Indexed OCR Text

Pages 181-200

-وهي تقول: وارأساه، فقال لها صَ لّه: بل أنا والله ياعائشة وارأساه. رواه
ابن اسحاق وابن سعد)) .
٠
=والثالث حديث عائشة، وكلاهما يأتي بعد هذا، وعلى الرغم من وضوح خطئه له
وجهله بهذا العلم ، فإنه قد منعه كبره وغروره أن يتراجع عن الخطأ ويعترف
بالحق كما هو شأن المؤمن الفاضل، ولكن الدكتور أبى أن يكون كذلك ،
فإنه لما اطلع على رد الاستاذ عيد المشار إليه (ص ٣١٨) وأكدله وجود
الحديث في الصفحة ( ١٤٧) وزاد على ذلك أنه في باب (( ذكر أخذرسول
الله مَّ اله من شاربه)) من ((الطبقات)) استكبر عن الاعتراف بالحق، فالحق
في طبعة الكتاب الثالثة وقد صدرت بعد كتاب ((البدعة)) بعدقوله: ((لم نجدها
في رواية ابن سعد)) الزيادة الآتية :
((وإنما هي من رواية ابن جرير، فلعله إنما أراد أن ينسبها إليه)) !
قلت: فنظر إليه كيف يوممني في قولي السابق: ((من الطرق الثلاث))
كي لا يعترف بخطئه في إنكاره وجود الزيادة عند ابن سعد أيضاً، على قاعدة
ومتني بدائها فانسلت! أليس هذا هو الكبر الذي أخبر رسول الله بدور اللّه أنه
"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة منه ألا وهو بطر الحق ( أي رده بعد
ظهوره ) وغمط الناس. أي الطعن فيهم بغير حق . وهذا هو عين مافعله البوطي
هنا وفي غير مكان . عامله الله بما يستحق .
0
تـ
:
ثم إن بعض الناس ليتساءل فيقول: مادام أن الدكتور على ثبوت الزيادة
- عند ابن جرير على الأقل ، فما باله لم يعلق عليها بما يبين دلالتها على تحريم حلق
اللحية الذي ابتلي به كثير من العلماء في هذا الزمان ، وفيهم بعض الدكاترة من
يحلقها بالمقراض ( الماكينا) عملا بمذهب العوام: ((خير الذقون إدارة تكون)!
لو أن الدكتور عالج هذه البلية وبين حكم الله فيها أليس كان خيراً له ، من أن
يتعقب الألباني بجهل وظلم (والله لا يحب الظالمين )؟ فلعل الدكتور عنده من
الجرأة العلمية ما يحمله على بيان ذلك مستدلابا بالكتاب والسنة ، كما يتظاهر في
كتابه هذا ((فقه السيرة)) في بعض المسائل !
٥٣

....
قلت : فيه مؤاخذات .
الأولى: اقتصاره في تخريجه على ابن إسحاق وابن سعد ، وهو يشعر أنه
لم يروه من هو أشهر منهما، وليس كذلك فقد أخرجه أحمد والدارمي وابن
ماجه والدارقطني والبيهقي كما هو مخرج في كتابي ((أحكام الجنائز وبدعها))
(ص ٥٠ - طبع المكتب الاسلامي ).
والأخرى: تصديره إياه بقوله: ((روي)) المشعر بأنه ضعيف في اصطلاح
المحدثين كما هو مقرر في علم ((المصطلح)) ونبه عليه الإمام النووي في مقدمة
كتابه (( المجموع شرح المهذب)). والدكتور في هذا التصدير مخطىء سواء كان
يعلم هذا الاصطلاح ووضعه في محله عنده أم لا ،
أما الأول ، فلأن إسناده ثابت كما بينته في المصدر السابق، فكيف يصدره
بصيغة التمريض إن كان يعلم .
وأما الآخر وهو أن يكون لاعلم عندمبهذا الاصطلاح أو عنده علم به ولكنه.
وضعه في محله بزعمة ، فهو زعم باطل كما سبق .
من جهله في التخريج وافتراؤه فيه وإصراره عليه .
١١ - ذَكر (٢٨٩/٢ - ٢٩٠) قصة صلاته عّ لّهِ بالناس في مرض موته.
وفيها: ((فجلس رسول الله صَّ اللّ إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي.
بصلاة رسول الله عَ ليه وهو جالس، وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر)).
ثم قال معلقاً عليه :
(( رواه البخاري في كتاب الصلاة باب من قام إلى جنب الإمام لعلة ومسلم
في كتاب الصلاة باب استخلاف الامام ومالك في الموطأ كتاب صلاة الجماعة باب
صلاة الإمام وهو جالس وغيرهم . ومن العجيب أن الشيخ ناصر خرج هذا
الحديث في تخريجه لأحاديث فقه السيرة للغزالي فعزاه إلى الإمام أحمد وابن ماجه
فقط . وزاد على هذا أن أخذ يحقق في نسبة ضعف إليه بسبب أن فيه أبا إسحاق.
السبيعي ، مع أن الحديث متفق عليه ، وله طرق غير هذا الذي اهتم
بتحقيقه !! .. )).
٥٤

