Indexed OCR Text

Pages 221-240

1
.ليـ
ثم ينصرف ولا يقف، يقول: السلام عليك يارسول الله ، السلام عليك يا أبا بكم
السلام عليك ياأبت ، ثم ينصرف . ولم يكن جمهور الصحابة يفعلون كما فعل ابن
عمر ، بل كان الخلفاء وغيرهم يسافرون للحج وغيره ، ويرجعون ، ولا يفعلون ذلك،
إذ لم يكن هذا عندهم سنة سنها لهم. وكذلك أزواجه كن على عهد الخلفاء وبعدهم
يسافرن إلى الحج ، ثم ترجع كل واحدة إلى بيتها كما وصامن بذلك . وكانت
أمداد اليمن الذين قال الله تعالى فيهم: ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) على
عهد أبي بكر وعمر يأتون أفواجاً من اليمن للجهاد في سبيل الله، ويصفون خلف
أبي بكر وعمر في مسجده، ولا يدخل أحد منهم الى داخل الحجرة، ولا يقف
في المسجد خارجاً منها، لالدعاء ولا لصلاة ولالسلام ولا لغير ذلك، وكانواعالمين
بسنته كما علمتهم الصحابة والتابعون)).
كذا في كتابه ((الجواب الباهر في زوار المقابر)) (ص ٦٠ - الطبعة السلفية).
الثاني : قوله في رده على الأخنائي ( ص ٤٥ ) :
((وأما ما يظن أنه زيارة قبره صي الله مثل الوقوف خارج الحجرة للسلام
والدعاء فهذا لا يستحب لأهل المدينة، بل ينهون عنه ، لأن السابقين الأولين من
المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان - الخلفاء الراشدين وغيرهم - كانوا
يدخلون الى مسجده للصلاة الخمس وغير ذلك ، والقبر عند جدار المسجد، ولم
يكونوا يذهبون آليه ، ولا يقفون عنده، وقد ذكر هذا مالك وغيره من العلماء
ذكروا أنه لا يستحب بل يكره للمقيمين بالمدينة الوقوف عند القبر السلام أو غيره
لأن السلف من الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك اذا دخلوا المسجد للصاوات
الخمس وغيرها على عهد الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله
عنهم ، فأنهم كانوا يصلون بالناس في المسجد ، وكان الناس يقدمون من الأمصار
يصلون معهم. ومعلوم أنه لو كان مستحباً لهم أن يقفوا حذاء القبر ويسلموا أو
يدعوا أو يفعلوا غير ذلك لفعلوا ذلك، ولو فعلوه لكثر وظهر واشتهر. لكن
مالك وغيره خصوا من ذلك عند السفر لما نقل عن ابن عمر ، قال القاضي عياض :-
٩٣

قال مالك: ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي
صَّ له فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر. قيل له: فإن ناساً من أهل
المدينة لا يقدمون من سفر ، ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر ،
وربما وقفوا في الجمعة وفي الأيام المرة أو المرتين أو أكثر من ذلك عند القبر
يسلمون وبدعون ساعة ؟ فقال : لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا ، وتركه واسع
ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها
أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده)).
٢ - قال النووي ((في كتابه) مناسك الحج)) (٢/٦٩ - مخطوط):
((كره مالك رحمه الله لأهل المدينة كلما دخل أحدهم وخرج الوقوف على
القبر . قال وإنما ذلك للغرباء . قال : ولا بأس لمن قدم من سفر وخرج إلى سفر
أن يقف عند قبر النبي صَّ لل فيصلي عليه، ويدعو له ولأبي بكر وعمر رضي
الله عنهما . قال الباجي : فرق مالك بين أهل المدينة والغرباء لأن الغرباء قصدوا
ذلك، وأهل المدينة مقيمون بهــا، وقد قال صَ لّه اللهم لا تجعل قبري
وثناً يعبد ».
قلت : وهذه الأقوال من الإمام النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية، صريحة
فى إبطال الإجماع الذي نقله البوطي ، بل هي ناطقة بعدم مشروعية ماذكره،
وأنه كذب على العلماء عامة، وابن تيمية خاصة فيما عزاه إليهم من الرواية .
فماذا يقول المنصف المتجرد في مثل هذا الانسان الذي لا يبالى بما يخرج من
فيه. فإلى الله المشتكى.
ثم قال الدكتور: ((الوجه الثالث: ماثبت من زيارة كثير من الصحابة قبره
حَ لّه منهم بلال رضي الله عنه رواه ابن عساكر بإسناد جيد)).
قلت فيه أمور :
أولاً : أنه أبهم على القراء نص رواية ابن عساكر واكتفى بالإشارة إليها ،
٩٤

-
-------
لأنه لو ساقها بتمامها لتبين للناس بطلانها، ولو لم يقفوا على ضعف إسنادها،
فكان لابد لي من أن أسوق الرواية ليتيقن القراء الكرام معنا أن الدكتور
لا يجري فيما يكتب على منهج علمي محقق ، وانما هو الهوى والغرض وعلى القاعدة
المزعومة ((الغاية تبرر الوسيلة))! فروى الحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
في ترجمة إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء الأنصاري
(ج ٢ ق ١/٢٥٤) بإسناده عنه قال : حدثني أبي محمد بن سليمان عن أبيه سليمان
ابن بلال عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال ( فذكر قصة قدوم بلال إلى الشام
في عهد عمر ثم قال ) :
(( ثم إن بلالاً رأى في منامه النبي صَ لّه وهو يقول له، ماهذه الجفوة يا
بلال ! أما آن لك أن تزورني يابلال ؟ فانتبه حزينا وجلا خائفاً ، فر كب راحلته
وقصد المدينة، فأتي قبر النبي صلّى الله فجعل يبكي عنده وبمرغ وجهه عليه،
وأقبل الحسن والحسين ، فجعل يضمها ويقبلها ، فقالا له : يابلال تشتهي نسمع
أذانك الذي كنت تؤذنه لرسول الله صَ لّه في السحر، ففعل، فعلا سطح
المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال: ((الله أكبر)) عجت المدينة،
فلما أن قال: ((أشهد أن لا إله إلا الله)) زاد عجيجها، فلما أن قال: ((أشهد أن محمداً
رسول اللّه)، عَّ له خرج العوائق من خدورهن، فقالوا: ((أبعث رسول الله صلى
الله عليه وسلم؟ فما رؤي يوم أكثر باكياً ولا باكية بعد رسول الله صَ لّه من
ذلك اليوم» .
قلت : فهذه الرواية باطلة موضوعة، ولوائح الوضع عليها ظاهرة من وجوه
عديدة أذكر أهمها :
٠
١ - قوله: ((فأتى قبر النبي وَي فجعل يبكي عنده)) فإنه يصور لنا أن
قبره في كان ظاهراً كسائر القبور التي في المقابر يمكن لكل أحد أن يأتيه !
وهذا باطل بداهة عند كل من يعرف تاريخ دفن النبي ء في حجرة عائشة رضي
٩٥

