Indexed OCR Text

Pages 1-20

افي السنّة شك ؟!
١

أفي السنّة شك ؟!
أحمد بن يوسف السيد
٢

دار الوعي للنشر والتوزيع ، ١٤٣٦ هـ
أفي السنة شك ؟
أحمد بن يوسف السید
الرياض ، ١٤٣٦ هـ
جميع الحقوق محفوظة
مركز الفكر المعاصر
الطبعة الثانية
١٤٣٦ هـ
المملكة العربية السعودية - الرياض
ص.ب ٢٤٢١٩٣ الرمز البريدي ١١٣٢٢
markazfekr@hotmail.com
هاتف ٠٠٩٦٦١٤٥٣٩٨٨٣ - فاكس ٠٠٩٦٦١٤٥٣٢١٥٧
٠٠٩٦٦٥٩١١٠٤٤٩٢
٣

((ألا إنبي أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إنبي أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل ينثني
شبعاناً على أريكته، يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه
من حرام فحرموه ))
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٣١/٤)
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم

)
7
L
0

شكر وثناء
من لا يشكر الناس لا يشكر الله ..
شكراً والدي الكريم، المهندس: يوسف حامد السيّد
٦

مقدمة الطبعة الثالثة
الحمد لله، وصلِّ ربَّنا وسلِّم على رسولك الهادي محمد.
أرجو أن يجد القارئ الكريم في هذا الكتاب المختصر ما يحفز العقل لمزيد من القراءة
والمعرفة في هذا المجال، وأن يكون خطوة في سبيل ترسيخ الإيمان بحجيّة السنة النبويّة،
وكونها مصدراً لبناء الأحكام والتصوراتِ والاعتقاداتِ الشرعيّة.
وأودّ أن أبين في مقدمة الطبعة الثالثة تصوراً إجماليا لمرتكزاته وبنيانه.
إنّ هذا البحث يقوم على محورين أساسيّين:
المحور الأول: إقامة البرهان على حجيّة السنّة النبوية في ذاتها، وفي امتدادها التاريخي.
وقد سلكتُ في سبیل إقامة البرهان على ذلك ثلاث طرق:
الأولى: توثيقٌ تاريخي لمراحل العناية بالسنة، وأنها عناية ابتدأت من زمن النبي صلى الله
عليه وسلم، ثم لم تنقطع إلى زمن تدوينها في الكتب الحديثيّة المشهورة، وحتى يومنا هذا.
الثانية: إثبات حجيتها من نصوص الكتاب والسنة والإجماع، مع الحرص على التوثيق،
وعلی بیان وجوه الدلالة، وليس مجرد السرد.
الثالثة: إثبات كفاية علم الحديث وموضوعيته، وأنه ميزان عادل لتقييم الأخبار المنقولة
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صحةً وضعفًا؛ وقد سلكت هذه الطريق الثالثة لوجود من
يقول: إنه لا يَرُدُّ السنّة من حيث هي سنّة، وإنما لأنه لا يثق في طريقة نقلها.
المحور الثاني: الإجابة عن (أصول) الإشكالات المثارة حول حجيتها.
فبعد البناء الذي أُسِّسَ في المحور الأول، تكون الإجابة عن الاعتراضات المثارة حوله في
المحور الثاني.
ونظراً لكونها اعتراضات كثيرة متفرقة، متفاوتة في درجاتها وحججها وشهرتها؛ فإني لم أتتبع
أفرادها في هذا الكتاب المختصر، وإنما نظرت إلى أصولها فناقشتها نقاشاً كلياً منهجياً،
مع التمثيل ببعض أفراد الإشكالات ثم حلّها.
وفي هذه الطبعة زيادات وتنقيحات عن سابقتها،
٧

وأختم المقدمة حامداً الله مثنياً عليه سبحانه، فله الفضل، ومنه العلم، وأسأله القبول.
ثم أشكر مركز الفكر المعاصر على عنايته بطباعة الكتاب أولاً بأول كلما نفدت طبعة منه.
ويُسعدني كثيراً استقبال الملاحظات والنقد للكتاب على البريد.
alsiayd998@gmail.com
أحمد بن يوسف السيد
٢٠/ ٢/ ١٤٣٧ هـ
٨