٠
۔
٦
قلت : الذي اعتقده أن القارىء الكريم سيتعجب من تعجب الدكتور
إذا ما كشفنا ما في كلامه من تحامل مكشوف، وجهل فاضح بعلم التخريج ،
وبين يدي ذلك لا بدمن أن أنقل كلامي في تخريج الحديث الذي أشار إليه الدكتور
فأبدأ أولاً بذكر نصه في كتاب ((الفقه، ثم أثني بكلامي عليه، قال فضيلة
الشيخ الغزالي حفظه الله تعالى (ص ٥٠١ ) :
((قال ابن عباس: لما مرض النبي صَّ اللّه أمر أبا بكر أن يصلي بالناس ثم
وجد خفة فخرج . فلما أحس به أبو بكر أراد أن ينكص ، فأوماً إليه الرسول
حَد؛ فجلس إلى جنب أبي بكر عن يساره، واستفتح من الآية التي انتهى
إليها أبو بكر . فكان أبو بكر يأتم بالنبي ، والناس يأتمون
بأبي بكر ،
فقلت في تخريجه مانصه :
((صحيح أخرجه أحمد (٢٠٥٥ و ٣٣٣٠ و ٣٣٥٥) وان ماجه (٣٧٣/١)
من طريق أبي إسحاق عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس . ورجاله ثقات لكن
أعله البوصيري بأن أبا إسحاق - وهو السبيعي - اختاط بآخر عمره ، وكان
مدلساً ، وقد رواه بالعنعنة . قلت : لكن تابعه عبد الله بن أبي السفر، إلا أنه
قال: عن ابن عباس عن العباس. فجعله من مند العباس ، وهذا اختلاف بسير
لا يضر في في صحة الحديث إن شاء الله. وقد رواه من هذا الوجه أحمد أيضاً
(١٧٨٤ ر١٧٨٥))).
فإذا وقفت أيها القاريء الكريم على تخريجي هذا ، وقابلته بما نسبه الدكتور
إلي تبين لك الحقيقتان الآتيتان :
الأولى : أن الحديث الذي خرجته هو غير الحديث الذي قال الدكتور فيه
رواه البخاري ... الخ . ويدل على ذلك أمران اثنان :
الاول: أن فيه قوله: ((واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر))! وهذا
ليس في حديث الشيخين!
'T

والآخر: أنه من حديث ابن عباس، وحديث الشيخين إنما هو من حديث عائشة،
كما لا يخفى على من رجع إلى المواطن التي أسماها الدكتور من تلك الكتب .
وإذا كان كذلك ، فلا يجوز عند أحد أوتي ذرة من المعرفة بهذا العلم عز و حديث
ابن عباس للصحيحين لمجرد أنهما أخرجا أصل الحديث من رواية عائشة رضي الله
عنها . أي فلا يجوز لأحد سليم العقل والعلم أن يقول في حديث ابن عباس:
((أخرجه الشيخان))! فإنه كذب واضح عليها، وهذا أمر ظاهر لا يحتاج إلى
برهان ، ولا يناقش فيه أحد من طلاب العلم ، ولذلك استدركه على الشيخين
الضياء المقدسي فأورده في كتابه الذي سماه ((الأحاديث المختارة ما لم يخرجه
البخاري ومسلم)) (١/١٨٥/٥٨). فهل خفي هذا على الدكتور، حتى تعجب من
عز والحديث إلى أحمد وابن ماجه فقط ، أم الأمر كما قيل :
وعين الرضى عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
نسأل الله السلامة .
والحقيقة الأخرى : هي أنني صححت الحديث ، وصرحت بذلك في مطلع
التخريج ، ثم حكيت ما أعلم به البوصيري ، ثم رددته بالمتابعة ، المذكورة ،
فكيف جاز للدكتور أن يوهم القراء أني ضعفت الحديث بقوله: ((وزاد على هذا
أن أخذ يحقق في نسبة ضعف إليه .... )) أفيفعل هذا من يخاف الله ؟! (١)
جهله الفرق بين حديث البخاري الصحيح، وحديث الترمذي الضعيف
إسناداً ومتنا ، ثم محاولته ستر ذلك باللف والدوران .
١٢ - قال (٢٩١/٢):
(١) قلت : هذا الحديث هو الحديث الثاني الذي كان الأستاذ عيد عباسي
بين خطأ الدكتور فيه وافتراءه علي، في كتابه القيم («بدعة التعصب
المذهبي)) كماسبقت الإشارة إليه قريباً (ص٥٢-٥٦)، فما استجاب الدكتور لداعي
الحق بل أصر وكابر وعاند، فأبقى تعليقه عليه بعجره ويجره وزاد عليه في
الصفحة الثالثة مما يؤكد عناده واستكباره فقال عقبه :
=

-- -
- -
.--
٠
،
(( وكان بين يديه (يعني الغبى صَّ ◌ِلّهِ) ركوة فيها ماء، فجعل يدخل
بيديه في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: لا إله إلا الله، إن للموت
سكرات . رواه البخاري في باب مرض الرسول صَّ له ... وهذا أيضاً
مما وهم الشيخ ناصر في تخريجه، فقد قال عنه: ضعيف أخرجه الترمذي
وغيره عن ( كذا ) طريق موسى بن سرجس بن محمد عن عائشة !.. وهو
مروي في البخاري بطريق غير هذا )) .
قلت : هذا تدليس بل جهل آخر من الدكتور كنت أود أن لا يتودى
= (( اللهم إلا أن رواية أحمد وابن ماجة فيها: واستفتح من الآية
التي بلغها أبو بكر، وليس في رواية الشيخين هذه الجملة .
وعلى كل حال فالحادثة واحدة والحديث واحد، ولا ينبغي عند
التخريج الاقتصار على ذكر الطريق الضعيف والسكوت عن الطريق
الصحيح أو المتفق عليه لما في ذلك من الإيام الواضح التي يتحاشاه
علماء الحديث».
قلت : فهو بهذا الاستثناء المذكور مع أنه سوقه من الأستاذ
عباسي - يحاول أن يلف ويدور ويضلل القراء ويصرفهم عن الاطلاع
على جهاه! وما درى الدكتور أصلحه الله أنه بذلك كالباحث عن حتفه بظلفه
، فانه بتصريحه أن تلك الجملة ليست في رواية الشيخين قد تبين
للقراء أن تعجب الدكتور مني لعدم عزوي لحديثها إلى الشيخين تعجب
باطل ، وأبطل منه إصراره على اعتبار حديث عائشة الذي ليس فيه تلك
الجملة وحديث ابن عباس وفيه الجملة - حديثاً واحداً ، وعليه جاز عنده
أن يقول في حديث ابن عباس: ((رواه الشيخان، فان أجاز
هذا اتضح جهله، وإن لم يجزه وهو الحق تبين عناده وإصراره على باطله =