الله عنها وبيتها الذي لا يجوز لأحد أن يدخله الا بإذن منها، كذلك كان الأمر في
عهد عمر رضي الله عنه ، فقد ثبت أنه لما طعن رضي الله عنه أمر ابنه عبد الله أن
يذهب الى عائشة ويقول لها: إن عمر يقول لك إن كان لا يضرك ولا يضيق عليك
فإني أحب أن أدفن مع صاحبي . فقالت : ان ذلك لا يضرني ولا يضيق علي . قال:
فادفنوني معهما. أخرجه الحاكم (٩٣/٣).
ثم أخرج (٧/٤) باسناده الصحيح عنها قالت ((كنت أدخل البيت الذي دفن
معها عمر والله مادخلت إلا وأنا مشدود علي ثيابي حياء من عمر رضي
الله عنه )).
ولقد استمر القبر الشريف في بيت عائشة إلى ما بعد وفاتها، بل إلى آخر قرن ثم
الصحابة رضي الله عنهم ثم أدخلوا البيت وضموه إلى المسجدلتوسعته، فصار بذلك في المسجد على
النحو المشاهد اليوم، فيظن من لا علم عنده بحقيقة الأمر أن النبي صلّى الله لمامات دفنه الصحابة
في المسجد-وحاماهم من ذلك وإنما فنوه في البيت ثم حدث بعد ذلك ماذكرنا، خلافاً لما
يظنه كثير من الجهال ومنهم واضع هذه القصة، الذي أعطى صورة للقبر مخالفة للواقع يومئذ
والصحابة رضي الله عنهم كما شرحه شيخ الاالإسلام وغيره من المحققين، وذكرت
طرفاً منه في كتابي (تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد))، فليراجعه
من يشاء .
٢ - قوله: ((ويمرغ وجهه عليه)). قلت: وهذا دليل آخر على وضع هذه القصة
وجهل واضعها ، فانه يصور لنا أن بلالاً رضي الله عنه من أولئك الجهلة الذين
لا يقفون عند حدود الشرع إذا رأوا القبور ، فيفعلون عندها ما لا يجوز من
الشركيات والوثنيات ، كتلمس القبر والتمسح به وتقبيله ، وغير ذلك مما هو
مذكور في محله ، وإن كان يجيز ذلك بعض المتفقهة ، الذين لاعلم عندهم بالكتاب
والسنة ينير بصائرهم وقلوبهم من يسايرون العامة على أهوائهم، ويبررون لهم كثيراً
من ضلالاتهم .
ولقد أعجبني حقاً أن لا يكون الدكتور البوطي منهم في هذه المرة ، فقد
٩٦

رأيته يقول في آداب زيارة قبره صَّ ◌َلَّهِ (ص ٥٢٣) :.
(( فإياك أن تهجم عليه، أو تلتصق بالشبابيك، أو تتمسح بها كما يفعل كثير
من الجهال ، فتلك بدعة توشك أن تكون محرمة )).
أ.
فهذا القول من الدكتور على مافيه من التردد في حكم ماذكر ممايدل على أنه لم
يفقه بعد قوله ◌ِيّ اله: ((كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار)) يدل دلالة واضحة على
أنه لا يمكن أن يعتقد أن بلالاً مرغ وجهه على قبر النبي صَّ اله، وهو الحق، وحينئذ.
فكيف يحتج الدكتور برواية ابن عساكر هذه وفيها هدا المنكر باعترافه !!
الحق أن الدكتور لا يريد التحقيق ، ولو أراده لما أمكنه ! لانه لا يملك الوسائل
التي تمكنه من ذلك ، فهو يأخذ من الروابة الواحدة ما يشتهي ويحتج به، ويعرض
عما لا يشتهي بل وينكره !! وإلا فماذا يقول الدكتور لمن قد يحتج عليه من المبتدعة
والمتفقهة برواية ابن عساكر هذه على جواز التمرغ بالقبر الشريف، وهو نفسه.
قد احتج بها وقواها !!
٣ - قوله: ((خرج العوائق من خدورهن ... )) الخ كلام شعري خيالي.
ظاهر الوضع، وإلا فما علاقة خروجهن بسماعهن الشهادة الأخرى وقولهن «أبعث
رسول اللّه عَتك٣))! من أجل ذلك جزم الحافظ ابن حجر بأن هذه القصة.
موضوعة كما يأتي .
ثانياً: قول اليوطي: ((رواه ابن عساكر بإسناد جيد)).
فأقول : فيه مؤاخذتان :
الأولى: أن هذا التجويد ليس من علم الدكتور واجتهاده ، لأنه لا علم عنده
مطلقا يؤهله لاصدار مثل هذا الحكم، كما عرف القراء من المقالات السابقة ، وأن
كان هذا الحكم خطأ في ذاته كما يأتي، فكان من الواجب عليه أن يعزوه إلى
من نقله عنه، لكي لا يتشبع بما ليس له لقوله متخالية، ((المتشبع بما لم يعط
كلابس ثوبي زور ) متفق عليه .
٩٧
٢ - ٧
i
٠
:
- -