مقدمة الطبعة الأولى
الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيبًا مباركًا فيه، كما يحب الله تبارك وتعالى
ويرضى، اللهم صلّ وسلّم على نبيّك الهادي البشير، محمّدٍ بن عبد الله صلاة زاكية
موصولة إلى يوم الدين، وابعثه اللهم مقاماً محموداً الذي وعدته ... أما بعد:
ففي وقت مضى كان من السّهل على العالم بالشرع أن يُجيب من يستفتيه في مسألة
شرعية بدليل من القران، أو من السنّة الصحيحة أو يذكُر له اتفاق أهل العلم في المسألة؛
فيطمئن المستفتي لذلك ويقنع.
غير أن الإجابة بهذه الطريقة صارت مَحلَّ اعتراض - عند شريحة من النّاس - في هذه
المرحلة الزمنية التي نعيشها، إذْ لم يعد کافیًا عندهم مُجرّد ذکر آية أو حدیث أو إجماع،
ففي الآية يعترض أحدهم بقوله: على فهم من؟ وفي الحديث يعترض الآخر بأن هذا من
أخبار الآحاد، أو أنه لا يثق بأن المنقول ثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي
الإجماع يقول: هم رجال ونحن رجال !.
فصار من الواجب علی من یرید من الناس قبول الحق الذي عنده، أن یعرضه ببرهانه،
وأن يكون مستعداً للتعامل مع أي سؤال يُطرَح، واستشکال یُثار.
وهذا مما يزيد التحدي، ويبعث روح التأمل والتفكر، ويشجع على البحث والتنقيب في
بطون الكتب، وينشط العقول لمواجهة سيول الأفكار وتساؤلات الجيل.
وإنّ مما يستحق الالتفات والعناية من ذوي التخصصات الشرعية: كثرة الأسئلة في
عُمق القضايا الدينية من غير ذوي الاختصاص؛ كنتيجة طبيعية للضخَ المتواصل عبر
الأجهزة والشبكات في عالم الأفكار -الذي يحمل النافع والضار، والإيمان والكُفر،
والسنّة والبدعة -. ولم يصادف هذا الضخّ ممانعة فكرية، ولا أدوات معرفية جيدة لدى
كثير من المُتُعرِّضين له، فوافق أرضاً خالية تشرّبت ما علاها من الماء، دون تمييزٍ بين
صافيه وكدره، باستثناء طائفةٍ رويت قبل ذلك من ماء الوحي، فلم يجد لها الماء الفاسد
طريقاً.
٩

ومن هنا استعنتُ بالله سبحانه وتعالى في تحرير هذه الأوراق، في قضية كثر فيها الكلام
بعلم وبدون علم، حتى صارت من قضايا الجدل المعاصر بعد أن كانت مُسلّمة عند علماء
المسلمين من لدن أصحاب رسول الله إلى زماننا هذا، ألا وهي قضية: ((حجّية السنة
النبوية)).
ورغم أني سُبِقْتُ في هذا الموضوع بمؤلفات كثيرة لأهل العلم والفضل، إلا أني رجوتُ
أن يشفع لي في تناوله بالكتابة أمور:
أولها: تسارع ضخ الشبهات وكثرة منافذها وأبوابها مما يستدعي تجديد الكتابة في هذا
الباب.
ثانيها: أن كثيراً من الكتب التي ألّفت في هذا الباب فيها طول ، فأردت تحرير مادة
تجمع بين الشمول والاختصار.
ثالثها: أني حرصت على تسهيل لغة الخطاب وتوضيحها؛ ليستفيد منها غير
المتخصّص في العلوم الشرعية.
رابعها: أني حرصت على لغة الإقناع، واهتممتُ بالبراهين، وعلى إبراز روح المحاجّة
والمجادلة بالأدلّة.
خامسها: اهتممت بذكر القواعد المنهجيّة في التعامل مع الإشكالات.
• وسأتناول في هذا الكتاب ما يلي من الموضوعات :
١- مراحل العناية بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
٢- إقامة البرهان على حجية السنّة.
٣- إقامة البرهان على صحة علم الحديث؛ وكونه الميزان المعتبر في تمييز الصحيح
من الضعيف من الأخبار.
٤ - أصول الإشكالات المُثارة على الاحتجاج بالسنّة والإجابة عنها.
٥- قائمة ببعض المَراجع المفيدة في الباب.
· وأطمحُ أن يتحقق لدى الناظر في هذا الكتاب ما يلي:
١٠

