارة؟ ما الدليل؟ وهل تشرع صدقة الفطر في نهاية شهر رمضان؟ ما الدليل؟ وما مقدارها؟. كل هذه الأسئلة ستُشكِل على من لا يأخذ بالسنة !. وإن انتقلنا للحج، فهل هناك مواقيت مكانية لا يتجاوزها الحاج إلا بإحرام؟ سمُّوا لنا هذه المواقيت، ومن الذي وقّتها؟. وما الدليل؟. وكيف تؤدى الصلاة يوم عرفة؟. وما الدليل من القران على رمي الجمرات؟. وهل هناك طواف الوداع؟. ٦٤ ولكم أن تتخيلوا الإسلام دون كل الأحكام المذكورة في الأسئلة الماضية والتي لم يأت النص عليها في القران وإنما جاءت في السنة؟ !. فهل يستقيم بعد ذلك قول من قال: السنة إنما هي ركام من المرويات، والآخذون بها عابدون للأسانید !. النقطة الثالثة: المنكرون للسنّة والمشككون فيها، غالبًا ما يقعون في إشكالات ظاهرة في سياق احتجاجهم على عدم حجية السنة !. من أبرزها : ١ - الاستدلال بالسنة! إذ يستدلون بما لا یرونه حُجة على عدم حجيته! کاستدلالهم بالنهي عن كتابة الحديث على إسقاط الاحتجاج به! وهذا تناقض. فإن قالوا: إنما نستدل عليكم بما تؤمنون به. قلنا لهم: إننا نؤمن بمجموع النصوص في الباب، وأنتم تمارسون عملية انتقائية لا منهجية ثم تدّعون أنكم تستدلون علینا بما نؤمن به. ٢ - الانتقاء من بين الأدلة المتساوية دون أي معيار للاختيار سوى موافقة قولهم! فينتقون حديث النهي عن الكتابة -مثلا-، من بين الأحاديث التي فيها الرخصة بالكتابة، دون محاولة للجمع بينها! ويُنَخُّون الأحاديث الدالة صراحة على الحُجِّيَّة! أفليس الذي نهى عن الكتابة هو الذي نهى أيضًا عن رد شيء من حديثه بحجة أنه لم يأت في القران؟ ٣- أنهم يبنون قولهم على تصور ناقص لحقيقة ما يتحدثون عنه، ومن أبرز الأمثلة على ذلك: كلامهم عن تدوين السنة، وعن علم الحديث. إذ هو مبني على تصورات ناقصة لا تصف الحقيقة. ٤ - عدم تمييز الصحيح من السقيم. ومثال ذلك: استدلالهم بموقف عمر من صحف الحديث، وهو غير ثابت. واستدلالهم بضرب عمر لأبي هريرة على إسقاط مكانة الثاني. ٦٥ أصول الإشكالات والشبهات المثارة حول السنة من خلال التأمل في الإشكالات المعاصرة المتعلقة بالسنّة، رأيتُ أنها تعود إلى هذه الأصول: الأصل الأول: إشكالات راجعة إلى أصل حجيتها وأساسه. الأصل الثاني: إشكالات راجعة إلى نَقَلَة السنّة (رواة الأحاديث). الأصل الثالث: إشكالات راجعة إلى تاريخ السنة وتدوينها. الأصل الرابع: إشكالات راجعة إلى روايات بعينها لتوهم معارضتها لما هو أرجح منها. الأصل الخامس: إشكالات راجعة إلى طريقة نقل السنّة وإلى علم الحديث. وسأذكر الإجابات عن هذه الأصول بشيء من التفصيل مع أني أؤكد على أن ما سبق تأسيسه في هذا الكتاب تحت موضوع (إقامة البرهان على حجيّة السنّة) هو الأساس في الموقف من السنّة، وفيه أصول الإجابات عن كل هذه الأسئلة والاستشكالات. ٦٦ الأصل الأول : إشكالات راجعة إلى أصل حجية السنة . يزعم منكرو السنّة، المتسمّون - زوراً - بالقرآنيّين أنه لا حاجة في أي أمر ديني إلى شيء خارج نص القرآن الكريم، لأنه تبيان لكل شيء. هذا الكلام فيه حق وباطل؛ فأما الحق الذي فيه فهو أن القرآن الكريم تبيان لكل شيء، لكن الشأن في تحرير وجه البيان والتبيان الذي جاء به القرآن؟ هل هو بطريق النص على كل حكم بعينه؟ أم بطريق النص تارة، وبطريق الإشارة والإحالة تارة أخرى؟ لا شك أن طريقة القرآن ليست هي النص على كل حكم بعينه، وإنما بالنص في مواضع، وبالإحالة إلى الرسول وأحكامه وأوامره ونواهيه في مواضع أخرى. وبذلك يظهر لنا وجه الباطل في الكلام السابق. كما أن في قولهم تعطيلاً لكل الآيات القرآنية التي أحالت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأمره ونهيه، وهذا يكشف عدم صدق تسمية أنفسهم بالقرآنيين؛ فإن الآيات القرآنية الآمرة بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم قد تكررت عشرات المرات في القرآن، هم عطّلوها كلها بدعاوى غير متماسكة عند التحقيق. فمن أشهرها: دعواهم أنَّ كلمة (الرسول) الواردة في آيات الأمر بطاعته، إنما تعني الرسالة لا الشخص المُرسَل، ثم يقولون إن الرسالة هي القران -وحده-، وأن كل شيء فعله النبي صلى الله عليه وسلم مما لم يُذكرفي نص القران فإنما فعله بمقتضى النبوّة لا الرسالة! والنبوّة لا يصدر عنها شيء مُلزِم شرعًا، ويفرقون بين الرسول والنبي بهذا الاعتبار، وليس عندهم على ذلك دليلٌ فصلٌ ينتهض بهذه الدعوى الكبيرة. بل إن في سياق الآيات ما يُبطل هذه الدعوى، ويمنع التفرقة المزعومة؛ ألم يقل الله سبحانه (من يُطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا)؟ فالكاف في أرسلناك ظاهرة في أن المراد بالرسول هنا الشخص المُرسَل لا الرسالة، وهي آية صريحة في الأمر بطاعته صلی الله علیه وسلم. ٦٧ و کذلك فقد جاء في القران جمع الكلمتين (الرسول) و (النبي) في سياق واحد، وهو سياق امتداح الاتباع، فقال سبحانه (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) كيف يقولون بعد ذلك إن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يُتَّبع بوصف النبوة؟ إنّ كشف زيف دعوى عدم دلالة آيات الأمر بطاعة الرسول على اتباع سنته لا يحتاج إلى أكثر من تأمل يسير في تلكم الآيات، فذلك كفيل في إبطال الدعوى ونقضها لمن كان له عقل، وسَلِم من اتباع الهوى! فعلى سبيل المثال لو تأملنا في سياق أشهر آية يُستدل بها على حجية السنة، وهي آية سورة الحشر: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) سنجد أن الرسول هنا لا يحتمل معنى الرسالة، وإنما الرسول المُرسَل، ففي أول الآية ذِكرٌ للرسول بما لا يلتبس معناه بشيء آخر، قال الله سبحانه: "ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" وهذا يُظهِر عدم عنايتهم بسياق الآيات، وقلة فقههم في معانيها. ومن الأمور التي يذكرها هؤلاء كثيراً: أن اتباع السنّة ليس مجرد اتباعٍ لأمر غير شرعي!، بل إنهم يرون اتباعها شركاً بالله، وضلالة واتباعًا الآباء والأجداد والسادة والكبراء، وهذا ما يقوله کثیر منهم، ويجهرون به واثقين من صحّة قولهم واستقامته، وهذا من أعجب العجب! ونحن نقول لهم: ألم يكن ترك الناس - إذن - بلا قرآن أسلمَ لدينهم؟ لأنهم إنما أشركوا بالله رسولَه -في زعمكم - بسبب فهمهم للآيات التي أمر الله فيها بطاعة رسوله! فإن قالوا: إن الناس أخطؤوا في فهم القرآن. قلنا لهم: إن هذه دعوى قد سبق بيان بعض ما فيها من خلل، ثم هل تجتمع أمة محمد صلی الله علیه وسلم من وقت أصحاب نبیھا ثم تابعیھم، ثم فقهائها ومحدثيها ومفسريها ومتكلميها ومتصوفتها على الشرك بالله ثم لا يسلم منه إلا طائفتكم التي ليس فيها معروف بالفقه والإمامة في الدين؟ أليس في مجموع الأمة التي تخالفكم من أئمة اللغة العربية ٦٨ والتفسير وعلوم القرآن ممن لا ينقصهم صلاح النية والقصد من هم أكثر منكم علمًا باللغة وسياقاتها وبالقرآن وتفسيره؟ فإن قالوا: إن الله يقول: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) قلنا لهم: وهو قد قال سبحانه (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) أي عدولاً خياراً، فكيف يكون جُل هذه كافرين بالله سبحانه! الأمة الوسط على مر قرونها قابعين في الشرك، وبعيداً عن ذلك كله فإن واقع الأمر يُثبت لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بكثير من القضايا الدينية مما لم يُذكَر نصه في القران؛ فمن أين جاء به؟ وما الغرض من قوله؟ وهل كان يفتري على ربه؟ أم يجتهد رأيه؟ فإن قلتم إنه يفتري على ربه فقد كفرتم بإجماع المسلمين. وإن قلتم يجتهد رأيه، فهل سيقره الله على خطأ - لو أخطأ-؟ ألم يأمرنا سبحانه بالتأسي به؟ فهل يكون من تأسى به إلا ممتثلاً للأمر الإلهي؟ بل إن رأيكم في مقابل رأي واحدٍ من أئمة الفقه والدين لا يعادل ضوء شمعة -لو كان فيه نسبة ضوء - أمام شمس مشرقة تملأ الدنيا نوراً، ولا زلتُ -والله - أذكر قول أحد هؤلاء القرآنيين عندما قال: إن كلام النبي صلى الله عليه وسلم في غير نص القرآن إنما هو رأي، في منزلة رأي الغزالي وغيره! وهذا والله أعلم هو سبب ما ابتلوا به من ضيق الأفهام، وسفاهة الحلم والرأي؛ التقليل من شأن النبي صلى الله عليه وسلم وسنته. ثم إن كثيراً من هؤلاء إن أوقف على حقيقة قوله، وأدرك أوله وآخره ومآلاته فإنه قد يعود على القرآن فيكذب به، لأن واقع المسلمين من وقت نبيهم صلى الله عليه وسلم معتمد في الأحكام الشرعية الأساسية على تفصيل السنة وبيانها، بل في أظهر حكم عملي وهو الصلاة، من جهة مواقيتها وعددها وكيفيتها، فإما أن يلتزم هؤلاء المنكرون بمبدئهم ويطّردوا عليه؛ فلا يقولوا بوجوب خمس صلوات؛ ولا بالكيفية المعروفة التي يقوم بها المسلمون؛ لأن ذلك لم يُذكَر في القران نصا! وهذا في حد ذاته يولد نوعا من الصراع النفسي لمن بقيت منهم فيه حياة! وإما أن يَشُكُّوا في القران نفسه؛ لأن عدم ذكر أهم حكم في الإسلام فيه يتعارض تماماً ٦٩ مع فهمهم لقول الله (ما فرّطنا في الكتاب من شيء) ! . وإما أن يتناقضوا فيقروا بوجوب خمس صلوات مبررين ذلك بأن تحديدها جاء عن طريق التواتر العملي وليس عن طريق السنّة! وهذا الخيار الثالث تدليس، لأن الصلوات الخمس وإن كانت متواترة تواترا عمليا إلا أن السؤال يبقى قائما عليهم هل عدم ذكرها في القران يتوافق مع فهمهم لقول الله (ما فرطنا في الكتاب من شيء) ؟. وأمرٌ آخر، وهو أنَّ هناك أحكاماً شرعيّة لا يختلف المسلمون في العمل بها، مع أن مُستندها السنّة لا القرآن؛ فما موقف المنكرين للسنّة من هذه الأحكام؟ . وقد ضربنا أمثلة كثيرة على ذلك قريبا، وأزيد هنا مثالاً آخر، وهو: تحريم الجمع في النكاح بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، فهذا التحريم مُستنده السنّة، ليس مذكورًا في القرآن، وقد أجمع المسلمون عليه، قال ابن قدامة - رحمه الله - في بيان المحرمات في النكاح: ((والجمع بين المرأة وعمتها ، وبينها وبين خالتها. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به، وليس فيه - بحمد الله - اختلاف، إلا أن بعض أهل البدع ممن لا تعد مخالفته خلافًا، وهم الرافضة والخوارج، لم يحرموا ذلك، ولم يقولوا بالسنة الثابتة عن رسول الله -صلی الله علیه وسلم-))(١). وممن نقل الإجماع في هذه المسألة: ابن عبد البر في الاستذكار(٢)، وابن العربي في العارضة(٣)، والقرطبي في تفسيره (٤)، والنووي في شرح مسلم(٥)، وابن تيمية في الفتاوى(٦)، والعيني في عمدة القاري (٧)، وغيرهم. قال الشافعي - رحمه الله -: ((وبهذا نأخذ، وهو قول من لقيت من المفتين ، لا اختلاف بينهم فيما علمته))(٨). (١) المغني، لابن قدامة (٧ / ٤٧٨). (٢) (٥/ ٤٥٢). (٣) (٤٥/٥). (٤) (٦ /١٧٤). (٥) (٩/ ١٩١). (٦) (٦٩/٣٢). (٧) (١٠٧/٢٠). (٨) الأم، للشافعي (٦/ ١١). ٧٠ فهؤلاء العلماء يبينون أن قضية تحريم الجمع في النكاح بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها ،مجمع عليه، مع أن مستند التحريم السنّة، وليس للمشككين حيال ذلك إلا أحد ثلاثة أمور : إما أن يستقيموا كما استقام هؤلاء العلماء ، ويُحرّموا هذا النوع