الثانية أن القول المذكور إنما هو للشيخ السبكي الشافعي قاله في كتابه
(((شفاء السقام في زيارة خير الأنام)) وقد رده عليه الحافظ المحقق محمد بن عبد
الهادي الحنبلى في كتابه العظيم: ((الصارم المنكي في الرد على السبكي))
(ص ٢١٠ - ٢١٥) وأطال النفس فيه بما حاصله أن إسناده لا يصلح الاعتماد
عليه ولا يرجع عند التنازع اليه عند أحد من أئمة هذا الشأن . وسأبين علته قريباً
إن شاء الله تعالى، فهل الدكتور على علم بهذا ومع ذلك آثر عليه قول السبكي
لالشيء إلا لأنه شافعي المذهب مثله، أم انه لم يعلم به مطلقاً ? الأمر كما قبل
فان كنت لا تدري
الثالثة : أن إسناد القصة أبعد ما يكون عن الجودة ، فانه عند ابن عساكر
كما سبق - من رواية إبراهيم بن محمد بن سليمان عن أبيه سليمان بن بلال ...
وهذا إسناد مظلم فيه مجهولان :
الأول : سليمان بن بلال ، قال الحافظ ابن عبد الهادي: ((غير معروف ،
بل هو مجهول الحال ( كذا الاصل ) قليل الرواية ، لم يشتهر بحمل العام ونقله ،
ولم يوثقه أحد من الأئمة فيما علمنا، ولم يذكر البخاري ترجمته في كتابه ، وكذلك
ابن أبي حاتم ، ولا يعرف له سماع من أم الدرداء)).
قلت فهو مجهول العين، وما في الأصل (( مجهول الحال)) لعله خطأ مطبعي،
أو سبق قلم من المؤلف رحمه الله تعالى. وتبعاً للبخاري وابن أبي حاتم لم يذكره
الذهبي في ((الميزان)) ولا الحافظ في ((اللسان)).
والآخر : إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال ، قال الحافظ ابن عبد الهادي
((شيخ لم يعرف بثقة وأمانة ولا ضبط وعدالة، بل هو مجهول غير معروف
بالنقل ، ولا مشهور بالرواية ، ولم يرو عنه غير محمد بن الفيض ، روى عنه
هذا الأثر المنكر ).
وأورده الذهبي في ((الضعفاء)) وقال: ((لا يعرف)) وقال في ((الميزان))
(((فيه جهاله، حدث عنه محمد بن الفيض الغساني)).
٩٨
:
--

2
:.
!E
وأقره الحافظ ابن حجر في ((اللسان)، وزاد عليه ، فقال :
((ترجمه ابن عساكر أم ساق من روايته عن أبيه عن جده عن الم الدرداء
عن أبي الدرداء في قصة رحيل بلال إلى الشام، وفي قصة مجيئه الى المدينة وأذا نه
بها وارتجاج المدينة بالبكاء لأجل ذلك ، وهي قصة بينة الوضع)).
قلت : وقد أشار الى ضعف هذه القصة كل من الحافظين المزي ، وابن كثير.
أما الأول ففي ترجمة بلال في كتابه ((تهذيب الكمال، والآخر في ترجمته من
كتابه (البداية)) (١٠٢/٢)، فرؤلاء خمسة من الحفاظ المشهورين - وكلهم
شافعية من حظ البوطي ! - الا ابن عبد الهادي جزموا بعدم صحتها مابين
مصرح بالوضع ومضعف ، يقابلهم السبكي وحده الذي جود إسنادها ، والنقد
العلمي يقطع بوهمه ؛ إن لم يقل باتباعه لهواه ، ومع هذا. قلده فضيلة الدكتور
دون أولئك ! ماذا يقول كل متجرد عن الهوى منصف في هذا الدكتور الذي
يؤلف في السيرة، ويقرر أحكاماً شرعية ، وهو لا يحسن الاتباع ولا التقليد !!
فاللهم هد ك .
(تنبهان ) :
الأول : محمد بن سليمان بن بلال ترجمه الحافظ ابن عبد الهادي (ص ٢٢٤)
بما يؤخذ منه أنه مجهول الحال ، لكني وجدت ابن أبي حاتم روى في «الجرح
والتعديل )) (٢٦٧/٢/٣) عن أبيه أنه قال فيه: (( ما يحديثه بأس)). وبذلك
تجنبت إعلال القصة به أيضا .
والآخر: أورد البوطي رواية ابن عساكر السابقة عن بلال محتجا بها على
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في مخالفته - بزعم البوطي - الاجماع القائل
بمشروعية زيارة قبره عليه الصلاة والسلام ، وهي قرية على شيخ الاسلام ابن
تيمية رحمه الله تعالى حمل رايتها الشيخ الأخنائي والسبكي وغيرهما قديما ،
وزيني دحلان وأمثاله في محاربته لمجدد دعوة التوحيد محمد بن عبد الوهاب رحمة الله
عليه ومن تبعهم عليها من المتقدمين والمتأخرين، ومنهم البوطي المسكين ،
فقال ( ص ٥٢٠) :
٩٩
!
٢

((( واعلم أن زيارة مسجده وقبره صَ لّع من أعظم القربات إلى الله عز وجل
أجمع على ذلك جماهير المسلمين في كل عصر إلى يومنا هذا لم يخالف في ذلك
إلا ابن تيمية غفر الله له. فقد ذهب إلى أن زيارة قبره صَّ الّ غير مشروعة)).
ثم استدل على الاجماع المذكوربوجوه أربعة منها رواية ابن عساكر ، ثم قال :
(« فاعلم أنه لا وجه لما انفرد به ابن تيمية رحمه الله من دفعه هذه الأوجه في.
غير ما دافع، والقول بأن زيارة قبره صَ لّه غير مشروع)).
قلت : وهذا كذب وافتراء عظيم من هذا الدعي على شيخ الاسلام رحمه
الله تعالى ، فكتبه وفتاويه طافحة مصرحة بمشروعية زيارة قبور المسلمين عامة،
وزيارة قبره عليه الصلاة والسلام خاصة ، كما يعلم ذلك كل من اطلع على شيء من
كتب الشيخ ودرسها، ومن ذلك كتابه ((الرد على الاخنائي))، وهو من
المعاصرين للشيخ الذين ردوا عليه بظلم مقروناً بالافتراء عليه، ومن ذلك هذه
التهمة التي تلقفها البوطي عنه أو عن أمثاله من المفترين الكذابين ، دون أن
يرجع إلى بعض كتب الشيخ ليتبين حقيقة الأمر ، فقد قال الشيخ رحمه الله في
أول ((الرد على الاخناني ، بعد أن ذكر فريته المذكورة عليه:
((والمجيب ( يعني نفسه) قد عرفت كتبه، وفتاويه مشحونه باستحباب زيارة
القبور ، وفي جميع مناسكه يذكر استحباب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء
أحد، ويذكر زيارة قبر النبي بس ده إذا دخل مسجده والأدب في ذلك)).
وقال في أول كتابه (( الجواب الباهر في زوار المقابر)) ( ص ١٤) :
((قد ذكرت فيما كتبت من المناسك أن السفر إلى مسجده وزيارة قبره كما
يذكره أئمة المسلمين في مناسك الحج عمل صالح مستحب، وذكرت السنة في
ذلك، وكيف يسلم عليه، فهل يستقبل الحجرة أم القبلة على قولين ... ))
وقد شرح هذا ابن عبد الهادي في رده على السبكي ، فليراجعه من ثاء
الزيادة ، فماذا يقول القائل في الدكتور البوطي وفريته هذه ! هل لم يطلع على
١٠٠