أولًا : تصوّر شرعي تاريخيّ عن السنة وتدوينها ومراحل العناية بها.
ثانيًا: معرفة البراهين الدالة على حجية السنّة إجمالاً وتفصيلاً.
ثالثًا : تكوّن تصوّر تفصيلي عن أصول الشبهات المثارة حول السنة، وما يندرج تحتها
من فروع.
رابعًا : معرفة الردود على هذه الشبهات.
خامسًا: اكتساب مهارة جدليّة في مناقشة المشككين في السنّة ومنكريها.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلتُ وإليه أنيب .
أحمد بن يوسف السيد
المدينة النبوية
التاسع من صفر عام ستة وثلاثين وأربعمائة وألف للهجرة
@alsayed_ahmad
١١

تمهيد
جولة تعريفية مختصرة
بالسنة ومكانتها وإثبات المصدرية الإلهية لها.
السنة لغةً: الطريقة، والسيرة. سواءً أكانت حسنة أم سيئة. ومن ذلك ما ثبت عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من سنّ في الإسلام سنَّة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل
بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنَّة سيئة، كان عليه
وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)(١).
وكذلك قولُ خالد بن عتبة الهُذلي:
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها فأول راض سُنّة من يسيرها(٢)
فإن جاءت منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فالمراد: سيرته وطريقته وهديه،
ويشمل ذلك أقواله وأفعاله وتقريراته. ومن ذلك ما جاء في سنن الترمذي -وصححه- عن
العرباض بن سارية رضي الله عنه ،عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((عليكم
بسنتي))(٣).
وقد تُطلَق السنّة في الخطاب الشرعي، ويُراد بها ما يقابل القرآن مما جاء على لسان
النبي صلى الله عليه وسلم؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب
الله تعالى، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة))(٤).
ونجد أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعملون لفظ (السنة) مطلقًا دون
تقييد، ويريدون به طريقة النبي وهديه وقضاءه وحكمه، دون حاجة إلى إضافة السنّة إليه؛
فإذا قال أحدهم (من السنّة كذا) أي: من طريقة النبيّ -صلى الله عليه وسلم - وهدیه کذا.
قال ابن الصلاح رحمه الله: ((وهكذا قول الصحابي: من السنّة كذا. فالأصح أنه مُسنَد
مرفوع؛ لأن الظاهر أنه لا يريد إلا سنّة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما يجب
(١) صحيح مسلم (١٠١٧).
(٢) لسان العرب، لابن منظور (٢٢٥/١٣).
(٣) سنن الترمذي (٢٦٧٦)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٤) صحيح مسلم (٦٧٣).
١٢

اتباعه)»(١). انتهى
ثمَّ قد تكون هذه السنة واجبة، وقد تكون مستحبة.
والسنة في اصطلاح المُحدّثين: هي ما أُثِر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قولٍ
أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلُقية.
والأصوليّون يعتنون بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - من جهة ما يصلح أن يكون
منها دليلاً على الأحكام؛ فقد لا يذكرون الصفة الخلقية والخُلُقيّة في حدّ السنة.
ويعترض البعض بأن لفظ (السنّة) لم يُذكَر في القرآن الكريم مراداً به سنة النبي صلى الله
عليه وسلّم، والجواب عن هذا الاعتراض بأن العبرة بالحقائق والمعاني، ففي القران الأمر
باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف يُمتَثَل هذا الأمر إلا باتباع هديه وسيرته؟ وهل
يراد بالسنة إلا هذا المعنى؟؛ إذ هي مرادفة للسيرة والطريقة والهدي.
كما أنه قد تقدم أن لفظ (السنّة) على هذا المعنى شرعيّ، كما في حديث (عليكم بسنتي)
السابق ذكره.
وأمّا عن منزلتها ومكانتها في التشريع الإسلامي ؛ فقل لي: ما منزلة النبي - صلى الله
عليه وسلم - في الإسلام أُخبرُك عن مكانة السنّة؛ فهل هي إلا قوله أو فعله أو إقراره؟ !.
وأعظم من ذلك؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأت بالسنّة من عنده وإنما من
عند الله تعالى، وما كان من اجتهاد منه في أمر ديني فإنه على عين الله، فإما أن يُقرّه عليه؛ إن
كان صوابًا، وإمّا أن يصحح عمله؛ كما في حادثة أسرى بدر وحادثة استغفاره للمنافقين،
أما أن يُقرّه الله تعالى على أمر لا يرضاه فهذا لا يكون؛ لأنه - سبحانه - أمر في القرآن بطاعة
نبيّه؛ ومعنى ذلك أن طاعتَه طاعةٌ لله، كما قال سبحانه: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾[
النساء : ٨٠] .
ولأني حريص على برهنة ما أطرحه من معلومات في هذا الكتاب؛ فدونك هذه الأمور
التي تُثبت أن السنّة من عند الله سبحانه وتعالى:
(١) علوم الحديث، لابن الصلاح (ص ٥٠).
١٣