من النكاح، معترفين بأنه مبني على السنّة. وهذا هو الصواب. وإما أن يخالفوا في تحريم هذا النوع من النكاح. وهذا فساده ظاهر لكل من ينتمي للعلم الشرعي بِصِلة !. وإما أن يقروا بتحريمه ولكنْ يهربون من نسبة مستند هذا التحريم إلى السنّة، وهذا إعراض صريح عن الدلالة الظاهرة لمُستند هذا الإجماع الذي هو حديث رسول الله، وقد وقفتُ على بعض التكلّفات التي يراد منها نسبة تحريم هذا النكاح إلى القرآن ،ولكن بطريقة ملتوية في الاستدلال !!. الأصل الثاني : شبهات راجعة إلى نَقَلَة السنّة (رواة الأحاديث). من السهولة بمكان أن يخادع المرء نفسه في قضية عدم الاحتجاج بالسنة ليقول: إنه لا يَرُدُّ على النبي صلى الله عليه وسلم قوله، ولكنه لا يثق بالرواة الذين أوصلوا لنا الأخبار عنه، لا من الصحابة ولا ممن بعدهم، وممن حمل لواء الطعن في الصحابة ونَقَلة السنّة في العصر الحديث: طائفة من المستشرقين، ومَن تأثر بهم كمحمود أبي ريّة. ونجد تركيزهم واهتمامهم في الطعن على أكثر الصحابة رواية للحديث كبيراً، وقد تولّى الردّ عليهم غير واحد من العلماء، من أشهرهم: مصطفى السباعي في كتابه (السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي)، والمُعلّمي في كتابه (الأنوار الكاشفة)،وعبد المنعم العزي في كتابه (دفاع عن أبي هريرة) ویجاب عن هذه الإشکالیة من وجوه: الوجه الأول: أن علم الجرح والتعديل هو الميزان في هذا الباب، وقد أثبتنا في هذا الکتاب موضوعیته وصحته، فليراجع. ٧١ الوجه الثاني: كثير من القصص التي طُعِن على الصحابة أو الرواة الثقات بسببها ،لا تثبت من جهة الإسناد! وذلك مثل الطعن على أبي هريرة بأنه إنما لزم النبي صلى الله عليه وسلم من أجل الطعام، وأن النبي تضايق من كثرة دخوله عليه لأجل ذلك، فقال له: ((يا أبا هر: زُر غِبًا تزدد حُبّ))، ولم أجد رواية واحدة صحيحة أو ضعيفة فيها ربط حديث (زُر غبًا) بقضية الطعام !! على أن حديث زر غبا من أصله لا يثبت. فقد قال البزار: ((لا يُعلم في ((زر غبًا تزدد حبًا)) حديث صحيح))(١). وذكر العُقيلي أنه ليس في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يثبت. (٢) ولذلك؛ فإن من المهم قبل النقاش في ملابسات خبر معين عن صحابي أو راو أن يُطلَب ممن أتى به إثباته! الوجه الثالث: نحن في هذه الطعون بين قولين: قول أهل السنة من العلماء والفقهاء والمحدثين والمُفَسّرين، الذين أجمعوا على عدالة الصحابة رضي الله عنهم -وليس على عصمتهم - واعتمدوا جملة الرواة المعدلين تحت مظلة علم الحديث، وبنوا الأحكام على نقولهم، وبين قول مخالف لهم ، غير مختصّ في هذه العلوم، فأيهم أحقّ بالتقديم؟. الوجه الرابع : كثير من الطعون في هؤلاء الرواة تقفز على الأصول وتتعلّق بالإشكالات. فإن تأسيس ثقة راوٍ أو جرحه لا يكون بالانتقاء غير المنهجي من سيرته وأخباره، وإنما ببناء منهجي يعتمد على قواعد وضوابط في الجرح والتعديل. ففي شأن معاوية (رضي الله عنه) - مثلاً - يتركون ثقة الصحابة به، وعدم إنكارهم عليه في الرواية، ويتركون تولية عمر بن الخطاب له، وإبقاءه إياه على الولاية، مع أنه عزل عدد من ولاته، ويتركون تنازل الحسن له، وهذا وإن كان لحقن الدماء؛ إلا أنه لا يُتنازل لمنافق. وقد امتدح الرسول صلى الله عليه وسلم هذا التنازل حين قال عن الحسن: ((ابني هذا سيّد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين)) -والحديث أخرجه البخاري -(٣)، (١) كشف الأستار، للهيثمي (٣٩٠/٢). (٢) الضعفاء الكبير، للعقيلي (١٣٨/٢ -١٣٩). (٣) صحيح البخاري (٣٧٤٦). ٧٢ ويتركون قول ابن عبّاس - رضي الله عنه - فيه: ((إنه فقيه)) (١)، كما في صحيح البخاري