فيه فأنا لم أخرج البتّة هذا النص الذي أورده من رواية البخاري وإنما:
خرجت نصاً آخر في كتاب الشيخ الغزالي بلفظ: ((ويقول : المهم أعني على.
سكرة الموت )) فهذا هو الذي ضعفته وعزوته للترمذي ، وذكرت في
تخريجه (ص ٤٩٩) أن الترمذي نفسه ضعفه بقوله: حديث غريب».
وقلت: ((يعني ضعيف لأن موسى هذا لم يوثقه أحد فهو مجهول )).
فهل الدكتور لا يفرق بين رواية البخاري التي هي بلفظ :
((لا إله إلا الله، إن للموت سكرات)). وبين رواية الترمذي التي
تقول: ((اللهم أعني على سكرة الموت)) !! إذا كان الدكتور
لا يفرق بينهما كما يدل عليه كلامه المذكور ، فقد سقط الكلام معه إذ.
الأمر حينئذ كما قال الشاعر :
إذا احتاج النهار إلى دليل
وليس يصح في الأذهان شيء
وإن كان يفرق بينهما كما هو الظاهر لكل ذي عينين ، فأين الوهم.
المزعوم يا حضرة الدكتور ، وما غرضك من إدعائك إياه ؟!
بل أقول : إنك أنت الواهم أيها الدكتور ! لأنك تريد مني أن.
= على حد المثل السائر : عنزة ولو طارت . ومن ذلك إطلاقه الضعف في
هذه الزيادة على حديث ابن عباس مع دعمنا إياه بالطريق الأخرى دون
أن يجيب عنها بشىء مع انه كان من قبل قد استنكر علي نسبة ضعف
إليه بزعمه ! فتأمل أيها القارىء الكريم كيف وقع هو منها فيما كان
أنكره علي من قبل ! تلك هي عاقبة الباغي الظالم ( من حفر لأخيه بئراً
وقع فيه ) .
وأما سكوتي عن حديث عائشة المتفق عليه ، فلأنه لم يمكن موضوع
جني وتخريجي وهذا ظاهر جداً فلا داعي للاطالة ، ومن شاء الزيادة فليراجع
(( ملحق بدعة التعصب المذهبي)) الاستاذ عيد عباسي (ص ١٥٠ - ١٥١).
٥٨

أعزو لفظ الترمذي الذي ضعفه الترمذي نفسه إلى البخاري الذي لفظه
مغاير للفظ الترمذي، وهذا لا يجوز عند من شم رائحة هذا العلم
الشريف .
وخطأ الدكتور في هذا الحديث كخطئه في حديث ابن عباس المتقدم،
فكما أراد مني هناك أن اعزوه للشيخين اللذين أخرجاه من حديث عائشة
دون الزيادة لمجرد تعلقهما بحادثة واحدة ، فكذلك أراد منى مثله في هذا
الحديث مع أنه ضعيف !
ويقيني أن الدكتور لا يعلم أن القواعد الحديثية تقتضي أن رواية
الترمذي منكرة لمخالفتها لرواية البخاري الصحيحة مع اتحاد راوي الحديث
وهي السيدة عائشة رضي الله عنها ، لجهالة راويها ، وثقة راوي
رواية البخاري . (١)
ت
:
وإذا كان هذا على الدكتور في الحديث الشريف ؛ عشرات الأحاديث
الضعيفة والمنكرة وما لا أصل له يسرقها بصيغة الجزم ، وقدم لها أنها
ما صح من الأخبار وهي ليست كذلك ، ثم ينتقد غيره بدون علم ولا
إنصاف فماذا يكون حال الكتاب في نصوصه الأخرى لو توجهت الهمة
إلى نقدها !!
(١) أقول: وهذا هو الحديث الثالث من الأحاديث التي بين الأستاذ عيد
عباسي خطأ الدكتورفيها كما سبقت الإشارة إلى ذلك قريباً (ص٥٢-٥٣) ، لكن
الدكتور كعادته لا يعترف بالخطأ مهما كان جلياً، ولكنه في هذه المرة سحب
توهيمه المتقدم إياي تحت ستار من اللف والدوران، إلا أنه مع ذلك صرح بأن
اللفظ الذي خرجته ضعيف، وغير عبارته السابقة، فزاد فيها: ونقص فجعلها في
الطبعة الثالثة ( ص ٥٠٣ ) هكذا :
((( رواه البخاري في باب مرض الرسول مَّ اله .. (-زاد فيها_الترمذي والنسائي
وأحمد بطريق آخر بلفظ ((اللهم أعني على سكرات الموت)) وقد خرجه الأستاذ
٥٩
:
--- -

:
:
وختاماً فإني أنصح الدكتور أن لا يكتب إلا في علم أتقنه ، وتمرس
فيه مدة من الزمان، وأن يكون رائده في ذلك النصح للمسلمين
والاخلاص لرب العالمين، بعيداً عن التأثر بخلق الحقد والحسد ، فذلك
أجدى له وأنفع فى الدنيا والآخرة. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى
فى ((التقريب)) (ص ٢٣٢) ما مختصره :
(!) الشيخ ناصر) فقال: ضعيف أخرجه الترمذي وغيره عن (!) طريق موسى
ابن مرجس بن محمد عن عائشة .. الخ (- زاد أيضاً -: وإنما هو ضعيف بهذا اللفظ فقط، أما
أصل الحديث فقد رواه البخاري بطريق صحيح وإذا كان للحديث الواحدطريقان
فلا ينبغى الاقتصار في تخريجه على ذكر الضعيف منها لما فيه من الإيهام لما سبق
بيانه في صفحة (٥٠١ ) ولا يضير اختلاف يسير في اللفظ ما دامت
الحادثة واحدة )).
قلت : فتأمل في هذا التعديل تجد فيه مايأتي :
أولاً: حذفه التوهيم المذكور دون أن يلفت نظر القارىء لهذه الطبعة إلى
خطئه فيه في الطبعة السابقة ! .
ثانياً : تصريحه يضعف الحديث باللفظ المذكور، وهو ماكنت صرحت به
ووهني فيه !
ثالثاً : قوله : ولا يضير اختلاف بسير ... الخ فيه غفلة عما ذكرته من
ضعف سند هذا اللفظ ، ومخالفته للفظ البخاري الصحيح ، فهو حديث آخر ، نعم
لقد كان من تمام الفائدة أن أنبه عند تخريجي أياء على ذلك، ولكن ماشاء الله
كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وله في ذلك الحكمة البالغة ، ولعل من ذلك
الكشف عن جهل الدكتور بهذا العلم ، وعن إصراره على الخطأ بعد تنبيهه . وثه
في خلقه شؤون .
٦٠