٦
1
هذه المصادر التي تحول بينه وبينها ؟ أم أنه اطلع عليها وعلم أن شيخ الاسلام
بريء منها، ثم أصر على اتهامه بها لما في قلبه من الغل والحقد على شيخ الإسلام ابن تيمية
بصورة خاصة والسلفيين بصورة عامة غير مبال بمثل قوله تعالى : ( إن الذين جاؤا
بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم، لكل امرىء منهم
ما اكتسب من الإثم)، وقوله عز وجل ( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات
بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا).
وسواء كان هذا أم ذاك ، فالله سبحانه هو حسيب البوطي وأمثاله ، ونحن
إنما علينا أن ندافع عن الذين آمنوا ونبرىء ساحتهم مما اتهموا به من الأكاذيب
والأباطيل التي يكون الدافع عليها تارة الجهل وأخرى الظلم ، وقد يجتمعان !
ومن النوع الأول قوله (( لم يخالف في ذلك إلا ابن تيمية)). فإن من
الواضح أن اسم الاشارة (ذلك) يرجع إلى كل من زيارة مسجده عد ◌ّ له وزيارة قبره
وهذه فرية جديدة تفرد بها البوطي دون أسلافه المشار اليهم ، فان زيارة مسجده
وَّ له ما يقول شيخ الاسلام بمشروعيته أيضاً، بل إنه يقول بمشروعية السفر
اليه خاصة كما سبق دون السفر لزيارة قبره صّ لله خاصة وظاهر كلام البوطي أنه
لا يفرق بين الزيارتين ، كأسلافه السابقين، ومن الدليل على ذلك قوله عقب
ما سبق نقله عنه آنفاً :
(((وجملة ما اعتمده ابن تيمية في ذلك قول رسول الله في: لا تشد الرحال
إلا إلى ثلاثة مساجد ... )) وهذا إنما استدل به ابن تيمية لإثبات مشروعية
السفر إلى المسجد دون القبر ، فيرد البوطي استدلاله بأن الحديث كتابة عن أن
أولى الاماكن بالاهتمام للتوجه اليها من مسافات بعيدة، هذه المساجد الثلاثة
بدليل أن النبي صَّ ◌ّه كان يخص أماكن أخرى غير هذه المساجد بالزيارة (!)
مثل زيارته عليه الصلاة والسلام مسجد قباء كل أسبوع .
فتأمل كيف يخلط بين الزبارة بفر، وهو المنفى في الحديث الاول ، وبين
الزيارة بدون سفر، وهو المثبت في حديث قيا فلا تعارض بينهما، كمهو ظاهر، وهو ماذهب
١٠١

----
اليه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لأنه يقول بمشروعية زيارة مسجد قباء وزيارة
قبور البقيع والشهداء وغيرها من القبور، ولكنه لا يجيز السفر اليها كما يدل
عليه الحديث الأول ، فهو قائل بالحديثين، بينما البوطي - هداه الله - ليس عنده
من العلم ما يوفق بينها لو كانا متعارضين - إلا بتعطيل دلالة الأول منها بأنه
كتابة !وهذا خلاف ما فهمه السلف من الصحابة وغيرهم ، فقد ثبت عن ابن عمر
رضي الله عنهما أنه نهى رجلا أراد الذهاب إلى الطور فقال له: (دع عنك الطورفلا
تأته)) واحتج عليه بحديث النهي عن شد الرحال، وثبت نحوه عن غير واحد من الصحابة
كا تراه مبسوطً في كتابي ((أحكام الجنائز)) (ص ٢٢٤ - ٢٣١) فلو كان
الحديث يعنى ما ذهب اليه البوطي ما استقام نهي ابن عمر عن الذهاب إلى الطور
ترى آلبوطي أصاب أم ابن عمر ! ! فاللهم هداك.
وليس غرضي الآن مناقشة البوطي في كل ما جاء في هذه المسألة من تخاليط
لأن لهذا مجالاً آخر وهو الذي سبقت الاشارة اليه في بيان الأخطاء الفقهية - وما
أكثرها - وإنما هو التنبيه فقط على افترائه على شيخ الإسلام ابن تيمية وتحذير
القراء من أن يغتروا بمثله، والله تعالى المسؤول أن يسدد خطانا ، ويخلص نوايانا
ويوفقنا للعمل الصالح الموافق للكتاب والسنة .
١٥ - ثم قال الدكتور في حاشية (ص ٥٢١):
((هنالك أيضاً طائفة من الأحاديث الواردة عنه عَ ل في فضل زيارة قبره
لا يخلو معظمها من ضعيف أو لين، وهي وإن كانت ترتقي في مجموعها إلى درجة
القوة ، فقد آثرنا أن لا نسوقها مع هذه الدلائل التي ذكرناها حتى لا يتعلق
المخالفون بما قد يطيب لهم التعلق به من لين أو ضعف فيها ، فيجدوا بذلك منفذاً
للانتصار لرأي ابن تيمية على ما فيه من شذوذ » !
أقول : لقد ذكرني هذا بالمثل المشهور : أحمق من نعامة !
١٠٢