أيضاً. فيتركون كل هذه الحقائق، ويتعلقون بروايات كثير منها لا تثبت، وما ثبت منها فإنه من الخطأ الذي يقع فيه الصحابة وغيرهم من الناس. فإننا لا نقول بعصمة معاوية ولا غيره، ولا نقول إنه كان مُصيبًا في قتاله لعليّ - رضي الله عنه -، ولكن لا نتهمه بالنفاق، ولا بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونعتقد أن معاصريه من الصحابة هم أعلم به. الأصل الثالث : شبهات راجعة إلى تاريخ السنة وتدوينها. إن الأسئلة والاستشكالات حول تاريخ السنة وتدوينها حاضرة بقوة في الخطاب التشكيكي، ونستطيع أن نُرجع الشبهات في هذا الباب إلى أمرين : الأول : ما يتعلق بالنهي عن كتابة السنّة. الثاني : تأخر تدوينها. فأما الأمر الأول : فإنهم يقولون : إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كتابة أي شيء سوى القرآن، وهذا يدل على أن السنة ليست بحجّة؛ لأنها لو كانت حجة لما نهى عن کتابتها، والردّ على هذه الشبهة من وجوه: الوجه الأول: ما الرابط بين النهى عن كتابة السنّة وبين حجّيتها؟، وهل الحجة مرتبطة بقضية الكتابة فقط؟، فإذا نُهي عن كتابة شيء تسقط حجيته تمامًا؟ أم نلتزم بما ورد في حدود النص الذي هو في النهي عن الكتابة؟ وهل لا توجد وسيلة لحفظ الأخبار إلا الكتابة فقط؟ !. الوجه الثاني: إن الذي نهى عن كتابة السنة - صلى الله عليه وسلم - هو الذي أمر بحفظها وتبليغها، ونهى عن ردّ ما زاد منها على القرآن، كما في حديث الأريكة (٢)، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟، أتنتقون من السنة ما يوافق آراءكم ،وتتركون ما لا يوافقها؟، أتأخذون من السنة حديث النهي عن الكتابة ؛لأنه يوافق ما تريدون الوصول إليه -مع أنه في الحقيقة لا يوافق - وتتركون ما هو أوضح دلالة على حجية السنة؟، إنكم إذن (١) صحيح البخاري (٣٧٦٥). (٢) سنن الترمذي (٢٦٦٣)، سنن أبي داود (٤٦٠٥)، سنن ابن ماجه (١٣). ٧٣ لمتناقضون !. الوجه الثالث : النهي عن كتابة السنة قد قُوبل بنصوص أخرى ترخّص في كتابتها، منها قوله صلى الله عليه وسلم مجيبًا طلب أبي شاه في كتابة خطبته: ((اكتبوا لأبي شاه)(١)، ومنها أن عبد الله بن عمرو كان يكتب وأيّده النبيّ صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله: ((اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق))(٢)، وأشار إلى فيه. وكل ما جاء من النصوص في النهي عن الكتابة ضعيفٌ، إلا حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني، ولا حرج))(٣)، فهذا نص في مقابله نصوص أخرى في الرخصة في الكتابة فما وجه الجمع بينها؟. لأهل العلم مسالك في الجمع بين هذه النصوص أو الترجيح بينها: ١- فمنهم من قال : إن النهي عن الكتابة لا يصحّ مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الصواب فيه الوقف على أبي سعيد الخدري (أي أنه من كلام أبي سعيد). وهذا المسلك هو طريقة الإمام البخاري - رحمه الله -، وقد ذكر ذلك ابن حجر - رحمه الله - في ((فتح الباري)) (٤)، وبعضُ طرق هذا الموقوف ذكرها ابن عبد البر ، في جامع بيان العلم وفضله. ٢- ومنهم من ذهب إلى أن النهي عن الكتابة منسوخ بأحاديث الرخصة في الكتابة، وأنه إنما نهي عن الكتابة أول الأمر خشية اختلاط السنة بالقرآن، فلما أُمن ذلك رُخص فیھا. ٣- ومنهم من قال إنه لم يأتِ النهي عن الكتابة المفردة المفرقة، وإنما جاء النهي عن التدوين العام، قالوا : ولو كلفهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لكلفهم بأمر شاق جدًا، خاصّة وأنّ الكُتّاب في وقته قليل. (١) سبق تخريجه. (٢) سبق تخريجه. (٣) صحيح مسلم (٣٠٠٤). (٤) فتح الباري، لابن حجر (٢٠٨/١). ٧٤ ٤- ومنهم من ذكر أنه وقع الحث على كتابة القرآن ؛ لأنه متعبّدٌ بألفاظه وحروفه ؛ فاحتيج إلى كتابته لفظًا ونصًا؛ بخلاف السنة التي يجوز روايتها بالمعنى بشروط وضوابط يذكرها أهل العلم. ٥- وقيل: إن ذلك؛ لإبقاء سُنّة الحفظ التي كانت عند العرب. ٦- وقيل : غير ذلك. ٧- فهذه مجموعة من المسالك لأهل العلم في التوفيق بين النصوص، وقد وقع في بداية الأمر خلاف في جواز كتابة الحديث، ثم زال الخلاف واستقر الإجماع. قال الإمام أبو عمرو بن الصّلاح - رحمه الله -: ((ثم إنه زال ذلك الخلاف، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته))(١) وأما الأمر الثاني من الشبهات في هذا الباب ، فهو ما يتعلق بتأخر تدوين السنّة : والإجابة الوافية عن هذه الشبهة تقدمت تحت عنوان (مراحل العناية بسنّة النبي صلى الله علیہ وسلّم)، وخلاصة الرد بثلاثة أمور: أولاً: أن التوثيق لا ينحصر في الكتابة، ولذلك فإن توثيق القرآن لم يكن بالكتاب فقط، بل بالتلقين والنقل الشفهي أيضاً، وكان ذلك من أهم وسائل تثبيته، وهذا قد حصل في السنّة وإن لم يكن على سبيل الكثرة كالقرآن. ثانيًا: أن التدوين كان موجوداً من وقت النبي صلى الله عليه وسلّم؛ بشكل مُفرّق إلى وقت التدوين الشامل، فدعوى تأخر التدوين مطلقًا غير دقيقة. ثالثًا: أنّ الرواة قد اعتنوا بالحفظ، وملازمة الشيوخ، وضبط أحاديثهم، ثم جاء النقاد ونخلوا كل المرويات وميزوا بين الصحيح والضعيف، وقد أثبتنا شيئا من ذلك في إقامة البرهان على صحة علم الحديث. (١) علوم الحديث، لابن الصلاح (ص ١٣٨). ٧٥ الأصل الرابع : شبهات راجعة إلى روايات بعينها ؛ لتوهم معارضتها لما هو أرجح منها. وهذا الأصل هو الذي تنبثق منه أكثر الشبهات والاستشكالات المعاصرة، ولذلك؛ فإنك تجده حاضراً في خطاب جميع من يطعن في السنّة، فإما أن يزعم أن في السنة الصحيحة روايات تخالف العقل، أو تخالف القرآن، أو العلم التطبيقي ،أو تخالف روايات أخرى أصحّ منها، ومن ثم يتوصّلون بذلك إلى ردّ السنّة أو التشكيك فيها. وسأذكر قواعد في التعامل مع كلِّ نوع من هذه الأنواع على حِدَة، ولكن قبل ذلك هنا تنبيهان مهمان : التنبيه الأول : يغفل كثير من المستشكلين أنَّ جُلّ استشكالاتهم قد أجاب عنها أهل العلم قديمًا وحديثًا، ولكنّ أكثرهم لا يقرؤون هذه الكتب، وإنما يكتفون بإيراد الإشكالات !!. وقد اعتنى المحدّثون بالأحاديث التي ظاهرها التعارض، وأفردوا لها نوعاً من أنواع علوم الحديث، كما فعل الإمام أبو عمرو بن الصلاح في كتابه علوم الحديث؛ حيث جعل النوع السادس والثلاثين من أنواع علوم الحديث: (معرفة مختلف الحديث)، بل وأفرد العلماء كتباً مستقلة خاصة بالأحاديث التي ظاهرها التعارض، وبعضهم توسع فأدخل فيها ما يُتوهم تعارضه مع العقل أو القرآن. وأول من ألف في ذلك : الإمام الشافعي - رحمه الله -، في كتاب اسمه : ((مختلف الحديث)). ومن الكتب المهمة في هذا الموضوع: كتاب ((شرح مشكل الآثار)» للإمام الطحاوي - رحمه الله -، ويقع في ستة عشر مجلدًا !. فهل اطلع عليه هؤلاء المتسرعون في ردّ الحديث؟. وابن قتيبة له كتاب مشهور في ذلك، وهو ((تأويل مختلف الحديث))، والكتب في هذا المجال كثيرة. ومن الرسائل المعاصرة الجيدة في الباب، كتاب ((التعارض في الحديث)) للدكتور لطفي الزغیر، وهو کتاب نفیس وممتاز. ٧٦ التنبيه الثاني: إن من الخطأ المنهجي ما يقع فيه بعض المتسرعين، من ردّ السنّة كلها أو جُلّها؛ بسبب عدد من الروايات التي استشكلوها، ويتركون آلاف الروايات الصحيحة التي لا يُتوهم تعارضها مع شيء مثلها ، أو أرجح منها. فلو توقف الإنسان في حديث أو حديثين، لكان موقفا معتدلاً بإزاء رد السنّة كلها كما