ــ ســـ
- ..
---
- -
:
۔
((علم الحديث شريف، يناسب مكارم الأخلاق ، ومحاسن الشيم ،
وهو من علوم الآخرة ، من حومه حرم خيراً عظيماً ، ومن رزقه نال
فضلا جزيلا ، فعلى صاحبه تصحيح النية ، ويطهر قلبه من أغراض
الدنيا. وليستعمل الأخلاق الجميلة والآداب، ثم ليفرغ جهده فى تحصيله
ولا يحملنه الشره على التساهل فى التحمل فيخل بشىء من شروطه وينبغى
أن يستعمل ما يسمعه من أحاديث العبادات والآداب فذلك زكاة الحديث
وسبب حفظه ، وليحذر كل الحذر من أن يمنعه الكبر من السعى التام
فى التحصيل وأخذ العلم ممن دونه فى نسب أو من أو غيره ، ولا ينبغى
أن يقتصر على سماعه وكتبه دون معرفته وفهمه، فليتعرف صحته
وضعفه، ومعانيه ولغته وإعرابه، وأسماء رجاله ، محققاً كل ذلك ،
وليشتغل بالتخريج والتصنيف إذا تأهل له، وليحذر إخراج تصنيفه إلا بعد
تهذيبه وتحريره ، وتكريره النظر فيه ولايحذر من تصنيف مالم
يتأهل له )).
وبهذه النصائح العظيمة، أختم هذه البحوث الآن، راجياً
المولى سبحانه وتعالى أن ينفع بها كل من قرأها بقلب سليم . والحمد لله
رب العالمين.
٦١

نزیل :
وبعد كتابة ما تقدم بزمن بعيد وقفت على الطبعة الثالثة من هذا الكتاب ((فقه
السيرة» للدكتور البوطي، وقدزعم في مقدمتها (( أن القاريء لن يرى فيها أي زيادة
على الطبعة التي قبلها ولا شيئاً من مظاهر التغيير والتبديل إلّ ما لابد منه إصلاحاً
وتنقيحأ)). فوجدت فيها أخطاء عديدة وجهالات جديدة جاءت في الزيادات
التي في الطبعة التي قبلها . يعني الطبعة الثانية، ولم يتح لي الاطلاع
على هذه الطبعة لنرى مدى مطابقة زعمه هذا للواقع ، فقد سبق للدكتور
مثله في مقدمة الطبعة الثانية لرسالته ((اللامذهبية))، مع أن الواقع شهد
بخلافه كما أثبت ذلك بالأرقام صاحبنا الأستاذ عيد عباسي في ((ملحق
بدعة التعصب المذهبي )) ص (٥١ - ٥٨ ) ومن ذلك أنه كان عزا في
الطبعة الأولى من ((اللامذهبية)، ص ٦١ حديثاً للبزار والطبراني فقط،
فزاد في طبعتها الثانية ( ص ٧٧ ) ((وروى الشيخان عن عائشة قريباً
منه بلفظ ... )) فذكره: والعجيب أن هذا التخريج أخذه البوطي من
رد الأستاذ عباسي عليه في («بدعة النعصب)) دون أن يعزوه إليه ! تماماً
كما فعل في بعض تعديلاته السابقة التى نبهت عليها فى الأحاديث الثلاثة
المتقدمة (ص ٥٠ - ٥٩)، (وأنظر الملحق المشار إليه ص ٥٣).
ولا فائدة كبرى من التوسع في هذا المجال ، وإنما المهم الآن أن
أنبه على تلك الأخطاء الجديدة كي لا يغتر بها القراء الكرام لاسيما
وقد أكد المؤلف في مقدمتها أنه لم يسجل في كتابه هذا من أحداث
السيرة إلا أهمها أو أصحها! فإن الدين النصيحة كما قال ◌َِّلّه، ولأذكرها
على الترتيب الذي وقعت في كتابه ((الفقه)) فأقول :
١ - قال (ص ٥٥ - ٥٦) تعليقاً على حديث قصة بجيرا :
((باختصار عن سيرة ابن هشام ١ /١٨٠ ورواه الطبري في
تاريخه ٢٨٧/٢ (١) ورواه البيهقي في سننه وأبو نعيم في الحلية ، ويوجد
بين هذه الروايات بعض الخلاف في التفصيل وانفود الترمذي بروايته
مطولاً على نحو آخر ، ولعل في سنده بعض اللين (أ) فقد قال هو نفسه
٦٢