٠
ذلك لأنها إذا رأت الصياد أدخلت رأسها في الرمل لكي لا يراها الصياد لحماقتها
وهكذا صنع الدكتور ، فانه بإيثاره أن لا يسوق تلك الأحاديث ، توهم أن
ينجو من النقد والكشف عن الخطأ، وما هو بناجٍ ، فالاحاديث المشار اليها
معروفة الضعف والفكارة سواء ساقها أم لم يقها .
ولو أنه أراد النجاة حقاً لاستغنى عن هذه الحاشية ولما سود بها كتابه!
ولم يفتح باب الانتقاد عليه ولكن يأبى الله تعالى إلا أن يتم نوره، ويظهر للناس
الحقيقة الجلية وما ينبغي الاضطلاع بهذا العلم الشريف ، حتى لا يغتروا
بالمؤلف وبكتابه مرة أخرى ، فضلوا سواء السبيل . ويبدو أن
الذي اضطره إلى هذا القول إنما هو شعوره بجهله وعجزه عن إثبات ما زعمه من
القوة ، فلم يعد إلا الدعوى التي لا يعجز عنها أي جاهل، ولم يكتف بها حتى لجأ
إلى تبريرها بما يضحك الشكلى وليس هذا فقط ، بل إنه أعرض عن أقوال الأئمة
الصريحة في تضعيف جميع طرق الأحاديث المشار اليها ، وفيهم جماعة من كبار
أئمة الشافعية الذين يتعصب لهم الدكتور عادة، كالامام النووي والحافظ ابن حجر
العسقلاني فضلا عن غيرهم من الحفاظ المحققين كماسأينه باذن الله تعالى، مفصلا
ما في قوله هذا من الجهل والتجاهل والافتراء والتقليد الأعمى واتباع الهوى .
١ - لقد قلد في دعواه ارتفاع حديث فضل زيارة قبره من اله إلى درجة
القوة بعض الفقهاء المتقدمين المقلدين الذين لا علم عندهم بهذا العلم الشريف مثل
الأخذائي والسبكي وغيرها من المتأخرين ، وهو يعلم أن الذين ردوا عليهم من
أهل المعرفة بهذا العلم قد ينوا بطلان الدعوى المذكورة بما لا يدع شبهة،
فهذا هو الاخنائي يقول :
(( ورد في زيارة قبره أحاديث صحيحة وغيرها ما لم يبلغ درجة الصحيح،
لكنها يجوز الاستدلال بها على الأحكام الشرعية ويحصل بها الترجيح».
فرد ذلك عليه شيخ الإسلام ابن تيمية بوجوه بهمنا منها بعضها فقال
رحمه الله ( ص ٨٧ ) وكأنه يرد على البوطي لتشابه ما بينه وبين الأخنائي !
١٠٣
٠
٠

،
( الثالث) أنه قول لم يذكر عليه دليلا، فإذا قيل له : لا نسلم أنه ورد
في ذلك حديث صحيح احتاج إلى الجواب. وهو لم يذكر شيئاً من تلك الأحاديث
فبقي ماذكره دعوى مجردة تقابل بالمنع ..
( الوجه الرابع) أن نقول: هذا قول باطل لم يقله أحد من علماء المسلمين
العارفين بالصحيح، وليس في الأحاديث التي رويت بلفظ : زيارة قبره حديث
صحيح عند أهل المعرفة ، ولم يخرج أرباب الصحيح شيئاً من ذلك ، ولا أرباب
السنن المعتمدة، كسنن أبي داود والنسائي والترمذي ونحوهم، ولا أهل المسافيد
التي من أهل هذا الجنس كمسند أحمد وغيره ، ولا في موطأ مالك، ولا مسند
الشافعي ونحو ذلك. ولا احتج إمام من أئمة المسلمين كأبي حنيفة ومالك والشافعي
وأحمد وغيرهم بحديث فيه ذكر زيارة قبره ، فكيف يكون في ذلك أحاديث
-صحيحة ولم يعرفها أحد من أئمة الدين ولا علماء الحديث؟ ومن أين لهذا وأمثاله
أن تلك الأحاديث صحيحة وهو لا يعرف هذا الشأن ؟
( الوجه الخامس ) قوله: وغيرها بما لم يبلغ درجة الصحيح ... فنقول له
لا نسلم أنه ورد من ذلك ما يجوز الاستدلال به ، وهو لم يذكر إلا دعوى
مجردة )، فتقابل بالمنع .
(الوجه السادس) أن يقال: ليس في هذا الباب ما يجوز الاستدلال به ،
بل كلها ضعيفة باء موضوعة ، كما بسط في مواضع، وذكرت هذه الأحاديث ،
وذكرت كلام الأثمة عليها حديثاً حديثاً، بل ولا أعرف عن أحد من الصحابة
أنه تكلم بلفظ زيارة قبره صّ له البتة، فلم يكن هذا اللفظ معروفاً عندهم،
ولهذا كره مالك التكلم به (١) بخلاف لفظ ((زيارة، مطلقاً، فإن هذا اللفظ
معروف عن النبي صَّخليل وعن أصحابه ... ))
(١) قلت: وقد يستنكر الدكتور البوطي وأمثاله من ذوي الأهواء
ثبوت هذا عن مالك، فماذا يفعل وهو في «المدونة» (٢ / ١٣٢)؟
١٠٤