أني أُحب أن أشير إلى أن الاهتمام بالقواعد المنهجيّة أمر أهم من الإجابة عن الاستشكالات التفصيليّة، ولا شك أن جمع الأمرين أكمل، غير أن الذي يضبط علمه بقواعد منهجيّة ؛ فإنه يستطيع التعامل مع جميع التفصيلات، ومع أي شبهة جديدة. النوع الأول : توهّم تعارض الحديث مع العقل قواعد منهجية في التعامل مع هذا النوع : القاعدة الأولى : التثبت من صحة إسناد الرواية. إن أول خطوة ينبغي التأكد منها عند النظر في الأحاديث التي يُدّعى أنها معارضة للعقل: هي التثّت من صحّة الحديث، فإن كان ضعيفاً، فلا داعي للتكلف في الجمع بينه وبين العقل، فالذين يطعنون في السنة بناء على روايات ضعيفة تخالف العقل، لا شك أن تصرفهم غير عادل. القاعدة الثانية : إذا كان الحديث صحيحًا ثابتًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه -قطعاً- لن يعارض العقل، فيُتأكَّد من سلامة فهم الحديث. كما أن الله سبحانه هو الذي خلق العقل وأرشدنا إلى العمل به؛ فهو - أيضاً- مَن أَمَرَنا باتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فلا يمكن حينئذٍ أن يوجد تعارض بين العقل والنقل، وفي ذلك كتب ابن تيمية رسالته العظيمة ((درء تعارض العقل والنقل)) وقال فيها: ((فلا يُعلَم حديث واحد على وجه الأرض يخالف العقل أو السمع الصحيح ، إلا وهو عند أهل العلم ضعيف بل موضوع))(١). وكثيراً ما يطعن المُشكّكون في بعض الأحاديث الثابتة بدعوى مخالفة العقل ويكون ذلك من سوء فهمهم للنصّ !. (١) درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية (١٥٠/١). ٧٧ القاعدة الثالثة : التفريق بين ما يخالف العقل ، وبين ما لا يُدرك بمجرّد العقل. قال الإمام الشاطبي - رحمه الله تعالى -: ((إن الله جعل للعقول في إدراكها حدّاً تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلاً إلى الإدراك في كل مطلوب))(١). وعدم فهم هذه القضية أوقع كثيراً من الناس في خطأ كبير، وهو ردّهم لأحاديث صحيحة زاعمين أنها تخالف العقل! وهي في الحقيقة من عالم الغيب الذي لا ندركه بمجرد العقل. مثال ذلك: حديث سهل بن سعد - رضي الله عنه -، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: ((إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها)) أخرجه البخاري ومسلم رحمهما الله(٢). فاعترض بعض المعاصرين (أبو ريّة) على صحة هذا الحديث! والصواب أنّه لا مجال لاعتراض العقل هنا؛ لأن عالم الغيب لا تقاس فيه الأشياء بحدود المحسوسات في هذه الدنيا، فإذا أدركنا هذه القاعدة ؛ تنحلّ كثير من الإشكالات التي يثيرونها على الأحاديث الغيبيّة الصحيحة، مثل حديث سجود الشمس؛ إذْ إنّ طريقة سجودها، وكيفيّة العرش، واستئذانها لله سبحانه، كل ذلك من عالم الغيب. القاعدة الرابعة : إدراك اختلاف الأفهام . إنّ الإشكالات التي تُثار تجاه الروايات الصحيحة بزعم أنها تخالف العقل، هي في حقيقة الأمر لا تخالف العقل الصريح وإنما قد تخالف فهم الشخص المُستَشْكِل وأمثاله؛ فإنّ معايير استيعاب وقبول الناس للأخبار تختلف من شخص لآخر، بحسب طريقة تربيته وظروف نشأته ومحيطه ومجتمعه، فَما قد يراه الشخص الذي يعيش في عمق أدغال أفريقيا مخالفًا للعقل ، يراه غيره ممن نشأ وتقلّب في المدنيّة الحديثة من مقبولات العقول. بل وربما من مُسلّماتها !. (١) الاعتصام، للشاطبي (١ / ٨٣١). (٢) صحيح البخاري (٦٥٥٢)، صحيح مسلم (٢٨٢٧). ٧٨ فإن استشكل مُستشكل حديثًاً صحيحاً بدعوى معارضته للعقل فإنّا نقول له: أنت تظن أن هذا يعارض العقل، وهو إنما يعارض مسلماتك وتصوراتك، وإلا فكيف قَبِلَتْهُ آلاف العقول الحرّة المفكرة غير المُقُلّدة؟. القاعدة الخامسة : عند اختلاف العقول في قبول حديث ؛ فالحكم: الميزان العلمي . قد تَصِلُ في النقاش مع من يدّعي بأن حديثًا من الأحاديث الصحيحة يُعارض العقل، إلى أن تقول له: حسنًا، هذا الحديث يخالف العقل في قول طائفة، ولا يخالفه في قول طائفة أخرى، فما العمل؟ وعقْلُ مَنْ أولى بالتقديم؟. إنّنا -هنا- نحتاج إلى محكِّم خارجيّ مستقلّ، نُميّز عن طريقه - بموضوعية - ما يخالف العقل مما لا يخالفه، وهذا الميزان هو: علم الحديث، وقد سبق التفصيل في إثبات صحّة هذا العلم وموضوعيته .. النوع الثاني : توهم تعارض الحديث مع القرآن قواعد منهجية في التعامل مع هذا النوع : القاعدة الأولى : التأكد من ثبوت الحديث . فإن كان الحديث ضعيفًا، فلا داعي لادّعاء التعارض، وتكلفِ الإجابة، إلا إذا كان الضعفُ يسيراً. القاعدة الثانية : التأكد من دلالة الآية وتفسيرها : كثيرا ما تُرَدُّ أحاديث صحيحة بدعوى تعارضها مع القرآن، ويكون منشأ الإشكال مِن الخطأ في فهم الآية القرآنية. مثال على ذلك : هناك من يقول إن عقوبة الردّة تعارض قول الله : ﴿لَا إِكْرَهَ فِ اَلْدِينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. ثم يَرُد الأحاديث الواردة في عقوبة الردّة نظراً لاكتشافه هذا التعارض الذي لم يكن معروفًا قبل ظهور هذا العلّامة! وكأن العلماء حين أجمعوا على عقوبة المرتد لم يعلموا بوجود هذه الآية! والذي لا شك فيه أنهم يعلمون هذه الآية ؛ ٧٩ ولكن تفسيرهم لها يختلف عن هذا الفهم الحادِث، فقد فسّروها على نفي إكراه غير المسلم على الدخول في الإسلام، وليس على من التزم بأحكام الإسلام، ثم ارتد عنها !. مثال آخر: يُنكِرِ بعض المعاصرين أحاديث حدّ الرجم، زاعمين أنها تعارض قول الله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ ﴾ [النساء: ٢٥]. حيث فهموا أن المراد بالمحصنات في الآية: المتزوجات، والرجم لا يتنصف؛ فهذا يدلّ على أنه لا رجم على المتزوجات، وأما غير المتزوجات فيتفق الجميع على أنه لا رجم عليهنّ. والصواب أن المراد بالمحصنات في الآية (الحرائر) حيث إن سياق الآية في نكاح الإماء، فإن في أول الآية الحث على نكاح المُحصَنات: ﴿ وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ ﴾ فلا يكون معنى المحصنات هنا المتزوجات، وأما قوله سبحانه ﴿ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ أي الإماء، ﴿فَعَتِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ ﴾ أي الحرائر. فالحرائر إن زنين فحدهن: إما الجلد، وإما الرجم، والجلد يتنصف، والرجم لا يتنصف ؛ فالإماء إذن حدهن نصف حَدّ ما یتنصّف من عقوبة الحرائر. القاعدة الثالثة : مراجعة كتب شروح السنّة لمعرفة معنى الحديث، وتوجيهه، وأقوال أهل العلم فيه . لقد اعتنى أهل العلم عناية كبيرة بشرح السنّة ، وتوضيح أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلوا في ذلك جهوداً كبيرة، فعلى سبيل المثال: شرْحُ ابن عبد البر لموطأ الإمام مالك - رحمه الله - استغرق مدة زمنية قدرها ثلاثین سنة، وشرح ابن حجر - رحمه الله - لصحيح البخاري استغرق ربع قرن من الزمان، وغيرهم بذلوا جهوداً كبيرة أيضًا في سبيل توضيح معاني أحاديث رسول الله، وحلّ ما قد يُشكِل منها، فهذا شرح السنّة للإمام البغوي، وشرح صحيح مسلم للإمام النووي، وشرح سنن أبي داود لشرف الحق العظيم آبادي، وشرح الترمذي للمباركفوري، وشرح رياض الصالحين لابن عثيمين، وغيرها الكثير مما حفلت به المكتبة الإسلامية. والمراد: أن المسارعة إلى ردّ الحديث الذي تُتَوَهَّمُ معارضته للقرآن الكريم دون مراجعة أقوال أهل العلم في شرحه وبيان معناه؛ استعجال خاطئ يقع فيه الكثير. ٨٠