IC
بعد أن رواه : ( هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه )،
وفي سنده عبد الرحمن بن غزوان قال عنه في الميزان : له مناكير
ثم قال: أذكر ماله حديثه عن يونس بن أبي إسحاق ... في سفر
النبي ◌ِّ وهو مراهق مع أبي طالب إلى الشام . وقال عنه ابن سيد
الناس: في متنه نكاة (راجع عيون الأثر ٤٣/١) والغريب أن الشيخ
ناصر الدين الألباني قال عنه - رغم هذا - في تخريجه لأحاديث ((فقه
السيرة )) للغزالي : إسناده صحيح !! ولم ينقل من تعليق الترمذي عليه
إلا قوله : هذا حديث حسن !... ومن عادته أن يضعف ما هو أصح
من هذا الحديث بكثير . هذا وأما القدر المشترك من القصة فثابت
في الطبعة الأولى بطرق كثيرة لا يلحقها وهن» .
وجواباً عليه أقول: إن أمر هذا الدكتور البوطي لعجيب حقاً ، فإنه
لم يكتف بما تعقبني به في تلك الأحاديث الثلاثة التي كان أخوناعيد كشف للناس عن
جهله فيها، فاضطر الدكتور إلى الاعتراف ببعض أخطائه والمكابرة في
سواها في هذه الطبعة الثالثة كما سبق بيانه، بل إنه عاد إلى الرد علي في هذا
الحديث ليؤكد من جديد جهله في علم الحديث ، وإليك البيال.
أولاً: عزوه القصة لابن هشام واعتماده عليه فيها دون الآخرين
لافائدة منه ، بل هو قلب للصواب ، لأنها عنده معلقة بدون إسناد ،
وهي عند الآخرين مسندة فالاعتماد عليهم أولى .
ثانياً: إن إسناد القصة منتقدة لدى الدكتور ، فلم يق في
يده شيء ثابت يعتمد عليه، فكيف مع هذا يقول فيما تقدم نقله عنه
اعتمدت أولاً على صحاح السنة. ثانياً على ماصح من أخبار السيرة)) !!
فكيف يصح هذا الذي اختصر من ((سيرة ابن هشام)) ولا إسناد له، وما
إسناد لا يعرج عليه بل وينتقده ؟!
ثالثاً: قوله: ((وانفرد الترمذي بروايته مطولاً .. )، ليس بصحيح
...
٦٣

فقد شاركه في روايته كذلك مطولاً الطبري في الموضع الذي أشار إليه
الدكتور طبع دار المعارف برقمه المذكور إلا أن الصواب فيه
(٢٧٨/٢) وليس (٢٨٧/٢) وكذلك رواه الآخران ، وهذا مما يدل
اللبيب أن الدكتور لا ينقل مباشرة عن كتب الأئمة، وإلا لما وقع في هذا
التقصير الواضح الفاضح !
رابعاً: قوله: ((والبيهقي في سننه وأبو نعيم في الحلبة)، خطأ أيضاً، نشأ
من جهل البوطى بكتب أئمة الحديث وعدم تقلبيه إياها واستفادته منها ، وهو
إنما ينقل عمن نقل عنها إلا نادراً ، وغالب الظن أنه نشأ من كونه رأى بعضهم.
عزاه للبيهقى وأبي نعيم، فتوهم لقلة علمه أن المراد به كتابها ((السنن
و((الحلية)) وإنما المراد كتابهما المسمى كل منهما بـ ((دلائل النبوة)) وهو فيه عند
أبي نعيم (٥٣/١) والبيهقي (٣٠٨/١ - ٣٠٩).
خامساً: قوله: ((لعل في سنده بعض اللين ... إلى قوله : من هذا
الوجه ، أقول :
أولاً : ألا يكفى القارىء الكريم دلالة على جهل البوطي بهذا
العلم قوله هذا ? فإن الذي يريد أن يحقق الكلام على حديث ما
لاسيما إذا كان في صدد الرد على غيره كما هو شأن الدكتور هنا لا يسوق
الكلام بهذا الوهن كالذي يقال فيه: يقدم رجلا ويؤخر أخرى ، متوكثاً
على عصاه ( لعل ) ، وهي كلمة طمع واشفاق كما هو معلوم .
وثانياً : ان سلمنا أن في السند بعض الوهن فماذا ، وما معنى الانتقاد
حينئذ وتسويد الورق وإضاعة الوقت على القراء، وكل دارس لعلم المصطلح
يعلم أن الحديث الحسن فيه بعض الضعف، لأنه فوق الحديث الضعيف
ودون الصحيح ، وكذلك راوي الحديث الحسن هو في الحفظ دون
راوي الحديث الصحيح ، فكل حديث حسن فيه بعض اللين ، ولذلك
فلا تعارض بين هذا وبين تحسين الترمذي إياه .
والحقيقة أن في كلام البوطي على هذا الحديث ركة وعجمة وجهلا وعيه
٦٤

--
لا يتبين منه مواده، لأن قوله هذا واستدلاله بما نقله عن الترمذي يمكن تفسيره.
بأنه يعني أن الحديث ليس صحيح الاسناد وإنما هو حسن فقط ، وقول الترمذي
دليل على ذلك كما بينت آنفا . وحينئذ فهل من أجل هذا الفرق الزهيد نصب
نفسه للرد على تصحيح الألباني !! ذلك مما لا أعتقده، بدليل قوله بعد عني :
((ولم ينقل من تعليق الترمذي عايه إلا قوله: هذا حديث حسن)). فهذا يشعر
القارىء اللبيب أنه يغمز مني لهذا التقصير في النقل عن الترمذي. (١) ولا يعقل وجه
التقصير في منطق البوطي إلا على اعتبار أن عبارة الترمذي بتمامها أقرب إلى
التضعيف منها إلى التصحيح من عبارته حسب نقلي عنه ولذلك غمز مني ! ولم يدر
المسكين أن العكس هو الصواب عند غير البوطي من لهم معرفة بهذا العلم ،
فانهم يعلمون أن الحديث الذي يقول فيه الترمذي: ((حسن غريب))، هو
أقوى من الحديث الذى يقول هو فيه: ((حسن فقط))! ذلك لأن قوله الأول
يعني حديث حسن لذاته، وقوله الآخر يعني حسن لغيره ، وقد أفصح عن هذا
الأخير في آخر كتابه ((السنن))(٢) وبينه الحافظ في ((شرح النخبة)) (ص ١١-
اليمنية ) ، وصرح بعد ذلك ( ص ٢٥) أن هذا منحط عن رتبة الحسن لذاته .
(١) وهذا التقصير هو من قلمي أو إملائي فأستغفر الله منه.
(٢) قلت: ونص كلامه فيه (٣٤٠/٢ - طبعة بولاق): ((وما ذكرنا في
هذا الكتاب حديث حسن - فإنما أردنا حسن إسناده عندنا - (قلت: يعني حسن
لغيره بدليل تمام كلامه ) كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب
ولا يكون الحديث ساذاً ، ويروى من غير وجه نحو ذلك ، فهو عندنا حديث
حسن)) . قلت: وخفي قول للترمذي هذا على الحافظ ابن كثير فأنكره في
كتابه، ((اختصار علوم الحديث)) (ص ٤٠) فكأنه لم يقع في نسخته من ((سنن
الترمذي )) . وقد رد ذلك عليه الحافظ العراقي وغيره ، فراجع شرح الشيخ أحمد
مشاكر رحمة الله عليه.
٦٥
- -
---

فاذا تبين هذا فهل يعقل أن يصدر الغمز المذكور من الدكتور لو كان يعلم
أن قول الترمذي: ((حديث حسن غريب، أعلى مرتبة من قوله: ((حديث
حسن )) اللهم لا ، إذ أن هذا القول يفهم منه القاري ءالعارف يعلم المصطلح أن في
إسناد الحديث ضعفاً تقوى بمثله كما سبق، ولو أن الدكتور كان يفهم هذا، لكان
حب انتقاده عليه، ولأصاب حقاً، ولكنه لما كان لا يعلم هذه الحقيقة غفل
عن هذا النقد الصحيح ، ووقع في ما ينتقد هو فيه لعدم دراسته هذا العلم
الشريف إلا بمقدار ما يحصل به الشهادة ، ثم ... عليه السلام !
ويلوح لي أن الذى غر الدكتور وأوقعه في هذا الخطأ الفاحش أن قول
العلماء:« حديث غريب)) يعنون أنه ضعيف غالباً ، ولم يعلم أن الغرابة قد تجامع
الصحة فضلا عن الحسن أحياناً، كما في قول الترمذي في هذا الحديث ،
وهو كما يجمع أحياناً في الحديث الواحد بين لفظي: ((حسن صحيح)
ويجمع بين لفظي ((حسن غريب)) وكما أن الحديث الذي قال فيه (حسن صحيح))
دون ما قيل فيه ((صحيح)) على وجه بينه الحافظ (ص ١٢) فتوهم الدكتور أن
الحديث الذي قال فيه الترمذي: ((حسن غريب)) دون الذي قال فيه: ((حسن))
في علم البوطي محرم الاجتهاد فيما اختلف فيه الفقهاء ، والمجتهد اجتهاداً مطلقاً في
علم الحديث والآتي فيه بما لم تستطعه الاوائل !
سادساً: قوله: ((وفي سنده عبد الرحمن بن غزوان قال عنه في الميزان :
له مناكير ثم قال: أنكر ماله حديثه عن يونس بن أبي إسحاق ... في سفر النبي
حَ لّه وهو مراهق مع أبي طالب إلى الشام)).
قلت : وهذا ما يدل على جهل الدكتور بهذا العلم ، فإن قول الذهبي في ابن
غزوان: ((له مناكير)) ليس جرحاً يسقط الحديث عن درجة الثبوت ، ولو في
مرتبة الحسن ، وذلك من وجهين :
الأول: أن قول الذهبي أو غيره في الراوي: ((له مناكير)) ليس بجرح
مطلقاً خلافاً لصنيع البوطي هنا لاسيما إذا كان ثقة كما هو شأن ابن غزوان هذا على
٦٦

. ما يأتي بيانه، قال الذهبي في ( الميزان)) (٥٦/١): ((وما كل من روى المناكير
ضعيف)). وقال الامام ابن دقيق العيد:
(قولهم: ((روى منا كير « لا يقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثر المناكير في
روايته وينتهي إلى أن يقال فيه: منكر الحديث ، لأن منكر الحديث وصف
في الرجل يستحق به التوك لحديثه)) . ( راجع فتح المغيث للسخاوي
٣٤٦/١ - ٣٤٧) (١)
الثاني : أن ابن غزوان هذا قد وثقه جماعة منهم ابن المديني شيخ البخاري
وابن نمير ويعقوب بن شيبة والدار قطني وغيرهم، وأخرج له البخاري في ((صحيحه))
فقد جاوز القنطرة كما يقول الذهبي في أمثاله، وصحع حديثه هذا جماعة يأتي
ذكرهم ومنهم الحافظ ابن كثير، فقد قال في ((السيرة» (١ /٢٤٧): ((وهو
من الثقات الذين أخرج لهم البخاري ، ووثقه جماعة من الأئمة والحفاظ ، ولم أر
أحداً جرحه ومع هذا في حديثه غرابة. ثم بين وجهها على النحو الآتي ذكره عن
ابن سيد الناس ، فكيف استجاز البوطي كتمان هذه النصوص موهماً القراءان ابن
غزوان ليس فيه إلا قول الذهبي: ((له مناكير)) مع أنه ليس جرحاً على التحقيق
كما سبق، والواقع أنه ثقة عند الجمهور كما رأيت . أفليس هذا من الكتمان
الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: ((من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من
نار)). رواه ابن حبان في «صحيحه)) والحاكم وصححه هو والذهبي ،
فحسبه ! .
وإن له من مثل هذا الكتمان الشيء الكثير كما يأتى . ولا أذهب بك
٠٠
(١) قلت: وهذا الذي قاله ابن دقيق العيد في غاية التحقيق، فهو بالاعتماد
عليه حقيق بخلاف ما نقله اللكنوي في ((الرفع والتكميل)) (ص ١٤٤ - طبع
حلب) عن الذهبي مما يفيد التسوية بين قولهم: ((له مناكير)) و((منكر الحديث))
وإن أقره عليه المعلق عليه ؛ فإنه لادراية له في هذا الفن، وإنما هو
قماش جماع !
٦٧
.
4
!
---

،
بعيداً فإنه لم ينقل كلام الذهبي بتمامه ، وكذلك صنع فى كلام ابن سيد
الناش ، وفى كلامى أيضاً، فهو يأخذ من كلامهم ماهو له ، ويدع ماهو عليه
تدليساً وتعمية على الناس، لأنه لو نقل كلام كل واحد منهم كاملا لظهر التناقض
بين كلماتهم ، ولما استفاد هو من ذلك شيئاً مطلقاً فى تأييد وجهة نظره ، فهو
يريد بها دعم قوله المتقدم: ((ولعل فى سنده بعض اللين)) وإذا بتمام كلامهم
ودعليه ، لأن كلام ابن سيد الناس يؤيد صحة الإسناد، وكلام الذهبي صريح فى
حكمه على الحديث بالوضع ، والبوطى لا يتبنى لاهذا ولا هذا ولذلك لم ينقله ،
فتمام كلام الذهبي الذي تقدم ص ٦٦ ذكر أوله الذي اقتصر عليه البوطي :
(( .... ومما يدل على أنه باطل قوله: ((ورده أبو طالب،
وبعث معه أبو بكر بلالاً )) وبلال لم يكن بعد خلق ، وأبو بكر كان.
مبيا ، .
فأنت ترى أيها القاريء الكريم كيف أن البوطى أخذ من كلام الذهبي
ما تسلح به ضد تصحيح الألباني ، وترك هذه التتمة لأنها تؤد عليه تبنيه للقصة
ولو على مرتبة ((بعض اللين))! لأن الذهبي يصوح فيها بالبطلان !! ولو أنه
كان عالماً حقاً أميناً لنقل النتمة ورد عليها بالحجة والبرهان ، ولكن
أنى له ذلك وهو عاجز عن الرد بها على الالباني ، فكيف يرد على
الحافظ الذهبي !!
فإن قيل فهذه التتمة فيها رد عليك أيضاً ، فالجواب نعم ، ولكني قد رددت
عليه مفصلا بعد أن نقلت كلامه هذا في ((الميزان))، وكلامه في ((التلخيص)»،
وكلامه في ((تاريخ الاسلام)) في مقال لي كنت نشرته في العدد الثامن من الجلد
السادس من مجلة ((المسلمون) محرم سنة ٣٧٩ تحت عنوان ((حديث تظليل الغمام
له أصل أصيل»، رداً على الأستاذ علي الطنطاوي الذي زعم يومئذأنه لا أصل له!
فمن شاء التفصيل فليرجع إليه .
وخلاصة الرد عليه من وجهين :
٦٨

الأول معارضته بتصحيح من صححه وواقه وهم جمع الأمن ئمة
كما يأتي .
والآخر : أنه لا يلزم من خطأ الثقة في جملة من الحديث أن يكون الحديث
كله منكراً أو موضوعاً، لأن الوضع إنما يثبت بكون الراوي وضاعاً كذاباً. وهذا
-منفي هنا قطعاً، وإنما يكون المتن نفسه موضوعاً بدلالة أمور علمية لاعلاقة لها
بالاسناد، وهذالا وجودله أيضاًهنا مطلقاً، اللهم إلا جملة أبي بكروبلال، فهي وحدها
المنكرة، وهذا ماصرحت بأنكاره في تخريجي للحديث في ((فقه السيرة)) للغزالي،
فكتمه البوطي أيضاً كما يأتي .
ثم أتبعت ذلك المقال بمقال آخر كتبته بتاريخ ١٣٧٩/٣ ونشر في المجلد٢٦
من هذه المجلة الزاهرة ((التمدن الاسلامي)) تحت عنوان ((حادثة الراهب بجيرا
حقيقة لا خرافة)) ص ١٦٧ - ١٧٥ رداً على من زعم أنه لا سندلها ، وقد حققت
فيه رداً لبعض الشبهات أن الراهب لم يسم مطلقاً في هذه الرواية الثابتة عن أبي
- هومى، وإنما سمى في رواية ابن اسحاق التى اعتمدها البوطى وهى ضعيفة معضلة
كما تقدم ! وفي أخرى فيها الواقدي الكذاب !!
سابعاً: قال: ((وقال عنه ابن سيد الناس: في متنه فكارة
( راجع عيون الأثر ٤٣/١))).
قلت : قد راجعت فرأيت البوطى قد بتر كلام ابن سيد الناس
كما صنع بكلام الذهبي وغيره ، فان تمامه في الموضع الذى أشار إليه
البوطي لا في غيره !
((قلت: ليس في إسناد هذا الحديث إلا من خرج له في ((الصحيح)،
وعبد الرحمن بن غزوان أبو نوح ثقة ، وقد انفرد به البخاري ، ويونس ابن
أبى إسحاق تفرد به مسلم، ومع ذلك فيه نكارة ، وهى إرسال أبى بكر
مع النبي صَّ اللّه بلالا، فكيف وأبو بكر حينئذ لم يبلغ العشر سنين)).
. قلت : فلينظر القارىء بأي وجه من دين أو خلق يستجيز الدكتور البوطى
٦٩
٠٠٠
1
------ -

طي هذه التتمة من كلام ابن سيد الناس ، وهى ترد عليه رده على الألباني .
وتؤكد مخالفته لأئمة الحديث المتقدمين منهم والمتأخرين في توثيقهم لابن غزوان
بمحاولته ((نسبة ضعف إليه)) !متشبئاً بقول الذهبي المتقدم !!
والحقيقة أن كلام ابن سيد الناس مطابق لكلامى تمام المطابقة كما يظهر
بداهة لولا أن البوطى بتره أيضاً كعادته ، عامله الله بما يستحق ، وهو فى
قوله المتقدم والآتي :
ثامناً: قال: ((والغريب أن الشيخ ناصر الدين الألباني قال عنه - رغم هذا -(!)
فى تخريجه لأحاديث ((فقه السيرة) للغزالي: إسناده صحيح)).
قلت: لست وحدي القائل، فإن تمام كلامى بعد ذكري لتحسين الترمذي إياه:
قلت: وإسناده صحيح كما قال الجزري. قال: ((وذكر أبى بكر وبلال
فيه غير محفوظة)) قلت: وقد رواه البزار فقال: ((وأرسل معه عمه رجلا)).
فأقول الآن: لقد تنبهت لأمر كنت عنه غافلا ، والفضل في ذلك يعود إلى
الحافظ ابن كثير ، فإن استنكار تلك الزيادة واعتبارها غير محفوظة، إنما هو بناء على
أن النبي صَّ اللّه لم يكن وقتئذ قد بلغ العشر سنين كما تقدم عن ابن سيد الناس،
ولا يشك أي محدث نبيه أنه لإثبات الشكارة المز عومة لابدمن إثبات السند المذكور، وأن
يكون أصح من إسنادابن غزوان راوي الحديث وفيه لزيادة حتى يجوز لنا إنكارها
ومن الظاهر من كلام ابن كثير في ((السيرة))، أنه ليس هناك إلا ما حكاه
السهيلي عن بعضهم أنه كان عمره عليه الصلاة والسلام إذ ذاك تسع سنين وعن
الواقدي عن داود بن الحصين اثنتي عشرة سنة وبمثل هذا لا يجوز توهيم الثقة؛ لأن
الرواية الأولى معضلة ، والأخرى مرسلة ، ويكفى في ردها أنها من رواية
الواقدي ، ولعل هذا هو وجه من لم يتعرض لبيان النكارة المذكورة كالترمذي
والحاكم والبيهقي . والله تعالى أعلم.
وبعد أفلاترى أيها القارى. الكريم كم في نقل البوطي عني وعن ابن سيد الناس.
٧٠
٤٠

من الإخلال بالأمانة العلمية في النقل ؟
١ - أوهم القارىء أنني متفرد بالتصحيح المذكور والواقع أنه سبقني إليه.
ابن سيد الناس والجزري كما ترى وغيرهم ممن يأتي ذكرهم قريباً .
١
i
٢ - أوهمهم أنني اقتصرت على تصحيح الاسناد دون أن أبين ما في متنه
من جملة غير مخطوطة، والواقع خلافه، بل تبعت ابن سيد الناس والجزري في استنكار
تلك الجملة التي استند إليها الذهبي في الحكم على الحديث كله بالوضع فأخطا كما سيق
بيانه ، وزدت عليهما أني ذكرت لفظ رواية البزار الذي لا غبار عليه. فكيف
استساغ الدكتور البوطي هذا النقل المبتور؟! فإذا كان لا يستحي أن يفتضح
بذالك عند القراء بعد انكشاف أمره أفلا يخشى الله ! !وصدق الله القائل: ((إنما
يخشى الله من عباده العلماء».
والحقيقة أن علماء الحديث متتابعون على تصحيح هذا الحديث وتوثيق ابن
غزوان مع بيان أكثرهم لنكارة الجملة المذكورة كما حققته في المقال المنشور في.
((مجلة المسلمون) وقد سبقت الإشارة إليه، فاليك أسماء المصحيحين له منهم:
٠
١ - الترمذي .
٢ - الحاكم.
٣ - ابن سيد الناس .
٤ - الجزري .
٥ - ابن كثير .
٦ - العسقلاني .
٧ - السيوطي .
والخلاصة أن البوطي قد خالف كل هؤلاء الأئمة حين حاول أن «يحقق في
نسبة ضعف إليه، فلم ينجح لجهله وعدم معرفته بعلم الجرح والتعديل.
مع ما جاء في كلامه من كتمان العلم، وإيثاره رواية ابن اسحاق التي.
لا إسناد لها على رواية ابن غزوان الثقة .
٧١
----
:

تاسعاً: قوله: ولم ينقل من تعليق الترمذي عليه إلا قوله : ((هذا حديث
حسن)) !
قلت : نعم فكان ماذا ?! فان تمام قول الترمذي ((غريب لا نعرفه إلا من
هذا الوجه )) فهل في هذا التمام ما يدعمه ، أم مايرد عليه ? إن البوطي يظن الأول
وذلك من جهله البالغ بهذا العلم كما سبق بيانه في الفقرة الخامسة فلا داعي للاعادة
عاشراً: قوله : ومن عادته أن يضعف ما هو أصح من هذا الحديث بكثير .
قلت : وهذا إفك وبهت مبين لا حيلة لنا فيه إلا أن يصفع به وجه
ويقال له ( هانوا برهانكم إن كنتم صادقين ) ، وإلا فان أجهل الناس وأفقهم
لا يعجزه أن يفتري مثله ، فالله حسيبه .
حادي عشر: قوله: ((وأما القدر المشترك من القصة فثابت بطرق
لا يلحقها وهن )).
قلت : علية أمور اخترنا منها :
الأولى : هذا كلام رخيص فما هو القدر المشترك من القصة ؟ ! فهلا بينه
وساق الروايات التي تؤيده ؟
الثانية قوله : فثابت بطرق كثيرة لا يلحقها وهن .
قلت : هذا زعم أيضاً ، إذ ايس للقصة طرق لا يلحقها وهن؛ إلا هذه
الطريق الموصولة عن أبي موسى ، وقد فعل الدكتور فيها ما فعل ! مع
أن الحافظ ابن كثير قال (٢٤٨/١): إنها أصح من غيرها وصححها غيره من
الائمة المتقدمين والمتأخرين، وقد ذكرت أسماءهم قريباً! فانظر إلى هذا
الدكتور كيف يتكلم في علم لا يعرفه، ولا يتبع أقوال العارفين به من العلماء
٢ - قال ( ص ١٥٥ ) في صلب الكتاب :
((احذر وأنت تبحث عن قصة الإسراء والمعراج أن تركن إلى ما يسمى
جـ ( معراج بن عباس ) فهو كتاب ملفق من مجموعة أحاديث باطلة لا أصل
.لها ولا سند ».
٧٢