#
أقول: فما الذي صرف الدكتور البوطي عن الاعتماد على هذا الكلام الشيخ
الاسلام وهو أعلم من السبكي وغيره من يقلده البوطي بما لا يصح المفاضلة بينهما
كما يقول مالك بكراهة التكلم بزيارة قبره ◌ّ الله فضلا عن غيره من أئمة الحديث
كما يأتي - لولا الهوى وخوف أن يقال فيه ((وهابي))! أم أن الدكتور لضيق
عطنه وقلة إطلاعه ، لا علم عنده بوجهة نظر ابن تيمية هذه، وأقوال الموافقين له
من العلماء ، وهذا مما استبعده، وسواء كان هذا وذاك فأحلاهما مر !
وكذلك ما الذي منعه من الانتفاع بنقد الحافظ محمد بن عبد الهادي للشيخ
السبكي في كتابه ((الصارم المنكي في الرد على السبكي)). وقد تتبع فيه
أحاديث السبكي في الزيارة حديثاً حديثاً وبين عملها ، وأقوال أئمة الحديث فيها
من ( ص ١٠ - ١٧١ ) وفصل القول فيها تفصيلا لا يدع أي ٠ك في قلب
أحد من المنصفين بضعفها ، وعدم ثبوت شيء منها إطلاقاً ، وأنه ليس فيها
ما يقوي بعضه بعضاً لشدة ضعفها واضطراب أسانيدها، وتضارب ألفاظها ، ولذلك
فاني أرى لزاماً علي ان أوجز الكلام عليها هنا بمقدار مايكشف عن عملها، وتقوم
الحجة به على البوطي وأمثاله من المقلدين والمغترين بها (ليحيى من حي عن بينة)
محيلا لمن شاء التفصيل إلى كتاب الحافظ ابن عبد الهادي فانه جمع فأوعى ، وكتاب
التلخيص لابن حجر ج٢٦٦/٢ و ٢٦٧ وإلى كتابي ((سلسلة الأحاديث الضعيفة
والموضوعة)) فقد كنت بسطت الكلام فيه على بعضها رقم (٢٥و ١٧و ٢٠٤)
الحديث الأول عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ :
(((من زارقبري وجبت لهشفاءتي)) وله عنه طرق)):
الأولى من رواية موسى بن هلال العبدي وهو مجهول ، وقد اضطرب في
إسناده فقال مرة: عن عبد الله بن عمر، وقال مرة: عن عبيد الله بن عمر عن نافع
عنه . قال البيهقي :
٠
H.
١٠٥

((وسواء قال عبيد الله، أو عبد الله فهو منكر عن نافع عن ابن ممر لم يأت
به غيره )) وقال فيه العقيلي :
((لا يصح حديثه ولا يتابع غليه)). ثم ساقه باسناده وقال عقبه:
((( ولرواية في هذا الباب فيها لين)). وفي نقل الحافظ ابن حجر عنه
أنه قال :
(( ولا يصح في هذا الباب شىء. والمعنى واحد، وهو أن طرقه كلها ضعيفة،
وذلك ما صرح به الحافظ في آخر كلامه على الحديث .
وعبد الله المصغّر - ثقة، بخلاف اخيه عبد الله - المكبَّر - فانه
ضعيف. ورجح ابن عدي أنه هو صاحب هذا الحديث، ووافقه الامام ابن خزيمة.
وصرح بأن الثقة لا يروي هذا الخبر المنكر كما قال الحافظ ابن حجر، ولذا قال النووي:
(( إسناده ضعيف جداً)).
الثانية: من رواية عبد الله بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن
أبيه عن ابن عمر .
وعبد الله بن إبراهيم وهو ابن أبي عمرو الغفاري متهم بالكذب والوضع.
ونحوه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، فانه ضعيف جداً ، وهو راوي حديث توسل
آدم عليه السلام بنبينا صلى الله عليه وسلم وهو موضوع كما بينته في ((الأحاديث
الضعيفة)) رقم (٢٥) وقد قال النووي في هذه الطريق أيضاً:
((( إسناده ضعيف جداً)).
الثالثة: من رواية مسلمة بن سام الجهني عن عبيد الله بن معمر عن نافع عن سالم
عنه بلفظ: ((من جاءني ز ثراً لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان حقاً علي أن أكون له
شفيعاً يوم القيامة)).
ومسلمة هذا مجهول ، ويقال فيه مسلم بن سالم الجهني، قال أبو داود : ليس
بثقة. وقد اضطرب في إسناده فرواه مرة هكذا. وقال مرة: عن عبد الله بن
عمر عن نافع. وهذا هو الأشبه أنه من روايته عن عبد الله بن عمر العمري المكبر
المضعف ، فيكون الجهني هذا متابعاً لموسى بن هلال الذي في الطريق الأولى ،
١٠٦

1
إلا أن متابعته له مما لا يفرح بها العلماء ، لأنه غير ثقة كما عرفت ، ولو نفعت لم
يتقوى الحديث بها لأن فوقها عبد الله بن عمر الضعيف، على أنه ليس فيه زيارة
القبر الشريف ! فيمكن حمله على زيارته في حياته ، وهذا مما لاشك في شرعيته .
فتنبه ولا تكن من أهل الأهواء الغافلين !
ثم إن المحفوظ في هذا المعنى ما رواه أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قال
رسول الله صلى الله(( من استطاع منكم ان يموت بالمدينة فليفعلإني أشهد(وفي رواية:
أشفع ) لمن مات بها)) أخرجه أحمد والترمذي وصححه وابن ماجه وابن حبان
في «صحيحه)). فهذا هو أصل الحديث ولفظه، فحرفه أولئك المجهولون والضعفاء
عمداً أو سهواً، واغتر بهم من لاعلم عندهم !
الرابعة : من رواية حفص بن سليمان أبي عمر عن الليث بن أبي سليم عن
مجاهد عنه بلفظ : « من حج فزار قبري بعد موتي کان کمن زارني في حياتي
زاد بعضهم وصحبنى ».
1
وهذا منكر جداً ، خفص بن سلمان وهو الأسدي القاريء الغاضري متروك
متهم بالكذب والوضع ، وقد تفرد به كما قال البيهقي ، وليث بن أبي سليم
ضعيف مختلط، وهو مخرج في ((الضعيفة)) برقم (٤٧).
الخامسة : من رواية محمد بن محمد بن النعمان بن شبل : حدثني جدي قال :
حدثني مالك عن نافع عنه بلفظ: ((من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني )).
وهذا موضوع كما قال ابن الجوزي والذهبي والزر كشي وغيرهم كما تراه في
((الضعيفة)) (٤٥)، والآفة من محمد بن محمد، أو من جده النعمان بن شبل، وكلاهما
متهم، ورجح ابن عبد الهادي الأول فليراجعه من شاء. وليس فيه أيضا ذكر
زيارة القبر الشريف .
الحديث الثاني: عن عمر مرفوعاً بلفظ: ((من زار قبري، أو قال : من
زارني كنت له شفيعاً أو شهيداً». يرويه سوار بن ميمون أبو الجراح العبدي:
حدثني رجل من آل عمر عنه .
وهذا متن مضطرب ، وإسناد مظلم ، سوار هذا مجهول لا يعرف ، وبعض
١٠٧
: )