أولاً: الأخبار الغيبيّة التي جاءت على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، في أحاديث
كثيرة صحيحة، ومن المعلوم أنه لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه، كما جاء في سورة النمل ﴿قُل لَّا
يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيِّبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [ النمل: ٦٥ ] فما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم -
من أمور الغيب؛ فمن أين جاء به؟ ! .
لا شك أنه مما أظهره الله عليه ﴿ عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا (٦) إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن
رَسُولٍ﴾ [ الجن: ٢٧ - ٢٨].
وقد يقول قائل: إنك هنا تستدل بمحل النزاع!
وهذا غير صحيح؛ فإن الواقع -العلمي - يقول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم
تحدث بأمور غيبية كثيرة، وکون المعترض لا يؤمن بحجيتها فهذا شيء، و کونه لا يعترف
بأنه قالها أصلاً فهذا شيء آخر، ونزاعي هنا مع من لا يعترف بأنه قالها، فإننا نستطيع أن
نثبت من خلال الأخبار الموثقة المتوفرِ فيها أعلى شروط التثبت في النقل، أنه قالها صلى
الله عليه وسلم، وأنها ثابتة عنه غير مخترعة، وغاية ما عند المنازع النفيُّ المُجْمَل غير
المُثْبَت.
فالواقع إذاً یقطع بوجود كلام ثابت النسبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم يتحدث فيه عن
أمور غيبيّة، فمن ينفي ذلك فإنه على الحقيقة إنما ينفي علمه به، وأما من ينازع في حجيته
بعد إثبات صحة نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، فالأولى به أن يراجع إيمانه - إن كان
مؤمنًا -.
إضافة إلى ذلك، وعضداً لما سبق؛ فإن التاريخ قد حفظ لنا وقوع كثير مما أخبر به النبي -
صلى الله عليه وسلم - من الأمور الغيبيّة: كفتح الشّام ومصر، وإنفاق كنوز كسرى وقيصر
في سبيل الله، وما أصاب عثمان رضي الله عنه من بلوى، ونعْي النجاشي في اليوم الذي مات
فيه، وإخباره برسالة حاطب بن أبي بلتعة لقريش، والإخبار عن ظهور الخوارج، وعن
إصلاح الحسن رضي الله عنه بين طائفتين من المسلمين، وإخباره عن علامات الساعة
التي وقع کثیر منها، وغير ذلك.
١٤

وهذا كُلّه ليس اجتهاداً من النبيّ - صلى الله عليه وسلّم - وإنما هو من عند عالم
الغيب والشهادة سبحانه.
ثانيًا: أخبر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بتفصيلات كثيرة متعلقة بالجنة والنار
والبعث والقبر لم تُذكَر في القران؛ فمن أين جاء بها؛ إلا من عند الله سبحانه؟.
وكذلك ما جاء على لسان رسول الله من أحوال الأنبياء، والأمم السابقة، مما لم يُذكَر
في القرآن الكريم، فمِن أين له تفاصيل ذلك؛ إلا من عند الله تعالى؟
والقول في الرد على المنازع في هذا الوجه كالقول في سابقه.
ثالثًا: الأحاديث القُدسيّة، التي كان النبيّ -صلى الله عليه وسلم - ينقلها عن ربّه -
سبحانه - مما ليس في القرآن؛ فهي ظاهرة الدلالة على أن الله يوحي إلى رسوله شيئًا ليس
من نصّ القرآن. وهي من جملة السنّة.
رابعًا: حديث المقدام رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ألا إني
أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجلٌ ينثني شبعانًا
على أريكته، يقول: علیکم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من
حرام فحرّموه))(١).
وهذا الدليل ينفع من لم يتخذ قرار الإنكار (الكُلّي) للسنّة النبويّة.
خامسًا: قول الله تعالى: ﴿ وَأَنزَلَ اَللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴾ [
النساء: ١١٣]. قال إمام المُفسّرين ابن جرير الطبري - رحمه الله تعالى- في تفسير هذه الآية
: ((يعني: وأنزل عليك مع الكتابِ الحكمةَ، وهي بيان ما كان في الكتاب مُجملاً ذِكره، من
حلاله وحرامه، وأمره ونهيه، وأحكامه، ووعْدِه ووعيده))(٢).
ومن المعلوم أن بيان مُجمل الكتاب إنما كان في السنّة النبوية؛ فهذا معنى كلام ابن
جرير.
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (١٧١٧٤).
(٢) تفسير الطبري (٤ / ٢٧٥).
١٥

وقال ابن كثير - رحمه الله- في تفسير هذه الآية :( ثم امتنّ علیه بتأييده إياه في جميع
الأحوال، وعصمته له، وما أنزل عليه من الكتاب، وهو: القرآن، والحكمة، وهي:
السنّة))(١).
سادسًا: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتوجه أولَ الإسلام في صلاته إلى
الشام، مع رغبته في أن تكون قبلته إلى الكعبة، فكان يتطلّع إلى السماء راجيًا تحويلها،
حتى أنزل الله عليه: ﴿قَدْ نَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَنَهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. وموضع الشاهد من القِصّة أن الأمر الأول؛ بالتوجّه إلى
الشام؛ هو من الوحي بلا شك، ولكنه ليس في القرآن !.
مثال آخر: ذِكْرُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لترخيص الله له بالقتال في مكّة ساعة من
النهار. وهذا إخبار من الله له ؛ مع أنه ليس مذكوراً في القرآن.
(١) تفسير ابن كثير (١ / ٨٤١).
١٦

المحور الأول:
بناء الأدلة على حجية السنة

الطريق الأول لبناء حجية السنة:
إثبات العناية التامة بها من فجر الإسلام.
يظنّ بعض من لا علم له بحقيقة السنّة، أنّ العناية بها إنما حصلت في أزمنة متأخرة ؛ أي بعد
قرنٍ أو قرنين من وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وأنّ هذه المدة تضمنت فراغًا
مجهولاً فيما يتعلق بحال السنّة ومكانتها.
وهذا الكلام هو ما نحاول نقضه في هذا الفصل، وإثبات عكسه.
وإذا ثبت ذلك ۔أي العکس- فإنه یکون دليلاً بنائيًّا على حجية السنة من وجهين:
الأول: أن نطمئن إلى أن الأحاديث الموجودة بين أيدينا الآن إنما هي نتيجة عناية متواصلة
بها منذ مهد الإسلام، وبالتالي يزداد اطمئناننا إلى صحة نسبتها إلى النبي صلى الله عليه
وسلم.
الثاني: أننا إذا أثبتنا عناية النبي صلى الله عليه وسلم بسنته، وعناية أصحابه بها، وعناية أئمة
الإسلام بها؛ عرفنا تهافت قول المهونين من شأنها، المتخذينها وراءهم ظهريًّا.
إنّ قضية الاحتجاج بالسنّة ليست مذهبا فقهياً لعالِم من العلماء انفرد به، وليست رأيًا
لأهل الحديث في مقابل موقف مخالف من الفقهاء!، وإنما كما قال ابن عبد البر رحمه الله
تعالى: ((أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار - فيما علمت - على قبول
خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به؛ إذا ثبت، ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع. على
هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من
أهل البدع، شرذمة لا تعد خلافاً)) اهـ (١) ولعلّك تلاحظ أن ذلك في خبر الآحاد؛ فكيف
بالمتواتر؟ !.
ولذلك؛ تجد مِن علماء المسلمين من ينص على أن الأخذ بالسنة ضرورة دينيّة، كما قال
الشوكاني رحمه الله في كتابه الذي ألفه في علم أصول الفقه وهو (إرشاد الفحول): ((إن
ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك
(١) التمهيد، لابن عبد البر (١ /٢).
١٨

إلا من لا حظّ له في الإسلام)»(١) وأما من لم يفهم معنى كلمة (ضرورة دينية) عند العلماء،
ثم يُشكك في السنّة النبوية فليُحسن إلى نفسه بالإمساك عن الخوض في مجال لا يعرف عنه
شیئا .
وأما عن العناية التي أولاها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن بعدهم من
علماء المسلمين للسنة النبوية فسأذكر شيئا منها، مُقسِّمًا إياها على مراحل، مبتدئًا ذلك
بذکر العناية بالسنة في وقت النبي صلی الله عليه وسلم.
المرحلة الأولى: العناية بالسنة في حياة النبي
نبي ◌َله:
وتظهر العناية بالسنة في تلك المرحلة من وجوه :
الوجه الأول : العناية الإلهية بالسنة، وذلك بالنصوص الكثيرة في القرآن الآمرة بطاعة
الرسول - صلى الله عليه وسلم -والمُحذّرة من مخالفته. كقوله سبحانه: ﴿وَمَآ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ
فَخُذُوهُ وَمَانَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانَهُواْ﴾ [الحشر: ٧]، وسَيَمُرُّ بك أيها القارئ الكريم - في هذا الكتاب-
بيان وجوه الدلالة من الآيات القرانية على حجية السنة وذلك عند الحديث عن إقامة
البرهان من القران على حجية السنة. غير أني أكتفي هنا بالإشارة إلى أمر مهم، ألا وهو:
أَخْذُ الصحابة بعموم هذه الآيات؛ لتشمل كل أوامره - صلى الله عليه وسلم - الدينيّة. فلم
يكن أحدهم يمتنع عن طاعته في أمرٍ أو نهي بحجة أنه ليس مذكوراً في القرآن !.
فها هو ينهاهم -مثلاً- عن أكل لحوم الخُمُر الأهلية في خيبر، فيُكفئون القدور وهي
تفور باللحم (٢). مع أنه قد جاء في القرآن ذِكرُ المطعومات المحرمة، وليس فيها لحوم
الحمر الأهلية(٣)، إلا أنه قد كان لأمر النبي صلى الله عليه وسلم في نفوسهم مكانة وعَظَمة
و ثقة.
وهذا ابنُ مسعود رضي الله عنه يقول: لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات
والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله. فبلغ ذلك امرأة من بني أسد، يقال
لها: أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته فقالت: ما حديثٌ بلغني عنك أنك لعنت الواشمات
(١) إرشاد الفحول، للشوكاني (١ / ٩٧).
(٢) يُنظر: صحيح البخاري (٤١٩٩)، صحيح مسلم (١٩٤٠).
(٣) سورة المائدة (٣).
١٩

والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن ، المغيرات خلق الله؟ فقال عبد الله: ومالي
لا ألعن من لعنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في كتاب الله !. فقالت المرأة: لقد
قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته !! فقال: لئن كنت قرأتیه فقد وجدتیه، قال الله عز
وجل: ﴿وَمَآ ءَاتَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانْنَهُواْ﴾ [الحشر: ٧](١).
ووجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة، حيث استدل ابن مسعود رضي الله عنه بعموم
قول الله: ﴿وَمَاتَهَكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ ﴾ على تحريم ما نهى عنه الرسول مما لم يُذكَر في القرآن، بل إن
ابن مسعود ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حيث نسب ما جاء به الرسول إلى كتاب الله وإن
لم يُذكَر فيه نصّاً، اكتفاءً بالآيات القرآنية الآمرة بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
الوجه الثاني: أنَّ النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام كان يدعو إلى اتّباع سنته، ويحذر من
التهاون في ردّها؛ وربما عاقب من يستنكف عن اتباعها. وتأمل معي هذه الروايات
والنصوص الصحيحة :
- قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: ((علیکم بسنتي))(٢). وهذا في حدیث العرباض
بن سارية رضي الله عنه، أخرجه الترمذي وغيره.
- وأخرج أبو داود وابن ماجه وغيرهما من حديث أبي رافع -رضي الله عنه- أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر
من أمري؛ مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله
اتبعناه»(٣). وهو حديث صحيح.
- وثبت عنه صلى الله عليه وسلم - كما في جامع الترمذي - أنه قال: ((نَضر الله امرأً سمع منا
شيئًا فبلَّغە کما سمع، فربّ مُبلِّغ أوعی من سامع))(٤).
- ولك أن تتأمّل في هذه اللفتة التربوية من النبيّ -صلى الله عليه وسلم- في تشجيع
أبي هريرة رضي الله عنه على حرصه على الحديث، حيث سأل أبو هريرة النبيَّ
(١) صحيح البخاري (٤٨٨٦)، صحيح مسلم (٢١٢٥).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سنن أبي داود (٤٦٠٥)، سنن ابن ماجه (١٣).
(٤) سنن الترمذي (٢٦٥٧)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
٢٠