الرواة يقلبه فيقول: ميمون بن سوار . وشيخه رجل لم يسم ، وهو أسوأ حالا
من المجهول، وقد اضطروا فيه، فبعضهم يقول: ((رجل من آل عمر)، كما في
هذه الرواية، وبعضهم يقول: ((رجل من واد حاطب)). وبعضهم يدخل بينه
وبين سوار هارون أبا فزعة وهو مجهول أيضاً ، وبعضهم يقول فيه هارون بن
أبي قزعة، وذكره العقيلي والساجي وابن الجارود في ((الضعفاء))! وقال
(البيهقي: ((هذا إسناد مجهول)).
الحديث الثالث : عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ:
((من حج إلى مكة ثم قصدني في مسجدي كتب له حجتان مبرورتان )).
وهذا موضوع، آفته أسيد بنزيد الجمال الكوفي، قال ابن معين:((كذاب،
سمعته يحدث بأحاديث كذب )، ومع ذلك فليس فيه ذكر القبر مطلقاً .
وله عنه طريق آخر بلفظ : ((من زارني في مماتي کان کمن زارني في حياتي ،
ومن زارنى حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيدا أو قال شفيعاً)).
وهذا موضوع أيضا، في إسناده فضالة بن سعيد بن زميل مجهول لا بعرف
إلا في هذا الخبر الذي تفرد به ولم يتابع عليه. وقال الذهبي: ((هذا موضوع)).
الحديث الرابع: عن علي مرفوعاً: ((من زار قبري بعد موتي فكأنما زار ني
في حياتي، ومن حج ولم يزر قبري فقد جفاني ».
وهذا موضوع، آفته أنه من رواية النعمان بن شبل المتقدم ، اتهمه الحافظ
موسى بن هارون الجمال ، وقال ابن حبان .: يأتي عن الثقات بالطامات ، وعن
الأثبات بالمقلوبات . وهو يرويه عن محمد بن الفضل بن عطية ، وكان كذاباً، كما
قال ابن معين ، وقال أحمد : حديثه حديث أهل الكذب . وهذا يروبه عن جابر
الجعفي ، وهو رافضي متروك شديد الضعف ، قال أبو حنيفة رحمه الله :
مارأيت أكذب منه .
الحديث الخامس: عن ابن مسعود مرفوعاً بلفظ: ((من حج حجة الاسلام،
وزار قبري ، وغزا غزوة ، وصلى علي في بيت المقدس، لم يسأله الله فيما افترض عليه)».
وهذا حديث باطل ظاهر البطلان، ولذلك قال السيوطي وغيره : انه حديث
١٠٨

:
ة
موضوع، وهو مخرج في((الأحاديث الضعيفة)) برقم (٢٠٤) .
الحديث السادس : عن أبي هريرة مرفوعاً :
((( من زارني بعد موتي فكأنما زارني وأنا حي)).
وهذا موضوع، في إسناده خالد بن يزيد العمري، قال ابن معين وأبو حاتم :-
((كذاب)). وقال ابن حبان: ((يروي الموضوعات عن الأثبات)).
قلت : والسند إليه مظلم ، فيه من لا يعرف .
، وله عنه لفظان بطريقين :
الحديث السابع: عن أنس
الأول بلفظ: ((من زارني محتسباً كنت له شهيداً وسفيعاً يوم القيامة)» ..
وفي إسناده سليمان بن يزيد الكعبي، قال أبو حاتم: ((منكر الحديث)).
ثم هو منقطع ، لأن الكعبي هذا لم يسمع من أنس .
والآخر بلفظ: (( ما من أحد من أمتى له سعة ثم لم يزرني فليس له عذر)).
وهذا موضوع ، في سنده سمعان بن المهدي ، قال الذهبي :
(لا يكاد يعرف، ألصقت به نسخة مكذوبة رأيتها، قبح الله من وضعها)).
قلت : وإسناده إليه ظلمات بعضها فوق بعض، وليس فيه ذكر القبر أيضاً ..
الحديث الثامن : عن رجل عن بكير بن عبد الله مرفوعاً:
(( من أتى المدينة زائراً وجبت له شفاعتي يوم القيامة)).
وهذا باطل كما قال ابن عبد الهادي، وإسناده مرسل أو معضل ، وفيه الرجل
المبهم، وليس فيه ذكر القبر .
قلت : هذه هي الأحاديث التى أشار اليها الدكتور البوطي، وتلك طرقهالتى
زعم أن الحديث يرتقي بمجموعها إلى درجة القوة ! دون أن يجري أي دراسة
حولها - لو كان يستطيعها - ليعلم شدة ضعفها وتنافر متونها، فيحول ذلك
بينه وبين الزعم المذكور. ولكن إذا كان لا يستطيع تلك الدراسة، فهل لا يحسن
التقليد أيضاً ؟ فهو بدل أن يقلد شيخ الإسلام الذي صرح بتضعيف الحديث من
جميع طرقه كما رأيت ، يقلد الاخنائي ، او بدل أن يقلد الإمام النووي الذي
١٠٩
:

:
ضعف جداً طريقيه المتقدمين - وهما أشهر طرقه - قلد السبكي الذي قوى الحديث
خلافا لكل من تكلم على الحديث من المتقدمين عليه علما وزمناً الذين جزموا بأنه حديث
منكر كابن خزيمة والبيهقي وغيرهما ممن تكلموا على مفردات طرقه وضعفوها
كلها ممن سبق ذكرهم كالعقيلي الذي صرح بضعف جميع طرقه والعقلاني والذهبي
والسيوطي ، فضلا عن ابن تيمية وابن عبد الهادي، فلو أن الدكتور كان مجمن
التقليد على الأقل لقلد هؤلاء لاختصاصهم بهذا العلم وكثرة عددهم وتقدمهم ، ولكن
صدق الله العظيم ( ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ).
واعتقادي أن الدكتور يظن (وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً ) أن أي
حديث كثرت طرقه تقوى بها ! وهذا جهل مخالف لما هو مقرر في علم مصطلح
الحديث، قال ابن الصلاح في ((المقدمة)) (ص ٣٦ - ٣٧) بعد أن ذكر الحديث
الحسن لغيره وهو الذي جاء من أكثر من وجه ليس فيه منفل كثير الخطأ :
(( لعل الباحث الفهم يقول: إنانجد أحاديث محكوماً بضعفها مع كونهاقد رويت
بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة مثل حديث ((الأذنان من الرأس )) ونحوه ،
فهلا جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن ، لأن بعض ذلك يعضد بعضا كما قلتم في
الحسن على ماسبق آنفاً ؟ وجواب ذلك أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول
بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت ، فمنه صنف يزيله ذلك ، بأن يكون ضعفه
ناشئاً من ضعف حفظ راويه ، مع كونه من أهل الصدق والديانة ، فإذا رأينا
مارواه قدجاء من وجه آخر عرفنا أنه مماقد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه ، وكذلك
إذا كان ضعفه من حيث الارسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام
حافظ، إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر . ومن ذلك ضعف
لا يزول بنحو ذلك، لقوة الضعف، وتقاعدهذا الجابر عن جبره، وذلك كالضعف
الذي ينشأ من كون الراوي، متهماً بالكذب، أو كون الحديث ماذا. وهذه
جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة)).
أقول : اي والله إنه لمن النفائس العزيزة التى يغفل عنها كثير من المشتغلين
١١٠
:

1
.. ,
٠
ب
بهذا العلم، فضلا عن غيرهم من لا معرفة لهم به مطلقاً، كهذا الذي نحن في صدد
الرد عليه ، والتحذير من آثار جهله، ولذلك فإنه لما لخص الحافظ ابن كثير كلام
ابن الصلاح هذا في ((مختصر)) (ص ٤٣) وأقره عليه - علق عليه الشيخ أحمد
شاكر رحمه الله بقوله:
(( وبذلك يتبين خطأ كثير من العلماء المتأخرين في إطلاقهم أن الحديث
الضعيف إذا جاء من طرق متعددة ضعيفة ارتقى إلى درجة الحسن أو الصحيح ،
فإنه إذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتمامه بالكذب، ثم جاء من طرق
أخرى من هذا النوع ازداد ضعفاً ، لأن تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في
عدالتهم بحيث لا يرويه غير هم، يرفع الثقة بحديثهم، ويؤيد ضعف روايتهم وهذا واضح».
قلت : إذ أمعن القارىء النظر في تلك الطرق المتقدمة لحديث الزيارة لم يجد
فيها أي صفة من تلك الصفات التى ذكرها ابن الصلاح في الطرق التي يتقوى
الحديث بها ، فليس فيها مثلاراو واحد على الأقل هو من أهل الصحق ، علمنا أنه
ضعيف الحفظ، بل هم من المتهمين بلكذب، أو المعروفين بالضعف الشديد ،
أو من المجهولين، أو المبهمين مع عدم سلامة الحديث من الاضطراب والفكارة
في المتن، كما أنه ليس فيها طريق واحدة مرسلة، أرسلها إمام حافظ !!
من أجل ذلك بجد كثيراً من الأحاديث الضعيفة، قد جزم العلماء بضعفها
مع أن لها طرفاً كثيرة ، وقد ضرب ابن الصلاح لذلك مثلا بحديث :
((الأذنان من الرأس»، وفيه عندي نظر من وجوه أهمها أنني وجدت له طريقاً
قوية الإسناد، ولذلك خرجت في ((صحيح أبي داوود)) (١٢٣) و(سلسلة
الأحاديث الصحيحة )) برقم (٢.٦) وهذا مطبوع، فليراجعه من شاء.
بقر
ولذلك ، فالأولى عندي التمثيل بحديث: ((من حفظ على أمتى أربعين حديثاً
من السنة كنت له شفيعا يوم القيامة)) كما فعل الحافظ السخاوي في ((فتح
المغيث)) (٧١/١) وقال عقبه :
(( فقد نقل النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه مع كثرة طرقه )»
والجهل بهذه القاعدة الهامة يؤدي إلى تقوية كثير من الأحاديث الضعيفة
١١ . .
:
1

من أجل طرقها، بل وقد يؤدي إلى الالتحاق ببعض الفرق الضالة ، فهذا مثلاً
حديث: ((إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه)) ، فقد روي من حديث أبي
سعيد، وعبد الله بن مسعود، وجابر ، وسهل بن حنيف ، وغيرهم ، ومع ذلك
فهو معدود في جملة الأحاديث الموضوعة. (١) ومثله حديث: ((علي خير البشر،
من أبى فقد كفر)) له طرق كثيرة أيضاً. (٢) والأمثلة من هذا النوع كثيرة
جداً لاتكاد تحصر، فراجع إن شئت كتابي ((سلسلة الأحاديث الضعيفة))
ففيها الشيء الكثير منها : ( ٥٥ و ١٣٣ و١٣٤ و ١٣٩ و١٣٤ و ٢٢٦ و ٢٣٠
و ٢٦٦ و ٣٣٢ و ٣٣٧ و ٤٥١ و ٥٨٣ و ٥٨٥ و ٦٤٩ ٠٠٠).
أقول : فهذه الأمثلة من الأحاديث الموضوعة ينبغي أن تكون عند الدكتور
البوطي، صحيحة لأنه يصدق فيها قوله المتقدم: (( بعضها يقوي بعضاً ... )) !!
( فهل من مذكر) ؟
وفي الختام أذكره بنصيحتي التي كنت قدمتها اليه مقرونة بالاستشهاد بكلا.
الإمام النووي قبيل هذا التذييل ، راجياً أن لا أضطر مرة أخرى إلى إضاعة
الوقت في الرد على جهالاته وافتراءاته ، سائلا المولى سبحانه وتعالى أن يصلح
أعمالنا ، ويخلص نوايانا ، ويجمع بين قلوبنا ، على كتاب ربنا ، وسنة نبينا، إنه.
دمشق ٣ ربيع الأول سنة ١٣٩٦
سميع مجيب ..
٠٠
(١) أنظر ((الآلي المصنوعة)) للسيوطي (٤٢٥/١)، و«تنزيه الشريعة»
لابن عراق (٨/٢) و ((الفوائد المجموعة)) للشوكاني (رقم ١١٩٨) وغيرها .
(٢) ((تنزيه الشريعة)) (٣٥٣/١)
١١٢
: